قراءةٌ في دلالات مفاهيم تأصيل الاجتهاد التراثي 1

قراءةٌ في دلالات مفاهيم تأصيل الاجتهاد التراثي 1

يرتكز المقال على تتبع إشكال معرفي في فكر ابن تيمية، والمتجلي في: ما دور الإرادة الإلهية في الفعل الإلهي الخلقي، وما تأثير الإرادة الإلهية على الإرادة الإنسانية، في البعد التكليفي، وهل الإنسان عند مباشرته للفعل مجبر أو مخير؟ ولقد دعت الباحث عوامل موضوعية وأخرى ذاتية إلى انْتِخَابه، تجلَّت الأولى في: كونه إشكالًا يرتبط بالإنسان ..........

سُرْعَةُ الْـمَعْلُومَةِ وَأَثَرُهَا عَلَى الْكَيْنُونَةِ

سُرْعَةُ الْـمَعْلُومَةِ وَأَثَرُهَا عَلَى الْكَيْنُونَةِ

يقول - عز وجل - : {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}. يُسارع الناسُ في الافتتان بالأمور؛ لِـمَا يظهر لهم من آثارها العاجلة، ولخروجها عن حدِّ الطبيعة ومجرى العادة غالبًا، غير ناظرين في عاقبة أمرهم إلى الـمآلات الآجلة، ويُفضي النسق الأيديولوجي إلى إيحاد النظر في الأمور، الذي يُؤدِّي تبعًا إلى إيجاد التفسير، ممَّا يحدُّ من الاعتبارات الـمأخوذ بها حال النظر، تأطيرًا منه للفكر .......

هل للإلحادِ إمكانيَّةُ بناءِ وعيٍ؟

هل للإلحادِ إمكانيَّةُ بناءِ وعيٍ؟

منذ نشأة النظام الفلسفي في اليونان - من الناحية التأريخية، لا من ناحية إمكانية التفلسف الإنساني - والفلاسفة متفقون بالعموم على دلالة لفظة اللوغوس (Logos) على وحدة العقل واللغة، والتي تطلق بازدواجية على مفهوم العقل تارة، وتارة أخرى على مفهوم اللغة؛ ولذلك: نلاحظ أنَّ أرسطوطاليس (المُعلِّم الأول) يُنظِّر في منطقِه الصوري للحدود اللفظية كمصوِّرة للمعاني والأشياء في العقل، فنجده يُعرِّف (الإنسان) بوصفه حيوانًا ناطقًا، ولا شكَّ أنَّنا سنجد اختلافاتٍ فلسفيَّةً في تصوير هذه العلاقة، فديكارت ...........

العلماني والعلمانيّات

العلماني والعلمانيّات

العلماني والعلمنات والعلمانيّات.. بالرغم من كون هذه المفاهيم الثلاثة - "العلماني" و"العلمنة" و"العلمانية" - متعلقة ببعضها البعض بشكل واضح؛ إلا أنَّ استخداماتها تختلف بشدة في التخصصات الأكاديمية المتنوعة، وفي السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية المختلفة. والحال، أنَّ المرء بوسعه أن يفرق بين المفاهيم الثلاثة ببساطة كضربٍ من التمييز التحليلي بين ثلاثة ظواهر مختلفة، دونما أي سعي منه لتشييئهم .......

الأناركية.. من النظرية إلى التطبيق

الأناركية.. من النظرية إلى التطبيق

مع اندلاع ما سُمّي بـ"الربيع العربي"؛ طفا لفظ الأناركيّة إعلاميًا في العالم العربي، وخصوصًا في مصر. وبات لزامًا على كل مثقَّفٍ جادٍ مُلتزمٍ بقضايا مُجتمعه، التعرُّف إلى هذه الأناركية التي بدت حينها طلسمًا تفكيكيًا غامضًا. ليس بوصفها فلسفةً سياسيّة فحسب؛ بل بوصفها رؤيةً كونيّةً وفلسفةً حياتيّةً يمتدُّ نطاقها ليشمل الفرد والمجتمع، بل إنها تنطلق منهما في الأصل؛ بحُكم إيمانها بالتنظيم الحُرّ.......

إمبراطوريّة الجنسانيّة.. حوار مع جوزيف مسعد

إمبراطوريّة الجنسانيّة.. حوار مع جوزيف مسعد

مقّدمة المترجم: يواصل جوزيف مسعد، أستاذ السياسة والفكر العربيّ الحديث بجامعة كولومبيا، في هذا الحوار ما كان قد طرحه من قبل في كتابه المهمّ للغاية اشتهاء العرب (٢٠٠٧)، ولاحقًا في كتابه الإسلام في الليبراليّة (٢٠١٥)، من أنّ تعميم الجنسانيّة الغربيّة كان، بشكلٍ أساسيّ، جزءًا لا يتجزّأ من المشروع الإمبرياليّ نفسه. ويمضي مسعد في هذا الحوار الثرّ، بحججه القويّة والذكيّة، إلى كشْف النماذج الأكثر آنيّة للإمبرياليّة الثقافيّة عبر تدويل ثنائيّة الغيريّ/المثليّ على شعوب العالَم قاطبة، بالزّعم أنّ هذه الثنائيّة هي ثنائيّة كونيّة يمكن تعميمها واستدخال الذوات فيها. وبالتالي، يتعاطى مسعد مع حجج الدّاعين إلى الأمميّة المثليّة ليس عبر خطابها السياسيّ فحسب، بل على المستوى الإبستمولوجيّ والأنطولوجيّ التي تحاول أن تعمّمه وتعيد تعريف ذواتٍ لا تعرّف نفسها داخل هويّات من هذا النّوع. فنقاش مسعد الأساسيّ، وهنا تكمن جدّته وإبداعيّته، يرتكز على الأنظمة المعرفيّة التي ينطلقُ منها دعاة الأمميّة المثليّة، للقول بأنّ تعميمهم لثنائيّة الغيريّ/المثليّ على شعوب الأرض ما هو إلّا إمبرياليّة ثقافيّة وماديّة أيضًا تُمارس على هذه الشعوب التي لا تخضع لنظامٍ جنسانيّة غربيّ. ويوضّح مسعد دور المنظّمات غير الحكوميّة في تعميم هذه الجنسانيّة، ويشرح تطوّر نمط عملها عبر العالم في العهد النيو-ليبراليّ الذي نحياه.

ومن هنا، تأتّت الحاجة لترجمة هذا الحوار الرّائع والذكيّ لمسعد، بعد رواج كتابه اشتهاء العرب عربيًّا، وإساءة فهمه من قبل بعض الليبراليين العرب الذين سطحوا نقاش مسعد ولم يطرحوا أيّ حججٍ جديّة في حقيقة الأمر تضاهي حججه المعرفيّة والتي يبنيها عبر كتابه وينطلق منها لدحض إبستمولوجيّاتهم التي يُراد تعميمها إمبرياليًّا. وأيضًا، تأتّت الحاجة لترجمة هذا الحوار بعدما ترجمَ مترجمٌ مقالاً ردًّا على هذا الحوار، دون ترجمة الحوار نفسه، الأمر الذي لم يوفّر للقارئ العربيّ المادّة الأصل التي تُنقد، لإيضاح سوء الفهم الحاصل دائمًا في فهم حجج مسعد. وبالنهاية، إذا كان من أحد يستحقّ الشكر في هذا المقام، فهو البروفسور جوزيف مسعد نفسه، لكرمه الدائم، ولتشريفي بمراجعة هذا الحوار بعد ترجمته، خاصّة أنّ المفاهيم المتعلّقة بحقل الجنسانيّة ما زالت غير مبيّأة عربيًّا على نحو شائع، فالشكر الجزيل له وللأستاذ محمد أيوب على تحقيقه للترجمة. والحوار في أصله منقول عن المجلة الفرنسية (Revue des livres) في يناير/كانون أول (٢٠١٣) إلى الإنجليزيّة. وقد قامت ستيلا مانياني بلقاسم و فيليكس بودجو إيوانجيه إيبيه بإجرائه.

وأودّ أن أشيرَ إلى أنّ ما يرد في النّص على هذا الشكل [-م] هو تدخّل طفيف منّي كمترجم لإضاءة فكرة، أو لإيضاح مفهوم. وبنهاية الحوار، وضعتُ مسْردًا مصغّرًا لأهمّ المصطلحات والمفاهيم التي وردت بالمقابلة، نظرًا لأهمّيتها، وكثرتها.

 

***********

 

السؤال الأوّل: لقد جادلتَ، في أعمالك ومساهماتك الأكاديميّة، بأنّ فرض تصنيفيْ الغيري-المثليّ على العالم اللاغربيّ هو أمر لا يمكن فصله عن سياسة الإمبرياليّة وهيمنة النّمط الرأسماليّ للإنتاج. فهل يمكنك أن تشرح هذا النّهج؟

 

جوزيف مسعد: إنّ ما يجعل الحديث حول مصطلح محدّد مثل الجنسانيّة (Sexuality) أمرًا صعبًا ومعقّدًا هي تلك المساعي الأورو-أمريكيّة الدؤوبة لإضفاء سمة الكونيّة عليه، وتلك الحاجة، بل الضرورة، التي تنامت بشكلٍ ملموس في هذا السياق الأورو-أمريكيّ المحدّد منذ السبعينيّات، لطرحه كما لو أنّه كان بالفعل كونيّا دائمًا. ولا تهدف أعمالي إلى التذكير بأنّ "الجنسانيّة" تُختبَر في سياقات جغرافيّة وتاريخيّة مختلفة على نحو تباينيّ، وبأنّ لها تأويلات "ثقافيّة" مميزة تُشكّلها. بل إنّ ما أصرّ عليه هو أنّ "الجنسانيّة" نفسها، كتصنيفٍ أنطولوجيّ وإبستمولوجيّ، هي حصيلة تشكّلات اجتماعيّة وتواريخ أورو-أمريكيّة محدّدة، وأنّها تصنيفٌ "ثقافيّ" أورو-أمريكيّ ليس كونيًّا أو قابلًا للكوْنَنَة بالضرورة. كما أن تبني تصنيف "الجنسانيّة" خلال ترحاله مع الكولونياليّة الأوروبيّة إلى المواقع اللا أوروبيّة، لم يكن في السياقات التي حلّ فيها مطابقًا أو متماثلًا بالضرورة مع شكل انتشاره في أوروبا وأمريكا.

وقد حاجج جون ديميليو (John D’Emilio) منذ زمنٍ بأنّ "المثليين والمثليّات لم يكونوا دائمًا موجودين. بل هم، على عكس ذلك، نتاجُ التاريخ، وأنهم قد ظهروا إلى حيّز الوجود في حقبةٍ تاريخيّة محدّدة...مقترنة بعلاقات الرأسماليّة". ونضيف هنا بأنّ هذا ينطبق أيضًا على الرجال والنساء الغيريّين الذين هم كذلك نتاجُ حقبةٍ تاريخيّة محدّدة، وبأنّ نشوءَهم وإنتاجهم تاريخيًّا كان أيضًا محدّدًا بتلك المناطق الجغرافيّة من العالَم، وبطبقات محدَّدة فيها، طغى عليها نمط معين من التراكم الرأسماليّ، وحيث سادت أنواع معيّنة من علاقات الإنتاج الرأسماليّة.

وكما أحاجج في كتابي القادم الإسلام في الليبراليّة [ننوه بأنّ الكتاب قد صدرَ بالفعل عن دار جامعة شيكاغو عام (٢٠١٥) -م]، فإن الرأسماليّة التي تمثل كوننة وسائل الإنتاج، وعلى الرغم مما أنتجته من أشكال وأنماط حميميّة لتأطير العلاقات الرأسماليّة، إلّا أنّ هذه الأشكال والأنماط لم تُمأسَس عبر الاقتصادات والقوانين الدوليّة، وفي الممارسات الحميمية واليوميّة لمختلف الشعوب، بالطريقة نفسها. كما إنّ هذه الأشكال والأنماط لم تنتج تأثيراتٍ مماثلةً لما انتجته في الولايات المتحدة وأوروبا الغربيّة. ولا يعني هذا أن ثنائيّة مثليّ/ غيريّ كانت ناجحةً تمامًا في تنميط (Normalizing) المجتمعات الأورو-أمريكيّة، بل إنها تعمل، عوضًا عن ذلك، على مَوقَعَة نفسها بوصفها النموذج المهيمن للهويّات النّاظمة وأنها تواصل تنميط السّكان الذين يقاومونها في الغرب (بزعم أنّهم يعانون من رُهاب المثليّة المستدخَل (Internalized)، ومن الوعي الزّائف، وما شابه ذلك). ولا تختلف عدم قدرة ثنائيّة غيريّ/مثليّ والهويّات السوسيو-جنسيّة الناتجة عنها عن مأسسة نفسها بالطريقة ذاتها في كلّ مكان عن العديد من المنتجات والتصنيفات الأخرى التي ترتحلُ مع رأس المال الإمبرياليّ من المركز المتروبوليّ إلى الأطراف المتفاوتة التطور، والتي لا تُستخدَم كذلك أو تُستهلَك دائمًا على النحو الميتربوليّ (Metropolitan) نفسه.

إنّ النّظام الجنسيّ للسياق ما بعد الكولونياليّ الذي تُستدخل الهويّات الجنسيّة الغربيّة المعاصرة فيه هو أصلًا أثرٌ لإبستمولوجيا كولونياليّة كانت قد تُرجمت وكُرّرت في وقت سابق. وكما أؤرّخ في كتابي اشتهاء العرب، فإنّ التعييب الأوروبيّ على اللا أوروبيّين فيما يخصّ الشهوات والممارسات الجنسيّة كان قد استُهِلّ في فجر المواجهة الكولونياليّة، حاضًّا على خطاب ارتكاسيًّ للإدماج في (وأحيانًا، الاختلاف عن) المعايير الأوروبيّة. وما يعنيه هذا أنّ التصدير الإمبرياليّ الأحدثَ لثنائيّة غيريّ/مثليّ -وعلى وجه التحديد لهويّات المثليين والمثليّات- إنما يجري في سياقٍ قد تكبّد بالفعل عمليّة مسبقة من الترجمة. حيث أنتجت هذه العمليّة فهوماتٍ "طرفيّة" محدِّدة للشهواتٍ الطبيعيّة والمعياريّة، مدعّمةً بحججٍ وتصنيفات علميّة وطبيّة غربيّة، لكنها غالبًا ما فشلت في مأسسة نسخة مطابقة (Replica) لنسخة النظام الغربيّ للجنسانيّة.

وما أود التنويه له هنا هو أنّني لا أحاجج بأنّ هذه الهويّات الجنسيّة دائمًا ما تفشل في مأسسة نفسها داخل أو خارج الغرب أو أنّ هذا الفشل كلّيّ، بل هي تنجح وتفشلُ، على نحو متباين، عبر الطبقات والدول وفقًا لتأثير البنى الرأسماليّة، وما تنتجه من أنماط حياةٍ، ومعايير، وأنساق عيش حميميّة لطبقات مختلفة، والتي هي بدورها حصيلة للتفاوت في التطور الرأسماليّ. ففي حين أنّ رأس المال الإمبرياليّ غالبًا ما يكون مُنتِجًا لهويّات جديدة، بما في ذلك هويّات جنسيّة متناسبة مع النموذج البورجوازيّ للأسرة النوويّة غيريّة الجنس الذي ينشره حول العالم، فأيًّا تكن الهويّات الجنسيّة الجديدة التي يخلقها ويولّدها في الأطراف الخارجيّة، فإنها لا تكون دائمًا أو غالبًا قابلةً لأن تُوزّع على ثنائيّة غيريّ/مثليّ. أما سعْي دعاة الأمميّة المثليّة إلى دمْج تلك الهويّات من خلال إقحامها في إطار ثنائيّة غيريّ/مثليّ، إنما هو في حدّ ذاته عَرَضٌ إمبرياليّ ثقافيًّ لتغلغل رأس المال الإمبرياليّ لتلك الدّول، وليس حصيلةً أو أثرًا لهذا التغلغل، كونها لم تتمكن، في معظم الحالات، من إعادة إنتاج أو فرْض هويّات جنسيّة أوروبيّة معياريّة على غالبيّة السكّان. وههنا، علينا أن نضع باعتبارنا، كما ينبّهنا إدوارد سعيد، أنّ "الإمبرياليّة هي عملية تصدير الهويّة". وأنها تعمل في سياق إنتاج اللا أوروبا على أنّها آخرٌ، وأحيانًا، على أنها تقريبّا (أو بوسعها أن تكون) على شاكلة أوروبا أو ربّما مثلها.

وقد سعى جون ديميليو للبرهنة على أنّ أثر الرأسماليّة على بزوغ هويّات المثليين والمثليّات في الغرب كان حصيلة لعلاقات العمل التي تطلّبت نشوء هجرات عُمّالية طلبًا للعمل وما واكبها من نماذج سكنيّة جديدة، وتصفية أو إضعاف لأواصر القرابة والأسرة، وتطوير مجتمعٍ استهلاكيّ، وبنفس الوقت بزوغ شبكات اجتماعيّة تُنتج، وتُشكّل، وتُمفصِل شهواتٍ جنسيّة تتناسب مع هذه التغيرات، ما أدّى إلى تطور الهويّات الجنسيّة. أما إصرار دعاة الهويّات الجنسيّة على وجود مثل هذه الهويّات في عددٍٍ من الدول في الأطراف الخارجيّة بوصفها دليلَ تطوّرٍ موازٍ لما قد حدثَ في أوروبّا والولايات المتحدة، فإنما ينشدُ التعريفات الذاتيّة لقلّة من أفراد النخبة في تلك المجتمعات، ويهمل غياب البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي أدّت إلى ظهورها في الغرب.

 

السؤال الثاني: تتحدّى أعمالُك سياسة الأمميّة المثليّة المُتبنّاة من قبل المنظمات غير الحكوميّة الغربيّة (NGOs) ومن قبل شركائهم المُحتملين في العالم العربيّ. فما هي العواقب السياسيّة لهذا التحدّي، لا سيّما في الصراع ضدّ الجنسنة الغيريّة (Heterosexualization) للعالم؟

 

جوزيف مسعد: لقد سعت الإمبرياليّة الأمريكيّة النيوليبراليّة منذ الثمانينيّات –وعلى نحو مكثّف منذ سقوط الاتحاد السوفييتيّ- لأن تحلّ محلّ كلّ تنظيم ونشاط مستقل للمجتمع المدنيّ في أنحاء العالم من خلال المنظمات غير الحكوميّة التي تنشئها و/أو تحتويها، وتدرّبها وتموّلها، والتي تدين بالفضل إلى أجندة أمريكيّة مدوْلنة (Internationalized) (مصادق عليها من قبل أنطولوجيا وإبستمولوجيا جنسيّة غربيّة) تشتغل على الهويّات، والحقوق، والحوكمة (Governance)، والاقتصاد، والإدارة، والقوانين، والاستثمار والتمويل العابر للحدود، والدين، والثقافة، والفنون، والآداب، وغيرها. وكان الهدفُ هو تقويض كلّ الجهود القائمة في تلك المجتمعات لتنظيم السكّانَ ضدّ الديكتاتوريّة الموالية للغرب، والاقتصاديّات النيوليبراليّة، والسيطرة الإمبرياليّة الأوروبيّة والأمريكيّة، وهي الأمثلة الأكثر بروزًا. فتصدير نظام قيم ليبراليّ أمريكيّ بروتستانتيّ تابع لطبقةٍ وسطى بيضاء محددَة ومحدودة مقيمة في المدن بوصفه نظامًا كونيًّا للقيمِ التي يجب أن تُفرَض على بقيّة العالَم (بعد أن فُرضت على أوروبّا الغربيّة على المستويات الشعبيّة والنخبويّة) كتمهيدٍ لفرْض الفهومات الأمريكيّة حول مستقبل (نيوليبراليّ) للإنسانيّة قد استوجبَ وجود تلك المنظّمات غير الحكوميّة، والتي من شأنها أن تقوم بالكثير من التحضيرات التى قد أُعد لها بالفعل من قبل صندوق النّقد الدوليّ (IMF) والبنك الدوليّ في عقود سابقة -والتي خلقت أزمة الديون في الثمانينيّات.

من المؤكد أن هذا هو النموذج المفروض بالفعل داخل الولايات المتحدة الأمريكيّة للسيطرة على التنظيم والنشاط المجتمعيّ (Societal)، والذي حلّ محلّ الشكل التنظيمي القائم في الستينيّات من قبل المجموعات التي عارضت وقاومت التعريفات الرسميّة للدولة والمجتمع لمواطنةٍ قائمةٍ على أساس النوع الاجتماعي (الجندر) والعرق، وكذلك السويّة الجنسيّة، وغيرها من الصراعاتٍ. وكثيرٌ من هذه الطاقة كان قد تم احتواؤه في السبعينيّات وتنظيمه في منظمات غير حكوميّة مموّلة من قبل الدولة أو مؤسّسات خاصّة ذات خبرة طويلة في دفع السياسات الإمبرياليّة الأمريكيّة أثناء الحرب الباردة (وتجدر الإشارة ههنا إلى مؤسّسة فورد (Ford) كونها تمثل طليعة هذا الجهد). وستكون الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة المسرحَ الأكبرَ لنطاق تنفيذ هذا البرنامج خارج الولايات المتحدة، والتي تعرّض من خلالها المجتمع المدنيّ في غزة والضفّة الغربيّة للتدمير وأحلّت محلّه المنظّمات غير الحكوميّة الغربيّة المتّصلة بعمليّة السلام والتي تخضع للوائح التحالف الأوروبيّ والأمريكيّ مع المستعمرَة الاستيطانيّة اليهوديّة ومصالحها. وسيُقاوَم هذا الجهد سياسيًّا، في حالة غزّة وبدرجة أقلّ في الضفة الغربيّة، بيد أنه سيتخذ الشكل نفسه - أي المنظّمات غير الحكوميّة الإسلامويّة الممولة محليًّا ودوليًّا، لكن دون تمويل غربيّ.

وفي هذا السياق الذي تغدو فيه جهود تدويل المثليّة الذكوريّة (Gayness) أكثر تحديدًا وعلانية مقارنةً بجهود تدويل ما يسمّى بالاستقاميّة الجنسيّة (Straightness) والجنسانيّة الغيريّة (Heterosexuality)، الذي هو بدوره مشروع أكثر علانيةً وأقدم أمدًا، مُناصَرًا ومدافعًا عنه من قبل المثليين الذكور الأمريكيين (والأوروبيين) البيض النيو-ليبراليين -بينما تشغل النساء الأمريكيّات (والأوروبيّات) البيض المناصرات للإمبرياليّة أنفسهنّ في مشاريع حماية النساء من غير البيض حول العالم من الرجال غير البيض- الذين يسعون إلى نشر الحريّة والتحرّر للجماهير "المثليّة" من المضطهَدين في جميع أنحاء العالم، في حين كان نصف الولايات الأمريكيّة، آنذاك، يرزح تحت قوانين تجرّم المثليّة الجنسيّة (Gomosexuality) -وهي القوانين التي أصبح من الضروري إلغاؤها في ضربة واحدةٍ في عام ٢٠٠٣ من قبل المحكمة العليا بالولايات المتحدة من أجل تعزيز هذه الكوْنَنَة لأجندة القيم الليبراليّة الأمريكيّة.

في هذا السياق، أُنشِئت منظمة أمميّة واحدة فقط للمثليين العرب في لبنان، وبعض المنظمات الأخرى في إسرائيل يديرها مواطنون فلسطينيون من حاملي الجنسيّة الإسرائيلية الذين يصرّون على أنّ تبنّي ثنائيّة غيريّ/مثليّ بوصفها أداةً تعريفيّة (Definitional) هو أمر جوهريّ لنضال تحرير المضطهَدين جنسيًّا في دولهم وخارجها، في حين يدفعون عن غير قصد (وإن كانوا قد أصبحوا متعمدين في الوقت الحاضر) لقمع هؤلاء الذين لا يتبعون ثنائيّة غيريّ/مثليّ الغربيّة. فمحاولتهم لتنميط العالم العربيّ من خلال تحويله إلى نسخة من أوروبا-أمريكا، إنما تنطلقُ من اعتقادهم الخبيث والساذج بالفعل -والذي يأخذ شكلَ معتقدٍ دينيّ يتبنوه بحميّةٍ تبشيريّة- بأنّ العرب خاضعون مسبقًا إلى ثنائيّة غيري/مثليّ وأنّ المهمّة هي مجرد تحرير المثليين فيما بينهم. لكن تدخّلهم هذا هو ما يسهم بفرض الجنسنة الغيرية (Heterosexualization) على أغلبية العرب وفرض المعياريّة المثليّة (Homonormativization) على أقليّة منهم. فما تسعى تلك المنظّمات لفرضه كجزء من الأمميّة المثليّة هو نظام حكم جنسانيّ مستند إلى أنطولوجيا غربيّة حديثة العهد، تصبح من خلاله شهوات المرء الجنسيّة هي حقيقته [التشديد من المؤلّف بالنّص الإنجليزيّ -م]، وحقيقة هويّته، وحقيقة كينونته.

وتؤازرهم في هذا الجهد مجموعات الأمميّة المثليّة العربيّة في الشتات المقيمة في الولايات المتحدة وأوروبا، والتي هي جزءٌ لا يتجزّأ من الأمميّة المثليّة الإمبرياليّة البيضاء. وفي حين شخّصت غايتري سبيفاك (Gayatri Spivak)، في عهدٍ مبكرٍ، الحالة التي أراد فيها الرجال البيض أن يحموا النساء البُنيّات من الرجال البُنييّن، في عهد الأمميّة المثليّة والاستثمار والاختطاف اليمينيّ لفكرة "الفاعليّة الذاتويّة" (Agency)، فقد أصبح الموقف أكثر تعقيدًا بكثير. فما نحن بصدده اليوم هو حالة تكون فيها النساء البنُيّات (مثليّات وسويّات جنسيًّا) والرجال المثليون البُنيّون (المقيمون في المتربول الأورو-أمريكيّ وهؤلاء الذين يعملون لصالح المنظمات غير الحكوميّة بتمويل أورو-أمريكيّ في بلدانهم الأمّ)، وحلفاؤهم البيض من كلّ الأنواع الاجتماعيّة (Genders) والجنسانيّات، يعملون على حماية النساء البنُيّات (“السويّات" و"المثليّات") والرجال "المثليين" البُنيّين (في العالم الثالث وأوروبا والولايات المتحدة) من الرجال "الأسوياء" البُنيّين.

وفي هذه الأثناء، تتلقى الجهود الأمميّة للمثليّة والسويّة المؤازرة من قِبل التدويل الغربيّ لرُهاب المثليّة في أرجاء العالم التي لا وجود فيها للهويّات المثليّة ولا الهويّات المبنيّة على رهاب المثليّة. فالمنظّمات والأيديولوجيّات الأمريكيّة الدينيّة والعلمانيّة المحافظة المبنية على رُهاب المثليّة تتدخّل في جميع أنحاء العالَم لتصدير "قيم الأسرة" الأمريكيّة التي ترمي إلى جنسنةٍ غيريّة للا أوروبيّين ولإعطائهم إرشاداتٍ في رُهاب المثليّة، وهي جهودٌ متزامنة دائمًا وأبدًا ومواكب أحدها للآخر. ولا يجري تنفيذُ ذلك عبر مشاريع الهندسة الاجتماعيّة المُنجَزة من قبل المنظمات غير الحكوميّة المموّلة غربيًّا فحسب، بل حتى عبر التدخّل في التشريعات المحلية أيضًا من خلال دعواتٍ لتجريم أنواعٍ محدّدة من السلوك الجنسيّ الذي يُنظر إليه باعتباره غير مساعدٍ لمشروع فرْض الثنائيّة الأمريكيّة (Binarization) المثليّ-الغيريّ، والتي تعرَف، في هذه الحالة، بوصفها "قيم الأسرة" الأمريكيّة والمسيحيّة، في حين يلحّ الداعون إلى الأمميّة المثليّة على وجوب أن "يلغى تجريم" هوياتهم (Decriminalized) لتمرير مشروعهم بفرض ثنائيّة غيريّ-مثليّ، والذي يُعرَف في حالتهم بوصفه "تحريرًا" للأقليّات الجنسيّة. ونحن نعلم ما قد أدى إليه ذلك في حالة أوغندا حيث يتناحر دعاة الأمميّة المثليّة والمبشّرون المسيحيّون الأمريكيّون فيما بينهم، باسم الأوغنديين ظاهريًّا، وبشكلٍ متزايد مع تدخّل المبشر الأصوليّ البروتستانتيّ الأميريكيّ اليمينيّ بات روبرتسون الذي يتبنى رهاب المثليّة ورهاب الإسلام في آن واحد في أماكن مثل كينيا وزيمبابوي، حيث افتتحَ فروعًا لـمركزه الأمريكيّ لـ "القانون والعدالة". لذلك، فإن ما نراه حينئذٍٍ ما هو إلّا تصدير للحروب الثقافيّة الغربيّة إلى الخارج، حيث إنّ كلا الجانبين كولونياليّ وعنصريّ على قدم المساواة، ولدى كلاهما تصديرٌ إمبرياليّ رئيس مشترك واحد، أي إضفاء ثنائيّة غيريّ-مثليّ على العالم، والذي سوف يؤول بشكل رئيس لمأسسة الجنسنةَ الغيريّة على نحو هائل للا أوربيّين الذين ييستجيبون ويُلبّون نداء ثنائيّة [مثليّ-غيريّ -م] بقبول جنسانيّة غيريّة، وبإضفاء طابع الأقلّيّة (Minoritization) [ويمكن ترجمتها الأقْلنة، أي جعله أقلّويًّا، على وزن العقْلنة -م] على مَن يستجيب منهم ويلبي نداء الثنائية بقبول الجنسنة المثليّة، وحتى على من لا يستجيب ومن لا يلبّي الدعوة ويقوم برفض الثنائيّة تمامًا، حيث إن كلاهما أصبحا هدفين لتصديرٍ غربيّ آخر، أي رُهاب المثليّة.

 

السؤال الثالث: كيف تردّ على نقّادك الذين يتهمونك بأنّك تهمش العرب الذين يعرّفون أنفسهم كمثليين وتجعلهم غير مرئيين وبأنّك تقدّم منظمات المثليين العرب (LGBT) بوصفها منظمات عميلة للإمبرياليّة؟

 

جوزيف مسعد: لم أسعَ بتاتًا لجعل أيّ شخصٍ غير مرئيّ. ومن المؤكد أنه ّما من شيءٍ يمكنني القيام به قد يجعل العرب الذين يعرّفون أنفسهم على أنّهم "جاي" (Gay) أو "مثليّو الجنس" (Homosexual) غير مرئيين. أما هؤلاء العرب الذين يعيشون في العالَم العربيّ والذين يتبنّون هذه الهويّة بوصفها هويّة شخصيّة اجتماعيّة علنيّة ويسعون إلى تدويلها عبر قاعدة المنظّمات المموّلة غربيًّا (ويتحتّم عليّ القول بأنها "منظّمة" واحدة فقط قائمة في بيروت كي أكون دقيقًا عدديًّا) من أجل فرضها على الآخرين، فهم يُناصَرون، ويموَّلون، ويُدافع عنهم من قبل جهازٍ إمبرياليّ جبّار لا يجعلهم مرئيين فحسب، إنما يجعل العددَ الأكبرَ من العرب الذين يشتهون أو يمارسون وصالاً جنسيًّا مع شخص من الجنس نفسه أو من الجنس الآخر والذين يرفضون ثنائيّة غيريّ/مثليّ غيرَ مرئيّين، كوسيلة لتنظيم هويّاتهم، ناهيكَ عن جعل شهواتهم الجنسيّة هي حقيقتهم الباطنيّة استجابةً لمتطلبات نظام الحكم الجنسانيّ الغربيّ. فإن إنتاج العربيّ المثليّ (ومتلازمه/ا، السويّ/ة) مستندٌ على تهميش أغلبيّة العرب الذين لا تعتمد أنطولوجيًّاتهم، على هذا المكوِّن الأورو-أمريكيّ ولا على بعثاته التبشيريّة الإمبرياليّة والذين لا يعيشون في ظلّ نظام حكم الجنسانيّة الغربيّ، وهو ما يجعلهم هم غير المرئيين (Invisibilization).

لم أسمِّ "العرب المثليين" مطلقًا عملاءً للإمبرياليّة، كما يزعم دعاة الأمميّة المثليّة بالاستشهاد بكلام لم أقله. ويجب التأكيد في هذا السياق بأنّ الجناح الأكاديميّ للأمميّة المثليّة يعاني من أميّة نظريّة فاضحة. غير أنّي سبق وأن قلت إنّ العرب الداعين لأمميّةٍ مثليّة متواطئون مع الإمبرياليّة، وتواطؤهم هذا لا يختلف عن تواطؤ العرب القوميين أو العرب الإسلامويين (وفي كتابي اشتهاء العرب، أدرسُ كيف غدت المجموعات الثلاث متواطئة مع الإمبريالية الأورو-أمريكية و الاستشراق). فالحقيقة أنّ هذه المجموعات الثلاث (وفي حالة الداعين لأمميّة مثليّة، فإنّني أشيرُ إلى أولئك الموجودين في بيروت وإسرائيل) معاديةٌ للإمبرياليّة بمعنى أنّهم يقاومون الحضور العسكريّ والاقتصاديّ والسياسيّ الإمبرياليّ للولايات المتحدة أو الدّول الأوروبيّة في العالم العربيّ، وأنّهم يعارضون الحروبَ الأمريكيّةَ على العالمين العربيّ والإسلاميّ، وأنّهم يعادون إسرائيل والعدوانَ الصهيونيّ ضدّ فلسطين والفلسطينيين، وهذه حقائق تؤيدها التصريحات الرسميّة لمنظّماتهم وأدبيّاتهم. إلا أن ما أتحدّث عنه هنا هو تواطؤُ على المستوى الإبستمولوجيّ والأنطولوجيّ، حيث تبدأ تلك المجموعات بفهم نفسها عبر إبستمولوجيا وأنطولوجيا غربيّة معولمة تُنشَر عبر القنوات الإمبرياليّة. فقد بدأ القوميّون العرب في أواخر القرن التاسع عشر بالنظر إلى أنفسهم وتاريخهم عبر مفاهيم "حضاريّة" و"ثقافيّة" مستمدة من هذه الكوننة (Universalization) الإمبرياليّة. وفي الفترة نفسها، بدأ المسلمون في الحديث حول شيءٍ ما غير متبلورٍ يُدعى "إسلام" يعتبر نفسه معارضا لشيءٍ ما يُدعى "غربًا" وأنّ بعضًا منهم بدأ التفكير بالإسلام بوصفه "Religion"، والذي يترجم خطأ بأنه يعني "دين"، أو "حضارة"، وهذا أيضًا أثرٌ للاستدخال والإملاءات الإمبرياليّة والاستشراقيّة. وعلى نحو مماثل، فإنّ القلّة القليلة من العربَ المعرِّفين أنفسهم كمثليين والمنظَّمين في منظمات الأمميّة المثليّة هم أيضًا متواطئون مع نظامٍ جنسيّ إمبرياليّ يعيدُ ترتيبَ العالم حسب ثنائيّة غيريّ/مثليّ، والتي يتبنّونها تمامًا دون مساءلةٍ ويصرّون على إعادة إنتاجها ونشرها في أنحاء العالَم العربيّ باعتبارهًا طريقًا للتحرّر.

بهذا المعنى، يكمن التواطؤ الإمبرياليّ للأمميّة المثليّة، بما في ذلك أعضاؤها العرب، في مطالبتهم لكلّ العرب الذين يرفضون الهيمنة الإمبرياليّة لثنائيّة غيريّ/مثليّ بتناسي وإلغاء طريقة تفكيرهم بِكنْهِ شهواتهم، وبأن يتعلّموا ويفكّروا في شهواتهم عبر ثنائيّة غيريّ/مثليّ، وبأنّ كينونتهم وما هم عليه، وأنطولوجيّتهم ذاتها، ليست سوى ضربٍ من الوعي الزائف، الذي عليهم أن يتخلصوا منه، حيث حقيقة مَن يكونون تكمن، وفقًا لهذا المنطق، في تبنّيهم للثنائيّة الإمبرياليّة غيريّ/مثليّ التي ينبغي عليهم أن يفهموا أنفسهم وشهواتهم من خلالها، وهو الأمر الذي سيقود، حسب الأمميّة المثليّة، إلى تحريرهم.

 

السؤال الرابع: كيف تفسّر انجذاب نقّادك ودعمهم لكتاب جاسبير بوار (Jasbir K. Puar): تجميعات إرهابيّة: القومية المثليّة في أزمنة الشذوذ (Terrorist Assemblages, Homonationalism in Queer Times)؟

 

جوزيف مسعد: أعتقد أن تلك المجموعات الأمميّة المثليّة التي تعارض السياسة الخارجيّة الإمبرياليّة والقوميّة الإمبرياليّة الأمريكيّة وجدت في كتاب بوار النقديّ والمهم للغاية مخرجًا من المأزق الذي شعروا أن كتابي اشتهاء العرب قد قادهم إليه (وهم محقّون بذلك، حسب رأيي). فاشتهاء العرب (وبعضٌ من هذا سوف يُفصّل أكثر في كتابي القادم الإسلام في الليبراليّة) لا يفهم الجنسانيّة بوصفها مكوِّنا كونيًّا ذا فهومات ثقافيّة تختلفُ باختلاف الدول والثقافاتٍ المحدّدة، بل إنّ الجنسانيّة هي نظامُ حكم محدّد نشأ في ثقافةٍ محدّدة، في أوروبا الغربيّة وتمدّدها الأمريكيّ الاستيطانيّ-الاستعماريّ، وفي زمانٍ محدّد، وأنّ الجنسانيّة هي تشكّل ثقافيّ خاصّ وليس تصنيفًا كونيًّا، وأنّ الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تُنشر عبرها، والتي بالفعل نُشرت عالميّا من خلالها، هي الإمبرياليّة، وأنّ هؤلاء الذين يتبنّون تعريفاتها وثنائيّاتها ومشروعها في الكوْنَنَة عالميًّا، هم متواطئون، عن قصد أو عن غير قصد، مع تصنيفاتها. أما كتاب بوار الجيد، فينطلقُ من اعتراضٍ ليس على تعميم وكوننة الجنسانيّة أو الهويّات الجنسيّة، والتي، إن كنت قد فهمتُ بوار بشكلٍ صحيح، تُؤخذ كمعطيات لا تُساءَل في كتابها، بل على القوْمنة المحدّدة للمثليّة الذكوريّة (Gayness) في الولايات المتحدة (وفي أوروبّا أيضًا) على شاكلة "القومية المثليّة" (ابتكار بوار المهم) والشّكل الإمبرياليّ لتدويلها. وبالتالي، تجدُ منظّمات الأمميّة المثليّة، مثل منظّمة "حلم" اللبنانيّة أو منظمة "القوس" المؤسّسة في إسرائيل وداعموهم، مخرجًا من تورطّهم الإبستمولوجيّ والأنطولوجيّ مع الإمبرياليّة في ضمّ كتاب بوار المفيد للغاية والذكيّ لقضيّتهم، حيث يرون أنفسهم مناوئين للأمميّة المثليّة الأمريكيّة وأذرعها الإمبرياليّة، ومن ثمّ يبرّئون أنفسهم من تهمة التواطؤ الإمبرياليّ.

 

السؤال الخامس: لقد اشتغلتَ مؤخرًا على صيغة "الجنسانيّة في الإسلام". ووفقًا لكم، فإنّ هذه الصيغة غير كافية وتشوّش السؤال الحقيقيّ الذي ينبغي أن يُطرح من قبل الأكاديميين الغربيّين، وهو إنتاج الإسلام عبر منظار الجنسانيّة. فهل بإمكانك أن تخبرنا ما هو على المحكّ في قَلبك للسؤال رأسًا على عقبٍ؟

 

جوزيف مسعد: ما يصبو إليه مشروعي هو أن نفهم كيف يُنتَج الإسلام في خطابات الجنسانيّة في أوساط النّاشطين والأكاديميين. حيث إني أحاججُ بأنّ ما ينبغي دراسته هو إنتاج الإسلام داخل الجنسانيّة حتى نتمكّن من فهم بزوغ ميدان بحثي يسعى ويصرّ على الحاجة لدراسة موضوعٍ يسمّونه "الجنسانيّة في الإسلام". كما أسعى إلى إظهار كيف أنّ هذا الإنتاج بحدّ ذاته والذي يعمل من خلال منظومة البحث في"الجنسانيّة في الإسلام"، هو النّهج الذي تقنّع فيه هذه الخطابات نفسها، في حين أنّ ما هي متورّطة فيه هو إنتاج "الإسلام" نفسه بوصفه جوهريًّا لفهمها لكيف تلعبُ الجنسانيّة دورًا في الغرب، بل كيف يتمّ تشكيل الغرب نفسه من خلال الجنسانيّة. وهذا منهجٌ استشراقيّ قديم بطبيعة الحال، والذي بإمكاننا حتى أن ندعوه حيلةً، وهذا لا يلزم هذا النهج بأنْ يكون واعيًا لذاته، رغم كونه كذلك في بعض الأحيان.

وأعتقدُ أنّ المطلوب هو استقصاءٌ فوكويّ [نسبة إلى الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو -م] في شروط الإمكانيّة للإدلاء بمقولات تعبر عن "الحقيقة" حول "الإسلام" والجنسانيّة. فبدلًا من طرح الفرضيّات والسعي إلى كشف الآليّات التي يعمل من خلالها شيءٌ ما يُدعى الجنسانيّة داخل تصنيف الإسلام، علينا أن نبدأ، كما علّمنا فوكو، بـ"الآليات الإيجابيّة" التي تنتج هذه الإرادة الغربيّة للمعرفة. وسوف تكشفُ حصيلةُ هذا النوع من المقاربة المزيدَ عن كيف أنّ المعرفة الغربيّة عن الجنسانيّة لا تُكوِّن شيئَا يُدعى "إسلام" فحسب، بل كيف تقوم بتشكيل "أوروبا" و"الغرب"، وكيف تؤسّس دائمًا لمعياريّةً مُعرقنة [قائمة على العِرق -م].

 

***********

مسرد:

الجنسانيّة (Sexuality)

المثليّة الجنسيّة (Homosexuality)

غيريّ/مثليّ (Homo/Hetero)

الجنسنة الغيريّة (Heterosexualization)

المثليّة الذكوريّة (Gayness) 

الاستقاميّة الجنسيّة (Straightness)

فرض المعيارية المثلية (Homonormativization)

فرْض الثنائيّة  (Binarization)

الأقْلنة  (Minoritization)

الكوْنَنة  (Universalization)

 

______________________________

المصدر: جدليّة - إنجليزيّ (٢٠١٣)

ترجمة: كريم محمد

 

بؤس البروليتاريا الثقافية

بؤس البروليتاريا الثقافية

تعدَّى التحوُّل البروليتاري لزماننا حقل العمالة اليدوية، وبمعنى أشمل؛ صار كل العاملين لكسب عيشهم، سواء بأيديهم أو بعقولهم،كل هؤلاء الذين يتعيَّن عليهم بيع مهاراتهم ومعارفهم وخبراتهم وقدراتهم؛ قد صاروا جميعًا من البروليتاريا. ومن هذا المنظور؛ فإنَّ جُلَّ نظامنا الاجتماعي، باستثناء طبقة محدودة، قد تحوَّل إلى بروليتاريا. إذ إن جُلَّ خيوط نسيجنا الاجتماعي تشُدُّها جهود العمالة الذهنيّة .......