بدءًا من «جدل الهُويّة» وحتى «البراغماتية النفعية المقنّعة بالإصلاح»، يبرز
جمال الدين الأفغاني، بوصفه أحد أبرز الشخصيات الغامضة في القرن التاسع عشر!
بين الأفغاني الذي لم يكن أفغانيًّا على الحقيقة، بل فارسي الأصل، شيعي
النزعة، تقمّص هويةً سنّيةً لغرض النفوذ السياسي، وهو في جوهره رجلٌ لا أدري،
يُظهر التدين للعامة، ويُخفي شكّه العميق في الدين للخاصّة، ومحمد عبده، المصلِح
السنّي، الذي يُقدَّم بوصفه تلميذًا نَهِمًا، مفتونًا بأستاذه إلى حد التقديس،
تُشبه علاقته به -إلى حدٍّ بعيد- علاقة الشيخ بالمريد في طريقة باطنية سرية..ملامح
جدلية تاريخية مُلغِزة تجسّدها أطروحة خدوري.
ينطلق هذا الكتاب من فرضية مركزية، وهي أن «الرواية الإصلاحية» التي نشأت
حول هذين الرجلين ليست إلا بناءً أسطوريًا صنعه تلامذتهم والمتحمسون لهم، في الشرق
كما في الغرب، لإضفاء طابع تنويري زائف على خطابهم وسيرتهم. وفي هذا العمل، لا
يكتفي المؤلف بالنقد العام، بل يستند إلى وثائق أصلية نُشرت في إيران، تكشف وجوهًا
غير مألوفة لهذين المفكرين. غير أن الطابع الأكثر إثارة في الكتاب هو ما يسميه المؤلف
بـ«البراغماتية النفعية المقنّعة بالإصلاح»؛ إذ يرى أن كلًّا من الأفغاني وعبده
استخدما الخطاب الديني وسيلةً إلى النفوذ السياسي، لا إلى غاية إصلاحية.
إنَّ قيمة هذا العمل ليس فيما يحاول إثباته، وهو رأي رفضه كثير من الباحثين،
وإنما تكمن الأهمية الأساسية للكتاب، في تسليط الضوء على الاختلافات بين مواقف
الرجلين وبعض المفاهيم المتصلة بالتصوّرات السنية التقليدية، وهي المسافة التي سعى
خدوري إلى توثيقها عبر تحليل الوثائق والخطابات المنشورة وغير المنشورة.
ينتمي كتاب «الأفغاني وعبده» إلى المدرسة الاستشراقية الغربية، وعلى الرغم من
صِغَر حجمه ضمن أعمال خدوري في هذا الحقل، إلا أنّه يحتل مكانةً بارزةً بوصفه أحد
أكثر الكتب إثارةً للجدل في تاريخ الكتابات الغربية عن الإسلام الحديث.