حوار مع الدكتور عماد عبد اللطيف

7/24/2017

يطالعنا في هذا الحوار الباحث المصري النابه عماد عبد اللطيف بوجهة نظر من زاوية الاهتمام البلاغي، متحدثا عن كل ما يمكن للبلاغة والخطاب الذي تصوغه أن يؤثر في توجيه الوعي الشعبي، وبعبارته هو: كيف لها أن تتلاعب  بالعقول وتسهم في تزييف الوعي الجماهيري. فدراسة البلاغة حسب الباحث ذات أهمية بالغة، لأنها تتجاوز اللغوي الصرف كما يعتقد الكثير، لتعبر نحو الاهتمام بالسياسي والاجتماعي من نواح عديدة، اهتمام من قبيل الكيفييات التي يوجه ويتشكل بها الوعي الجماهيري، وكيف يتم التلاعب به وباسمه، لهذا فاللغة كما أنها " قد تشكل فرصة فهي خطر في الآن ذاته ".

أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بقسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة قطر

الدكتور عماد عبد اللطيف:

غياب الوعي النقدي ينقل اللغة من ميزان الحرية إلى ميزان القهر، حيث تصبح اللغة فخاخًا، تصطاد حريات البشر

 

يطالعنا في هذا الحوار الباحث المصري النابه عماد عبد اللطيف بوجهة نظر من زاوية الاهتمام البلاغي، متحدثا عن كل ما يمكن للبلاغة والخطاب الذي تصوغه أن يؤثر في توجيه الوعي الشعبي، وبعبارته هو: كيف لها أن تتلاعب  بالعقول وتسهم في تزييف الوعي الجماهيري. فدراسة البلاغة حسب الباحث ذات أهمية بالغة، لأنها تتجاوز اللغوي الصرف كما يعتقد الكثير، لتعبر نحو الاهتمام بالسياسي والاجتماعي من نواح عديدة، اهتمام من قبيل الكيفييات التي يوجه ويتشكل بها الوعي الجماهيري، وكيف يتم التلاعب به وباسمه، لهذا فاللغة كما أنها " قد تشكل فرصة فهي خطر في الآن ذاته ".

نطالع في حوارنا أيضا، تنبيهات معرفية بالدور المتصاعد للجماهير في الفضاء العام، والذي يجعل منه الباحث يجعله أهم ملامح هذا العصر الذي نحيا فيه. حيث يعتبر إن انفتاح فضاءات التداول عندنا ستظل محدودة التأثير إذا لم يتطور الوعي النقدي للمواطن. فقيمة الفعل عندنا تتحدد بقيمة هذا الوعي فينا فهو الكفيل بتحريرنا من الارتهان بتلاعبات خطابات الدوغما والدعاية التي بقدر ما قد نآمل فيها أن تكون أداة لإذكاء وعي البشر، وإمتاعهم، قد تتحول بالمقابل أداة لقهرهم والهيمنة عليهم.

" فالوعي النقدي  - حسب عبارة باحثنا – بالعالم يجعل الفرد قادرًا على التمييز بين الكلمات الطيبة والكلمات الرديئة، وقادرًا على إنتاج ما أسميه"الاستجابات البليغة" الي تستهدف مقاومة خطابات التلاعب وتعريتها، بواسطة إنتاج خطابات بديلة".

والباحث عماد عبداللطيف أستاذ مشارك في البلاغة وتحليل الخطاب بجامعة قطر، درس البلاغة وتحليل الخطاب بجامعة القاهرة وجامعة لانكستر الإنجليزية. عمل أستاذًا مساعدًا في جامعة القاهرة، وباحثًا زائرًا في جامعة كمبريدج. للدكتور عماد ستة كتب مؤلَّفة هي: "الخطابة السياسية في العصر الحديث" (2015)" و"تحليل الخطاب البلاغي(2014)"؛"بلاغة الحرية(2013)"؛ استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي(2012)"؛ البلاغة والتواصل عبر الثقافات(2012)"؛ لماذا يصفق المصريون(2009)؟. كما شارك في تأليف أحد عشر كتابًا؛ نُشرت في مصر والمغرب والأردن وفرنسا. وترجم منفردًا وبالاشتراك سبعة كتب في تحليل الخطاب والبلاغة والفلسفة، من أبرزها الاستعارة في الخطاب وموسوعة أكسفورد في البلاغة (ثلاثة أجزاء، المركز القومي للترجمة). شارك – بالإنجليزية- في تأليف الإصدار الثالث من "دائرة المعارف الإسلامية"،"وموسوعة أكسفورد للشخصيات الإفريقية البارزة".

حاز الدكتور عبد اللطيف جوائز عربية ودوليَّة عدّة منها: جائزة دبي الثقافية للحوار مع الغرب؛ جائزة طه حسين في الدراسات اللغوية والنقدية في مصر والعالم العربي (2010)؛ جائزة المهاجر الاسترالية في الفكر والآداب والفنون (2011)؛ جائزة أفضل كتاب عربي في العلوم الاجتماعية من معرض القاهرة للكتاب، 201. [ قراءة ممتعة]

 

أعد الحوار:  عبد الله هداري

 

س 1: الفاضل الدكتور عماد عبد اللطيف سنتجاوز التعريف بك؛ لأن اسمك الأكاديمي يغني عن ذلك، وأعمالك خير دليل على قيمة اشتغالك واهتماماتك، لكنا سنطرح السؤال تعريفيًّا بصيغة أخرى، ما العلاقة التي تربط عماد عبد اللطيف بالبلاغة وأنت الأستاذ المتخصص في هذا النوع من العلوم الإنسانية؟

مثل كثير من العلاقات العميقة، فقد بدأت بالكراهية. نعم، كنتُ أنفر من مقرر البلاغة في الجامعة، ومن حضور محاضراتها. بالطبع، لم يكن الذنب ذنب البلاغة، وإنما ما قُدّم لنا على أنه البلاغة، والطريقة التي كانت تُدرَّس لنا بها. درستُ البلاغة في عامي الأول والثاني الجامعيين، وعايشتُ ولع بعض الأساتذة بتدريس نصوص تراثية مغلقة، وإكراه الطلاب على حفظ مئات الشواهد؛ للتدليل على ظاهرة، أو أسلوب، ربما لا يوجد في نص آخر غير الشاهد المدروس. بدت البلاغة لي مجموعةَ نصوصٍ تعيش خارج الزمن. بالطبع، لم يكن يمثل هذا صدمة لي في ذلك الوقت؛ لأن كثيرًا من مقررات تخصص اللغة العربية بدت –حينها- رجع صدىً لمقررات مماثلة دُرّست قبل قرون. لذا، حين عُينتُ معيدًا في جامعة القاهرة، كان التخصص في البلاغة مستبعدًا تمامًا من دائرة اختياراتي. لكن للأقدار تصاريف ومرامي لا ندركها غالبًا.

كنتُ قد بدأتُ الاستعداد لتسجيل أطروحتي في نقد ما بعد الكولونيالية، حين اجتمع قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، واتخذ قرارًا بإلزامي بالتخصص في البلاغة العربية؛ بسبب نقص أساتذتها. غادرتُ حجرة اجتماع القسم غاضبًا، والدموع تكاد تفر من عيني. وأحسستُ أن طموحاتي، وأحلامي، بأن أصبح ناقدًا أدبيًا مرموقًا قد تحطمت على صخرة البلاغة الميتة الكئيبة! ولو أخبرني أي شخص في ذلك الوقت أن "البلاغة الميتة الكئيبة" سوف تصير بعد أقل من عشر سنوات تخصصًا مفعمًا بالحيوية، والبهجة، والإبداع، لما أعارته أذناي أي اهتمام. لكن هذا هو بالضبط ما حدث.

س 2: لكن كيف حدث هذا التحول؟

بدأ التحول تدريجيًا، فبعد شهور من هذه الواقعة سجلتُ أطروحتي في البلاغة القديمة، ودرستُ فيها الخطاب البلاغي التراثي حول أسلوب الالتفات. وركزتُ على دراسة البنى الاصطلاحية في الخطاب البلاغي القديم، محللاً مظاهر اضطرابها، والعوامل المتسببة فيه، واقترحتُ إجراءات لضبط البنى الاصطلاحية، اعتبرتُها نواة لإنجاز معجم تاريخي سياقي للبلاغة العربية. كما درستُ كيفيّة إنتاج الوظائف العامة، والخاصة، في الخطاب النقدي البلاغي، وكيفية بناء النص البلاغي التراثي القديم. وقد مكنتني السنوات الأربع التي قضيتها في إعداد الأطروحة من قراءة معظم مصادر البلاغة العربية القديمة؛ فكنتُ أقضي ما يقرب من عشر ساعات يوميًا في مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة بين أرفف البلاغة، والنقد الأدبي، وتفسير القرآن، وشروح الشعر، وأصول الفقه. وأدين لهذه الفترة بتكويني في البلاغة القديمة. وقد تركت الأطروحة صدىً طيبًا حين نُشرت بعد ذلك في كتاب بعنوان "تحليل الخطاب البلاغي: دراسة في تشكل المفاهيم والوظائف"، عن دار كنوز المعرفة الأردنية.

بعد مناقشة الماجستير عام 2002، عزمتُ أمري على أن أسجل أطروحة الدكتوراه في البلاغة المعاصرة، واخترتُ –بالفعل- "البلاغة السياسية عند السادات" موضوعًا لأطروحتي. ورغم بعض الصعوبات، وافق القسم على تسجيل الأطروحة، لأجد نفسي أجدّف بين أمواج نظريات البلاغة المعاصرة. في محاولة لبلورة منهجية منضبطة لدراسة البلاغة السياسية العربية. ولأن هذه الأطروحة كانت الأولى من نوعها في البلاغة السياسية المعاصرة في العالم العربي؛ فقد حرصتُ على وضع أسس نظرية تسعى لأن تتسم بالراهنية والشمول. وقدمت تحليلات معمقة لظاهرة الاستعارة والتناص في عينة ضخمة من خطب السادات، مستكشفًا ملامح البلاغة الأبوية، ومفككًا للعلاقات المعقدة بين الخطابين السياسي والديني، وقد نشرتُ أجزاء من الأطروحة في كتابي "استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي: دراسة في خطب السادات"، في الهيئة المصرية العامة للكتاب. وكان اهتمامي بتحليل خطب مرئية ومسموعة للسادات بوابة اهتمامي ببلاغة المخاطَب/الجمهور.

في الفترة من 2003-2005، تبلورت أفكاري حول بلاغة الجمهور/المخاطَب، ثم كان سفري إلى بريطانيا في بعثة دكتوراه نقطة تحول جديدة، أسهمت في تحفيز استكشاف آفاق أوسع لإثراء البحث البلاغي العربي، خاصة عبر تدعيم علاقاته بالتحليل النقدي للخطاب.

س3: عشقت إذن البلاغة وخبرت مساربها المتعددة، قبلا نود طرح سؤال قديم/جديد:  ما الذي تشكله اللغة في علاقتها بالإنسان داخل مجتمعاتنا اليوم، وتحديدا بالنسبة إليك كمتخصص؟

يبدو سؤال العلاقة بين الإنسان واللغة سؤالاً خالدًا فعلا. فقد طرح آلاف المرات على مدار التاريخ، وككل الأسئلة الخالدة فإنها لا تشبع من أكل الإجابات، ولا تمل من طلب المزيد. وكثيرًا ما كانت بعض إجابات هذا السؤال مفعمة بالقداسة، ففي البدء كانت الكلمة، وفي الخاتمة أيضًا تكون. كما كان بعضها، بالقدر نفسه، مولعًا بالمواقف الحدية، من قبيل إيمان البعض بأن الإنسان هو صانع اللغة، وإيمان آخرون بأن اللغة هي صانعة الإنسان. ومن بين أهم صفات سؤال العلاقة بين اللغة والإنسان أنه سياقي بامتياز؛ وهذا ما يعطي مشروعية لطرحه بين الحين والحين، إذ أن كل عصر يسم العلاقة بين اللغة والإنسان بطابع خاص إلى حد ما. ولاحظ مثلا الفرق بين التأثير الجمالي والاجتماعي للشعر في عصر ما قبل الإسلام، وعصر الوسائط المرئية الآن، لتكتشف أن تحولات عاصفة قد طرأت على بالشعر على سبيل المثال.

بالنسبة إليّ، بوصفي محللا للخطاب السياسي ودارسًا للبلاغة، فإن العلاقة بين اللغة والإنسان تبدو ذات أوجه متعارضة. فاللغة هي أداة الإنسان في التواصل الحياتي، لكنها في الوقت نفسه سبب معاناته؛ لكونها غير قادرة دومًا على إنجاز هذا التواصل بالكفاءة التي يرتضيها. وهي من ناحية، وسيلة للتحكم والسيطرة، يُخضع بها أفراد وجماعات أفرادًا وجماعات آخرين لسلطتهم، لكنها في المقابل أداة مقاومة وتحرر وتحرير. كثيرًا ما تكون اللغة أداة تلاعب، وكثيرًا ما تكون أداة تعرية للتلاعب. وهي مقدسة حينًا، وممتهنة ومبتذلة حينًا آخر. إنني حين أنظر إلى اللغة أرى فيها فرصة، وأرى فيها خطرًا في الآن نفسه. وبقدر ما آمل أن تكون أداة لإذكاء وعي البشر، وإمتاعهم، أخشى أن تكون أداة لقهرهم والهيمنة عليهم.

س4: دعني أتوقف أمام حديثك عن "بلاغة الجمهور"، فقد انتقدت البلاغة التقليدية لأنها انشغلت بتعزيز مهارات الإقناع والتأثير عند المتكلمين، واقترحت تحويلاً لقدر من الاهتمام البلاغي إلى الجمهور، فهل يمكن أن تلقي مزيدًا من الضوء على مشروع بلاغة الجمهور أو المخاطَب؟ وكيف ترى مستقبله؟

بلاغة الجمهور توجه للدرس البلاغي يُعنى بدراسة استجابات الجمهور في الفضاء العام من منظور بلاغي. هذه الاستجابات قد تكون لغوية مثل تعليقات المشاهدين على مقطع يوتيوب، أو تعليق القراء على خبر في صحيفة إلكترونية. وقد تكون غير لغوية مثل التصفيق، والهتاف، والتشكيلات الرمزية للحشود في الفضاء العام، وغيرها. هذه المادة البحثية تتسم بالبكارة، والضخامة، والثراء العلاماتي. وهي تشكل موضوعًا مثيرًا للبحث البلاغي. وقد حرصتُ على تحديد الأسس النظرية، والمنهجية، لبلاغة الجمهور في مقال مبكر نُشر عام 2005 بعنوان "بلاغة المخاطَب: البلاغة العربية من إنتاج الخطاب السلطوي إلى مقاومته"، ثم كان كتاب "لماذا يصفق المصريون؟ بلاغة التلاعب بالجماهير في السياسة والفن"، الصادر عن دار العين بالقاهرة في 2009، نقطة تحول في مشروع بلاغة الجمهور؛ فقد خُصِّص بأكمله لهذا المشروع. وقد حللتُ فيه ظاهرة التصفيق في الخطاب العام، وفي مدونة من الخطب السياسية المعاصرة على وجه الخصوص. وخلال السنوات الخمس الأخيرة، اتسعت دائرة الاشتغال في بلاغة الجمهور، ونشر باحثون من المغرب، والجزائر، والعراق، ومصر، دراسات فيها وعنها. وآمل أن تشهد السنوات المقبلة ازدهارًا متزايدًا؛ لما بات يمثله الجمهور من أهمية في الفضاء العام في العالم العربي.

س5: ارتباطًا ببلاغة الجمهور، ما رأيك في البلاغة الجماهيرية اليوم من حيث القيمة، في ضوء ما تعيشه المنطقة من متغيرات ارتبطت بالثورات الديمقراطية في المنطقة؟

في ظني، يمثل الدور المتصاعد للجماهير في الفضاء العام أحد أهم ملامح العصر الذي نحيا فيه. وقد أطلقت في أحد كتبي تسمية "عصر استجابات الجماهير"؛ للإشارة إلى إحدى أهم السمات التي أرى أنها تميز عالمنا الراهن. بالطبع، تمثل  فضاءات تداول خطابات الجمهور أحد أوجه قوة الجمهور، وقوة بلاغته، لكن انفتاح فضاءات التداول سوف يظل محدود التأثير، لو لم يتطور الوعي النقدي للمواطن العادي الذي يشكل المكون الأساس للجمهور، وهذا يُعيدنا مرة أخرى إلى محورية دور التعليم، والتثقيف، والتوعية، فبدونها سوف يُعيد الجمهور إنتاج بلاغات القهر، والتسلط، والخرافة، والانقسام، على نحو ما نرى في الوقت الراهن. إن بلاغة الجمهور ليست إيجابية، أو سلبية، في ذاتها، فقيمة كل خطاب بما يفعله، وبما يهدف إليه، ويدافع عنه. وبلاغة الجمهور - بالنسبة إليّ - مدونة بحث، أدرس من خلالها كيف يستجيب الجمهور لخطاب ما، والعلاقات المعقدة التي يمكن أن تنشأ بين الخطاب والاستجابة.

س6: ما دمنا نتحدث عن الجماهيري فإننا ضمنيا نجاوز للسياسي، ما الذي أغراك في الاهتمام البلاغي من الناحية السياسية، أنت الذي كتبت في تحليل خطب سياسية، ورمزيات سياسية من قبيل التصفيق، والتلاعب بالعقول، وغيرها كما سبق أن ذكرت؟

العلاقة بين البلاغة والسياسة موغلة في التعقيد والقدم. وفي الحقيقة، فإن البلاغة "سياسية" دومًا بمعنى ما؛ سواء أكانت تُنتَج في فضاءات مجلس نيابي، أو في قاعة تدريس، أو في حجرة استقبال في منزل يشهد خلافات بين زوجين ...إلخ. أما السياسة فإن أحد تعريفاتها الشائعة أنها "مسألة كلام"؛ والكلام حرفة البلاغة على نحو أصيل. لكن اهتمامي بالبلاغة السياسية كان محفّزًا في الواقع بإدراك مؤلم لدور البلاغة السياسية العربية في تزييف الوعي الشعبي. وكان التصدي لدراسة التلاعب، والتضليل، يشكل دافعًا أخلاقيًا، يعزز من الدافع المعرفي الأصيل. أضيف إلى ذلك أن النصوص السياسية المعاصرة لم تكن - قبل تسجيل أطروحتي للدكتوراه - موضوعًا للدرس البلاغي العربي على نحو منهجي، وكان سد هذه الفجوة المعرفية مهمة تحتاج إلى من ينهض بها. وحين أنظر – الآن - إلى البحوث الراهنة في البلاغة السياسية المعاصرة، بعد ما يقرب من أربعة عشر عامًا من بدء اشتغالي في البلاغة السياسية، أشعر بسعادة غامرة؛ لأنني أسهمت في تعبيد هذا الطريق.

وقد أوليتُ اهتمامًا خاصًا بالخطابة السياسية؛ فأفردتُ لدراستها كتابي الأخير "الخطابة السياسية في العصر الحديث"، محاولاً دراسة أبعاد غير مألوفة في دراسة الخطابة العربية مثل أثر كتاب الخطب السياسية في تشكيل الخطاب السياسي للدول، وتعليقات الجمهور على البث الإلكتروني للخطب السياسية وتأثير وسيط تداول الخطب السياسية في بنائها وأدائها وتلقيها؛ خاصة في ظل التحول من الوسائط المقروءة والمسموعة إلى الوسائط المرئية والافتراضية.

س7: تنقلني إشارتك الأخيرة إلى البلاغة في الفضاء الافتراضي، فمن الجميل في اهتمامك البلاغي تتبعك للبلاغة الإلكترونية، إن صح التعبير، عبر تناولك لمدونات إلكترونية، ما الخلاصات الأهم التي ميزت اهتمامك هذا؟

الاهتمام بالبلاغة في فضاءات التواصل الافتراضي استجابة طبيعية للتحول الجذري الحادث في حدود الفضاء العام في العقدين الأخيرين. فالفضاءات الافتراضية تتحول إلى فضاءات عامة شيئًا فشيئًا؛ والفضاء العام هو فضاء بلاغي بامتياز؛ إذ تُتداول فيه خطابات، ونصوص، غايتها تحقيق الإقناع والتأثير في جمهور متعين أو غُفل. كما أصبح فضاء التواصل الافتراضي الحاضن الأكبر لبلاغة الجمهور؛ فقد أتاح للأشخاص العاديين فضاءً وسيعًا لإنتاج خطاباتهم، ونصوصهم، وتداولها في الفضاء العام. وفي الحقيقة، فإن الفضاءات الافتراضية تطرح العديد من التحديات على النظرية البلاغية المعاصرة ومنهجيات دراستها، وتتطلب جهودًا بحثية مكثفة ومتضافرة لمقاربتها.

س8: عنونت أحد كتبك بـ "بلاغة الحرية"، متحدثا عن معارك الخطاب السياسي في زمن الثورة، كل ذلك قصد أن تستقصي بلاغة الحرية بين ثنايا هذا الخطاب، ما الخلاصات الأهم التي يمكن تدوينها في ذلك؟

"بلاغة الحرية"، المنشور في دار التنوير ببيروت، أحد الكتب التي أعتز بتأليفها. وقد سعدتُ بحصوله على جائزة أفضل كتاب في العلوم الاجتماعية من معرض القاهرة الدولي للكتاب. يرجع هذا الاعتزاز إلى أنه يبرهن على قدرة الدرس البلاغي على مواكبة الواقع الراهن، وتعزيز فهمه، بل والتأثير فيه. يُعالج الكتاب خطاب الربيع العربي، وتسمية "بلاغة الحرية" لم تكن التسمية الأولى للكتاب، فقد كنتُ وضعت له عنوانًا آخر هو "هكذا تكلمت الثورة"، ثم عدلت عن العنوان في المراحل الأخيرة لنشر الكتاب بعد حوار طويل مع الناشر، واتفقنا على عنوان "بلاغة الحرية". وكان الحافز على هذا التغيير أن الكتاب يُعالج خطاب الجماهير المتعطشة للحرية، كما تجلى في شعاراتها، ولافتاتها، وهتافاتها، وأغانيها، وجرافيتها ...إلخ. كما يُعالج كيف استجابت خطابات السلطة لخطاب الجمهور الحالم بالحرية، في محاولة مقاومتها، وإضعاف تأثيرها. ويتضمن الكتاب تحليلات مفصلة لأنواع عديدة مثل الخطب السياسية، والتصريحات والبيانات العامة، كما يحلل التغطية الإعلامية الرسمية للأحداث. وكانت تسمية "بلاغة الحرية" إشارة إلى كون البلاغة ميدانًا للتنازع، والصراع، في إطار الربيع العربي. وهو صراع ما زال قائمًا بصور مختلفة حتى الآن.

س9: ما مستقبل الحرية في مجتمعاتنا اليوم، ليكون السؤال مباشرا، ما مستقبلها عبر بلاغة "تعبيراتها" ؟

حين يتعلق الأمر بالحديث عن مستقبل الحرية في عالمنا العربي، فإنني لا أملك إلا أن أقول إن المشهد غائم. فهناك، من ناحية، سلطات وأنظمة تمارس مستويات متنوعة من كبت الحريات وتضييقها، متذرعة بالمصالح الوطنية أو الوازع الديني أو الحافز العرقي، أو غيرها. لكن هناك، من ناحية أخرى، فضاء عمومي شديد التنوع والتعقيد، تمارس فيه أشكال متنوعة من انتهاك الصمت المفروض، والتعبير بأساليب عدّة عن الرأي والموقف. ويبدو هذا طبيعيًا للغاية، فالحرية تُنتج عبر عمليات التفاوض مع السلطة المهيمنة ونقدها ومقاومتها. وسوف تظل حالة الصراع قائمة، حتى تصل إلى صيغة ملائمة. وأظن أن هناك وسيط شديد الأهمية بين الحرية واللغة هو الوعي. فالوعي الناتج عن المعرفة والإدراك المستبصر، يمكنه أن يجعل اللغة في كفة ميزان الحرية؛ فالوعي النقدي بالعالم يجعل الفرد قادرًا على التمييز بين الكلمات الطيبة والكلمات الرديئة، وقادرًا على إنتاج ما أسميه"الاستجابات البليغة" الي تستهدف مقاومة خطابات التلاعب وتعريتها، بواسطة إنتاج خطابات بديلة. وفي المقابل فإن غياب الوعي النقدي ينقل اللغة من ميزان الحرية إلى ميزان القهر، حيث تصبح اللغة فخاخًا، تصطاد حريات البشر.

 

بعض الصور الخاصة بكتب المؤلف

 



 

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة