مستقبل العلاقات الأورومتوسطية حوار مع الدكتور يوسف بن الغياثية

10/20/2016

مستقبل العلاقات الأورومتوسطية حوار مع الدكتور يوسف بن الغياثية

حاوره: عبد الله إدالكوس

 

تحتل الشراكة الأورورمتوسطية حيزا هاما من الاهتمام من طرف الخبراء الاقتصاديين والسياسيين، إلى جانب الباحثين في التاريخ الحضاري و الثقافي، والحقيقة أن حوض البحر الأبيض المتوسط يشكل عمقا حضاريا وثقافيا بروافد متنوعة تجعله يجسد تطلعات الحضارة الإنسانية، كما قد يجسد انكساراتها، وذلك رهين بمدى استثمار عناصر التنوع الثقافي و الحضاري لخلق نموذج للتعايش والاختلاف والسلم و الأمن، و تجاوز العوائق الثقافية و العقدية التي ترخي بظلالها على الأزمات التي تعرفها المنطقة.

 يأتي هذا الحوار مع الباحث المغربي المقيم بكندا الدكتور يوسف بن الغياثية ؛ لتسليط الضوء على مستقبل العلاقات الاورومتوسطية ، وعلى طبيعة العوائق التي تحول دون استثمار جيد لهذه العلاقات، كما نسلط الضوء من خلال هذا الحوار  على الأبعاد الثقافية والتاريخية والدينية لحوض البحر الابيض المتوسط.   

السؤال الأول: صدر لكم سنة 2011 كتاب رهانات الثقافة في الفضاء الأورومتوسطية، طرحتم فيه موضوع العلاقات الأورومتوسطية، وخلصتم إلى أن هذه العلاقة تعيش إشكالية العوائق الثقافية. ماذا تقصدون بهذه العوائق.

د. يوسف بن الغياثية / في بداية هذا الحوار، ننتهز الفرصة لنعبر عن شكرنا للباحث الدكتور عبد الله إدالكوس الذي وجه إلينا هاته الدعوة مشكورا، لندلي ببعض الرأي، والنظر في موضوع هو على أهمية قصوى في عصرنا هذا، ومنذ زمن بعيد.

وثانيا، نود أن نشكر الدكتور المختار بنعبدلاوي الذي أشرف على أطروحتنا الجامعية، وهي التي كانت موضوعَ هذا الكتاب الذي وسمناه "رهانات الثقافة في الفضاء المتوسطي". ففي ثنايا هذا الكتاب، سيجد القارئ أهمية الثقافة، وأهمية الحوض المتوسطي الذي يتعدى الجانب الجغرافي، وإنما يتعداه إلى عناصر أخرى أكثر أهمية.

وعوْدا إلى سؤالكم، عن العوائق الثقافية، نقول وبالله التوفيق إن لغةَ الكتاب تقصد بالثقافة، في هذا السياق، الجانب الديني والحضاري. ذلك أن التعاونَ المنشودَ يتطلبُ اندماجاً قويا حتى يصل التعارفُ إلى مداه؛ لتكون الشراكةُ. غير أنّه ولتحقيق هذا الهدف النبيل فإن عوائقَ تنتصب أمام الطريق. إنها بمثابة كوابح لم يستطع الشمال "المسيحي"، حسب ظنِّـه؛ ولا الجنوب المسلِم، حسب ظنه هو الآخر، الفكاكَ منها. إنها عُقَـد التاريخ، وأزمات الثقافة التي تكالبت على الأداء الفعلي لكل جانب، وصيرتها إلى عقائد. ومعلوم أنه من الصعب أن تتغير عقيدة في زمن يسير. وما نواجهه اليوم هو بمثابة عقائد. والحال أننا أمام تاريخ، ودين. فالتاريخ أدى فيه الإنسان وثقافتُه وسقفُه المعرفي دورا، حتى أصبح يظن أنه الدين؛ في حين أن الدينَ تم تجميدُه، وتغييبه، اللهم إلا في وقت التصادم والتصارع، والقتال. ونعني كذلك أن التاريخَ مُشاركة بشرية ثقافية ومعرفية في هذا السياق، وهو أمر لا يمكننا الفِكاك منه بين عشية وضحاها،  وإن كان من اللازم الوعي بها. وهنا نسجل أن هذا الوعي قليل وضعيف بالمقارنة مع التطلعات التي نرمي إليها. وإلا لما كان هناك تكريس ثقافي لما هو إعادة للتاريخ.

(...) تقصدون، مقولة: "التاريخ يعيدُ نفسَه"؟

ي. ب. نعم، إن التاريخَ يعيدُ نفسَه، وحين يصبح التاريخ مُعيدا، وإن بتفاصيلَ مختلفة، إلا أن الجوهر يبقى على حاله، حين يحصل ذلك يصبح التاريخُ ثقافةً، بل أعقد وأصلبَ، يستحيلُ عقيـدةً [Dogma].

ويمكننا أن نلتمس بعض الأمثلة من الرموز السيميائية، وهي كثيرة جدا في الأعراف الدولية، ويتم التعامل بها بكثرة، واستعمال الرمز السيميائي يتطلب يقظة وقراءة جيدة للتاريخ ومغازيه. فالضفتان كلتاهما مصنفتان في خانة المجتمع التاريخي، وليس المجتمع الجغرافي، إن نحن استعرنا تعابير الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله (1905-1973). فمثلا، تنطلق فعاليات مسلسل السلام بالمشرق العربي بمدريد، برعاية الولايات المتحدة 1991. ويمكن أن نتساءل: لِـمَ مدريد وليس جنيف أو مانيللا بالفلبين؟ والواقع أن اختيار تلك السنة والمكان تزامنا مع تاريخ سابق في التاريخ، ويتعلق الأمر بالتفاوض من أجل تسليم غرناطة، أي قبل سنة من سقوطها الرسمي المعروف في 2 يناير 1492. وتتكرر الرموز السيميائية أيضا لدى الضفة الجنوبية، فالمغرب في أزمته مع إسبانيا بخصوص جزيرة "تُـورة" التي شاع خطأ تسميتها بجزيرة "ليلى"، أطلق على اللواء العسكري المتخرج تلك السنة "لواء الزلاقة"، وهو تذكير لإسبانيا بالحدث التاريخي الذي سحق فيه جيش المرابطين جيش "أذفونش السادس" القشتالي [Alfonso VI] (1040-1109). وبين الحدثين، اختير لانطلاق مسلسل برشلونة 28 نونبر (تشرين الثاني) سنة 1995، وهي مرور الألفية الأولى لانطلاق الحملة الأفرنجية (الحملات الصليبية مثلما هو متعارف عليها) الأولى [Crusades] التي أطلق البابا "يوربان الثاني" [Urban II] (توفي 1099 م) في 27 نونبر (تشرين الثاني) سنة 1095. هل هاته التواريخ صُدَف؟ هل هي مؤامرات مثلما يحلو لمن يؤمن بنظرية المؤامرة؟ لا نملك أجوبة دقيقة، وإنما سنقع في جدال كبير، وانقسامات، ولكل رأي ودليله، ولكل اجتهاد. وهناك جانب على قدر كبير من الأهمية، ونقصد به قضية الوجود والحضور. وهذان العاملان غير متوازنين بين ضفتي المتوسط. أو لنقل غير مكتملين بالنسبة لضفة الجنوب خصوصا. فأوروبا موجودة، وحاضرة ، ضفة الجنوب موجودة، أي نعم، لكنها غير حاضرة.

هلا أوضحتم أكثر قضية عامليْ "الوجود والحضور"؟

ي. ب. مثلما بيّنت تصريحا وتلميحا في الكتاب الذي نتدارس حوله في هذا الحوار، فأوروبا (الغرب، وأعتذر عن هذا التعبير وأتحفظ عليه) عموما، كيانات حضارية وثقافية هي موجودة وجودا ماديا، ويكتسي تفاصيل عديدة في هذا الصدد، فهي وإن لم تكن منسجمةً دينيا، ولسانيا، وثقافيا، إلا أنها استطاعت أن تخلق من وجودها حضورا. وحين نستدعي هذا المعنى فنحن نعني التأثير في المحيط الإقليمي، والقرار الدولي، والمؤسسات العالمية. وعلى نقيضها، نجد الأمر بالنسبة لضفة الجنوب مختلِفا، والتي يشكل فيها المسلمون أغلبيةً كبيرةً، فهي موجودة وُجودا ماديا، ولكنها غير حاضرة، ومن ثَـمّ فهي غير مؤثرة في مجريات الأحداث العالمية، والسياق الحضاري. صحيح أنها منسجمة إلى حد كبير لسانيا، وثقافيا، ودينيا، غير أن الفرق هو أن الاعتقاد المخطئ هو أن الوحدة تصنع القوة، والتأثير.

(...) أليس في الاتحاد قوة، مثلما هو متعارف عليه؟ كيف تصير عناصر الوحدة عائقا في طريق مجتمع، وكتلة حضارية وثقافية تاريخية، أم أنكم ترمون إلى شيء آخر أبعد؟

ي. ب. إن الوحدة إلغاء وتآكل للذات، وهو ما حصل في هذا الجانب لكل الشعوب التي فضلت الانغلاق على ذاتها وتاريخها، ولم تغامر باستشراف آفاق جديدة، وخصوصا في الجانب المعرفي، والفكري. فالبقاء في عنصر واحد، هو مُهْلك حتى من الناحية الحيوية (Biology)؛ ولذا، فحتى في الحديث الداعي إلى الزواج فهو يقول: "تغربـوا"، ومعناه ألا يكتفي الراغب في الزواج بجنسه، أو ثقافته، أو أسرته وعشيرته. فمن الشائع أن زواج الأقارب يورث التشوهاتِ والأمراضَ الوراثيةَ الخطيرةَ. لكن تنويع النسل يقوي من المناعة، ويعطي قوة، ويضيف العناصر الإيجابية من هذا العنصر، ويلقحها للعنصر الآخر. وكذلك الحضارات والثقافات والديانات.

وإذا انتقلنا إلى سؤالكم الرئيس عن القيم ووضعيتها في الضفتين المتوسطيتين، سنقول إنها فعلا تشكل عائقا كبيرا بالنظر إلى اختلافها وتبايُنِها من حيث منظومتُهـا. لكن، إن نحن دققنا النظرَ والدراسة المتعمقةَ لن تجد اختلافا كبيرا. فكلا الضفتين تكره الآخرين من الذين يخالفونهما. وهذا ما عبرنا عنه في كتابنا بنوعين من العداء؛ أحدهما استراتيجي، والآخر شعبي، ويمكن الاطلاع على التفاصيل في ثنايا المنشور منه. فإسبانيا الشعبية مثلا تكره المغاربة، وتُطلِق عليهم عبارةً قدحيةً هي "المورس [Mauri] باللاتينية "مـاوْري"، وهي تعني كل سكان شمال إفريقيا ويمكن التوسع في المعنى من خلال البحث المصطلحي وجذر الكلمة وغيرها، إلا أنها تحولت شعبيا عند الإسبان إلى عبارة قدحية، تصف المسلمين، وخصوصا المغاربة باعتبار القرب الجغرافي، والتداخل الثقافي، والاحتكاك عبر التاريخ، والعداء المتبادل مع غزو كل عُـدْوة جارتَها حسب وضع القوة التي توجد عليه. والحاصل أن المغاربة يعتبرون في مخيالهم الشعبي، وعقلهم الباطن أنهم فقدوا الأندلسَ، ويعبرون عن ذلك "بالفردوْس المفقود"، كناية عن أراضي إسبانيا. ولا يمكن أن نستبعدَ حنينا إلى الفتح حالما تُتاح الفرصةُ من جديد. ولذا، نجد الأيبيريين قد استبقوا الأمور لمنع أي غزو جديد منذ القرن الخامس عشر باحتلال ثغر سبتة [Ceuta  "ثِيُـوتا" بالتعبير القشتالي] سنة 1415 م حين احتلها البرتغال، وحاصرها الإنجليز 1704 إلى أن سلموها إلى الإسبان في القرن الثامن عشر. (وللتذكير في هذا السياق، إن احتلال سبتة ومليلية، والجزر الجعفرية يعني أن المملكة المغربية لا تمارس أية سيادة عملية على الشاطئ المتوسطي، فبهذا الوجود الأيبيري المفروض يُحْرَم المغرب من 85 % من مياهه الإقليمية الشرعية؛ بل ولا توجد دولة، في العالم، تراقب مضيقا من ضفتيْه معا إلا إسبانيا.)

ومن جهة أخرى، لا يمكننا أن ننكر انتشارَ العنصرية واستفحالَها سواء في ضفة الشمال أو في ضفة الجنوب. هي قيم توارثتها الضفتان، فالأوروبيون يتعالون على "الموريين"؛ والموريون يتعالون على الأفارقة جنوب الصحراء الكبرى. والواقع أن هذه القيم العدوانية، والمتوثبة ضد من يخالفك، تطفو إلى السطح كلما أحس المجتمع بتهديد يستهدف انسجامه، وكيانَه وقيمَه الدينية ونمط عيشه.

وكيف تشخصون مثلا هذه الإشكالية، وفي أي إطار تضعونها؟

ي. ب. بالفعل، فنحن أمام إشكالية عظمى، وهي إشكالية "المركزية" وهي تتمظهر في أشكال متعددة. فالشمال يعتبر نفسه مركزية أوروبية، تتوزعها فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليـا، وروسيا، وبدرجة أقل ألمانيا (فهي ليست بلدا إمبراطوريا تقليديا) ،  أما في الجنوب، فهو الآخر يعتبر نفسَه مركزيةً إسلاميةً. لكن لا تسعفه القوةُ وشروطُها. وتتوزع هاته المركزية الجنوبية كل من المغرب، ومصر والشام معا، والعراق، وبلاد فارس (إيـران ومحيطها)، واليمن، وتركيا.

إذن، لكل مركزية قيم تعتبرها عالمية، وتبشيرية، وصالحة لكل زمان ومكان، فبين قيم الحداثة الغربية وقيم الإسلام، وأدبياته تتجاذب الضفتان، وتسوِّقـان للعالم بضاعتهُما القيمية. ولكن الذي لا تنتبه إليه الضفتان وهما تسوقان ذلك أنهما إنما تسوقان التاريخ في شكل العقيدة الذي تحدثنا عنه. ولذا، يبقى العمل كثيرا أمام ما هو منتظر من تطلعات من الجانبين، فالمحصول أهزل من المحصود.

لكن، ونحن نعود إلى الضفة الجنوبية، نجد أن القيم السائدة تنحو نحو التدمير الذاتي ؛  لأننا لا نتحدث عن القيم التي تدعو إليها الأدبيات، من قبيل النص المؤسِّس، وإنما نقصد القيمَ الغالبةَ والمتغلبةَ في الواقع، فلا يمكنك أن تستوعب مقدار التدمير الذاتي والهشاشة والقابلية للعدوانية لعناصرها الداخلية. فلم نقف على شعوب تدمر لغتها الأصلية وتستعرُّ من التداول بها في الإعلام والتجارة، والتدريس، بل يتم التعاطي مع هذا العنصر الخطير بسلاسة واستهانة. وهو ما يمكن أن يعرض مستقبلها لخطر عظيم.

والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها هي أنَّ قيما لا تخدم الإنسان، ولا ترقيه ولا تؤنسِنُـه أولى بنبذها وتركها. ولا نبالغ إن نحن قلنا إنها حتى لو رميت في البحر للوثته، فما بالك بمن يسير بها في الواقع. ولذا، فقيم الشمال المركزية، وقيم الجنوب الإسلامية المتوارثة تحتاج كلتاهما إلى تغيير، لكن من أين للسياسيين بالشجاعة والقدرة على مواجهة المجتمع بشكل بيداغوجي ومقاومة جيوب التغيير بحزم، وإفهامهم أن الأمر لم يعد يحتمل أي إبطاء أو تأجيل. فإنقاذ الآخر أوْلى من أجل إنقاذ الذات حقا. فليس هناك ما يمكن أن تستفيدَه الضفة الجنوبية من انهيار أوروبا، ولا ما يمكن أن تجنيَه أوروبا من تفتيت الضفة الجنوبية وإضعافها. فما نراه من الخطاب السياسي سوى مهاجمة قيم الآخرين وليس الدعوة إلى إعادة النظر في القيم الذاتية لبلد أو لكتلة حضارية وثقافية. فترى مثلا سياسيي الجنوب يحشدون من أجل التصدي لقيم أوروبا باعتبارها غزوا ثقافيا وفكريا، وقيميا؛ فيما ترى اليمين المتعصب ومن لف لفهم يهاجم الإسلامَ ويخلطه بقيم لا علاقة له بها من قريب أو بعيد، وتراه يحمِّل المسؤولية إلى مواطنين أوروبيين بلون مسلم أو عربي أو تركي أو إفريقي، وأنهم سبب تردي وضع الضفة الشمالية، حتى بلغ الأمر بالدعوة إلى طردهم أسوة بما حصل في الأندلس في القرن الخامس عشر، والسادس عشر. فالذي لا يدركه لا هؤلاء ولا هؤلاء هو أن القيمَ التصالحيةَ هي التي ستنتصر، ولو بعد أن تخلف ضحايا، ومخاضات عسيرة. فأوروبا لم تعد ناديا مسيحيا خالصا، والضفة الجنوبية، وخصوصا في غربها الإسلامي لم تعد أرضا إسلاميةً محض. فالتغاير الثقافي والتمازج الثقافي والديني سيفرض بناء كنائس جديدة، كما أننا سنشهد تحولات جذرية بتحول مسلمين إلى نصارى، واستيطان أفارقة مسيحيين بلاد الجنوب، مما يفرض أنظمةً تربويةً وقيميةً على الحكومات أن تستعد لها من الآن إن لم يكن الأوان قد فات. وهنا ستُطرح قضيةُ تعدد الديانات، وتدريسها نفسها ولو تجاهلها المسؤولون، أو المجتمع بصفة عامة لما سبق إليه من شحن وتجهيل، وهو ما سيفرض على الدول أن تتعامل مع أزمات واحتقانات سياسية واجتماعية.

إن الذي علينا أن نُدركَـه هو أنّ قيـمَ الحوض المتوسطي متغيرةٌ، وتسير وفق التاريخ ووفق منطقه، وأنّ أيةَ معاكسة لهذا المنطق، أو أيةَ مخالفة لهذا التحول ستسبب في انهيار من يقف أمام تيارها الجارف. لذا، لا بد من وضع بعض أسس الوحدة المشتركة، مع تشجيع الخصوصيات وتنظيم التنوع الثقافي والديني واللساني، سواء في أوروبا شمال الضفة، أو في شمال إفريقيا جنوب الضفة.

ونحن في هذا نشدد على أطروحة تنظيم التنوع الثقافيّ والديني. كما أنه لا ينبغي أن تتدخل الدول في تدين الأشخاص، وأنْ تكونَ صارمةً في حماية الحريات الشخصية، والهيمنة في الفضاء العام باحترام القانون احتراما تاما، حتى يحيى من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. فتنظيم التنوع سيؤدي لا محالة إلى الاعتراف عن اقتناع بأن الناس مختلفون، وأن اختلافَهم هذا هو سر القوة للجميع. وأن أي تنميط للدين أو للتقاليد لن يأتي بخير سواء كان من جهة الشمال أو الجنوب. هذا مع أن الضفة الشمالية تتحمل مسؤوليةً كبيرة في تلقين الدروس للجنوب، في حين أنها ليست بأفضل حال ممن تريد تلقينهم دروس الإنسانية المسيّسة، والتي تكيل بمكياليْن أو أكثر.

وخلاصة القول، إننا كنا نعلق آمالا في نهاية القرن الماضي على مشاريع كبرى من قبيل "مسلسل برشلونة" على الرغم من عيوبه وحمولته الرمزية والسميائية وإلى عهد الرئيس "بيل كلنتون" [William Jefferson Clinton] في الرؤية الشاملة التي لا تستثني الديمقراطية من الرخاء الاقتصادي، إلا أن لساسة البلدان المؤثرة في العالم نظر آخر، وأنهم رأواْ أن الفوضى [Chaos] الشاملة يمكنها أن تعيد رسم المعالم المتوسطية خصوصا في جنوب الضفة الهشة. وهشاشتها تتمظهر في عماديْن كبيرين ساهما في نكسة عن مشاريع النهضة العربية التي انطلقت منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، واستمرت إلى غاية الخمسينات مع انقلاب العسكر في مصر على نظام الملكية البرلمانية ، ونقصد من الداءيْن الديكتاتورية العسكرْتـارية، والخطاب الديني الذي أدت فيه جماعة الإخوان المسلمين وأخواتها في العالم العربي والإسلامي دورا بينا في كبح الاجتهادات التي بدأت مع السلفية النهضوية، ومنها المحاولات التنويرية لكبار الرواد والمصلحين، الذين كان لهم مشروع للأسف لم تكتمل معالمه، ليتم طمسه بمبيد الديكتاتورية والإسلام السياسي. ويمكن أن نفصل أكثر لو كان المقام يسمح بذلك. ونكتفي بمثال واحد فقط، فنورد أن ما كان يناقَش أيام رواد النهضة لو كتب فقط عنوانا لأحد الجرائد لقام التكفير والتخوين. وأصبحنا اليوم نناقش اليوم حجاب المرأة بعد أن انتهى هذا الموضوع، وحررت المرأة مع ما نادى به قاسم أمين (1863-1908)، وغيره واليوم نعود لنناقش الموضوع نفسَه في نهاية القرن العشرين وبداية الحالي، أي عدنا القهقرة. هذا مثال واحد فقط، وإلا لن نتمكن من إحصاء القضايا سواء المفتعلة أو الحقيقية في هذا السياق.

السؤال الثالث: اتسم مسار العلاقة بين الضفتين عبر التاريخ بكثير من الأزمات، أشرتم في كتابكم إلى أنها ذات طابع عابر، لكنها تتأس على جذور بنيوية؛ ما معنى ذلك؟

ي. ب. سؤال مهم جدا، فنحن بالفعل قدمنا ثلاثةَ نماذج من أزمات تُترجم إلى حد كبير عقلية الضفتين في التعاطي مع الأزمات والمشاكل المستعصية. والواقع أننا وصفناها من ناحيتين؛ وصفناها بالعابرة لكونها سياسيةً في الظاهر، أي هي طارئة من حيث المظهر، وقد تتغير أسبابُها، وتنتفي مبرراتُها، ومن ثمّ، لن نسمع عنها مجددا، ولو إلى حين. لكنها في الوقت نفسِه عميقةُ الجذور، أي بنيوية، وهيكلية. وهنا ستحضر الثقافة بكل ثقلها، ويحضر مشكل التواصل، ويحصل التشنجُ، ونتراجع خطوات بعد أن ظننا أننا حققنا تقدما نحو التعارف والتعاون. لكن قبل أن نخوضَ بعضَ الشيء في هاته الأزمات، نشير إلى أزمة التواصل الثقافي الحاصلة بين الضفتين، وهي من مفاتيح المشكل ومغاليقه.

وسنكتفي بمثال واحد في حوار الطرشان الذي يزيد جهـلُ الإعلام من جهة، وسوءُ النية من جهة أخرى في صب الزيت على النار، وإتاحة الفرصة أمام التشنج الموسمي الذي بدا اليومَ دائما منذ أحداث نيويورك المفبركة بإتقان، وهي مدانة ومشجوبة مبدئيا، سواء ممن تم توظيفهم أو ممن ركب الموجة لكي يعيد الإنسانية إلى أجواء الحروب والقطيعة والعسكرة. مثالنا سيكون عن حجاب المرأة. ففي المنطق الثقافي الأوروبي والغربي عموما، الحجاب يعني "علامة الخضوع"، والتعبير هنا للقديس "بولس" الرسول الطرسوسي [St-Paulus] أعدمه الرومان سنة 67 م. وقد جاء تعبيره هذا في الرسالة الأولى إلى مدينة "كورينثيوس" اليونانية [Κορινθίους] (راجع الأصحاح 11، مقطع 10 من الرسالة الأولى إلى مؤمني هاته المدينة). وهنا لنا أن نتصور أن النضال الذي خاضته المرأة الغربية للانعتاق والتحرر، أن يأتي كائن من كان ليعيد كل شيء إلى الخلف، وهو أن يلبس المرأة رداءً يرمز إلى عقلية الخضوع، وسلطة الرجل عليها، وهنا على المسلمين أن يتفهموا حساسية الحجاب وارتدائه في الوسط الغربي، والخلفية الدينية التي عمل "بولس" على فرضها من خلال رسالته بالتشريع للباس المرأة بعد اختفاء السيد المسيح بزمن طويل يضاهي نصف قرن. في المقابل، يرى المتدينون من المسلمين أن الخمار يرمز إلى العفة والوقار والحشمة، وأنّ الله فرضه في سورة النور، وسورة الأحزاب من القرءان الكريم، ونحن هنا لن نخوض في صحة هاته الادعاءات الإسلامية أم لا المهم أن التقليد جرى أن المرأة تحتشم بارتداء الخمار ولا نقول الحجاب لأن الأمرين يختلفان، وليسا مترادفيْن. المهم عندنا كيف يتفهم الغربي أهمية الخمار بالنسبة للمرأة المسلمة من حيث كونُه علامةَ عفة وطهارة، وكيف يتفهم المسلم أن الخمارَ علامةُ الخضوع والعار بالنسبة إليه في الثقافة الغربية، التي تمتح من الكتاب المقدس، والإرث الإنسانوي [Humanist]، إذن ترى أن مشكلة التواصل والتفهم، والتفاهم على صيغ وعلم، فالجهل المتبادل يزيد المسافة بعدا بين العقليتين والطرفين.

وفي كلا الجانبين فكر مقاصدي يمكن الاستفادة منه، سواء المقاصد الإسلامية أو المقاصد الإنسانية الغربية. وباعتماد الفكر المقاصدي الذي ينفذ إلى الروح ولا يكتفي بالحرفية سنخفف من غلواء الاحتقان والكراهية والتنميط. ودون ذلك جهد، ومجاهدة للموروث الثقافي، فالإصرار والتعنت من الجانبين يعيدنا دائما إلى الخلف، ويكرر الأزمات ويعطي للمتطرفين كل الأدوات والمواد المطلوبة لإدامة الصراع وخدمة أجندات التفرقة والكراهية، والعنف من كل الأطراف.

وإذا عدنا إلى سؤالكم الذي وصفناه بالهام جدا، فقد اخترنا ثلاثة نماذج من أزمات أولها سياسية، والثانية فنية جمالية، والثالثة دينية. فقد تجلت القضية الأولى في إشكالية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؛ فيما تجلت القضية الفنية تجلت في الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى المسلمين ونبي الإسلام حسب زعمهم،  وتجلت الأزمة الدينية في محاضرة البابا "بيندكتوس السادس عشر"، البابا المستقيل، والتي أورد فيها مثالا عن علاقة العنف بالإكراه على الدين، وجعل عنوان العنف والإكراه نبي الإسلام، موردا محاورة بين الإمبراطور البيزنطي وأحد المسلمين الفرس.

والواقع أننا وجدنا إشكاليات تعتري انضمامَ تركيا؛ وبالمناسبة هي الدولة الوحيدة إلى جانب فرنسا ممن يصرح الدستور فيهما ودون مواربة بلائكية الدولة، (المادة 2 من دستور الجمهورية التركية، والمادة 1 من دستور الجمهورية الفرنسية) وهنا نتساءل هل كان من سوء حظها أم من حسنه هاته العلمانية المُدَسْتَـرة. فهناك معايير "كوبنهاغن" في انضمام بلد إلى الاتحاد، لكن تدخلت إشكاليات التداخل الجغرافي والتاريخي في القضية، فضلا عن تمايز الطرفين في قضايا كثيرة، والغريب أن كثيرا من التراث الثقافي الأوروبي مهده في تركيا، فحتى المؤرخ هيرودوت هو من منطقة في تركيا الحالية، وحتى القديس نيكولا، أو من يعرف بالبابا نويل فهو من تركيا، نفسها، بل وكثير من المدن الإنجيلية التي بعث إليها القديس بولس الرسول برسائل التبشير هي في تركيا الحالية اليوم. إذن، مع هاته الإمكانات التي بين أيدي الأوروبيين والأتراك تجد أن هناك من يعارض بقوة هذا الانضمام، ومنهم من يعتبر أن مقاومة النمسا وعاصمتها فيينا للغزو العثماني في ذلك الزمان ستذهب سدى إن سُمِـح لتركيا اليوم بالانضمام. وهذا، لعمري، نموذج صارخ من نماذج اتخاذ التاريخ عقيدة، الذي أشرنا إليه في وقت سابق، من هذا الحوار، وفي الكتاب أيضا.

أما في قضية الفن، فالأزمة قائمة بين الجانبين، وهنا يستحسن أن نشير إلى أن أسوأ سنة مرت في التوترات بين المسلمين والغربيين كانت سنة 2005 بعد أحداث نيويورك. فقد أثارت هاته القضية جدلا واسعا، لا يزال قائما إلى اليوم، وسيستمر، وهو السؤال عن الخط الفاصل بين حرية الإبداع وإذاية الآخرين، بمعنى متى يحق لنا أن نتحدث بحرية ومتى علينا أن نقف؟ وهي مثل إشكالية من الأسبق الدجاجة أم البيضة. هي قضية جدلية مفتعلة في هذا السياق. مثلا لا يحق لنا أن ننجز كرتونا عن المحرقة اليهودية؛ لأن في ذلك استهانة بضحاياها، لكن حين يتعلق الأمر بنبي الإسلام مثلا، فالأمر حرية تعبير وإبداع. من جهة أخرى، تحسن الإشارة إلى أن الكاريكاتورات المرسومة، إن نحن دققنا النظر فعلا وروَّيْنا في الأمر نجِـدْ أنها تسخر حقيقة من المرويات، ولا تمس النبي الكريم في شيء. ببساطة لأنه لم يكن كذلك، ولن يكون. أما في السِّيَـر التي كتبها المسلمون بأنفسهم، وأوصلوها إلينا فهي تحبل بما جاء في الرسوم، وربما أفظع منها.

إذن يطلب من المسلمين أن يراجعوا فورا ما لديهم من مرويات ويضعوه في سياق تاريخي، وألا يجعلوه محض نصوص مقدسة. فالقرءان الكريم شيء وما عداه من مرويات لا علاقة له به. ويمكن مراجعة مقالنا حول ما أسميناه "محمد القرآن" و"محمد الدنمارك"، وخلاصته أن ما رسمته الصحف هو محمد الذي شاهده الناس في أوروبا، بشكل عام، وليس محمدا الذي قال عنه القرآن الكريم "وإنك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ" (سورة القَلَـم: 4). فالاثنان لا يعرفان بعضهما، ولا يشتركان إلا في الاسم. وعليه، فهناك ازدواجية مزمنة في الضفة الجنوبية؛ ازدواجية قيمية لا تترك للإنسان المسلم عموما أن يكون حاضرا، وإنما تمنحه صفة الوجود المادي وحسب.

أما القضية الثالثة، وهي دينية، فكانت محاضرة البابا المستقيل "يوسف ألويْزيوس راتْسينغـر" [Joseph Aloisius Ratzinger] الذي اتخذ لقب "بنديكتوس السادس عشر" [Benedictus XVI] حيث جاء ليعلن عن صفحة جديدة في تعاطي الفاتيكان مع العالم الإسلامي حيث لخص سياستَه في سبب اختياره للقب بندكتوس، حيث قال:" مملوءً بمشاعر الرهبة والشكر، أود أن أتكلم عن سبب اختياري اسم بنيدكتوس السادس عشر. أولاً، أتذكر البابا بندكت الخامس عشر، رسول السلام الشجاع الذي قاد الكنيسة في أوقات مضطربة كانت تعصف في العالم. وعلى خطاه أضع خدمتي في سبيل المصالحة والوئام بين الشعوب. بالإضافة إلى ذلك، أذكر القديس بندكت النيرسي، الراعي في أوروبا، والذي يؤكد على الجذور المسيحية لهذه القارة. أطلب منه أن يوفقنا جميعًا لفهم مركزية دور المسيح في حياتنا المسيحية."

وللأسف الشديد، فقد أكد على المصالحة مع اليهود وهـو شيء إيجابي، إلا أنه أكد على الجذور المسيحية للقارة الأوروبية، وفي هذا التأكيد مسألة سيميائية خطيرة في الوقت الذي نتحدث فيه عن عالم منفتح جاذب وليس عالما منغلقا على هوية واحدية طاردة لمن يخالفها. وقد جاءت محاضرته التي تحدثنا عنها في الكتاب، لتؤكد على السياسة الأوروبية عموما، فيما يتعلق بالجوار، والتي تأخذ هاجس الأمن بصفة أولوية دون أن تلقي بالا للثقافة وبقية المصالح الأخرى. وقد أثارت هاته المحاضرة لغطا كبيرا وردود فعل شنيعة مدانة، أكدت مرة أخرى أن العالم الإسلامي غير متحضر في التعاطي مع الاستفزازات المتكررة التي تأتي من هنا أو هناك لتخدم أجندة التنميط التي يعتمدها الأوروبيون منذ القرون الوسطى في مواجهتهم للمد العربي والزحف الإسلامي منذ أيام الفتوحات.

وختاما، نحتاج إلى إعادة النظر في كثير من قناعاتنا وعقائدنا سواء في ضفة الشمال أو في ضفة الجنوب، وأن نعترف بالتاريخ ونتبرأ من كل الممارسات غير الأخلاقية التي مورست في الماضي تصفية لضميرنا الإنساني، ومصالحةً مع أنفسنا ومع الغير. معتمدين على قاعدة عادلة وهي "تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم، ولا تُسألون عما كانوا يعملون." (البقرة: 141)، وهي مدخل إلى الدخول في السِّلْـم كآفة.

الخلاصة، إذن، هي أن نتطلع إلى تحسين جودة التعاطي مع ذواتِنـا واتخاذ المبادرات اللازمة لحل مشاكلنا الإقليمي ة والداخلية، إلا أننا لا نزال بعيدين عن هذا المستوى المزمن، وهو ثنائية "المَع" و"الضـد"؛ "من ليس معنا، فهو ضدنا". وينطبق هذا على الضفة الشمالية مثلما ينطبق على الضفة الجنوبية، سواء بسواء.

السؤال الرابع: كيف تنظرون إلى واقع الشراكة الأورومتوسطية اليوم؟ وماهي آفاق هذه الشركة مستقبلا؟

ي. ب. الحقيقة لا ترتفع، وواقعها بالمثل. واقع الشراكة سيئ  للغاية، والضفتان تسيران بسرعتين إن لم نقل بسرعات مختلفة، وهذا يعقِّـد الوضعَ أكثر على الأقل في المدى المنظور. فالربيع العربي فتح آفاقا لكنه لم يحل المشاكل، بل إن الظاهر هو أنه فكك بُنَـى الدولة الوطنية [Nation State] دون أن يجد السكانُ بديلا، بل إن البلد تحول إلى معسكر مفتوح، ومخزن للسلاح من كل حدب وصوب، ومن ذلك ما وقع في ليبيا بعد انهيار هيكل العقيد، الذي لم يدخر جهدا في زعزعة استقرار بلدان الجوار، فضلا عن تشجيعه الإرهاب ودعمه بدل تسخير مدخرات بلاده في التنمية وتقوية مناعة الأمن القومي العربي والإفريقي. وللتذكير فقد كانت الخدمات الصحية أيام الملك محمد إدريس الأول السنوسي (1890-1983) متقدمة، حتى إن الشيخ زايد رحمه الله (1918-2004) قد أجرى عملية في ليبيا في ذلك العهد.

وعودا على سؤالكم، هناك طريقان لا ثالث لهما، لا غنى لأبناء الحوض المتوسطي عن التواصل، وتحويل المتوسط إلى جسر تواصل، بدل الواقع الحالي الذي جعله مقبرة، و"ليمس" [Limes] بمعنى هو الأنظمة العسكرية والدفاعية والاقتصادية التي شكلت حزاما واقيا للامبراطورية الرومانية في وجه الثورات وتثبيتا لهيمنة روما الاستعمارية. وقد كانت مقامة في خندق تتخلله شبكة من الطرق والحصون العسكرية ومراكز الحراسة والجسور ومخازن التموين. يمتد عرضا من طرابلس مرورا بالبحيرات التونسية. ويعبر هذا مرورا بتازة ومنعرجا بمدينتي وليلي وطنجة حتى يصل إلى جنوب الرباط. وقد كان هدفه استغلال ثروات أفريقيا الشمالية مثل الذهب. والواقع أن "الليمس" ليس مادة اليوم وإنما هو عقلية كذلك. "فالليمس" هو لحماية أطراف الأمبراطورية من غزو البرابرة الذين يهددون الحضارة والتنوير والتقدم. والمتوسط لم يرق به أهله من "ليمس" ليصبح جسر تواصل وتبادل حقيقي للقيم الثقافية والقيم التي يشتركها أهلها.

إن أية سياسة أو تفكير لا يجعل المتوسط هيكلا لأهله جميعا، بهويات متنوعة غير متصارعة، لن يجلب غير الخراب للهيكل بأسره، وسيهدم أركانه. ونؤكد على أنها قضية حيوية ورهان جِـدّيّ ولا هزل فيه. فأمام المتوسط وأهله طريقان لا غير؛ إما الالتفات إلى القضايا الجوهرية والسير سير العقلاء لإنقاذ الحوض من تبعات التاريخ، والثقافة الموروثة، وهو ما عبّرنا عنه بسياسة "التشارك، والدخول في السِّلْـم كآفة".

الطريق الثاني، وهو الأسهل، وهو الأقرب إلى الفناء والإفناء. ووسيلته معروفة وهي الاستسلام للغوغائية والتغني بالذات، وتزكيتها، وتوسل التطهير اللساني، والديني، والفكري والمذهبي، وقد بدأت أوروبا بذلك وجربته، ودخلت أتون حروب عظيمة منذ الحرب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك، والحربان العالميتان، والباردة؛ واليوم يدخل الجنوب في أتون حروب مذهبية مدمرة، ستؤثر على احتياطها الإنساني بإفراغ المشرق من مسيحييه، وبقية الأديان الأخرى، وقيادة إيران لحرب طائفية في العراق وسورية ضد المذاهب السنية، وتهجير الأبرياء. وفي الغرب الإسلامي نواجه تحديات التقسيم من خلال أزمة الصحراء، والحروب المحتملة بين جناحي المركزية المغربية (المغرب والجزائر)؛ وكذا تلغيم الوحدة الوطنية بالنبش لإظهار هويات مفتعلة من قبيل دسترة لهجات، وزعزعة الوحدة اللسانية والثقافية للبلاد جنوب الحوض. وهي مقدمة لتفتيت البلاد إذا لم ينتبه الفاعلون وذووا الأمر إلى الخطر الداهم الذي يتهدد المنطقة برمتها وبأيدي أهلها.

إن المتوسط هيكل لأهله، وأرض جامعة لساكنتها، على اختلاف مشاربهم وأصولهم، فلا شعب مختار، ولا أبناء لله من دون الناس، ولا خير أمة أخرجت للناس؛ إنما أهله سواسية كأسنان المشط، ولكل اختياره ولكل وِجْهة هو مُوَليها، فما عليهم سوى التعالي عن كل الهويات المنغصة والهويات الضيقة، وتدارك الأمر بالمعرفة وخلق الثروات والاجتهاد في حسن توزيعها، والدخول في السِّلْم كآفة. فبدون هذا الأفق، سيصبح "متوسطنا"، أو "بحرنا" [mare nostrum] باللاتينية نفقا، ونفقا مسدودا بعد كل هاته الأسماء التي تعلمها الإنسان، وجهد للوصول إليها، فنشر المعرفة وعلم بقية الإنسانية عبر التاريخ.

إننا نتأرجح بين الخوف والرجاء، فعلى الرغم من الكبوات استطاع أهل المتوسط أن يقوموا وينهضوا، وإننا نعول في هذا الصدد على مصالحة تاريخية شجاعة وغير مسبوقة بين ضفتيه، متمثلة في مصالحة بين "فرنسا والجزائر"، وبين "إسبانيا والمغرب"، حيث سيكون لتلك المصالحة المرحب بها كل الأثر الطيب على تخفيف التوتر، وبناء علاقات جديدة على أسس متينة لا احتراب فيها يكون أساسها أن نجاة الجنوب هي نجاة للشمال أيضا، وأن للآخر حقوق في الذات، وهذا لعمرنا بمثابة زراعة نخيل.

مجددين للدكتور عبد الله إدالكوس شكرنا وتقديرنا على اختياره لهذا الموضوع الإشكالي، موضوع الساعة لما له من انشغال بالقضايا الحقيقية والأساسية.

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة