نحو نقد راديكاليّ للمركزية الأوروبية

11/6/2016

بحسب السرديّة السائدة، كان أصل الرأسمالية سيرورة أوروبية في جوهرها: كان نظام وُلِد في مطاحن ومصانع إنجلترا، أو تحت أنصال المقاصل أثناء الثورة الفرنسية. والماركسية السياسية (Political Marxism) أو حتى تحليل المنظومات العالمية (World-Systems analysis) لم تنج من هذه المعضلة ذات المركزية الأوروبية. في كتاب (How the West Came to Rule: The Geopolitical Origins of Capitalism) أو "كيف ساد الغرب: .......

نحو نقد راديكاليّ للمركزية الأوروبية

حوار مع ألكسندر أنيفاس وكريم نيسانشيوغلو

 (منشور على موقع مجلة Viewpoint

في ديسمبر ٢٠١٥)

ترجمة: محمد كمال

بحسب السرديّة السائدة، كان أصل الرأسمالية سيرورة أوروبية في جوهرها: كان نظام وُلِد في مطاحن ومصانع إنجلترا، أو تحت أنصال المقاصل أثناء الثورة الفرنسية. والماركسية السياسية (Political Marxism) أو حتى تحليل المنظومات العالمية (World-Systems analysis) لم تنج من هذه المعضلة ذات المركزية الأوروبية. في كتاب (How the West Came to Rule: The Geopolitical Origins of Capitalism) أو "كيف ساد الغرب: الأصول الجيوسياسية للرأسمالية" (بلوتو برس، 2015)، يعيد ألكسندر أنيفاس وكريم نيسانشيوغلو مفهمة نظرية تروتسكي للتطور غير المتكافئ والمركّب من أجل تقييم الدور الحاسم للمجتمعات غير الغربية في ظهور الرأسمالية. وفي هذا الإطار، يقدّمان نظرية أمميّة (internationalist) للتغيير الاجتماعي لا تركّز على دور العمل الصناعي فحسب.

- كتابكما الأخير "كيف ساد الغرب" يبدأ بتقييم نقديّ لتنظيرات مستوحاة من ماركس بشأن الانتقال إلى الرأسمالية مثل نظرية المنظومات العالمية أو الماركسيّة السياسية. لماذا هذه التنظيرات غير كافية لتفسير كيف ساد الغرب؟

حسنًا، ثمة مسألتان متمايزتان، وإن كانتا مترابطتين بإحكام، هنا. المسألة الأولى هي منهج المنظومات العالمية في التحليل ومفاهيم الماركسية السياسية للانتقال من الإقطاعيّة إلى الرأسمالية. والمسألة الثانية تتضمن شرح صعود الهيمنة الغربية. في الفصل الافتتاحي من الكتاب، نحن نركّز فقط على المسألة الأولى بشأن الانتقال إلى الرأسمالية في مواجهة الماركسية السياسية وتفسير إيمانويل والرشتاين (Immanuel Wallerstein) لمنهج المنظومات العالمية في التحليل، وفي الفصول اللاحقة نربط هذه المسألة بجدال "صعود الغرب". بدأنا الكتاب بمثل هذه الطريقة لأنّه بحسب الماركسيين السياسيين (Political Marxists)، والنموذج المعيّن من منهج الأنظمة العالمية في التحليل الذي وضعه والرشتاين، ثمة اقتران بين هاتين المسألتين التاريخيتين؛ فأصول الرأسمالية في بعض دول أوروبا الغربية (لا سيما هولندا وإنجلترا) توضح كيف صعد "الغرب" إلى موقع الهيمنة العالمية.  

هذه المقاربة غير خاطئة تمامًا، باعتبار أنّها غير مكتملة. بمجرد أن حققت الرأسمالية إنجازاتها الأوليّة في هولندا وانجلترا، أدى ذلك إلى زيادة الفوارق الماديّة بين هذه المجتمعات وغيرها. ولكن في الوقت نفسه، لم يُترجَم ظهور الرأسمالية في شمال غرب أوروبا على الفور إلى نوع من علاقة القوة الهرمية التي ميّزت النظام الأمميّ في القرن التاسع عشر. وفي حين عرضت البنى الاجتماعية للرأسمالية القدرة الإنتاجية لزيادة الابتكارات التكنولوجية (لاسيما في المجال العسكري) والقدرات المالية والتنظيمية الفائقة، إلّا أنَّ الآثار التنموية لم تكن فورية أو غير متمايزة، بل متداخلة وغير متكافئة. في الواقع، لولا "الاكتشاف" الأوروبي للعالم الجديد والفوائد المادية الكبيرة والمستحقة لأوروبا - الفوائد التي وُزِعت بشكل غير متناسب على هولندا وانجلترا - لمَا تحقق هذا الاحتمال (انظر الفصل الخامس). ويمكننا قول الشيء نفسه عن آثار المستعمرات في جزر الهند الشرقية على التطوّر الرأسمالي الهولندي؛ إذ أنّه لولا قدرات الطبقة الحاكمة الهولندية على الاستفادة من هذه الكتلة الواسعة والمتشرذمة من قوة العمل في آسيا، لمَا استمر تطوّرها الرأسمالي بنفس طريقة النماذج الأخرى "العتيقة" لرأس المال 1 في دول المدن الإيطالية الشمالية مثل جنوة والبندقية (انظر الفصل السابع).

لهذه الأسباب، فإنَّ تصوّر أصول الرأسمالية في شمال غرب أوروبا لا يكفي في حد ذاته لتفسير هيمنة السلطة الغربية بعد ذلك. ولكن ينبغي تصوّر الرأسمالية على أنّها وفّرت شروط وظروف إمكانية تفوق دول أوروبا الشمالية الغربية في النهاية والهيمنة على منافسيهم الآسيويين. ومع ذلك، لم تكن الرأسمالية البريطانية قادرة على السيطرة على المجتمعات الآسيوية الأخرى المتطورة مثل الصين إلّا عندما حوّلت نفسها إلى قوة صناعية رأسمالية. وعلاوة على ذلك، تمّ تسهيل التحوّل الصناعي البريطاني بشكل كبير من خلال "اكتشافات" العالم الجديد، وربما الأهمّ من ذلك، من خلال استعمار الأراضي الهندية الذي لم يكن ممكنًا إلّا عن طريق تضافر الضغوط الداخلية والخارجية التي زعزعت بشدة إمبراطورية المغول في بداية القرن الثامن عشر (انظر الفصل 8).

وبالتالي فإنَّ اختزال سؤال "كيف ساد الغرب" في مجرد شرح التحوّل إلى الرأسمالية، كما نراها، يُعدّ إشكالية شائعة بين كل من الماركسيين السياسيين ومحللي المنظومة العالمية مثل والرشتاين وبين أتباعه. وفي الوقت نفسه، هناك عدد من الإشكاليات المحدّدة في تنظيراتهم لأصول الرأسمالية (انظر الفصل الأول). ولكن يمكن القول بإيجاز شديد إننا نسلّط الضوء على ثلاث قضايا إشكالية ومترابطة بالتفسيرات الماركسية السياسية لظهور الرأسمالية: أولًا، التزامها المنهجي بتحليلٍ ذات مركزية أوروبية - أو بتعبير أدق، بحسب أتباع برينر، ذات مركزية إنجليزية - لأصول الرأسمالية. ثانيًا، الخلل الناتج في دراستهم للعلاقة بين تكوين الرأسمالية والجغرافيا السياسية. وثالثًا، تصوّرها المجرّد للغاية والأدنويّ (minimalist) للرأسمالية. ولهذه الأسباب، فإننا نحاجج إنَّ المقاربات الماركسية السياسية لدراسة الرأسمالية واهية نظريًا وتاريخيًا، على الرغم من العديد من التبصرات والمفاهيم القيّمة التي تعرضها. وبالمثل، في حين أننا نسلّط الضوء على بعض المساهمات الهامّة التي قدّمها والرشتاين وغيره من الباحثين الذين يتبنون منهج المنظومات العالمية في دراسة أصول الرأسمالية، إلّا أننا نحاجج بأنَّ هذه المقاربة - وخاصة طرح والرشتاين له - لا يزال محدودًا بسبب مشكلتين معقدتين: الاستنساخ غير المقصود لنوع معين من المركزية الأوروبية التي تمحو أي فاعلية ذاتويّة غير أوروبية، وعدم القدرة على توفير تصوّر مُؤرخَن بدرجة كافية للرأسمالية.

هذه الإشكاليات الكامنة في الماركسيّة السياسية ومنهج المنظومات العالمية في التحليل اتضح أنها معقدة للغاية عند النظر في تاريخ الرأسمالية. وبدون فهم متماسك للسياقات البين مجتمعية (intersocietal) أو الجيوسياسية الأوسع التي تحوّلت فيها المجتمعات الأوروبية (لا سيما في شمال غرب) إلى الرأسمالية، لا يمكن ببساطة تفسير كيف ظهرت الرأسمالية. إنَّ تكوين الرأسمالية في أوروبا ليس مجرد ظاهرة أوروبية داخلية، ولكنها بالتأكيد ظاهرة أمميّة أو بين مجتمعية، شهدت قوة/فاعلية غير أوروبية تؤثر بلا هوادة على وتعيد توجيه مسار وطبيعة التطور الأوروبي. ولذا، فإنَّ تتبع هذا البُعد الأمميّ، الخارج عن النطاق الأوروبي في كثير من الأحيان، في أصول الرأسمالية وما يسمى "صعود الغرب" هو أحد الموضوعات الرئيسية التي يتناولها الكتاب.

في حين أنَّ تركيزنا على هذه المصادر الأمميّة لظهور الرأسمالية قد يبدو واضحًا للبعض، لكنَّ اللافت للنظر هو كيف توفر بعض المقاربات النظرية (الماركسيّة أو غيرها) تنظيرات سوسيولوجية تاريخية وموضوعية لهذه المصادر "الأمميّة." وما إذا كان النهج المعنيّ هنا يُمفهَم "وحدة التحليل" الأوليّة التي تعمل على المستوى المحلي أو العالمي كما يتضح في الماركسية السياسية ومنهج المنظومات العالمية في التحليل لا تزال المشكلة قائمة. من خلال العمل من تصوّر معيّن لبنية اجتماعية (سواء كان ذلك العبودية، الإقطاع، الرأسمالية، وما إلى ذلك)، فإنَّ التنظير "للبرنامج الأمميّ" يأخذ شكل إعادة تصوّر مجتمع محلي واضح: استقراء من مقولات تحليلية مستمدة من مجتمع يُنظر إليه باعتباره تجريدًا قائمًا على الوحدة. ثمّ يُخفي هذا ما هو فريد لأي نظام بين مجتمعي: بنية "فوضوية" مهيمنة/فوقيّة غير قابلة للاختزال في النماذج المتنوعة تاريخيًا للمجتمعات التي تشكّل أي نظام.

وهذه إشكالية بالغة الضرر للماركسية لأنَّ واحدة من السمات المميّزة للنظرية الماركسية هي الحُجّة القوية بأنّها قادرة على تقديم تصوّر شامل للبنى الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب استيعاب نظري للترابط بين كل عنصر داخلها "حتى يتسنى لشروط وجودها أن تكون جزءًا مما هي عليه." 2 وإذا أخذنا مثل هذه الحُجّة على محمل الجد، فإنَّ الموقف النظري "للبرنامج الأمميّ" من أجل مقاربة ماديّة تاريخيّة للأصول الرأسمالية يتطلب التعامل المباشر مع سؤال ما هو "الأمميّ" المفهوم والمُفسّر في مصطلحاته التاريخية والسوسيولوجية الأساسية. وبعبارة أخرى، كيف يمكن للمرء أن يقدّم "تعريفًا سوسيولوجيًا" صحيحًا لهذا "الأمميّ" بمعنى "هذا البُعد من الواقع الاجتماعي الذي ينشأ خصيصًا من تعايش أكثر من مجتمع داخله" والذي "يشكّل هذا البُعد كموضوع للنظرية الاجتماعية ... المشمول بالأساس ضمن مفهوم التطور الاجتماعي نفسه؟" 3

إنَّ إجابتنا النظرية عن هذه الإشكالية والنماذج ذات المركزية الأوروبية للتحليلات التي تنتجها هي إحياء نقديّ لمفهوم التطور غير المتكافئ والمركّب عند ليون تروتسكي التي شهدت انتعاشًا في الآونة الأخيرة في مجال العلاقات الأمميّة ويرجع الفضل في ذلك إلى عمل جوستين روزنبرغ. 4 من خلال افتراض الطابع متعدد الخطّية للتطوّر باعتباره "القانون الأكثر عموميّة"، فإنَّ التطور غير المتكافئ يوفر تصويبًا ضروريًا للمفهوم الأنطولوجي للمجتمعات والمفهوم الأحادي الخطيّ للتاريخ الذي يدعم التحليلات ذات المركزية الأوروبية. ومن خلال افتراض الطابع التفاعلي بالأساس للتعدديّة الاجتماعية السياسية، فإنَّ التطور المركّب بدورها تتحدى الداخلانيّة (internalism) المنهجيّة للمقاربات ذات المركزية الأوروبية في حين تدمّر نموذجها القوى للتطور.

- الماركسيون السياسيون يقدّمون تمييزًا حادًا بين الأشكال الاقتصادية الإقطاعية الإضافية لاستخراج الفائض والأشكال الرأسمالية غير القسرية لاستخراج الفائض. وبالتالي، فهم قريبون من استخراج من نوع مثالي. ومع ذلك، لا يبدو أن ماركس يستخدم مثل هذا التمييز الحاد نظرًا لأنّه يعتبر العبودية - على سبيل المثال - في الأمريكتين كرأسمالية جزئيًا على الأقل؛ لأنّها جزء من مجموعة أوسع من العلاقات الاقتصادية الرأسمالية الأمميّة. كيف تحددان الرأسمالية؟

نحن نتفق تمامًا مع تقييمك لتصوّر الماركسية السياسية للرأسمالية. إنّه تصّور مجرّد للغاية وأفلاطونيّ ومفيد جدًا في فهم الرأسمالية (السابقة والحالية) نظرًا لأنّه يستبعد أو يستثني الكثير من السيرورات السوسيوتاريخية التي كانت - وما زالت - جزءًا لا يتجزأ من التنمية وإعادة إنتاج الرأسمالية. وهذا له بعض الآثار السياسية الهامّة. ولذا، فإنَّ استثناء "الأشكال الاقتصادية الإضافية" للاستغلال والاضطهاد من الرأسمالية يدفع الماركسيين السياسيين في نهاية المطاف إلى استبعاد تواريخ الكولونيالية والعبودية، وهو مثال أشرتَ له على نحو صحيح، من الأعمال الداخلية للرأسمالية، محتجين أنَّ هذه الممارسات كانت متجذرة في المنطق الإقطاعي أو المطلق للتراكم الجيوسياسي. في حين أننا لن نتمادى إلى حد الزعم بأنَّ الماركسيين السياسيين يتجاهلون الكولونيالية والعبودية نفسها - على سبيل المثال، تشارلي بوست (Charlie Post) لديه بعض الأعمال الرائعة بشأن هذه المسائل، 5 حتى لو كنا نختلف مع استنتاجاته النظرية؛ فأعماله رُغم ذلك تعرض هذه التواريخ باعتبارها واقعة خارج "المنطق" السليم للتطور الرأسمالي.

وعلى النقيض من ذلك، في كتاب "كيف ساد الغرب"، نحن ندرس هذه التواريخ كجوانب تأسيسية لا تتجزأ في تكوين الرأسمالية باعتبارها نمط الإنتاج السائد عالميًا (انظر الفصول 5 و7 و8). ونبحث أيضًا التكوين المتشابك والمتنوع للتراتبيات العنصرية والجندريّة والجنسية المرتبطة بشكل مُعقّد والمؤسِسة لتكوين الرأسمالية. مع أخذ هذه المسائل في الاعتبار، نجادل في الكتاب بأنَّ الرأسمالية تُفهم على نحو أفضل باعتبارها مجموعة من التشكيلات، والتجمّعات، أو حِزم من العلاقات الاجتماعية والسيرورات الموجّهة حول إعادة الإنتاج الممنهجة للعلاقة بين رأس المال والعمل والأجور، وليس اختزالها - سواء من الناحية التاريخية أو المنطقية - في تلك العلاقة فحسب. وعن طريق التركيز على مثل هذه التشكيلات والتجمعات، نحن نهدف إلى تسليط الضوء على كيف أنَّ تراكم وإعادة إنتاج رأس المال من خلال استغلال مسألة العمل بأجر يفترض وجود مجموعة واسعة من العلاقات الاجتماعية المختلفة التي تجعل من هذه السيرورات مسألة ممكنة. قد تأخذ هذه العلاقات الاجتماعية أشكالًا عديدة، مثل أجهزة الدولة القسرية والأيديولوجيات وثقافات القبول والموافقة، أو أشكال السلطة والاستغلال التي لا تُمنح مباشرة أو تُشتق من العلاقة البسيطة بين رأس المال والعمل بأجر، مثل العنصرية، والنظام الأبوي والعمل بغير أجر. ولكن لكي نكون أكثر واقعية، أنت ذكرت مثال العبودية في الأمريكتين - وبالمثل، أشكال العبودية في المستعمرات الهولندية في شرق آسيا - وهو بالضبط هذا النوع من التكوين الموجّه نحو الاستنساخ المنتظم للعلاقة بين رأس المال والعمل بأجر في انكلترا، ولكن لا يمكن اختزاله في تلك العلاقة نفسها (انظر الفصلين 5 و 7).

- من جهة، يقول المؤرخ الهندي ديبيش شاكرابارتي إنَّ التاريخ 1 هو "تاريخ جوهري ولكنه مُعدّل بشكل غير متساوٍ" عن طريق التاريخ 2، من ناحية أخرى، وبحسب فيفيك شيبر فإنَّ "شاكرابارتي يبالغ في سلطة التاريخ 2 وقدرته على زعزعة استقرار التاريخ 1، ويقلّل بشكل كبير من منابع الزعزعة الكامنة التاريخ 1." والسؤال هنا: كيف يمكن لنظرية التطور غير المتكافئ والمركّب أن تساهم في فهم سيرورات التمايز ضمن ديناميّات كوننة الرأسمالية؟ 6

هناك الكثير من الغموض حول تمييز شاكرابارتي بين التاريخ 1 والتاريخ 2. ولذا دعنا نقدّم بعض التعريفات السريعة:

·                   التاريخ 1 يدل على ماضٍ مفترض من رأس المال "ماضٍ مفترض من قِبل رأس المال نفسه كشرط مسبق له" و "نتيجته الثابتة." 7 وبالرغم من أنَّ شاكرابارتي لم يحدّد ذلك، إلّا أنّه من الواضح أنَّ ما يقصده هو العمل المجرّد.  

·                   التاريخ 2 يدل على تلك التواريخ التي يواجهها رأس المال "ليس كسوابق" مُحقّقة ذاتيًا، ولا "كشكل من أشكال معالجة حياتها الخاصة. 8" التاريخ 2 ليس "خارج" رأس المال أو خارج التاريخ 1، لكنه موجود "في العلاقة المباشرة به"، 9 في حين" يقاطع ويشكّل منطق رأس المال نفسه." 10 التاريخ 2 يمكن أن يشمل أيضًا علاقات غير رأسمالية وعلاقات اجتماعية ما قبل رأسمالية أو محلية، وسيرورات، ولكنَّ هذا المفهوم لا يتوقف عند هذه العلاقات فحسب، ويمكن أن يشير إلى مقولات كونية وعالمية، وعلاقات اجتماعية وسيرورات متنوعة، بما في ذلك السلع والمال مقولتين كونيتين مركزيتين لإعادة إنتاج الرأسمالية. 11

الآن، من ناحية، نحن نزعم أنَّ شاكرابارتي لا يقلّل من منابع الزعزعة داخل التاريخ 1. في كتابه "ترييف أوروبا"، يخصّص شاكرابارتي فصلًا فرعيًا كاملًا بعنوان "العمل المجرّد كنقد" حيث يحلّل بدقة منابع الزعزعة داخل التاريخ 1 (ما هو معروف بين الماركسيين باسم "التناقض المُحرّك"). ومن ناحية أخرى، لا يبالغ شاكرابارتي بأي حال من الأحوال في أهمية التاريخ 2. وهذا يعني أنَّ الخطأ يكمن في تفسير شيبر، عن طريق اختزال التاريخ 2 في "ثقافة محلية"، 12 ومن الواضح أنَّ شيبر لا يفهم ما يعنيه التاريخ 2 فعلًا. وهذا واضح بشكل خاص عندما يذكر شيبر " النّضال الكونيّ الذي تقوم به الطبقات التابعة للدّفاع عن إنسانيّتهم الأساسيّة" و "اهتمامهم بالرفاه كمصدر أساسي لعدم استقرار رأس المال." 13 من التعريفات أعلاه، يمكننا أن ندرك أنّه عندما يذكر شيبر "الرفاه" و "الإنسانية الأساسية"، فهو، ويا للمفارقة، يحتجّ بالتاريخ 2 "كمصدر لعدم استقرار رأس المال." لذا فإنَّ جُرم شيبر في تلك الإشكالية التي يلصقها بشاكرابارتي أكبر من شاكرابارتي نفسه. 

مستنقع الفوضى الذي خلقه شيبر يجب أن لا يعيقنا عن قراءة شاكرابارتي بتعاطف، أو في الواقع قراءته باعتباره ماركسيًا. ومثل ماركس، يؤكّد شاكرابارتي ميل رأس المال إلى التعميم والتمييز على حد سواء. ولكن تجاوز شاكرابارتي لماركس هو الذي يحدّد تعميم وتمييز الميول خارج المنطق الأصلي لرأس المال والمتعلقة به كذلك (على الرغم من أنّه ليس الوحيد الذي قام بذلك). وهذا يشمل فهمنا لأشكال القمع داخل الرأسمالية العالمية ولكن أيضًا مسائل الفاعلية والمقاومة التي تقع خارج علاقة الأجور. كما يفتح المجال النظري والتاريخي والسياسي للاعتراف بالطرق التي يكون فيها العمل الإنتاجي أو المؤثر، أو النضالات المناهضة للعنصرية والطائفة جزءًا لا يتجزأ من السياسة المناهضة للرأسمالية. وينتج عن ذلك رؤية نضالات السكان الأصليين من أجل الأرض باعتبارها مكونات ضرورية للمقاومة العالمية.

ومع ذلك، ثمة مصدر إضافي أو مجال تعميم وتمايز لا يناقشه شاكرابارتي؛ وهو المجال البين مجتمعيّ أو الأمميّ. أحد الأفكار الرئيسية التطور غير المتكافئ والمركّب هي شرح كيف أنَّ وجود مجتمعات متعددة - دول متعددة - في ظلّ الرأسمالية يُعدّ مؤشرًا على ميلها نحو التعميم ونحو التمايز والتشرذم في الوقت نفسه. وهذا يعني أنَّ الدولة القومية تعمل كمعيار عالمي لما يمكن أو يجب أن يكون عليه المجتمع السياسي. وفي الوقت نفسه، تشكّل السيرورات الملموسة للتطور غير المتكافئ والمركّب واحدة من أكبر مصادر استمرار التمايز بين الدول القومية.

ثمة عامل مركزيّ يعمل على إدامة هذا التطور غير المتكافئ، ويتجلى في أشكال إقليمية أو محلية (territorialized) وجغرافية؛ وهو بناء البنى التحتية المترسخة مكانيًا (على سبيل المثال: مرافق النقل وتكنولوجيا الاتصالات) اللازمة لاستنساخ موسّع لرأس المال. الاستثمارات في مثل هذه البيئات المبنية تحدد المساحات الإقليمية لتداول رأس المال. ولذا يبيّن رأس المال ميلًا واضحًا نحو التركيز في مناطق معينة على حساب أخرى، وإنتاج "منطق إقليمي للقوة"، إسفنجيّ إلى حد ما لكنه قابل للتحديد، وناشئ بطبيعته عن سيرورات تراكم رأس المال في الزمان والمكان. 14

هذا النموذج من التنمية غير المتكافئة فريد من نوعه داخل النظام الرأسمالي. وتأثير هذه النزعات هو أنها ستعمل على الدوام لتقويض أي توحيد "لرؤوس الأموال المتعددة" في جزء واحد من "رأس مال عالمي." وكما قال ماركس: "إنَّ رأس المال موجود، ولا يمكن أن يوجد إلّا كعدد من الرساميل وبالتالي يظهر تقرير مصيره باعتباره التفاعل المتبادل بين الرساميل المختلفة مع بعضها البعض." ويجب بعد ذلك بحكم الضرورة صد نفسه عن نفسه." ونتيجة لذلك، فإنَّ "رأس المال العالمي، من دون رؤوس الأموال الغريبة التي تواجهه، والتي تربطه بها تبادلات مختلفة، هو لا شيء." 15

وعلاوة على ذلك، كما أظهر ديفيد هارفي، فإنَّ إعادة الإنتاج والتوسّع المكاني لتراكم رأس المال ينتجان ويتطلبان إنشاء تكوينات إقليمية جامدة نسبيًا ومركّزة ومنظّمة كذلك. وبالتالي يمكن للتمركزات المكانية الكثيفة من العلاقات الاجتماعية الرأسمالية توفير الأسس الإقليمية للدول عن طريق الإشراف على وتوريد الموارد اللازمة للحفاظ على فاعلية جهاز الدولة. وبهذا المعنى، فإنَّ الطابع غير المتكافئ والمركّب للتطور الرأسمالي يعزز ويكرّس التفتت الجغرافي الذي، بطريقته المعاصرة، يأخذ شكل التعددية للدول القومية ذات السيادة. نحن نرى أنَّ الجغرافيا السياسية الإقليمية وما بعد الإقليمية للرأسمالية غائبة في طرح شاكرابارتي؛ تلك الجغرافيا السياسية التي نعتقد أنّها ضرورية لفهم أصول الرأسمالية وإعادة إنتاجها المعاصر والمستمر.

- لقد أكدتما على نقطة ضعف مشتركة في السرديات ذات المركزية الأوروبية وما بعد الكولونيالية: افتراض وجود "تاريخ أوروبي مغلق بإحكام نشأت فيه الحداثة قبل أن يتم توسيعها لاحقًا على مستوى العالم. 16 ما هي الأفكار الرئيسية "للتأريخ الأمميّ" للرأسمالية التي من المفترض أن تقضي على هذا الضعف؟

ما نعنيه بعبارة "التأريخ الأمميّ" هو أنَّ أصول وتاريخ الرأسمالية لا يمكن فهمها بشكل صحيح إلّا من خلال مصطلحات "أمميّة" 17 أو بين مجتمعية، وأنَّ هذا "الطابع الأمميّ" تأسيسيّ للرأسمالية كنمط إنتاج تاريخي. وبالرغم من أنَّ هذا قد يبدو واضحًا بشكل حدسي لكثير من القرّاء، إلّا أنّنا في هذا الكتاب نوضح كيف فشلت المفاهيم الحالية للرأسمالية حتى الآن في أخذ هذا "الطابع الأمميّ" على محمل الجد، مما يؤدي إلى تنظيرات إشكالية لأصولها وللتنمية التي تحدّ ليس فقط تأريخنا للرأسمالية، ولكن تحدّ أيضًا نقدنا الحالي لها.

في حين كانت هناك العديد من الدراسات التي تشير تجريبيًا لهذا البُعد "الأمميّ" للظهور التاريخي للرأسمالية والتنمية، إلّا أنها فشلت إلى حد كبير في دمج خصوصيات "الأمميّ" نظريًا باعتباره عنصرًا طبيعيًا للتنمية الاجتماعية (انظر أعلاه). بعبارة أخرى، المصادر الأمميّة أو الجيوسياسية للتنمية أُحيلت إلى مجال الاحتمالات، و"الصدمات" الخارجية وغيرها من العوامل الخارجية غير المفسّرة المرتبطة بطريقة مخصصة لنظرية مُشكّلة سلفًا عن المجتمع يُنظر إليها باعتبارها استخلاصًا فرديًا. وتغلُّبًا على نقاط الضعف النظرية والتجريبية لهذه المقاربات، يقدّم الكتاب إعادة بناء نظري لفكرة تروتسكي عن التطور غير المتكافئ والمركّب التي تدمج البُعد البين مجتمعي بوضوح للسببيّة في مفهومها الأساسي للتطور. لقد كان الشيء الكامن في صياغة تروتسكي الأصلية هو إعادة تعريف أساسي لتصور ومنطق التطور ذاته: مفهوم منحوت عليه فرضية "أكثر من فرضية أنطولوجية واحدة" مفقودة في المقاربات النظرية الاجتماعية الأخرى. 18

هذا المنظور لا يوسّع فقط النطاق المكاني للتحليل لمعرفة القرارات المتميزة الناشئة عن التعايش والتفاعل بين المجتمعات المتعددة (أي "الأمميّة")، ولكن يسمح أيضًا بالتركيز التام على العلاقات المتنوعة للترابط والتكوين المشترك بين "الغرب" و "بقية العالم" في تأسيسهم المشترك، وربما غير المتكافئ، للعالم الرأسمالي الحديث. من آثار التجدد على المستوى الاقتصادي لتوسّع حقبة "السلام المغولي" (Pax Mongolica) خلال القرن الثالث عشر الطويل إلى تنافس "القوى العظمى" بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية النمساوية متمثلة في عائلة هابسبورغ الكاثوليكية أثناء القرن السادس عشر إلى "اكتشاف" العالم الجديد وتقسيمه على طول مساحات خطيّة للسيادة إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية أوسع من المستعمرات الممتدة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، كل هذه السيرورات والتطورات التاريخية كانت مركزيّة في انهيار النظام الإقطاعي وظهور الحداثة الرأسمالية (راجع الفصول 3-8).

- كتب ماركس أنَّ "العبودية المقنّعة للعامل الأجير في أوروبا تطلبت كقاعدة لها عبودية خالصة تمامًا وسهلة المنال في العالم الجديد." 19 كيف ساهمت "اكتشافات" العالم الجديد في تطور الرأسمالية ونظام الدولة الإقليمي الحديث؟

في الواقع، كانت "اكتشافات" عام 1492 حاسمة في تشكيل المجتمعات الأوروبية الرأسمالية الحديثة، فقد مثّلت ناقلًا أساسيًا للتطور غير المتكافئ والمركّب التي وُلِد من خلالها النظام العالمي الحديث. في كتاب "كيف ساد الغرب"، ندرس مجموعة واسعة من السيرورات والتطورات المختلفة التي أثّر فيها "العالم الجديد" على المسارات التنموية المتفاوتة "للعالم القديم" في تحولاتهما المتنوعة (وغير الانتقالية) إلى الحداثة الرأسمالية.  

نحن ننظر، على سبيل المثال، في كيف أنَّ التفاعلات البين مجتمعية والنزاعات والصراعات بين الأوروبيين والهنود الحُمر التي وقعت في الأمريكتين كانت حاسمة في ظهور المفاهيم الحديثة للسيادة على الأراضي وتطوير المركزية الأوروبية، والعنصرية العلمية والمؤسسة الحديثة للنظام الأبويّ. كما نبحث على وجه الخصوص في مسألة كيف سعى المشرّعون الإسبان في القرن السادس عشر إلى التوفيق بين تزايد اتساع الفجوة بين المسيحية كأيديولوجية عالمية شاملة وبين مواجهة الشعوب غير المسيحية في الأمريكتين. استجابة المشرّعين لهذه المشاكل دعت إلى إعادة مفهمة فكرة "العالمية" على أساس تمييز أنطولوجيّ بين الأوروبيين و "الهنود".

ولذا، في حين كان المستعمرون يرتكبون "أكبر إبادة جماعية في تاريخ البشرية" 20 في الأمريكتين، إلّا أنَّ هؤلاء المؤدلجين في أوروبا كانوا منشغلين بهدم سلطة المسيحية التي أثبتت أنها غير قادرة على مفصلة خبرات العالم الجديد. ومن تحت الأنقاض الناتجة عن ذلك ظهر التصوّران الصِنوان للذات الأوروبيّة والآخر غير الأوروبيّ، مما مهّد الطريق لأجهزة أيدولوجية المركزية الأوروبية، والعنصرية، والنظام الأبوي عملت على شرعنة ويلات الكولونيالية وتحفيز تطور الرأسمالية.  كما شهدت المواجهة الاستعمارية في الأمريكتين (لأول مرة في التاريخ) تطوير أشكال خطيّة للسيادة الإقليمية (راجع الفصل 5).  

نحن نوضح كذلك كيف أنَّ نهب المعادن والموارد الأمريكية الثمينة من قِبل الأوروبيين زاد من تفاقم الاختلاف الناشئ بالفعل بين إقطاعيّة الإمبراطوريات الأيبيرية والرأسمالية الناشئة في شمال غرب أوروبا. والواقع أنَّ تطور الرأسمالية في إنجلترا نفسها كان معتمدًا على المجال الموسّع للفاعلية التي تقدمها دول المحيط الأطلسي. وكما نوضح، فإنّه لم يتم التغلب على حدود الرأسمالية الزراعية الإنجليزية في نهاية المطاف إلّا من خلال المزيج الاجتماعي للأراضي الأمريكية، وعمل العبيد الأفارقة، ورأس المال الإنجليزي. لا يقتصر الأمر على أنَّ المجال الموسّع للتداول المتضمن من قِبل التجارة الثلاثية عبر الأطلسية المربحة وفّر العديد من الفرص للرأسماليين الإنجليز لتوسيع مجال نشاطهم، ولكنَّ الجمع بين سيرورات العمل المختلفة عبر المحيط الأطلسي أدى إلى تمكين إعادة تشكيل العمل في بريطانيا أثناء الثورة الصناعية. كما قدّم الاستغلال الوحشي للعبيد في المزارع مجموعة من "المدخلات" التي ساهمت في الثورة الصناعية. وفي هذا الصدد، من بين أمور أخرى، كانت هناك حاجة للتداخل الحقيقي للعمل تحت رأس المال في المصنع البريطاني، وإنشاء العمل "الحر" بأجر في أوروبا، وكشرط مسبق أساسي له كانت "العبودية غير المشروطة في العالم الجديد قاعدة له كذلك."

- ينظر الفيبريّون الجدد (Neo-Weberian) (نسبة إلى ماكس فيبر Max Weber) إلى المنافسة الجيوسياسية باعتبارها القوة الدافعة وراء تشكيل الدولة في أوروبا. وبالتالي، وبطريقة واقعية، يفترضون أنَّ السياسة الأمميّة تجري ضمن سياق الفوضى. إذا لم تكن الفوضى هي القوة الدافعة وراء السياسة، فما الذي يفسّر الطبيعة التي تميل للحرب لنظام الدولة الإقطاعي في أوروبا؟  

باختصار، تكمن الإجابة عن هذا السؤال في خصوصيات علاقات الإنتاج الإقطاعية التي، على مدى أواخر العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة، انحدرت في أزمة شاملة عموميّة. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا وكأنه عودة غير مشروعة لهذا النوع من التنظير الداخلانيّ (internalist) ذات المركزية الأوروبية الذي ننتقده في الكتاب. ومع ذلك، عند توسيع نطاق التحليل خارج أوروبا، من المهم أن ندرك أنَّ العلاقات الاجتماعية الإقطاعية في أوروبا ومعها النظام الجيوسياسي الناشئ جنبًا إلى جنب مع العناصر التكنولوجية والعسكرية، والأيديولوجية كلها تحمل أصلًا بين مجتمعيّ كما نوضح في الكتاب (راجع الفصول 3، 4، 6، 8)

مع أخذ هذه المصادر الأوروبية الإضافية والبين مجتمعيّة في تكوين الإقطاع الأوروبي في الاعتبار، فكيف ولّدت الإقطاعيّة مثل هذا النظام الجيوسياسي التنافسيّ الذي يميل إلى الحروب؟ نحن هنا نسير جزئيًا على خطى عمل روبرت برينر (Robert Brenner) حول هذا الموضوع. في حالة غياب هذا النوع من النشاط الاقتصادي غير المسبوق الذي توفره العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، كانت الحرب هي الوضع المناسب لتوسيع الفوائض المتاحة للطبقات الحاكمة في ظلّ النظام الإقطاعي. عرضت العلاقات الإنتاجية الإقطاعية حوافز قليلة للفلاحين أو اللوردات لإدخال مستمر وممنهج لأساليب تكنولوجية أكثر إنتاجية، وخاصة مع وصول الفلاحين المباشر لوسائل الإنتاج والإعاشة. ونتيجة لذلك، تكمن مصالح اللوردات في استخراج المزيد من الفوائض من خلال وسائل قسرية مباشرة. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق دفع الفلاحين إلى حدود إعاشتهم أو عن طريق الاستيلاء على أراضي لوردات آخرين. نتج هذا المسار الأخير في سيرورة تراكم سياسي" بين اللوردات أنفسهم عملية مدفوعة بحرب تكوين الدولة. 21  

هذه الحالة تعني أنَّ الطبقة الحاكمة الأرستقراطية طالبت بالوسائل السياسية والأيديولوجية والعسكرية من أجل استغلال الفلاحين وانتزاع الفائض لغرض استهلاك اللوردات. ولكن، خلافًا للإمبراطوريات التابعة في آسيا، لم تكن هذه الوسائل خاضعة لسيطرة أو مركّزة في دولة مركزية موحّدة، ولكنها بدلًا من ذلك تناثرت بين طبقة النبلاء. هذا التناثر للقدرات القسرية يعني أنَّ السلطة السياسية في أوروبا كانت متشرذمة ومقسّمة وبالتالي ذات قدرة تنافسية عالية، مع تزايد الصراع بين اللوردات على الأراضي داخل وخارج "الدول" الإقطاعية على حد سواء (انظر الفصول 4 و6 و8).

اللوردات الناجون في نهاية سيرورة التراكم الجيوسياسي شكّلوا الأساس للدولة الاستبدادية. يمثل نظام الدول الاستبدادية في أوروبا الحديثة "منظومة إعادة نشر وإعادة شحن الهيمنة الإقطاعية"، 22 وظل هذا النظام خاضعًا للقواعد النظامية للتراكم الجيوسياسي الذي تفاعل وفي بعض الحالات اندمج مع المنطق الناشئ لتراكم رأس المال التنافسيّ الذي رافق تلك الدول التي كانت تتحوّل بالفعل إلى الرأسمالية موضحًا الحالة المتوطنة في عصرٍ ميّزته الحرب. ما جعل هذه الحقبة من الحرب الدائمة شديدة الوطأة كانت الأزمة المعمّمة لعلاقات الإنتاج الإقطاعية التي عانت منها أوروبا.

كان استمرار الصراع المسلّح طوال هذه الحقبة ليس مجرد نتيجة للديناميّات البنيويّة المعتادة للوضع الإقطاعي الميل نحو التراكم الجيوسياسي ولكن، بدلًا من ذلك، كانت عملية إعادة إنتاج الطبقة الحاكمة نفسها في أزمة وتحت التهديد نظرًا لأنَّ الإقطاع استنفد تقريبًا كل الاحتمالات الممكنة لمزيد من التوسّع الداخلي (أي داخل أوروبا). وهذا بدوره تسبب في هبوط حاد في عائدات النظام الإقطاعي، وتفاقمَ بسبب الأزمة الديموغرافية الناجمة عن الطاعون، مما أدي إلى زيادة كبيرة في ثورات الفلاحين والصراعات الطبقية بشكل عام (انظر الفصل 3). تفاقمَ هذا الوضع الخطير و "جرى تأكيده مرارًا" عن طريق التهديد الجيوسياسي المستمر المنبثق عن الإمبراطورية العثمانية (انظر الفصل 4). وفي ظلّ هذه الظروف، أصبح وجود حالة حرب شبه مستمرة تشمل الصراعات داخل الطبقة الحاكمة والجهود المستمرة لسحق تمرد الفلاحين "ضرورة" سوسيولوجية (راجع الفصل 6).

- على عكس سرديات الماركسية السياسية التي تؤكّد على الأسباب الداخلية لتطوّر الرأسمالية في إنجلترا، أنتما تؤكّدان على الدور الحاسم للعوامل الخارجية عبر "امتياز التخلف" أو "سوط الضرورة الخارجية." ما هي العوامل الخارجية التي ساهمت في تطور الرأسمالية في إنجلترا وما مدى ارتباطها بالعوامل الداخلية مثل الصراع الطبقي بين اللوردات والفلاحين الذي أدى إلى الرأسمالية الزراعية؟

الماركسيون السياسيون حدّدوا على نحو صحيح وجود طبقة حاكمة إنجليزية متجانسة نسبيًا كتفسير لتوجّه إنجلترا الغريب نحو الرأسمالية الزراعية. وعلى عكس الفرنسيين، حيث تنافست الدولة والنبلاء على فوائض الفلاحين، عملت الطبقة الحاكمة الإنجليزية في انسجام تام لمصادرة الفلاحين وتطويق الأراضي. وعن طريق "تجريد" الفلاحين من الأرض بهذه الطريقة، وتركيز وسائل الإنتاج في يد الطبقة الحاكمة، رأينا ظهور طبقة مميزة من الرأسماليين، من جهة، والعمّال المأجورين من جهة أخرى. ولكن لماذا أظهرت إنجلترا على وجه التحديد هذه الوحدة الغريبة للطبقة الحاكمة؟ تكمن الإجابة بحسب بيري أندرسون، من بين أمور أخرى، في نزع العسكرة النسبية للطبقة الحاكمة الإنجليزية أثناء القرن السادس عشر. في حين أنَّ الدول الاستبدادية الحديثة في بقية أوروبا كانت تُمركّز وتوسّع قدراتها العسكرية في شكل الجيوش والاستثمار في الأسلحة، إلّا أنَّ إنجلترا كانت تتراجع عسكريًا.

التفسير الواضح لنزع العسكرة هو عُزلة انجلترا النسبية عن الضغوط الجيوسياسية فهي ليست بحاجة إلى جيش لأنّها ظلّلت في منأى نسبيًا عن الحروب المتعددة التي كانت تجتاح أوروبا في ذلك الوقت. ونحن نحاجّج أنَّ أحد الأسباب الرئيسية يمكن القول إنّه السبب الوحيد الأكثر أهمية في عُزلة إنجلترا هو أنها كانت غير مهمّة لطموحات واهتمامات القوى الجيوسياسية الكبرى في ذلك الوقت إذ كانت تُعدّ "متخلفة نسبيًا"، مجرد دولة منعزلة لا علاقة لها بإعادة إنتاج المسيحية والإقطاع الإمبراطوري. وفي القرن السادس عشر، كان أحد أهم التهديدات التي تواجه القوى العظمى في العالم المسيحي هو الجنوب الشرقي حيث الإمبراطورية العثمانية.

قام العثمانيون بعمليات توغل سريع في جنوب شرق أوروبا واستولوا على شرق البحر المتوسط وكان في هذا الوقت محور المصالح الجيوسياسية الأوروبية. وبالتالي كانوا بمثابة العازل، أو المركز الجيوسياسي للجاذبية، الذي امتص أقوى دولة في أوروبا داخل مداره الخاص، وترك إنجلترا معزولة نسبيًا عن مكائد عائلة هابسبورغ، والدول البابوية، والدول المدن في إيطاليا و (بدرجة أقل) منعزلة عن الفرنسيين. لقد كانت تلك العزلة التي أحدثها العازل العثماني هي التي أدت إلى تجانس الطبقة الحاكمة الإنجليزية، ومكّنتها من القيام بمثل هذا العمل الموحَّد ضد الفلاحين. وبالتالي لا يمكننا فهم تاريخ محاصرة الأراضي من قِبل اللوردات إلّا إذا نظرنا إليه من وجهة نظر عثمانية.

- بحسب أندريه توسيل (André Tosel)، لم يكن عام 1991 نهاية الماركسية ولكن نهاية الماركسيّة-اللينينيّة التي تضمنت أيضًا منظورًا حتميًا مبالغًا فيه للتطور التاريخي. كيف تفسران عودة ظهور التطور غير المتكافئ والمركّب في النظرية الماركسية؟

قد يصيح تروتسكي قائلًا: "إعادة ظهور؟ ما هذا الهراء! لقد تحدثنا دائمًا عن التطور غير المتكافئ والمركّب! ومع ذلك، من المثير للاهتمام أنّه على الرغم من أنَّ التروتسكيين دائمًا ما يحتجّون بالتطور غير المتكافئ والمركّب، إلّا أنّه في العقد الماضي فقط كان هناك مثل هذا الاستعمال الصارم والمبتكر لتلك الفكرة، سواء من الناحية النظرية أو من الناحية التاريخية. ربما الأكثر إثارة للاهتمام أنَّ الكثير من هذه الابتكارات تأتي من أناس تخلّوا منذ فترة طويلة عن التروتسكية كمشروع سياسيّ (أو لم يكونوا جزءًا منها في المقام الأول). هذا، بالمناسبة، هو السبب في أننا نعارض توصيف جون هوبسون (John Hobson) للتطور غير المتكافئ والمركّب بأنه "فكرة نيو تروتسكية". 23

ولكن مسألة تاريخانيّة التطور غير المتكافئ والمركّب مهمّة للغاية ونحن نطرحها بشكل جزئي في هذا الكتاب. على الرغم من أنّنا ندرك سياق ظهورها في المناقشات بين الثوار في أوائل القرن العشرين، إلّا أننا لا نفحص عودة ظهورها الأخير. وعلى الرغم من أنّنا نضع دراسة الرأسمالية في سياق ما بعد عام 2008، لكنَّ تاريخ التطور غير المتكافئ والمركّب كمشروع فكري لديه تاريخ مختلف. ومن منظور انعزالي أكاديمي، فإنَّ انتشار فكرة التطور غير المتكافئ والمركّب متجذر في مجموعة من الإشكاليات الفكرية التي كان يتصارع بشأنها الماركسيون (وبالتالي غير الماركسيين) داخل مجال العلاقات الأمميّة على وجه التحديد، "لماذا لا يوجد علم اجتماع تاريخي ودولي؟ "أو بشكل أعمّ، لماذا كان من الصعب الربط بين الأوضاع الاجتماعية والجيوسياسية للتنظير. 24 لقد أذهل التطور غير المتكافئ والمركّب الكثير منّا كوسيلة مفيدة بشكل ملحوظ للإجابة عن هذه الأسئلة. ولكن هناك سياق تاريخي وسياسي واسع يستحق التفسير.

في البداية، نعم، وضع عام 1991 وسقوط الاتحاد السوفيتي نهاية بقايا التنظير المرحليّ (داخل الماركسيّة على الأقل). ولكنه فتح الباب أيضًا لمجموعة من الأسئلة السياسية التي مزّقت الكثير من الثوابت القديمة (والإشكالية) لليسار (اللينينيّ) والماركسيّ. ونحن نرى في هذه الفترة تفوق النيوليبرالية، والطبيعة المتغيّرة لنموذج الدولة، والتقلبات المتزايدة لما يسمى العولمة والتداخل المتزايد للحياة الاجتماعية تحت كنف تراكم رأس المال. كل هذه التطورات فتحت احتمالات سياسية جديدة وضروريات لم يتشابك معها "اليسار القديم" على نحوٍ كافٍ بالرغم من حرصه على هوية "العامل". بعد التفكير في هذا التاريخ السياسي والفكري، فإنّه ليس من المستغرب أن تظهر التطور غير المتكافئ والمركّب في سياق أصبحت فيه البنى النظرية المستمدة من تجارب القهر الفريدة ومن وجهات نظر استثنائية غير ذي صلة على نحو متزايد إن لم تكن عديمة الفائدة للتجارب التي عاشتها طبقة البروليتاريا على مستوى العالم.

وفي الوقت نفسه، الانتشار المتزايد للتصوّرات ما بعد البنيويّة، وما بعد الكولونياليّة، والعِرقية النقدية، والنسويّة للطريقة التي تعمل بها الرأسمالية والسلطة بشكل عام طرح حاجة مفاهيمية أكبر للتعامل مع أسئلة الحدوديّة (liminality)، والتهجين، والتداخل وهلم جرّا. تميل العديد من الاتجاهات الأكثر دوغمائية عن الماركسية إلى تجاهل، وتهميش أو المعاداة الصريحة لهذه المقاربات المختلفة، ويواصل العديد منها فعل ذلك (التفكير في مختلف حالات الإقصاء المتثاقل "لسياسات الهوية" التي لا تزال تسود التنظيمات السياسية المختلفة التي تدّعي التحرّر والثورة).  التطور غير المتكافئ والمركّب هو فكرة نظريًا على الأقل أكثر تعاطفًا مع هذه الاتجاهات "ما بعد الوضعيّة" ولديها الكثير من القواسم المشتركة معها (أو بالأحرى نحن نراها بهذه الطريقة). وفي الوقت نفسه، هي فكرة تظل مقترنة في كثير (وليس بالضرورة جميع) النواحي بالنهج الماديّ التاريخيّ، والتحليل الطبقيّ والكتابات الماركسيّة. ولذا نحن نرى أنَّ التطور غير المتكافئ والمركّب يشكّل إطارًا يمكن من خلاله سد الثغرات النظرية والسياسية بين المقاربات النقديّة الماركسيّة وغير الماركسية بشكل مثمر. في كتاب "كيف ساد الغرب"، على سبيل المثال، نحن نسعى لفتح حوار مع مقاربات ما بعد الكولونيالية، بدلًا من تجاهلها.

- يقول مايكل لوي إنَّ "سياسة التطور غير المتكافئ والمركّب" تتكون من ثلاث مشاكل مترابطة جدليًا: إمكانية ثورة بروليتارية في البلدان "المتخلفة"، والانتقال المتواصل من الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية، والتمدد الأمميّ للسيرورة الثورية. 25 ما هو الدور الذي تلعبه السيرورة الثورية العالمية المستمرة في تحليلكما، حيث تُعدّ التطور غير المتكافئ والمركّب فوق تاريخية (trans historical)، أو - على وجه الدقة - فوق نسقية (transmodal )، أي متجاوزة للنمط أو الشكل؟  

ربما ينبغي توضيح ما نعنيه بالتطور غير المتكافئ والمركّب التي تعمل بطريقة فوق نسقيّة. عند استخدامها بشكل عام، على المستوى فوق النسقيّ، فإنَّ أفضل طريقة هي فهم التطور غير المتكافئ والمركّب باعتبارها الفرضية الأساسية أو الأنطولوجية للتاريخ البشري. بعبارة أخرى، إنّها تحدد مجموعة مجرّدة من المحدّدات التي تصف الحالة العامة التي تواجه جميع المجتمعات بغض النظر عن السياق التاريخي. ولذلك، عندما تُستخدم عند هذا المستوى فوق النسقيّ، فإنَّ التطور غير المتكافئ والمركّب تخبرنا الكثير عن السيرورات التاريخية الواقعية، وتفسّر القليل عن هذه السيرورات كذلك. وعند هذا المستوى من التجريد فهي لا تشكّل نظرية. ومع ذلك، هذه ليست الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها استخدام التنمية غير المتكافئة والمركّبة. في الكتاب، نستخدم الفكرة بطريقة نسقيّة. من الفرضية الأنطولوجية فوق النسقية يمكننا استخلاص مجموعة من الأسئلة للبحث، ولا سيما الانتباه إلى: (1) تعدديّة التنمية المجتمعية. (2) التفاعل بين المجتمعات الناشئة عن هذه التعدديّة. (3) الأشكال المجتمعة المركبّة للتنمية التي تنبثق عن هذه التفاعلات. ولكنَّ هذه الافتراضات الأنطولوجية والمنهجية العامة وحدها لا تشكّل نظرية على هذا النحو على الأقل ليس بالمعنى الماركسيّ على وجه التحديد. وهذا يعني أنَّ النظرية ليست ممكنة إلّا على مستوى معين تاريخيًا ترتبط فيه الإحداثيات الأنطولوجية والمنهجية للدراسة بمقولات تاريخية وسوسيولوجية ثابتة وملموسة. نحن نعتقد أنَّ هذا مفيد في أنّه بوسعنا النظر في التطور غير المتكافئ والمركّب من خلال خصوصيتها التاريخية، وهو أمر يختلف في سياقات تاريخية مختلفة، دون التخلي بالضرورة عن الفرضية فوق النسقيّة. (وهذا يوضح كيف يعمل مفهوم "نمط الإنتاج" في الفكر الماركسيّ).

عودة إلى لوي، نحن نرى أنَّ تعمقه في سياسة التطور غير المتكافئ والمركّب يحدث على مستوى ملموس من التحليل، مستوى متأثر بالتصور فوق النسقيّ للتطور غير المتكافئ والمركّب، ولكنّه ليس مستمدًا منه. ولذلك، فإنَّ الإشكاليات التي يحددها لوي قاصرة على مجموعة من الإشكاليات التاريخية (ولا سيما تلك العائدة إلى القرن العشرين) التي لا توجد بالضرورة في سياقات مختلفة، سواء كان ذلك اليوم أو في أوائل العصر الحديث (الذي هو محور تحليلنا). وما إذا كانت هذه الإشكاليات متحقّقة في عصور مختلفة فهذا عمل علم الاجتماع التاريخي والنشاط السياسي، ولا يمكن استنتاجه من أي مزاعم فوق نسقيّه فحسب.

هل كانت إشكاليات لوي آنيّة أو يمكن إدراكها في محور تحليلنا (أي أصول للرأسمالية)؟ حسنًا، بعض ادّعاءاته على وجه التحديد وجود البروليتاريا ومسألة الانتقال من الديمقراطية إلى الثورة الاشتراكية تفترض الرأسمالية، وبالتالي لا يمكن اعتبارها جزءًا من تاريخ أصولها. الطريقة التي تمّ بها تأطير المشكلة الثالثة التمديد الأمميّ للسيرورة الثورية تمثّل مشكلة في حد ذاتها؛ فهي تفترض قيام ثورة داخلية - محليّة - تمتد إلى الخارج - دوليًا. تعاني مثل هذه الآراء من هذا النوع من الداخلانيّة (أو النزعة القومية المنهجية) التي تغلب عليها التطور غير المتكافئ والمركّب.  

ومع ذلك، يمكن القول بأنَّ هناك العديد من الطرق التي لعبت من خلالها "السيرورات الثورية الأمميّة" دورًا هامًا أثناء الحقبة التي نتناولها في هذا الكتاب. خذ على سبيل المثال، أزمة العالم المسيحي. لقد شهدت أوروبا انهيار الإقطاع وثورات الفلاحين ممفصلة على غرار ثورة دينية. وفي الوقت نفسه، ثورات الفلاحين ضد العالم المسيحي عملت على تسهيل توسَّع الإمبراطورية العثمانية نحو الأراضي المسيحية، وبالتالي إضعاف البابويّة وإمبراطورية هابسبورغ. وفي الأمريكتين لدينا سلسلة من الثورات التي قامت بها مجتمعات السكان الأصليين ضد الإمبريالية الأيبيرية. وفي الوقت نفسه، في آسيا كانت المجتمعات المحلية تقاوم محاولات الاستعمار الاستيطاني من قِبل الأيبيريين، وفي وقت لاحق، من قِبل القوى الهولندية.

نحن نرى أن هذه التواريخ الأمميّة غير الأوروبية المتفاوتة والمتقاطعة كانت حاسمة في انهيار النظام الاجتماعي في أوروبا. لقد نتج عن حطام هذا النظام الاجتماعي المتداعي وسائل بديلة للاستغلال والنظام الاجتماعي - مثل الرأسمالية والعنصرية والأشكال الحديثة من النظام الأبويّ. وعلاوة على ذلك، اُستخدِمت هذه الأساليب الجديدة خصيصًا لسحق أو السيطرة على هذه الحركات الأمميّة المتمردة. وأعتقد أنَّ الهدف هنا هو هدف جوهري بالأساس فرضية أنطولوجية لتنمية غير متكافئة ومركّبة وفوق نسقية والمؤشرات المنهجية التي تنبثق عنها والتي تساعدنا على فهم الصراع الطبقي وفعاليّة التابع بمصطلحات بين مجتمعية بدلًا من مصطلحات محلية أو قومية. تساعدنا التطور غير المتكافئ والمركّب أيضًا على إدراك مدى تقاطع السيرورات الثورية المتفاوتة والمتعددة واندماجها على مستوى العالم. وهذه مسألة هامّة اليوم، بنفس الأهمية التي كانت عليها عندما كتب لوي أطروحته.



 

§                   ألكسندر أنيفاس Alexander Anievas: مدرس العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة كامبريدج

كريم نيسانشيوغلو Kerem Nisancioclu:محاضر في الدراسات الدولية بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS بجامعة لندن).

ورابط الحوار:

https://viewpointmag.com/2015/12/01/towards-a-radical-critique-of-eurocentrism-an-interview-with-alexander-anievas-and-kerem-nisancioglu/

1.       Karl Marx, Capital, Volume III, trans. David Fernbach (Harmondsworth: Penguin, 1981), 728.

2.       Bertell Ollman, “Marxism and Political Science: Prolegomenon to a Debate on Marx’s Method,” in Social and Sexual Revolution: Essays on Marx and Reich (London: Pluto Press, 1979), 99-156, 105.

3.       Justin Rosenberg, “Why Is There No International Historical Sociology?” European Journal of International Relations, Vol. 12 No. 3 (2006): 307–340, 308.

4.                انظر:

5.        Rosenberg, “Why Is There No International Historical Sociology?

وانظر أيضًا في هذه القائمة لبعض الكتابات المعاصرة عن التطور غير المتكافئ والمركّب.

6.       Charlie Post, The American Road to Capitalism: Studies in Class-Structure, Economic Development, and Political Conflict, 1620–1877 (Leiden: Brill, Historical Materialism Book Series, 2011.

7.       Dipesh Chakrabarty, Provincializing Europe (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008, 2nd Edn.), 70; Vivek Chibber, Postcolonial Theory and the Spectre of Capital (London: Verso, 2013), 229.

8.       Chakrabarty, Provincializing Europe, 63.

9.       Karl Marx, Grundrisse, trans. Martin Nicolaus (Harmondsworth: Penguin, 1973), 105–106.

10.  Chakrabarty, Provincializing Europe, 66.

11.          المصدر نفسه.

12.          "يجد رأس المال أنَّ السلعة موجودة بالفعل، ولكن ليس باعتبارها المنتج الخاص به، وكذلك يجد تداول النقود، ولكن ليس كعنصر في عملية الاستنساخ الخاصة به ... ولكن لا بُدّ من تدمير كلا النسقين كأشكال مستقلة وتابعة لرأس المال الصناعي.

" Marx quoted in Chakrabarty, Provincializing Europe, 64.

13.  Chibber, Postcolonial Theory and the Spectre of Capital, 235.

14.  Chibber, Postcolonial Theory and the Spectre of Capital, 235.

15.  David Harvey, Spaces of Global Capitalism (London: Verso, 2006), 102; Ray Kiely, “Capitalist Expansion and the Imperialism-Globalization Debate: Contemporary Marxist Explanations,” Journal of International Relations and Development Vol. 8, No. 1 (2005): 27–57, 41; David Harvey, The New Imperialism (Oxford: Oxford University Press, 2003), 103.

16.  Marx, Grundrisse, 401, 421.

17.  Alexander Anievas and Kerem Nisancioglu, How the West Came to Rule (London: Pluto Press, 2015), 40.

18.  Jairus Banaji, Theory as History (Leiden: Brill, 2010), 253.

19.  Justin Rosenberg, “The Philosophical Premises of Uneven and Combined Development,” Review of International Studies, 39, 3 (2013): 569-597, 581-83.

20.  Karl Marx, Capital, Volume I, trans. Ben Fowkes (London: Penguin Books, 1976), 925.

21.  Tzvetan Todorov, The Conquest of America: The Question of the Other (Norman: University of Oklahoma Press, 1982), 5.

22.  Robert Brenner, “The Social Basis of Economic Development,” in John Roemer, ed, Analytical Marxism (Cambridge: Cambridge University Press, 1986), 23-53, 31–32.

23.  Perry Anderson, Lineages of the Absolutist State (London: New Left Books, 1974), 18.

24.  John M. Hobson, “What’s at Stake in the Neo-Trotskyist Debate? Towards a Non-Eurocentric Historical Sociology of Uneven and Combined Development,” Millennium, Vol. 40, No. 1 (2011): 147-166.

25.  Rosenberg, “Why Is There No International Historical Sociology?”

26.  Michael Löwy, The Theory of Revolution in the Young Marx (Chicago: Haymarket, 2010), 1; see also his The Politics of Combined and Uneven Development: The Theory of Permanent Revolution (London: New Left Books, 1981).

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة