لأنَّ أبا
يعقوب البويطي (ت:
231هـ) -أول خليفةٍ للشافعي (ت.
204هـ)- أسهم إسهامًا مهمًّا في تشكُّل المذهب الشافعي، وفي تقارب المنهجين
الفقهيين المتنافسَيْن: منهج أهل الحديث ومنهج أهل الرأي، وذلك على امتداد القرن
الثالث الهجري/التاسع الميلادي.
يسعى هذا
العمل إلى توظيف أحد مفاهيم ماكس
فيبر Max Weber (1920م)، في دراسة المذاهب الفقهية، وتحديدًا في كيفية تلقي أبي يعقوب
البويطي لمذهب الشافعي، وتتبع دوره في تأسيسه ونقله، وفي التطور الأوسع للفكر الفقهي
الإسلامي.
وتقدم
أطروحة هذا العمل، من خلال تحليل مضمون «مختصر البويطي» -أقدم مصنَّفٍ في الطبقة
الثانية من مؤلفات الشافعيّة-، وتتبع تاريخ تداوله ونقله، ثلاث حججٍ رئيسة؛ أولًا:
أنَّ القراءة الخاصة لمذهب الشافعي، التي قدمها البويطي وطوَّرها، كانت تتميز بنزعة
أثرية ترتكز بوضوح على الحديث. وثانيًا: أن شافعيّة البويطي كانت منهجية بطبيعتها،
ومتأصلة في أصول فقه الشافعي و«مبدأ الحديث» المركزي، المعبر عنه بأوجز عبارة في
قوله: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»؛ وأخيرًا: أن النهج الحديثي للبويطي وجد جمهورَه
الأكثر حماسًا بين أهل الحديث؛ إذ قدَّمَ لهم طريقةً للانخراط في الرأي مع الحفاظ
على سيادة الحديث ومركزيته، ومن ثمَّ الإسهام في خلق أساس ميثودولوجي مشترك للفقه
الإسلامي السني.