الرُّومي وأثره  في المفكرين المسلمين في العصر الحديث

الرُّومي وأثره في المفكرين المسلمين في العصر الحديث

تعود أنَّا ماري شيمل إلى (عام 1973م) لتخبرنا بالاحتفاء الحقيقي من العالـم شرقًا وغربًا بكتابات الرومي وتعاليمه؛ ففي ذكرى مرور سبعمائة عام على وفاته احتفت بلدان الهند وباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وهولندا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا وإيطاليا وسويسرا بالرومي، ونُشرت الكتب العلمية والمؤلفات المبسّطة عن الرومي في دور النشـر والجامعات. لـمَ كان الرومي مؤثرًا إلى هذا الحدِّ في ملايين الناس؟ وكيف تجلَّى تأثيره الروحي على امتداد القرون شرقًا وغربًا؟ كان هذا السؤال شاغلًا لـشيمل في دراستها .......

من الواجب إعادة ربط عالم الإسلام بمبدئه الحركي

من الواجب إعادة ربط عالم الإسلام بمبدئه الحركي

تقديم: حصل سليمان بشير ديان على دكتوراه في الرياضيات بجامعة السوربون (سنة 1982م)، ودكتوراه في فلسفة الرياضيات (سنة 1988م) تحت إشراف: Jean-Toussaint Dessanti. كما عمل مديرًا لـ(مجلة إثيوبيّات) (Ethiopiques)، وهي مجلة ثقافية سنغالية باللغة الفرنسية، تأسست (سنة 1975م) على يد الرئيس السنغالي السابق ليوبولد سيدار سنغور (Léopold Sédar Senghor). حاز على عضوية مجلة تاريخ الرياضيّات (La revue d’histoires des mathématiques) واللجنة العالمية للمجلّة الفكريّة Diogènes التي يشرف على نشرها المجلس العالمي للفلسفة والعلوم الاجتماعية باليونسكو. وقد تمَّ اختياره من طرف المجلة الفرنسية Le Nouvel Observateur في (يناير 2005م) ضمن أهم (50 مفكرًا) في وقتنا الحاضر.

من مسؤوليتنا أن ندافع عن إسلام متنور يؤمن بحرية الفكر. يحكي ديّان عن نشأته أنَّه «لـم يكن بيننا أحد متخصص في هذا الشأن، وبما أنني تربيت مع والدي الفقيه وبين كتبه؛ فقد طلب مني زملائي أن أتكفل بهذا المجال من التدريس، وذلك في انتظار وصول متخصص آخر يقوم بهذه المهمة. وبعد التجوال بين السياسة والرياضيات، وجدت نفسي في فضاء إعمال الفكر ومتابعة التقليد النظري الذي بدأه أجدادي»([2]).

يرى ديّان أنَّه: لا ينبغي أن نكتفي بتدريس الفلسفة الكلاسيكية من أفلاطون إلى جون راولز، ومن الخطأ الاعتقاد أنَّ الفلسفة اختراع أوروبي أوجدته المعجزة اليونانية. فالممارسة الفلسفية غُرست في جسد الإنسان انطلاقًا من اللحظة التي دفن فيها موتاه، وتساءل حول معنى الحياة وزيّن الأضرحة بالأعمال الفنية([3]).

نقرأ في القرآن قوله - تعالى -: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين}. أحبُّ كثيرًا هذه الآية؛ لأنَّها تحمل رسالة التعددية بالفعل. فعبارة (لو شاء) تعني أنَّه لـم يرد. وبعبارة أخرى، أنَّ التعددية وهي أمر لا مناص منه (لأنَّ الإنسان يصنع دومًا الاختلاف بقدر ما يصنع من الحرية) حالةٌ جيدة. صحيح أنَّ القرآن يقول لنا إنَّ الاختلاف ابتلاء، فعندما ألاقي الاختلاف تخضع هويتي للامتحان... بيد أنَّ كلَّ محنة يجب أن تتجاوز بفهم ضرورة التعددية. فالله لـم يرد أن يصنع شعبًا واحدًا؛ وإنَّما إنسانية واحدة، والأمران متباعدان.

لقد خلق الله شعوبًا وقبائل من ألوان وألسنة متعددة لتتعارف. فعلى عكس ما يرى الأصوليون المنغلقون (الذين يرون أنَّ كلام الله لا يترجم)، نلمس هنا دعوة إلى إنسانية الترجمة. ولقد فهم الصوفية أكثر من غيرهم السمة الإيجابية للتعددية؛ فبالنسبة إلى الصوفية ليست التعددية هي مأساة اختيار الطريق الوحيد المستقيم المنجي أمام الله. بل التعددية هي مسلك الحقيقة في الانشطار إلى أبعاد كثيرة متنوعة، وفي الشعر الصوفي تأكيد على أن لا فرق جوهريًا بين الكنائس والمساجد والبيع ولا حتى الأصنام؛ إذ محبة الإنسان لله واحدة. إنها القوة العشقية ذاتها. ومن هنا كانت الصوفية بطبعها متسامحة؛ فهي ليست سوى تعبير عن رسالة التسامح والتعددية في الإسلام([4]).

بطريقته الخاصة، المتفردة والواضحة، الدقيقة والفعالة، يجسد ديّان عالـمًا ممكنًا آخر؛ حيث يحل الانفتاح محلَّ التعصب، والحوار محلَّ المواجهات، وحيث تنشأ طريقة أخرى للفلسفة لا تقل دقة وتماسكًا عن الأمس، لكنَّها منفتحة على موروثات مختلفة عن الموروث اليوناني. نرى فيها على سبيل المثال أنَّ برجسون يقرأ من طرف الهند وإفريقيا، وأنَّ الإسلام يكتشف نيتشه، وأنَّ الفلاسفة العرب يبتكرون سبلًا جديدة.

وُلد سليمان بشير ديان بالسنغال (سنة 1955م)، وهو فيلسوف وعالـم منطق مسلم وعالمي دون أن ننسى أنَّه في الوقت نفسه صاحب اتجاه ديمقراطي ومذهب عقلاني. يتسم بكل هذه الخاصيات دون أدنى صراع بينها؛ لذلك فقد اختار العيش مع أسرته بالولايات المتحدة الأمريكية وتربية أبنائه هناك بعد أحداث (11 سبتمبر)؛ لأنَّه يرفض منطق الحرب لصالح منطق العقل، تبادل الأفكار والفلسفة.

تلميذ للويس ألتوسير وجاك دريدا بالمدرسة العليا للأساتذة بباريس Ecole Normale supérieure  ، درس بجامعة هارفارد قبل عودته إلى داكار ليشتغل بالتدريس بجامعة الشيخ AntaDiop وعمل مستشارًا للرئيس عبدو ضيوف من أجل التعليم والثقافة (1993 - 1999م). يعمل الآن أستاذًا للفلسفة الإسلامية بقسم الفلسفة بجامعة كولومبيا، حيث استقبلنا من أجل إجراء هذا الحوار.

في الوقت الذي يعاني فيه مسيحيو الشرق من الدمار وتعصب الإسلاميين، ليس من غير المهم، رغم تفاوت الأحداث، أن نهتم بالنجاح الأمريكي لفيلسوف جمع بين فلسفة التنوير وفلسفة الإسلام. هناك احتجاجات متعددة الآن تدعو إلى أسلوب الازدراء والمواجهات - التيارات الشعبوية populistes الأوروبية، نشطاء حركة الشاي (Tea Party)([5])، التيارات الإرهابية بمصر والعراق والبلدان الأخرى. بالرغم من ذلك، عندما يتحدث هذا الفيلسوف عن ابن رشد وابن سينا[6] بالقرب من(Ground Zero)([7])، يجب أن نمنحه مجالًا أوسع من الآن فصاعدًا.


من الواجب إعادة ربط عالم الإسلام بمبدئه الحركي

حوار مع الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان([1])

ترجمة وتقديم: عائشة موماد

 



* نصُّ الحوار:

 

(1) كيف تفسرون النجاح الذي تلاقيه محاضراتكم؟ على ما يبدو فهذا لا يفاجئكم:

في الحقيقة، كان تعليم الفلسفة في الإسلام من المجالات التي تلاقي أهمية كبيرة من طرف المتلقين. كان الأمر كذلك وأنا أدرّس بشيكاغو بجامعة (نورت ويسترن). لاحظتُ فضولًا شديدًا لمعرفة العالـم الإسلامي عند الطلّاب، بالطبع هذا لا يفاجئني؛ فالحرمُ الجامعي بطبيعته مكان للفضول المعرفي وحبّ الاطّلاع، والانفتاح على الآخر وقبول الاختلاف، وممَّا تجدر إضافته أنَّ تدريس الفلسفة ليس حكرًا على المختصين هنا؛ فدروس السنة الأولى من التعليم الجامعي تلقن لجميع الطلبة على اختلاف تخصصاتهم. أمّا مادة تاريخ الفلسفة فتعدّ إلزامية لكل طلبة السنة الثانية. يجب على الأنظمة التعليمية بأوروبا وإفريقيا أن تتبنى هذه المقاربة([8]).

 

(2) كيف تعرّفون الفلسفة الإسلامية في بضع كلمات إن أمكن ذلك؟

بالنسبة إليّ أفضّل الحديث عن (الفلسفة في الإسلام)([9]) للإشارة إلى المصطلح اليوناني المعرّب للفلسفة، الذي ظهر مع بداية القرن التاسع، والذي يكمل تقليد الفكر الفلسفي الإغريقي والهلنستي داخل المراكز الثقافية للعالـم الإسلامي، أما بالنسبة إلى التعريف فهو نفس تعريف الفلسفة، بغض النّظر عن بعض التلوينات الخاصة بهذه الثقافة أو تلك، يتعلق الأمر بالمطلب نفسه؛ ألا وهو مساءلة المسلّمات.

 

(3) لكن هذه المساءلة النقدية للموروث في عالـم الفكر الإسلامي المعاصر تبدو أقل فاعلية:

قبل الحديث عن ذلك أودّ التذكير أنَّه ابتداء من نهاية القرن السادس تأسست مدارس علم الكلام النظري حول أسئلة فلسفية كبرى. نجد في قلب التأملات الفلسفية في الإسلام إشكاليتي الجبر والاختيار المتـعلقة بالتساؤلات حول العدل الإلهي، العلاقة بين الذات والصفات الإلهية المتعددة، خاصية كلمة الله المخلوقة أو اللامخلوقة... هذه المساءلة الفلسفية الخاصة بالعالـم الإسلامي، تنشأ من قراءة القرآن وتفسيره([10]).

 

(4) هل القرآن هو المصدر الوحيد للفلسفة في الإسلام؟

لا بالتأكيد، هناك تساؤلات أخرى أُفرزت من جرّاء مقارنة ومقابلة العالـم الفكري والروحي للدين الإسلامي بالنظريات الفلسفية الإغريقية، وقد انتشرت هذه الأخيرة عندما تُرجمت الأعمال الإغريقية إلى اللغة العربية. تمت الترجمة في البداية من اللغة السريانية، وقد قام بها مفكرون مسيحيون نساطرة، مستأنسون بالفلسفة اليونانية. أعطي مثالًا عن إحدى مشاكل هذه المقابلات: كيف يمكننا فهم الفكرة الإبراهيمية حول خلق الله للعالم، بينما عند الإغريق وخاصة عند أرسطو؛ فإنَّه من غير المنطقي على الإطلاق أن نضع أي فرضية مخالفة لأزلية العالـم؟

 

(5) ما هي في نظركم نتيجة هذه المقابلات؟

هي ضرورة التوفيق بين الدّين والفلسفة؛ إذ ليس من قبيل المصادفة أن يؤلف الفيلسوف الأندلسي الشهير ابن رشد (ت: 1198م) مؤلفًا بعنوان: "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"([11])، يمكن اعتباره بمثابة فتوى حول الإيمان العقلاني.

في اعتقاد ابن رشد، فحقيقة الإيمان لا يمكن أن تعارض حقيقة العقل. هذا الموقف يذكرنا بموقف الحداثيين أمام معارضة الكنيسة للعلم. نتيجة هذا القول الفصل لابن رشد، يجب الإصغاء إلى المسائل الإيمانية، أي تفسيرها بطريقة توافق ما يقوله العقل.

 

(6) لنعد إلى العصر الحديث، ألم تتغلب الدوغمائية الدينية على الحس النقدي والبحث العقلاني داخل العالـم الإسلامي عمومًا؟

علينا أن ندقق في هذا الحكم. صحيح أنَّه ابتداء من القرن الثالث عشر، عرف العالـم الإسلامي تحجرًا فكريًّا قضى على الانفتاح العقلاني، ومنع من إمكانية تقبل ما يكتشفه عقل الإنسان، الذي لا تعترضه في مساره البحثي سوى العقبات التي فرضتها عليه قيوده الداخلية. لكن ولحسن الحظ، قد ظهر في عصرنا الحديث مفكرون كبار حملوا على عاتقهم مهمة خلق قدرات إبداعية جديدة؛ لأنَّه من الواجب ربط العالـم الإسلامي بجوهره الحركي. ويعد العلامة الهندي محمد إقبال )1877 - 1938م( من أهم هؤلاء المجددين؛ حيث عبَّر عن مشروعه الإصلاحي في أهم مؤلف له: «تجديد الفكر الديني في الإسلام».

 

(7) لقد خصصتم لمحمد إقبال أول كتاب باللغة الفرنسية حول أعماله([12])، كما تصرون في آخر مؤلف لكم "برجسون ما بعد الكولونيالي ((Bergson post-colonial"، على التأثير الذي مارسه برجسون في فكر إقبال، كيف يمكن أن نربط بين فيلسوف الزمن والدافع الحيوي l’élan vital، والمفكر الذي كان أبًا لباكستان؟

ساهم برجسون في زعزعة الرؤى الثابتة للعالـم([13])، وأثبت أنَّ الوفاء الحقيقي يكمن في التغيير([14]). لـم يقرأ محمد إقبال لبرجسون فقط؛ بل قابله بباريس سنة (1932م).

الآن وأكثر من أي وقت مضى، يجب أن نؤكد على قيمة هذا الحوار بين فيلسوف يعد ابنًا لإسرائيل رغب انجذابه إلى اعتناق المسيحية، وبين مسلم هندي أتى بمشروع إصلاحي حول كوسمولوجيا القرآن([15]).

 

________________________________________

* من مؤلفات الدكتور سليمان بشير ديان:

-        Boole, l’oiseau de nuit en plein jour (Berlin 1989).

-        Traduction des lois de la pensée de Gorges Boole (Vrin 1992).

-        Islam et société ouverte, la fidélité et le mouvement dans la pensée de Mohamed Iqbal (Maisonneuve & Larose 2001).

-        الإسلام والمجتمع المفتوح، الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال (ترجمة السيد ولد أباه).

-        Logique pour philosophes (Dakar 1991).

-        Reconstruire le sens, textes et enjeux de perspectives africaines (Dakar 2001).

-        100 mots pour dire l’Islam (Paris 2002).

-        Léopold Sédar Senghor: L’art africain comme philosophie (Rive-neuve éditions 2007).

-        Comment philosopher en Islam (Éditions de Panama 2008).

-        Bergson postcolonial (CNRS 2011).

 



([1]) حوار أجراه الفيلسوف والصحفي الفرنسي روجيه بول دروا (Roger Pol-droit) مع الفيلسوف سليمان لبشير ديان بجريدة لوبوان (le Point) الفرنسية بتاريخ (20/ 01/ 2011م).

انظر المقال بالفرنسيَّة في:

Rencontre avec Souleymane Bachir Diagne « IL FAUT RECONNECTER LE MONDE DE L’ISLAM À SON PRINCIPE DE MOUVEMENT».

([2]) الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان: «الماضي لا يصوغنا، ولكن نحن الذين نخلقه بحركتنا الذاتية»، ترجمة: محسن الزكري، صحيفة الراكوبة، بتاريخ (04 نوفمبر 2011م).

([3]) المصدر نفسه.

([4]) [Philosophie Magazine] Le Coran (Hors série n°25 mars-avril 2015).

([5]) حركة حزب الشاي(TPM)  هي حركة أميركية شعبية سياسية معترف بها عمومًا من قبل المحافظين والليبراليين.

([6]) يدرس البشير ديان مختلف حوارات التقاليد الإسلامية بدءًا من أبي حنيفة وانتهاء بمحمد إقبال، مرورًا بابن سينا وابن رشد، ويدعو المفكرين المعاصرين كإميل بينفينيست لوضع الإسلام داخل إطاره الفلسفي، لكنَّه عندما يقوم بالتركيز على الأفكار الفلسفية الغربية أو الأشكال المعاصرة للمنطق؛ فذلك من أجل دمجهم داخل طرق التقليد الفلسفي الإسلامي. من مقال:

Souleymane Bachir Diagne: "Le Coran est un livre ouvert à bien des lectures; Oumma; 10/07/2010"

([7]) هي منطقة في مدينة نيويورك أنشئت بعد مشروع مانهاتن والحرب العالمية الثانية (عام 1946م)، بني بها برجا مركز التجارة العالمي في الستينيات. ثم انهار البرجان بعد أحداث (11 سبتمبر 2001م).

([8]) يصعب أن نتفلسف في الإسلام في أثناء الظروف الدولية الراهنة، كما يقول سليمان البشير ديان؛ حيث التوترات والصعوبات الاقتصادية الهائلة، لكن مهمة كل شخص هي طلب إمكانية التفلسف أمام المستحيل. لا يمكن بناء هذه الممارسة الفلسفية انطلاقًا من خيانة مفروضة أو إخلاص مطلق. الحياة تحثنا على الفلسفة شئنا أم أبينا. تلك أبدية البعد الإنساني.

([9]) يعمل سليمان البشير ديان على فصل مصطلح الفلسفة عن أي صفة دينية أو قومية، مبتعدًا بذلك عن منطق الانتماء والهويات، فعلى الفلسفة أن تُأسس في أي مكان وزمان، وعليها أن تصبح قادرة على التحدث عن الأشياء والنصوص والحكايات المبنية داخل التقليد الإسلامي.

لاحظ ديان وجود بعض الأسئلة الفلسفية المتعلقة بخلافة النبي وأخرى متصلة بأفكار أخرى لـ (أفلوطين، وأفلاطون، وأرسطو، ونيتشه، وبرجسون)، وكذلك مختلف الترجمات والحوارات التي تدور في فلك هذه التساؤلات، بذلك قام بالتذكير بالمكانة التي احتلتها الفلسفة عبر التاريخ الإسلامي.

بهذه الطريقة، ينتشل ديان الفلسفة والفيلسوف من العلاقة المعقدة التي تنشأ بين الإخلاص والخيانة الفكرية داخل الدين الإسلامي. ويقود القارئ إلى التفكير في معنى إخلاص المؤمن وسط ما يسميه (الحركية والتعددية) مقابل أي: (توتر ضد الزمن والاختلاف).

([10]) يوضح الفيلسوف الأندلسي ابن رشد أنَّ القرآن يعالج كل أشكال القياس عند البشر، القياس البلاغي والجدلي والبرهاني. ويقول ديان في هذا الصدد إنَّ القرآن كتاب مفتوح لقراءات متعددة، والقراءة الفلسفية من ضمن هذه القراءات.

([11]) قدم ابن رشد نظرية متميزة ومهمة في مسألة العلاقة بين الشريعة والحكمة، أي بين الدين والفلسفة، المسألة التي شغلت جميع الفلاسفة من الكندي والفارابي والغزالي وابن سينا. فيقول: أن لا تعارض بين الدين والفلسفة، أي لا اختلاف بين الأمرين (الشريعة والحكمة). وإذا كان هناك تعارض، فهو بين ظاهر نص ديني وقضية عقلية، ويرى بأنَّ حلَّه متاح بالتأويل وفقًا لقواعد وأساليب اللغة العربية.

([12]) Islam et société ouverte, la fidélité et le mouvement dans la pensée de Mohamed Iqbal (Maisonneuve & Larose 2001).

الإسلام والمجتمع المفتوح، الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال.

([13]) من التجارب التي أثرت في العلامة محمد إقبال، لقاؤه بالفيلسوف الفرنسي هنري برجسون. كان هذا الأخير في قمة مجده بعد نظرية التطور الخلاق التي لاقت إعجابًا كبيرًا من طرف محمد إقبال الشاب. دافع فيها برجسون عن فلسفة الحياة وفكر الحركة ومنظور (حيوي) للواقع، بدلًا من تقليد الفلسفة التأملية الموروثة من الفلسفة اليونانية.

يقول ديان: إنَّه انطلاقًا من قراءة برجسون، حاول إقبال إيجاد أسباب التراجع المفترض الذي عرفه العالم الإسلامي كما حاول المساهمة في تجديدٍ تام للثقافة الإسلامية. فإن لـم تستطع الثقافات الإسلامية مواكبة الحداثة؛ فلكونها قد أصابها الجمود منذ القرن الثالث عشر، فافتقدنا بذلك حيوية الفكر الإسلامي للعصور الأولى. فقد جعلت السلطات الدينية من التفسير القرآني مجرد تمرين استظهاري للتأويلات القديمة، مدينة أي تفسيرات جديدة للنصوص المقدسة. فأصبح النظر إلى التقدم التاريخي للزمن على أنَّه مسألة سلبية وعنصر أتى لإفساد الإسلام (النقي) تدريجيًّا. وهذا ما يفسر، وفقًا لمحمد إقبال، أنَّ العالـم الإسلامي المعاصر لـم يكن قادرًا على أخذ مكانته في التطور العلمي والاقتصادي والثقافي خلال القرن التاسع عشر، وفي مواجهة تلك المعوقات، أراد إقبال أن يضع الإسلام داخل (حركية) كي يعيد له حيويته ويستعيد أمجاد التقليد الإسلامي التي توقفت في القرن الثالث عشر.

بعد استلهامه لفكرة برجسون التي تقول بأنَّ «الثقافة والدين والخلق بأكمله ليسوا سوى أشياء حيَّة»، دافع إقبال عن ضرورة إعادة قراءة القرآن، من أجل إحياء مفاهيمه داخل عالم متغير الملامح. وهذا هو معنى التجديد لدى محمد إقبال. (من مقال:

Mohammed Iqbal: Un penseur d’un autre Islam ; Nicolas Hautemanière; Les Clés du moyens Orient; 02/09/2014).

([14]) ما يلحّ عليه إقبال في تحليله لمسألة الشريعة الإسلامية هو (المنهج الفقهي)، وشَرَك القياس الذي جمَّد موقع متأخّري الفقهاء. لقد نسي هؤلاء أنَّ سير الحياة المتشابك والمعقَّد لا يمكن أن يخضع لقواعد مقرَّرَة تُستنبَط استنباطًا منطقيًا عبر منهج آليّ لا يعبأ بالحياة. معضلة الفقه الإسلامي يمكن أن تلخَّص في مفارقة الفقهاء الذين -وإن أدركوا ما للواقع من شأن- فإنَّ المتأخرين منهم خاصة جعلوه أمرًا ثابتًا إلى الأبد (محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام).

([15]) يبقى الإنسان هو نقطة الوصل بين البرجسونية وعلم الكون القرآني. الإنسان عند إقبال، هو الكائن الذي يسعى نحو توحده من خلال الحركة، ومن خلال رغبته في التأثير في العالم والمشاركة في تحقيق كماله.

Diagne, Souleymane. — Comment philosopher en islam ? Cécile Jarnot ; Cahiers d’études Africaines ;[En ligne], 206-207 | 2012, mis en ligne le 04 juin 2012,URL: http://etudesafricaines.revues.org/14386.

معضلة الجندر في فرنسا

معضلة الجندر في فرنسا

أدان العلماء المحافظون والنّشطاء الكاثوليك في فرنسا "نظريّة الجندر" التي يعتقدون أنّها توجّه قرارات حكومة فرانسوا هولاند الاشتراكيّة. فقد خرجوا في الشوارع رافعين لافتاتٍ قائلين “لا لنظريّة الجندر"، و"نريد الجنس، لا الجندر"، و"دعوا لنا قوالبنا الجندريّة المعهودة". وأنشأوا مواقع إلكترونيّة مثل موقع المرصد لنظريّة الجندر (Observatory for the Theory of Gender). ونظموا مجموعاتٍ شاملة.

 

وفي ديسمبر الماضي، أطلق بعضهم -حاشدين عبر الإيميلات والتغريدات والرسائل القصيرة- “يوم الإحجام عن الذهاب إلى المدرسة"، حاثّين الوالدين أن يحفظوا أطفالهم في البيت يومًا واحدًا بالشهر كردّ فعلٍ على تفشّي "نظريّة الجندر" في المدارس العموميّة.

 

وتقاطعًا مع الاعتراضات القوميّة العنيفة والحادّة ضدّ زواج المثليين الذي ابتدأ في ٢٠١٣، فإنّ هذا الاهتياج يُظهر للعلن أزمة قوميّة واسعة بشأن الجندر والأسرة. وجنبًا إلى جنب مع المنعطف النيوليبراليّ للشيوعيّة الفرنسيّة وصعود الجبهة الوطنيّة، تسلّط الأزمة الضوء على أبعادٍ مُهملة وشنيعة للسياسة الفرنسيّة المعاصرة، متعلّقة بشأن الجندر، والهجرة، والإنجاب، وحدود العلمانيّة والكونيّة.

 

يقدّم كتاب المؤرّخة كميل روبسيس، قانون القرابة (The Law of Kinship)، طريقًا لفهم تلك القوى. إذ يشير الكتاب إلى أنّ هذه الجدالات المعاصرة -والتي قد أدهشت المراقبون داخل فرنسا وخارجها على حدّ سواء- تنتمي إلى قصّة طويلة للكونيّة الفرنسيّة واعتمادها على الأسرة غيريّة الجنس (heterosexual). وما يلي هو مقابلة مكثّفة مع كميل روبسيس، حيث تشرح فيها لماذا تبدو فرنسا مهووسة جدًّا بالجندر هذه الأيام.

 

وروبسيس هي أستاذة التاريخ في جامعة كورنيل. وقد حاورها لصالح جاكوبين كيفن دونج (Kevin Duong)، وهو مرشّح للدكتوراه في النّظريّة السياسيّة بجامعة كورنيل.

 

***********

معضلة الجندر في فرنسا

حوار مع المؤرّخة الفرنسيّة كميل روبسيس

المصدر: مجلّة جاكوبين

 

ترجمة: كريم محمد

 

** في حين أنّ نظريّة الجندر في الولايات المتحدة تشير عادةً إلى جرأة أكاديميّة، فيبدو أنّها تحمل معنى واسعًا في هذه الجدالات الفرنسيّة.

 

-أظنّ أنّ الأمر الأول للاتضاح هو أنّه ليس هناك “نظريّة للجندر". وكما تشير، كان التنظير للجندر باعتباره مفهومًا، وباعتباره الغشاء الاجتماعيّ/ الثقافيّ للجنس، في واقع الأمر وبالمقام الأوّل جرأة أكاديميّة بالولايات المتحدة الأمريكيّة (وإن لم يكن حصرًا، لأنّ القانون والسياسة يستعملان أيضًا مصطلح الجندر كمرادفٍ للجنس). لكن لا توجد "نظريّة الجندر" بحدّ ذاته: إنّها مجرّد استراتيجيّة خطابيّة ابتكرتها مجموعات محافظة ليعارضوا الحقوق المتساوية للمرأة وللمثليين.

 

وليس هناك إجماع فعليّ على ما تتكوّن منه "نظريّة الجندر"، حتى في أوساط منتقديها. ومع ذلك، فقد رأت النور كتبٌ عدّة بفرنسا في السنوات الأخيرة تحاول أن تشرح أصول وتأثيرات هذه "النظريّة" (أو الأيديولوجيا، أو الأجندة كما يُطلق عليها عوضًا عن ذلك)، بعناوين مثل لا لنظريّة الجندر، والتعليم في عصر الجندر، أو الجندر: جدال.

 

وبحسب هذه المصادر، وُلدت "نظريّة الجندر" في الأكاديميا الأمريكيّة وبالأخصّ في أقسام دراسات المرأة، حيث تمّ تشكيلها (وفقًا للمصدر) من قبل الماركسيّة، والتفكيك، وما بعد الحداثة، والنِّسويّة -مع كلّ تضمّناتهم الأخرى: العدميّة، والنسبويّة، والنزّعة البنائيّة (constructionism)، والراديكاليّة. وباعتقادهم، لقد تمّ تعميم المفهوم في صلب المنظّمات الدوليّة مثل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبيّ، وعُمّم، محليًّا، في صلب الحزب الاشتراكيّ.

 

وفي داخل السّياق الفرنسيّ، عادةً ما يتطرّق النّقاد إلى مسألة كتب البيولوجيا المدرسيّة لعام ٢٠١١، حينما عرّفت الكتب المدرسيّةُ الجديدة لطلّاب المدارس الثانويّة على فكرة الجندر المُحدّد على أنّه مُكتسَب اجتماعيًّا، بدلًا من كونه شيئًا بيولوجيًّا. ويشيرون أيضًا إلى حملة (ABCD de l’Égalité)، وهي حملة انطلقت في عام ٢٠١٣ لمهاجمة القوالب النمطيّة الجندريّة في التعليم الابتدائيّ.

 

وقد أصبحت وزيرة التعليم الجديدة، نجاة فالو بلقاسم، هدفًا للمجموعات المُحافظة بسبب تورّطها في هذه الحملة بوصفها الوزيرة السابقة لحقوق المرأة. إذ إنّ تلك المجموعات قلقةٌ من أنّ بلقاسم ستواصل دعم وتعزيز "أيديولوجيا الجندر" بالمدارس في منصبها الجديد.

 

إنّ فكرة "نظريّة الجندر" التي يجري تعليمها وتدريسها في المدارس هي فكرة يُنظر إليها باعتبارها فكرة مقلقةً ومثيرة للقلق على نحو خاصّ، ليس بسبب أن الأطفال يُتصوّر أن يكونوا عرضةً للأفكار الراديكاليّة فحسب، وإنّما أيضًا بسبب أنّ المدارس في فرنسا -المجانيّة، والإلزاميّة، والعلمانيّة- قد لعبت دورًا من النّاحية التاريخيّة باعتبارها قوّة موجِّهة متميّزة لدمْج المواطنين في الأمّة.

 

ومن النّاحية العمليّة، يخشى هؤلاء الآباء من أنّ أطفالهم سيعلَّمون المثليّة الجنسيّة، والاستمناء، والتحوّل الجندريّ (transgenderism) -وعلى نطاق أوسع، من أنهم سيصبحون مواطنين يعتنقون العدميّة، والنسبويّة، والراديكاليّة، والنّزعة البنائيّة الاجتماعيّة، وكلّ القيم التي يعزونها إلى "نظريّة الجندر".

 

** يبدو أنّ مثل هذا الجدال قد شقّ طريقه للظهور على السّطح بصورة مفاجئة جدًّا في السنوات القليلة الماضية. فهل هذا صحيح؟

 

-حسنًا، إنّ الطريق الذي أودّ صوغه هو أنّ الجدال حول "نظريّة الجندر" عاود الظهور بقوّةٍ خاصّة منذ تمرير قانون زواج المثليّين في ٢٠١٣، والمعروف باسم "الزّواج للجميع". وعلى الرّغم من أنّ الإصلاح كان واحدًا من وعود حملة هولاند، فقد أطلقَ العنان لمعارضة فاجأت العديد من المعلّقين خارج وداخل فرنسا، نظرًا إلى القبول النسبيّ للمثليّة الجنسيّة في المجتمع الفرنسيّ واللامبالاة المنتشرة الظاهرة في مؤسّسة الزواج.

 

في هذه الجدالات، كانت النّقطة الأساسيّة للنّزاع هي البنوّة (filiation)، أو حقوق الوالدين. وعلى الرّغم من أنّ قانون الزّواج للجميع لا يُجيز التقانات الإنجابيّة للأزواج من الجنس نفسه، فقد فتح الباب للتبنّي، وتركّز كثير من النّزاع على ما إذا كان الأطفال الذين نشأوا في أسرٍ من الجنس نفسه يمكن ويجب الاعتراف بهم من قبل القانون [أم لا]. وركّزت معظم شعارات وملصقات المتظاهرين على مشكلة الإنجاب هذه.  

 

وينطوي الإنجاب بطبيعة الحال على رؤية معيّنة للأمّة، وهذا هو الموضع الذي يجتمع فيه الجندر وزواج المثليين. وفي كثيرٍ من هذه الحجج المعادية للجندر، يتمّ تصوير زواج المثليين باعتباره مطلبًا قادمًا من أعضاء يساريين للأحزاب السياسيّة والفكريّة المستوحاة من قبل ضربٍ من ضروب النّزعة بنائيّة الراديكاليّة التي يعتقدون أنّ "نظريّة الجندر" تمجّدها.

 

وقد صدر مؤخرًا كتابٌ من تأليف ثلاثةٍ من النّشطاء البارزين المعادين للجندر يصوغ ذلك الأمر على نحو جميل: من نظريّة الجندر إلى الزّواج من الجنس نفسه: تأثير الدومينو (From the Theory of Gender to Same-Sex Marriage: The Domino Effect). وتصوّر صورة الغلاف طفلاً صغيرًا مسحوقًا تحت هبوط أحجار الدومينو، وتحت "نظرية الجندر"، و"زواج المثليين"، و"الأبوّة المتعددة" (multiparenting)، و"التقانات المساعدة على الإنجاب"، و"تأجير الأرحام" (surrogacy). ووفقًا لهذا المنطق الخَطِر، فإنّ التقانات الإنجابيّة (والتي هي غير قانونيّة في فرنسا للأزواج من الجنس نفسه) وتأجير الأرحام (اللاقانونيّة بالكليّة) تنجم حتمًا عن القانون.

 

تنبثق "نظريّة الجندر"، بعبارة أخرى، بوصفها السببَ والنتيجة على حدّ سواء لزواج المثليين. فإذا سُمحَ للمثليّين بالإنجاب؛ فمن الذي سوف ينجم عن هذه العمليّة؟ وماذا سُتشبه الأسرة، والأهمّ من ذلك، وماذا سيكون المستقبل، والاجتماعيّ، وماذا ستشبه الأُمّة؟ وبطريقةٍ مماثلة، إذا تمّ تعليم الأطفال أن يساءلوا القوالب النمطيّة الجندريّة وأن يفكّروا حول هويّتهم الجنسيّة بوصفها أكثر مرونةً بمساعدة "نظريّة الجندر"، فأيّ نوعٍ من المواطنين سيصبحون؟ وما هي المعايير التي ستحكم عالَمنا؟

 

** في كتابك: قانون القرابة، تشيرين إلى أنّ هذه النّزاعات المعاصرة في فرنسا حول الجندر والبنوّة يمكن أن تُفهم على نحو أفضل من حيث التاريخ الطويل لـ"النّزعة العائليّة" (familialism) في فرنسا. إذ يساعدنا هذا التاريخ في رؤية كيف أنّ الإنجاب، والتماسك الاجتماعيّ والقوميّ، وبلاغة الكونيّة تتضافر تاريخيًّا معًا في الأسرة.

 

وكما ترين، تفترض النّزعة العائليّة ارتباطًا وثيقًا بين القرابة والتنشئة الاجتماعيّة. و تصبح الأسرة، في المقابل، المكان الأصليّ لتصوّر الجسد الاجتماعيّ الفرنسيّ. فهل بإمكانك أن تفصّلي في هذه الفكرة؟

 

-خرج كتابي إلى النور في مايو ٢٠١٣، وهو الشّهر نفسه الذي وُقّع فيه نهائيًّا قانون الزّواج للجميع، وما كان مدهشًا هو رؤية كيف أنّ السياق السياسيّ كان يؤكّد على كلّ شيء قد حاججتُ به في الكتاب! أقول مدهشًا ولكن مخيفًا أيضًا، لأنّه من المهمّ أنْ نتذكّر العنف الفعليّ الذي شهدته فرنسا أثناء هذه الأشهر.

 

ولعلّكم تذكرون حالة ويلفرد دي بروين (Wilfred de Bruijn)، والذي تعرّض للضرب في شوارع باريس بينما هو في طريقه للبيت مع صديقه [البويفريند]، أو حالة كليمان ميريك (Clément Méri)، وهو الطالب الذي يبلغ ١٩ عامًا المتورّط في سياسة الجناح اليساريّ -بما في ذلك المنافحة من أجل زواج المثليين- والذي كان عُرضةً للموت من قبل الهمجيين ذوي الصلّة بمجموعة اليمين المتطرّف التي تحتجّ على القانون. وأثناء التظاهرات، أعلن رئيس مجموعة الاحتجاج الكبرى، "في حال أراد هولاند الدّم، فسوف ينال بعضًا منه"، وأظهر الجدال البرلمانيّ للعيان بعضًا من اللغة الأكثر إهانةً وخبثًا التي لم تُسمع مطلقًا في الجمعيّة الوطنيّة.

 

وعلى أيّ حال، اهتممتُ في كتابي، كما ترى، بهذا التاريخ الطويل لـ"النّزعة العائليّة" في فرنسا. إذ أردتُ أن أفهم لماذا قد حازت الأسرة غيريّة الجنس بمثل هذا الدّور الأساسيّ في الثقافة السياسيّة الفرنسيّة. ففي حين أنّه في الولايات المتحدة تركّز الكثير من النّقاش حول حقوق المثليين في عام ١٩٩٠ على الزواج، كان حجر العثرة الرئيس في فرنسا -ولا يزال- هو الإنجاب.

 

وتُعتبر الأسرة بطبيعة الحال أمرًا مهمًّا من الناحية السياسيّة في كلّ مكان، لكن ما حاججتُ به في كتابي هو أنّه منذ القرن التاسع عشر، فإنّ القانون المدنيّ الفرنسيّ قد شكّل الأسرة غيريّة الجنس باعتبارها تأسيسيّةً وقِواميّة للاجتماعيّ. بعبارة أخرى، تُعتبر الأسرة بوصفها أفضل وحدة لتنظيم التضامن وبناء الإجماع السياسيّ، الأكثر كونيّة والصيغة الأكثر قابلية لتجريد (abstractable) التمثيل الاجتماعيّ، والتعبير الأنقى عن الإرادة العامّة.

 

وهذا ما أسمّيه "العقد الاجتماعيّ الجمهوريّ". ويمكن لهذا الاتصال الطويل والدّائم بين الأسرة والجمهوريانيّة (republicanism) أن يساعدنا في فهم السبب في أنّ القوانين المؤخرة المتعلّقة بالبيوتيقا (bioethics)، والزواج من الجنس نفسه، والأسر ذات العائل الواحد، وأسماء العائلة، وتأجير الأرحام، وتبنّي المثليين كانت مثيرة للجدل جدًّا في فرنسا.

 

ويمكن أن تفسّر أيضًا لماذا أنّ بعض الحجج التي تبدو غريبةً من هذا الجانب للمحيط الأطلنطيّ أتت في طليعة الجدالات الفرنسيّة. كانت الحجّة الأولى التي تواترت على مدار التسعينيّات، والتي أختبرها بتوسّع في الكتاب، هي الأشكال البديلة للأسرة طارحةً مشكلةً أساسيّة على مستوى "الرّمزيّ"، والتي قد تسبّب ذهانًا وفوضى اجتماعيّة.

 

ولإدراك هذه النقطة، انعطفَ القضاةُ والمشرّعون إلى الأنثربولوجيا البنيويّة والتحليل النّفسيّ؛ إذ في الواقع، توسّلوا ببعض أكثر الأفكار غموضًا وصعوبةً لكلود ليفي شتراوس وجاك لاكان. وحجّتي هي أنّهم وجدوا في البنيويّة مبرّرًا للمركزيّة الكونيّة والعابرة للتاريخ للاختلاف الجنسيّ في كلّ أشكال التنظيم النّفسيّ والاجتماعيّ. فقد وفّرت البنيويّة لهم سبيلًا لتحاشي ما كان تاريخيًَّا وجغرافيَّا وسياسيًّا، وحتى إمبريقيًّا في الجنسانيّة والقرابة، وتحدّد لهم عوضًا عن ذلك تصنيفاتٍ موجزة وكونيّة ومعياريّة.

 

يمكن لهذا التاريخ من التفكير في الأسرة غيريّة الجنس باعتبارها تأسيسيّة للاجتماعيّ ومرادفةً للجمهوريانيّة أن يساعدنا في أن نفهم بشكلٍ أفضل السبب في أنّ المناهضين لزواج المثليين سيقدّمون باستمرار زواج المثليين و"نظريّة الجندر" على أنّهما تصديرٌ أجنبيّ، وباعتبارهما نتاجًا لليبراليّة الجامحة أو للتوتاليتاريّة -وفي كلتا الحالتين، بوصفهما لا جمهورييْن ومعارضيْن أساسًا للثقافة الفرنسيّة.

 

إنّ المنطق الذي يكمن وراء هذه الادعاءات هو أنّ تغيير بنية الأسرة سيسبّب بالضرورة نظامًا سياسيًّا جديدًا، نظامًا ليس فرنسيًّا بشكلٍ حازم.

 

**هذا يثير سؤال مَن يكون نقّاد "الجندر" بالضبط. إذ تبدو الثقافة الفرنسيّة علمانيةً للغاية، من منظور الولايات المتحدة الأمريكيّة. وفي أمريكا، اعتدنا أن نحتجّ ضدّ المساواة الجنسيّة الآتية من اليمين الدينيّ.

                    

وقد ذكرتِ أنّ الكاثوليك المُحافظين قد نشطوا في الحركة بفرنسا، لكنّك تلاحظين أيضًا أنّه قد نُشرَت الحججُ العلمانيّة حول دور الأسرة في العقد الاجتماعيّ الجمهوريّ. فمن أين يأتي نقّاد "الجندر" -اليمين الدينيّ، واليسار الجمهوريّ، أم كلاهما؟ 

 

-بالتأكيد فرنسا ليست هي البلد الوحيد الذي شهدت فيه هذه الإشكالات انقسامًا عميقًا، لكن في الولايات المتحدة، كما تقول، لا مشكلة لدى اليمين أن يتذرّع بالدّين أو بالأخلاقيّة للدفاع عن الأسرة الإنجابيّة غيريّة الجنس.

 

وكان أحد اهتماماتي في الكتاب هو فهم لماذا انعطف القضاة والسياسيّون والمفكّرون في كلّ اليمين واليسار إلى مفكّرين أمثال ليفي شتراوس ولاكان لتثبيت معارضتهم على الاعتراف القانونيّ بالأسر غير التقليديّة. ويمكنك أن ترى هذا أثناء الجدالات التي دارت حول قوانين البيوتيقا عام ١٩٩٤ أو مشروع قانون الشراكة المحليّة عام ١٩٩٩.

 

وفي فرنسا، لم تحلّ البنيويّة محلّ الدين تمامًا، لكنّها قدّمت بالتحديد نموذجًا للخبرة المعياريّة الترنسندنتاليّة، وهي الخبرة التي لديها ميزة كونها في انسجام تامّ مع فهم الذات الحديث والعلمانيّ للثقافة السياسيّة الفرنسيّة.

 

وإنّ واحدًا من الاختلافات اللافتة بين فرنسا وأمريكا هو أنّه في تلك الجدالات حول البنوّة في فرنسا، غالبًا ما يكون معكسرا اليمين/اليسار غير واضحين. لذلك فإنّ المقاومة ضدّ المساوة الجنسيّة قد أتت بالفعل من اليمين والعالَم الكاثولويكيّ في المقام الأوّل.

 

ولكن أثناء التسعينيّات، انضم إليهم عددٌ من السياسيين والمفكّرين في اليسار الجمهوريّ الذين اعتقدوا بقوّة بأنّ بنية الأسرة لم تكن أمرًا مفتوحًا للنقاش -على سبيل المثال،  السوسيولوجيّ (Irène Théry)، والمحلّل النّفسيّ (Jean-Pierre Winter)، أو الأنثربولوجيّ (Françoise Héritier). وبعضٌ من هؤلاء، فيما يبدو، قد تغيّرت آراؤهم منذ التسيعنيّات، ولكن في الوقت الذي كانوا مصرّين فيه على أنّه رغم أنّ الأسر من الجنس نفسه والأسر ذات العائل الواحد قائمة وموجودة، فيتحتّم على القانون ألّا يعترف بها قطعًا.

 

وأثناء هذه الموجة الأخيرة للاحتجاجات ضدّ زواج المثليين وضدّ الجندر، كان للكاثوليك حضورٌ وصخبٌ أكثر بكثير. وإلى حدّ ما، يجب أن تُفهم حالة فرنسا بوصفها جزءًا من محاولةٍ أوسع للدفاع عن الأسرة الإنجابيّة غيريّة الجنس من جانب الفاتيكان واليمين المسيحيّ العالميّ. ومع كلّ ذلك، فقد أنذرَ بالفعل جوزيف راستنغر والبابا يوحنا بولس الثاني العالَم الكاثوليكيّ من الآثار الضارّة للجندر.

 

بيد أنّ المثير للعجب هو أنّ معظم هؤلاء النّشطاء والعلماء الكاثوليك الفرنسيين لا يستعملون حججًا دينيّة. بدلًا من ذلك، فإنّهم يحاولون استعادة القيم التي كانت أساسيّة في الثقافة السياسيّة الفرنسيّة، مثل الجمهوريانيّة، والكونيّة، والإنسانويّة، والجنسنة الغيريّة لهم. إذن، تأتي "نظرية الجندر" لتعمل ككلمة مفتاحية لفهم المعايير التي هي معايير تاريخيّة ومتغيّرة، وبوصفها معارضةً لفهم بنيويّ للإنسانيّ متجذّرًا في الاختلاف الجنسيّ.

 

وعلى سبيل المثال، فإنّ حركة (Manif Pour Tous) تعني حرفيًّا التظاهر من أجل الجميع. وهذا صدى واضح من اسم الحكومة للقانون، الزواج من أجل الجميع (mariage pour tous). إذ كان هذا "الوسْم" للمشروع بوصفه مشروعًا كونيَّا (في مقابل "زواج المثليين" الخصوصويّ (particularistic)) استراتيجيًّا من جانب داعمي ومروّجي القانون، والذين سعوا إلى تكريسه في صُلب تقليد الكونيّة الجمهوريّة -أو، يمكننا أن نقول، سعوا إلى صياغته وفقًا إلى الثقافة السياسيّة الفرنسيّة.

 

وبالتالي، تشير الحقيقة القائلة إنّ حركة (Manif Pour Tous) المعادية لزواج المثليين قد تبنّت أيضًا بلاغة الكونيّة إلى صراعٍ حقيقيّ يدور حول تعريف وحدود هذه الكونيّة. فهل ستكون الكونيّة الجمهوريّة قادرة على التكيُّف مع الأسر من الجنس نفسه أم ستظلّ غيريّة الجنس أساسًا كما يرغب هؤلاء المتظاهرون؟

 

وهناك مجموعة أخرى أطلقت على نفسها (Printemps Français)، أو الرّبيع الفرنسيّ، وزعمت بأنّ غاندي، ومارتن لوثر كينج، وأنتيجون، يمثّلون رموزها. ولم يذكر بيانُهم الرّسميّ بتاتًا حتى الزّواج من الجنس نفسه. بالعكس، يدّعي أنّه بمثابة تمرّد "من الأسفل، ضدّ نيوليبراليّة الأوليغارشيّة السياسيّة والماليّة والإعلاميّة"، وأنّه بمثابة "دمقرطةٍ للرّوح النقديّة"، ومعركة من أجل الدّفاع عن "الإنسانويّة".

 

بطرقٍ عدّة، تتبنّى هذه المجموعة بعضًا من الاستعارات والحركات الكلاسيكيّة للشعبويّة (populism). إذ تزعم كونها انبثقت "عفويًّا" باعتبارها إرادة حقيقيّة للنّاس، وللأقليّة الصّامتة، ولـ"الطبقة الثالثة" الجديدة إن استعرنا من (Béatrice Bourges)، وهو أحد قائدي الحركة. إذ يطالبون بأعمال تمرّد مدنيّ بانتظامٍ وباستفتاء لتحاشي عملية التمثيل السياسيّ المحكوم عليها بالفساد في لبّها وصميمها.

 

ما أجدهُ لافتًا حقًّا ههنا هو أنّ ذلك هو شكلٌ من أشكال الشعبويّة التي تتوسّل بالإنسانويّة والكونيّة. إذ يقدم [هذا الشكل] نفسه بوصفه زوْدًا عن مجموعةٍ محرومة الحقوق (العائلات غيريّة الجنس التي تنتمي إلى طبقة وسطى عاديّة يوميّة) تتمرّد ضدّ القلّة ذات الامتياز (الطبقات السياسيّة والفكريّة الاشتراكيّة والمثليّة) باسم الناس والشّعب -ولكن ليش شعبًا معيّنًا، إنّه شعبٌ كونيّ! لذلك أعتقد أنّنا نرى ههنا صراعًا مرة ثانية، وهو صراع حول الكونيّة والماهيّة الفرنسيّة (Frenchness)، وحول الأمّة.

 

**أودّ أن تتابعين الحديث حول هذه النّقطة. وكما أشرتِ في كتابك، فإنّ واحدًا من اللوازم المشتركة المسموعة في النقاشات المتعلّقة بالزّواج من الجنس نفسه كانت أنّه يقود إلى "جماعانيّة" (communitarianism) على الطراز الأمريكيّ، والتي تعارض الكونيّة الجمهوريّة الفرنسيّة.

 

فكيف يرتبط هذا بالهجمات الأخيرة على "نظريّة الجندر"؟ ولماذا تمّ تفسير شبح "نظريّة الجندر" بمصطلحات قوميّة، باعتباره معاديًا لفرنسا؟

 

-إنّ أحد التطوّرات اللافتة في النّقاشات التي تدور حول زواج المثليين منذ بداية التسعينيّات هي أنّ هذه البلاغة للجماعانيّة في واقع الأمر كانت أقلّ انتشارًا بكثير ممّا كان عليه الحال في السّنوات السّابقة. إذ للصّراع على الجمهوريانيّة والجماعانيّة تاريخٌ طويل في الثقافة السياسيّة الفرنسيّة، وهو الصّراع الذي يمكننا تتبّعه من بداية الثمانينيّات والذي كان غير مقتصرٍ على الجنسانيّة (sexuality).

 

لكن من حيث الجوهر، وبمصطلحاتٍ مبسّطة جدًّا، ترتكز فكرة الكونيّة الجمهوريّة إلى ما قد وصفه المؤرّخ جون سكوت (Joan Scott) بأنّهما "تجريدان ذات صلةٍ ببعضهما البعض: تجريد الفرد وتجريد الأمّة". فخلافًا للنّظام الأمريكيّ الذي تعمل الحكومة فيه باعتبارها وسيطًا بين المصالح الخصوصيّة المتضاربة، فإنّ الكونيّة الفرنسيّة تتصوّر وتتخيّل بأنّ ممثّلي الحكومة سيكونون قادرين على تجريد خصوصيّاتهم (الدينيّة، والاقتصاديّة، والعمليّة، إلخ) من أجل التّحدث باسم المجموع ككلّ.

 

وعلى مدار الثمانينيات والتسعينيات، اختُبرَت الكونيّة الفرنسيّة على محكّ "خصوصيّات" بعينها -لا سيّما الجندر، والإسلام، والمثليّة الجنسيّة- لم تكن تُعتبَر "قابلة للتجريد" (abstractable) بما يكفي ليتمّ "استيعابُها" من قبل البراديغم الكونويّ (universalist). إذ بالنسبة إلى المنافحين عن هذه الجمهوريانيّة الصّارمة، فإنّ الحجاب، على سبيل المثال، قد مثَّلَ رابطًا أساسيًّا بمصلحة خاصّة (الإسلام)، ومثّلَ شكلًا من أشكال الجماعانيّة المتعارِضة جوهريًّا مع فرنسا.

 

وفي المعسكر الثاني، اقترحَ كثيرون بأنّه كان من الممكن ارتداء الحجاب مع الالتزام بقيم الجمهوريّة. وهكذا، ردًّا على قانون ٢٠٠٤ الذي يمنع ويحظر "العلامات البيّنة" للانتماء الدّينيّ في المدارس العموميّة، فقد خرجت كثيراتٌ من طالبات الثانويّة في شوارع باريس مرتديات أحجبةٍ بيضاء وزرقاء وحمراء حاملين لافتاتٍ "نعم للحجاب، نعم للتسامُح، نعم للائكيّة".

 

وخلال التسعينيات، فقد تغلغلت بلاغةُ الجمهوريانيّة في النّقاشاتِ الدائرة حول حقوق المثليين. وحينما ناضل النُّشطاء من أجل (PACS)، وهو مشروع الشراكة المحلّية الذي تمّ التصديق عليه في عام ١٩٩٩، فقد أطَّروا المشروع بتأنٍّ في مصطلحاتٍ كونويّة، باعتباره قانونًا لكلّ الأزواج، المثليين والغيريين على السّواء، لتفادي تعريضه للنّبذ والرّفض باعتباره [قانونًا] “جماعانيًّا"، وباعتباره يلبّي مصالح مجتمع المثليين حصرًا. وتمّ الزّعم بسبب كلا الجانبين كونه يعمل وفقًا للمبادئ الجمهوريّة بأنّ حججًا جديدةً، لا سيّما الآتية من الأنثربولوجيا البنيويّة والتحليل النّفسيّ، قد جاءت إلى الواجهة.

 

وإنّ جزءًا من السّبب حول لماذا كانت بلاغة الجماعانيّة أقلّ انتشارًا بكثير في ذلك الوقت إنّما يرجع إلى الحقيقة بأنّ مروّجي القانون ارتكزوا إلى الفكرة القائلة إنّ مشروع الزّواج للجميع كان في وِفاقٍ تامّ مع القيم الحديثة والعلمانيّة والكونويّة للجمهوريّة الفرنسيّة.

 

وفي خطبها البرلمانيّة، كانت كريستيان طوبرا (Christiane Taubira) حذرة في تضمين قانون الزّواج للجميع في التّاريخ الطويل للزّواج المدنيّ بفرنسا، من الثورة، إلى الطلاق، إلى حقوق المرأة، وهو ما قد أسمته "تاريخًا جمهوريًّا بشكلٍ حازم". فالزّواج المدنيّ، كما أعلنت، يمكن أن يكون الآن "كونيًّا حقًّا" -ومن ثمّ تقترح ببراعةٍ تمامًا بأنّ زواج الغيريين كان "جماعانيًّا" بالفعل في شكله الحالي. وقد لعب النّشطاء المؤيدين للزواج أيضًا دورًا مع بلاغة الجماعانيّة والكونيّة بالادّعاء بأنّ ما كان جماعانيًّا هو فكرة الاتحادات المدنيّة للمثليين بحدّ ذاتها، والتي استحسنها نيكولاس ساركوزي وكثيرون من اليمين. 

 

وبالأمس القريب، في المسيرات المعادية لزواج المثليين، يمكننا أن نرى بوضوح مرة ثانية كيف أن مسألة الأسرة في فرنسا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجمهوريانيّة كما قد تبنّى كثيرٌ من المتظاهرين المعادين لزواج المثليين جهارًا شعاراتٍ ورموزًا كانت مرتبطةً تقليديًّا باليسار الجمهوريّ.

 

على سبيل المثال، فقد ارتدى بعض المتظاهرين مثل (Mariannes) بعصر الثورة قبّعات فريجيّة وفساتين قرويّة بيضاء، وانتقصوا من زواج المثليين بينما يتشبّثون بالقانون المدنيّ (civil code). وبتعريف تلك الرّموز الجمهوريّة بالدّفاع عن الأسرة غيريّة الجنس، يصبح زواج المثليين بالأساس أجنبيًّا، وجماعانيًّا.

 

ويمكننا أيضًا ههنا أن نذكرَ شتّى الإحالات إلى الإرهاب والتوتاليتاريّة في هذه النّقاشات. إذ رسمت واحدةٌ من المجموعات المعادية لزواج المثليين، جماعة (Hommen)، فرنسوا هولاند وهو يمشي يدًا بيد مع هتلر وستالين، مُهاجمةً مرّة ثانيةً هذا القانون الجديد باعتباره معاديًا للديمقراطيّة، ومعاديًا للجمهوريّة، ومعاديًا لفرنسا.

 

وكانت بلاغة الانتماء القوميّ مثيرة جدًّا أيضًا داخل الحملة المعادية للجندر. أعنيّ أنّ استخدام المصطلح الإنجليزيّ "جندر" في اللغة الفرنسيّة بالفعل يشير إلى أنّ المفهوم غريب وأجنبيّ بالأساس عن المجتمع الفرنسيّ، وغير قابل للترجمة بنهاية المطاف. وما هو مضحك ههنا بالأحرى هو أن كثرةً من الأكاديميين الأمريكيين انعطفوا نحو مفكّرين فرنسيين (ألتوسير، لاكان، فوكو، ليفي شتراوس، بوفوار، وآخرين) لتطوير هذه الفكرة حول الجندر.

 

كنتُ أقرأ مؤخرًا نصًّا كتبه الفيلسوف تيبو كولين (Thibaud Collin)، والذي قد كتبَ بتوسّع ضدّ "نظريّة الجندر"، وكنتُ مستمتعةً برؤية كيف أنّه يخطئ تهجئة اسم المنظّرة النّسويّة (Monique Wittig) مرّتين بأنّه "Monica Wittig”، وكيف أنّه يقتبس من الترجمة الإنجليزيّة لأعمالها بدلًا من الأصل الفرنسيّ. والنِّسويّة الرّاديكاليّة، كما يلمح كولين، هي استيرادٌ أمريكيّ، متعارضٌ جوهريًّا مع فرنسا.

 

ويمكننا في هذا السياق أن نتطرّق إلى الهجمات ضدّ جوديث بتلر والتي اتخذت منعطفًا عنفيًّا بخاصّةٍ في فرنسا، مع بتلر الآتية لتجسيد ليس فقط "نظريّة الجندر" وإنّما أيضًا المثليّة، والأبوّة المثليّة (gay parenting)، واليهوديّة (Jewishness). ففي أكتوبر ٢٠٠١، على سبيل المثال، قاطع أعضاء من جمعيّة (Renouveau Français)، وهي جمعيّة فاشيّة جديدة سارت بانتظامٍ في احتجاجاتٍ معادية لزواج المثليين، حفلَ منْحِ جوديث بتلر دكتوراه فخريّة في جامعة بوردو (Bordeaux).

 

متّشحين بملابس مغايرة لجنسهم، قاطعَ أعضاء من جمعيّة (Renouveau Français) جوديث بتلر أثناء إلقائها كلمتها ورفعوا علامات وإشاراتٍ مثل: “أريدُ شواربَ" و"أودّ أن أصير دولفينًا، فهل أستطيع؟". وردًًّا على حدث جامعة بوردو أيضًا، فقد انتشر فيديو بتوسّعٍ على مواقع كاثولويكيّة ويَمِينيّة مهاجمًا بتلر و"نظريّة الجندر" باعتبارها "نظريّة عرْقيّة تسعى إلى شرْعنة المثليّة الجنسيّة" وباعتبارها "ثمرة المثليَّات اليهود-أمريكيين"، مثل جوديث بتلر وآن فاستو سترلينج (Anne Fausto-Sterling).

 

تفصح الجدالات والنّقاشات الدائرة حول الجندر والإنجاب عن قلقٍ أساسيّ ليس فحسب حول الجنسنة الغيريّة (heterosexualization) للأمّة، وإنّما أيضًا حول العرْقنة (racialization) النّاجمة عنها.

 

وفي دفاعها الحماسيّ عن زواج المثليين في مجلس النوّاب، ارتكزت توبيرا (Taubira)، وهي التي تنحدر أصلًا من غويانا الفرنسيّة، إلى الطّابع الجمهوريّ للقانون، حول الفكرة القائلة إنّه من شأن هذا الطّابع أن يفضي إلى تحقيق العدالة والمساواة لكلّ أطفال فرنسا. وكما "فَرْنسَت" (francified) توبيرا العائلات من الجنس نفسه، فقد عرْقَنَها خصومُها وأجْنبوها. وبالتالي، فقد رسم أحد ملصقات مجموعة (Manif Pour Tous) ردفها [على هيئة] طفل مع القانون المدنيّ (Civil Code). ومثّلها ملصقٌ آخر كأنّها تقطّع فروع شجرة العائلة مع منشار سلسليّ (chain saw)، ومثّلها آخر بوصفها غوريلا عملاقة تهدّد فرنسا.

 

يحدث الشيء نفسه مع نجاة فالو بلقاسم في هذه اللحظة. وعلى الرّغم من بلقاسم وُلدت أساسًا في المغرب، فهي ليست فقط مجرّد مواطنة فرنسيّة وإنّما هي نتاج مثاليّ للنّظام الأكاديميّ الفرنسيّ المعتمد على الجدارة بوصفها متخرّجة من معهد الدراسات السياسيّة المرموق بباريس. وفوق ذلك، فقد أثارت العديد من الهجمات ضدّ بلقاسم حول مسألة الجندر سؤال خلفيّتها الإسلاميّة أيضًا. وكما صاغت ذلك المجلّة اليَمِينيّة (Valeurs Actuelles)، كانت بلقاسم بمثابة "آية الله" جديد "يريد أن يعيد تعليم وتربية أطفالنا". وكرّة أخرى، يتم تصوير "نظريّة الجندر" كنظريّة متعنّتة، وتوتاليتاريّة، وأجنبيّة، ومعدية للغاية.

 

إنّ الالتقاء بين العنصريّة، ورُهاب الإسلام، ومعادة الساميّة في هذه الاحتجاجات ضدّ زواج المثليين أمرٌ كاشف للغاية، وإنّه ليسلّط الضوء على الرّهانات الحقيقيّة للنّقاش: فالأمر ليس مجرّد نقاشٍ حول الجندر كمفهومٍ أكاديميّ أو حول زواج المثليين كقانونٍ خاصّ، وإنّما حول مستقبل فرنسا كأمَّة.

 

فهل ستظلّ الجمهوريانيّة الفرنسيّة برديغمًا مُغلقًا متجمّدًا في الزمن، أم ستكون قادرةً على استيعاب التنوّع الحقيقيّ القائم والموجود في فرنسا اليوم؟         

                 

تهافُت التديُّن البورجوازي

تهافُت التديُّن البورجوازي

البورجوازية (bourgoisie) لفظة فرنسية يتواتَر استخدامها في أدبيات علم الاجتماع، وفي الأدبيات الماركسيّة على وجه الخصوص. أهم دلالاتها وأكثرها شيوعًا هي الدلالة على طبقة اجتماعيّة مدينية تتكوَّن من الشرائح العليا والمتوسِّطة للطبقة الوسطى. طبقة من التجار وأصحاب الحرف والمهنيين تملك حدًّا أدنى من أدوات الإنتاج (رأس المال أو المعرفة التقنية أو المهارات الذهنية.. إلخ) يُتيح لها دخلًا "مستقلًا"، ويجعل منها مُنتجًا لفائض القيمة، ومن ثمَّ مُنتجًا للقيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية "المحافِظة"، وحارسًا عليها. وهي الطبقة التي قادت تاريخيًّا عمليّة التصنيع والتوسُّع الحضري في الغرب، وكانت نواة النظام الرأسمالي الليبرالي.

لماذا الإسلام أجدر بقيادة البشرية؟

لماذا الإسلام أجدر بقيادة البشرية؟

يستمد المسلمون أحقية سعيهم إلى قيادة البشرية من التصور الفلسفي القائم على «الرَّيبية الموجَبة»([1]) بوصفها شرط الإيمان المؤسس للعلم النسبي، ذلك أن العلم النسبي هو الوجه الآخر للإيمان باختصاص الله بالعلم المحيط، فالرّيبية إذن هي الحل الإسلامي للمسألة العلمية التي تخوله حق قيادة الإنسان استخلافيًّا.

عرض كتاب «السرعة والسياسة»

عرض كتاب «السرعة والسياسة»

يعلن المؤلف منذ البداية أن كتابه يعدّ “مقالة في الدرومولوجيا”Essai de Dromologie. وهي عبارة نحتها المؤلف انطلاقا من اللفظة اليونانية Dromos التي تعني “مضمار السباق”كما تعني “الطريق التي تربط بين معبدين”. لذلك يمكننا ترجمتها مبدئيا بـ “علم السرعة”. هذا العلم أحياه المؤلف في سبيل دراسة إنسان القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين من جهة علاقته بالزمن من زاوية السرعة (الحيوية) وليس من زاوية المدة (الوقت) كما في السابق. لذلك لُقّب فيريليو بـ “فيلسوف السرعة”. وتأتي أبحاثه في سياق الأسئلة الفلسفية التي ما انفك الفكر الغربي يطرحها، منذ توماس هوبز Thomas Hobbes، حول الدولة، ومنذ ديكارت Descartes مرورا بهيدجر Heidegger وحنا أرنتHannah Arendt وغيرهم حول التكنولوجيا.

النَّرجسيُّون.. الكبار أشخاص سامُّون

النَّرجسيُّون.. الكبار أشخاص سامُّون

 

يوضّح الدّكتور لوران شميت، في كتاب مثقِّف "الحفلة الرّاقصة "للأنا"، الصّادر عند أوديل جاكوب أنّ الأشخاص ذوو الأنا المتفاقم يتسبّبون في أضرار، لا شكّ فيها.

هذا الطَّبيب المُمَارِس، المنسِّق في قطب طبِّ النّفس لمستشفيات تولوز، يدُقُّ ناقوس الخطر من اندلاع النَّرجسيَّة المعاصرة.

 

النَّرجسيُّون (الكبار أشخاص سامُّون)[1]

حوار صحفي مع الطبيب النفسي لوران شميت (Laurent  Schmitt)

أجرى معه الحوار كرستيان بيلافيا (Christian Bellavia) لمجلّة (L'Express)

ترجمة: سليم القرقني

 

(1) ننظر، عمومًا، إلى النَّرجسيَّة المتفاقمة كعيبٍ غير خطير. لماذا تعتبرون، بالعكس، أنَّها صارت مشكلة للحياة في المجتمع؟

لأنِّي وجدت، ولست الوحيد في هذه الحال، تزايد المرضى الذين يعانون من ضيقٍ (قلق) مرتبط بمشكلات في العلاقات.

إنَّهم يعيشون مع أو يخالطون أشخاصًا مُحْتقرين (مُهينين)، ذوي (أنا) متضخِّمة، يحرمونهم ويُجَرِّدونهم وينكرونهم ويتبرَّؤون منهم ويزدرونهم، وهذا ممَّا يؤثِّر كثيرًا في احترامهم، تقديرهم لذواتهم.

الحاجة إلى أن يُسمع، إلى أن يُعترف به والمعاناة لعدم حصول ذلك تعبِّر عن نفسها بقوّة متزايدة.

 

(2) كيف تُعرِّفون (الإِڨو(l'Ego).

في اللُّغة المشتركة، المصطلح يدلُّ على الكبرياء والغرور ورُؤية الذَّات المبالغ فيها، إلى حدٍ ما.

الشعور النفسي، يعني لي، طريقتنا التي نكون بها في العالم، شخصيَّتنا وكذلك قدرتنا على التَّحكُّم في الدَّافع والباعث، مع إظهار الاهتمام والتَّعاطف واللطف.

(الإِڨو) هو نسيجنا والوعي الذي لدينا بأنفسنا.

 

(3) فيمَ يختلف عن النَّرجسيَّة؟

النَّرجسيَّة هي أحد عناصر (الإِڨو).

لمَّا تكون مُتضخِّمة، نتحدَّث عن (نرجسيَّة مُفْرطة).

هناك نرجسيَّة أوَّليَّة، التي تسمح لنا (بالتَّعرُّف) إلى أنفسنا في شخصنا بالكامل. ونرجسيَّة ثانويَّة، التي من طبْعنا، تربطنا مع الآخرين.

الأشخاص (النَّرجسيُّون بإفراط) يحافظون على توازنهم النَّفسي بفضل الإطار الاجتماعي الذي يُرْضيهم ويُمْتِعهم والتّقدير الذي يثيرونه، في البداية.

ولكن، لـمَّا تكون الشّروط غير مُجْتمعة (متوفِّرة)، على إثر انفصال، انقطاع علاقة عاطفيَّة أو مرض مثلًا؛ فهؤلاء، أيضًا، قد ينهارون.

 

(4) هل توجد نرجسيَّة حسنة وسيِّئة؟

كلُّ شخص يحتاج إلى أن يشعر بالثّقة بالنّفس، إلى أن يكون قادرًا على تأكيد ذاته والاستثمار، ويحتاج أن يؤمن (يعتقد) بمواهبه وأن يكون مستقلًّا ...

وهو ما يسمّيه أرسطو (الأنانيَّة الحسنة)،philautia, Ethique à Nicomaque.

في (أخلاق نيكوماك).

تتمثَّل في الحدّ الأدنى، (الفيزيولوجي) تقريبًا للنَّرجسيَّة؛ تلك التي يجب أن ينْقُلَها الوالدان إلى أطفالهم لكي يرى هؤلاء أنفُسَهم كإنسان راقٍ ذي جودة، ذي نوعيّة ممتازة.

ثمّ هناك اضطرابات النّرجسيّة:

إمَّا أن تكون للشّخص رؤية متدهورة كثيرًا عن نفسه؛ لكونه تعرّض لمطالب مبالغ فيها أو احتُقِر بشكل دائم، أو إمَّا العكس، يعتبر نفسه كعظيم واستثنائي، وهو ممَّا يمكن أن يكون وسيلة لتعويض سلسلة من الشّقوق، كحالة من كان هو الأقلّ حبًّا من بين إخوته أو من واجه إعاقة جسديّة، كمثال (Talleyrand,) الذي عانى من حنف القدم.

 

(5) كبار النَّرجسيّين، هل هم سامّون؟

نعم؛ وبشكل كبير في بعض الحالات.

بما أنّ لهم رؤية بلا حدود عن أنفسهم وينقصهم التّقمّص العاطفي وهم غالبًا ما يكونون في منافسة مستمرّة؛ فهم يُحْدِثون حولهم سلسلة عواطف، من الإعجاب إلى الإهانة، مرورًا بالشّعور بالظّلم.

الشّخص الذي يجد نفسه أمام نرجسيّ كبير، دائمًا ما ينتهي بطرح السّؤال:

هل هو يتلاعب بي، هل يريد التّقليل من شأني؟

هذا التّأثير الهدّام قد يقود بعض الأشخاص، الأكثر هشاشة، إلى الانتحار.

 

(6) هل يسبّب هذه المشاعر عمدًا؟

في حالة المنحرف النّرجسي الذي يطبّق استراتيجيّة لجرح الآخر: نعم.

ولكن عمومًا، ليست نيّة (النّرجسيّ الكبير) النّرجسيّ المُفرَط.

هذا الأخير، يريد (فقط) السّيطرة على الآخرين، أن يكون الأوّل.

واحدة من المريضات، مثلًا، كانت متزوّجة من رجل أعمال صغير، يستخفّ بها باستمرار، قائلًا لها: «أنتِ موجودة بفضلي أنا، فقط، أنا من قدّم لكِ وظيفة، إلخ».

المنهج لـم يكن منحرفًا بالمعنى الحرْفي؛ فالزّوج حدّد نواياه وكان صادقًا قدْر الإمكان.

أمّا المنحرف فيبدأ بالإغراء، ثمّ يغيّر خطّته وينتهي باستبعاد الآخر وتدميره.

 

(7) ماذا يحدث عندما يكون هذا النّوع من الأشخاص زميل عمل أو مديرًا؟

يسعى للتألّق على حساب الآخرين، يسعى لجذب مزايا كلّ عمل لنفسه ويسعى لإزاحة أعضاء فريقه.

النّرجسيّ الكبير يحتقر المساوين له (مَن يعدله)؛ لكي لا يخالط إلَّا من يمكنهم مساعدته، أو من يكونون بمثابة موطئ قدميه في حياته المهنيّة.

إنَّه قد يكون السّبب، لـمَّا يكون في حالة تفوّق (كمركز، منصب) في اضطرابات مرتبطة بالتّوتّر كآلام في المعدة، أوجاع في الرّأس وآلام في العضلات

 

(8) هؤلاء الأشخاص ذوو (الأنا المنتفخة)، هل هم واعون، مُدرِكون لأذيّتهم وإزعاجهم؟

لا؛ فليس لديهم في أيِّ وقت من الأوقات، صوت صغير يقول لهم: «هنا، الآن، هذا كثير جدًّا».

يُبرّرون (الأنا) من خلال ذكائهم، قدراتهم. من النَّادر، أن يأتوا لطلب الرّعاية (والعلاج).

 

(9) ومع ذلك، فقد كان (النّرجسيّون الكبار) موجودين دائمًا...

نعم؛ ولكن كانوا أقلَّ لأنَّهم لـم يستفيدوا، آنذاك، بصدى وسائل الإعلام الذي يتمتّعون به اليوم.

لقد انتقلنا إلى مرحلة تصنيع للأنا.

نحن نعرف كلمة الفنّان أندي وارول  (Andy Warhol): «في المستقبل، سيكون لكلّ واحد الحقّ في ربع ساعة من الشّهرة العالميّة».

طيّب، هذه الإمكانيّة صارت صناعة.

 

(10) ماذا يعني ذلك؟ ماذا تقصدون؟

مثلًا، برامج (تلفزيون الواقع) تقوم بترويج للأفراد بدرجة لـم تتحقّق من قبل في التّاريخ.

خذوا مثلًا مسابقة أفضل عامل في فرنسا، التي أنشئت وفق النّموذج القديم:

إنّها تحدث في الخفاء التّام!

الشّهرة السّريعة توفّر سلطة المثاليّة، أعلى بكثير من النّموذج التّقليدي، الكلاسيكي.

«قلت: المقصود أنَّ الشّهرة المعاصرة بسرعتها تجعل مجهول الأمس، معروفًا اليوم بل مثالًا يحتذى به بسلطتها على (العقول والعيون، على الأبدان والأذهان) خلافًا للمشهور في الماضي الذي ينتظر وقتًا ما, ليس بالقليل».

بينما بالأمس، كانت الشّهرة ناتجة عن سمعة فكريّة، علميّة أو فنّية مكتسبة بشقّ الأنفس.

اليوم، تضيء وتحترق في لحظة، (السَّلْفي) هو مثال ممتاز على ذلك.

في القرون الماضية، لمّا كان الرسّام يقوم بصورته الذّاتيّة، قد يستغرق منه ذلك شهرين أو ثلاثة!

 

(11) في ماذا يرتبط هذا (الحفل الرّاقص للأنا)، الذي تسْتَنْكِرونَه، في تَوَحُّد المجتمع حول أنماط الحياة والتّفكير والاستهلاك؟

عندما يشبه الجميع بعضهم بعضًا ويكون كلُّ شيء ممكنًا للجميع؛ يصنع المجتمع، ضمن آليّة دفاع، صورًا (أيقونيّة)، شعارات استثنائيّة.

في مجتمعاتنا، ذهبت هذه العمليّة جنبًا إلى جنب مع الفردانيّة.

سابقًا، الحاجة إلى تأكيد الذات كفرْد لـم تكن تستبْعِد المساهمة في المشاريع المشتركة والنّشاطات ذات المصلحة العامّة.

رجل عصر الأنوار، ذاك الرّجل صاحب يوتوبيا المجتمع أو صراع العمّال، ناضل لظهور عالـم أفضل.

اليوم، فقط إثبات الذّات هو ما يَهُمّ.

(ideal): مجتمعنا المادّي في أزمة مثاليّة، في أزمة مشاريع كبرى وأهداف إنسانيّة.

انطوى على نوع من (أنا) نرجسيّ وفي حدّه الأدنى، حيث إنّ القضايا المصيريّة الوحيدة هي الاستهلاك أو الوجود في نظر الآخرين.

 

(12) ترَوْنَ، أيضًا، في تفَتُّح أزْهار (الأَنَوَات الهائلين) نتيجة لبعض الدّاروينيّة؟

في الواقع، مجتمعنا، في أزمة، يطبّق نظريّة داروين:

للبقاء على قيد الحياة؛ يجب أن تكون الأفضل فوق البقيّة.

لـم نعُد نتقدّم معًا لكنّنا نقاتل ضدّ الآخرين.

وهذا ممّا يوصِلُ الجسم الاجتماعي لإفراز قِيَم الاختيار (selection) ، وبالتّالي لصنع شخصيّات مُهيمنة.

التّفكير الحالي في الرّغبة (أن يكون هو نفسه، هو ذاته) هو خطوة إلى الأمام.

لكنّ هذه الرّغبة في أن يكون كما هو، لا بدَّ أن تمُرَّ من خلال الاعتراف بقدراته، التّسامح مع نقاط الضّعف والتّأكيد على إرادته الحرّة.

فبهذه الطّريقة، يقاوم الشّخص، أفضلَ، (اسْتراتيجيّات التّأثير).