الدَّيْن، النيوليبراليّة والأزمة: حوار مع موريزيو لازاراتو

10/13/2016

يمثل هذا المقال مقتطفات من حوار أجري مع موريزيو لازاراتو في شهر ماي (عام 2013م) لمناقشة كتابة الصادر (عام 2012م) والمعنون بـ «صنع الإنسان المدين». في هذا الحوار يتوسّع لازاراتو في شرح الإلهامات النظريّة لكتابه، مركّزًا بصفة أساسيّة على عمل جيل دولوز (Giles Deleuze)، وفيليكس غاتاري (Félix Guattari)، ورابطًا بين عمل فريديريك نيتشه في أخلاقيّات المديونيّة ونظريّة كارل ماركس في المال.

الدَّيْن، النيوليبراليّة والأزمة: حوار مع موريزيو لازاراتو *

حاوره: ماثيو شاربونو (Mathieu Charbonneau)

وماغنوس بولسن هانسن (Magnus Paulsen Hansen).

ترجمة: حبيب الحاج سالم

ملخّص:

يمثل هذا المقال مقتطفات من حوار أجري مع موريزيو لازاراتو في شهر ماي (عام 2013م) لمناقشة كتابة الصادر (عام 2012م) والمعنون بـ «صنع الإنسان المدين». في هذا الحوار يتوسّع لازاراتو في شرح الإلهامات النظريّة لكتابه، مركّزًا بصفة أساسيّة على عمل جيل دولوز (Giles Deleuze)، وفيليكس غاتاري (Félix Guattari)، ورابطًا بين عمل فريديريك نيتشه في أخلاقيّات المديونيّة ونظريّة كارل ماركس في المال.

وفي هذه السبيل، طوّر لازاراتو نظريّة حول الدَّيْن، وفقًا لما تتطلّبه سلطة الإقراض، وهي سلطة مركزيّة في النيوليبراليّة، وما تتطلّبه من بناء ذاتيّة مدينة ومرتهنة ومذنبة، وبالتّالي معاقَة. إنّها حالة مديونيّة تعمّ الأفراد - وكذلك الدول والمجتمعات- في مواجهة دَيْن اجتماعي غير محدود. وعليه، فإنّ الرأسماليّة ما بعد الفورديّة يجب أن ُتفهم من خلال التأثير المتصاعد للنيوليبراليّة التي أنتجت قرارات سياسيّة أساسيّة منذ نهاية فترة معياريّة الذهب وصولًا إلى أزمة الرّهن العقاري.

لقد تمّ تجاوز العلاقة بين رأس المال والعمل، وهي العلاقة المركزيّة في الفورديّة والحركة العماليّة، نحو علاقة بين دائن ومدِين تعمل كآليّة عَرْضيّة للسّيطرة والاستحواذ. وعبر هذا المسار، فوّضت الدولة سلطتها إلى الدائنين الخواصّ الذي يتحكّمون الآن في خلق المال عبر صناعة الدَّيْن. ولئن كانت دولة الرعاية الاجتماعيّة لم تتفكّك في اقتصاد المديونيّة النيوليبراليّ، فإنّها تحوّلت بصفة جذريّة إلى نظام إعادة توزيع كاينيزي معكوس يسمح بتحويلات هائلة للثّروة ممّن لا يملكها إلى مالكيها.

الكلمة الدلاليّة: ديْن، ائتمان، نيوليبراليّة، أزمة، دولوز، نيتشه، ماركس، فورديّة.

تقديم:

في أعقاب الأزمة الماليّة العالميّة، اعتمدت الحكومات سياسة واحدة: دفع البرنامج النيوليبراليّ قدمًا (ستريك وشافر:2013؛ بليث: 2013). وفي مواجِهة أزمة الدَّيْن الخاصّ، وفّرت السلطات العموميّة دعمًا هائلًا للشّركات (بمعنى إنقاذها من مأزقها المالي)، فيما كانت تتابع ما بات يعرف الآن بـ«التقشّف» من خلال سياسة ضريبيّة مُحكمَة اعتمدت التخفيض في الضرائب والخصخصة، فضلًا عن الإصلاحات، وصولًا في بعض الحالات إلى التخلّي عن برامج الرعاية الاجتماعيّة. ولم يصبح الترابط الجوهري بين الدَّيْن الخاصّ والماليّة العامّة والدَّيْن السيادي موضوعًا يتصدّر النقاش العامّ إلاّ منذ سنوات قليلة فحسب.

وخلال هذه الفترة، ظلّت السياسة الاقتصادية لهذه المسارات وجذورها الذاتيّة والأخلاقيّة بعيدة عن الفهم، إلى أن تدارك موريزيو لازاراتو هذا الإهمال في كتابه «صنع الإنسان المدين» (The Making of the Indebted Man) الصادر (عام 2012)، وهو نصّ محفّز يوفّر تحليلًا تاريخيًّا ونظريًّا عميقًا لشرط المديونيّة.

هذا الكتاب (المترجم حديثًا إلى الإنكليزيّة عن الفرنسيّة وهي اللغة التي صدر بها عام 2012) يكشف طبيعة علاقة القوّة بين الدَائنين والمَدينين ومراحل إنتاج ذاتيّة المدين. فحسب لازاراتو، تكمن قوة الدَّيْن في قدرته على خلق ذاتٍ (الإنسان المدين) مؤمن أخلاقيًّا بوجوب الإيفاء بالدَّيْن، وما يتطلّبه ذلك من تأثّم. وفي حين يعود الأصل البعيد لعلاقة الدَائن بالمَدِين إلى تاريخ المسيحيّة المبكّر وظهور الرأسماليّة، فإنّ هذا الكتاب يرى أنّ تلك العلاقة اكتسبت قوّتها البنيويّة مع ولادة النيوليبراليّة في سبعينات القرن العشرين.

وموريزيو لازاراتو هو عالم اجتماع وفيلسوف إيطالي مستقلّ يقيم ويزاول عمله في باريس، وتضمّ قائمة أحدث أعماله بالفرنسيّة مجموعة من الكتب التي لم تترجم بعد إلى الإنكليزيّة، منها «حكومة التفاوتات: نقد الخطر النيوليبرالي» (2008)، «تجارب سياسيّة» (2009) و«صنع الإنسان المدين» (2012) وآخرها كتاب بعنوان «حكومة الإنسان المدين» (صدر بالإيطاليّة عام 2013). وقد وافق السيد لازاراتو في شهر (ماي 2013م) على مقابلتنا بغرض نقاش مسألة المديونيّة وجذور الأزمة الحاليّة.

الدَّيْن في أعمال موريزيو لازاراتو: التأثير الدولوزي:

·                   قبل أن نتناول تحليلك للدَّيْن، كنت قد عملت سابقًا على عدد من المسائل، لاسيّما العمل غير المادّي، والبيو-سلطة (biopower) والحاكميّة (governmentality)، وأعمال عالم الاجتماع الفرنسي غابرييل تارد (Gabriel Tarde)، واللاّ-مساواة والعمل الهشّ. فما الذي دفعك إلى الاهتمام بمسألة الدَّيْن ؟

في واقع الأمر، أنا مهتمّ بمسألة الدَّيْن منذ وقت بعيد؛ منذ حوالي عشرين عام، لكن دون تعمّق ودون تطوير تحليل خاصّ بها. حينها كنت قد قرأت مقالًا لجيل دولوز حول مجتمعات السّيطرة، نشر في (عام 1990م)، وأثّر فيّ تأثيرًا كبيرًا. لقد اقترح فيه ببساطة أنّ المجتمعات الراهنة «لـم تعد مشكلتها الإنسان المحبوس، بل الإنسان المدين»*. حينها، صعقني هذا التصريح وفكّرتُ في أهميّة الموضوع رغم أنّ المسألة لم تكن حينها مركزيّة مثل ما هي عليه اليوم.

ومن هنا، قرّرت أن أقرأ أكثر لجيل دولوز وأطّلع على نصوصه الأخرى التي يتناول فيها المسألة بأكثر دقّة.

وفي خضم البحث، لاحظتُ في كتابه «نيتشه والفلسفة» (صدر عام 1962)، تناولًا دقيقًا لمسألة الدَّيْن. وقد طوّر دولوز، كقارئ عظيم لنيتشه، تحليلًا مثيرًا للاهتمام حول الدَّيْن في ذلك الكتاب. كما تعرّض أيضًا للموضوع في كتابه «أوديب المضادّ» (صدر عام 1972 بالاشتراك مع فيليكس غاتاري) وبدرجة أقلّ في كتابه «ألف هضبة» (صدر عام 1980 بالاشتراك مع فيليكس غاتاري) وفي مقاله «مجتمعات السّيطرة» (نشر عام 1990).

وعلاوة على ذلك، ارتبط مساري الشخصي بمسألة أخرى، هي المال. ويعود اهتمامي بالمال منذ قراءتي ماركس بالإضافة إلى دولوز. وقد أكّد الأخير أنّ التحدّي الراهن لا يتمثّل في نقد ماركس، بل في إنتاج «نظريّة ماليّة حديثة بقيمة نظريّة ماركس وتنطلق من حيث انتهى هو» (دولوز، 1995: 195). وعندما جعلتُ العلاقة بين المال والدَّيْن مركز تساؤلي، أصبح دولوز حلقة مركزيّة.

ونظرًا لاعتمادي منهجًا في التفكير يرفض عزل الاقتصاد عن الذاتيّة (subjectivity)، فقد كان دولوز وغاتاري أكثر المفكّرين مساهمة في بناء مقاربتي الخاصّة. فقد سعيتُ إلى تحديد العلاقة بين الدَّيْن وبين المال وبين إنتاج الذاتيّة، عبر تقفّي أثر الدَّيْن تاريخيًّا، وانطلقتُ من مقال دولوز عن مجتمعات السّيطرة، ومن ثمّة عدتُ إلى تقصّي جذوره عبر قراءة نيتشه.

المديونيّة وقولبة الذاتيّة: مساهمة نيتشه المنسيّة:

·                   يستند جزء كبير من منهاجك حول علاقة الدَائن-المَدين إلى الجينيالوجيا النيتشويّة. بهذا المعنى، أنت تفهم الدَّيْن بوصفه «عمليّة تَذويت» (subjectivation) يُسمّيها نيتشه «عمل الإنسان على نفسه»، و«تعذيب النفس». أنت تجزم أنّ هذا «العمل ينتج ذاتًا فرديّة مَدينة ومسؤولة تجاه الدائن» (لازاراتو: 2012: 42). هل يمكنك أن تشرح لنا بدقّة فهمك لطبيعة علاقة القوّة القائمة بين الدَائن والمَدين؟

بالفعل، استلهمتُ هذا التحليل من نيتشه الذي قام، رغم ندرة الدلائل الأنثروبولوجيّة المتوفّرة له، بدراسة المجتمعات ما قبل الحديثة بهدف معارضة الاقتصاد السياسي الكلاسيكي (انظر نيتشه، 1887). فطوال القرن التاسع عشر، كان الاقتصاد السياسي السائد يعتبر التبادل العلاقة الاجتماعيّة المركزيّة، ورفضُ نيتشه لذلك هو ما استرعى اهتمامي. فبينما كان خبراء الاقتصاد السياسي الكلاسيكيّون يضعون تركيزهم على علاقات التبادل، وكان ماركس مركّزًا على علاقة الإنتاج بين رأس المال والعمّال، طرح نيتشه وجهة نظر مختلفة، وهي العلاقة بين الدَائن والمدين. من هنا يمكن تفسير اهتمامي بالمقاربة النيتشويّة بالأهميّة القصوى التي أضحت تحوزها تلك العلاقة اليوم.

وفي الواقع، فقد أصبح الاقتصاد منذ بداية النيوليبراليّة، وقبل أزمة الرهن العقاري (2007-2008) بكثير، يقوم أساسًا على الاقتراض. إضافة إلى ذلك، أتاح لي نيتشه العودة إلى ماركس الذي يرى أنّ النقود تتمظهر بوصفها رأس مال في شكل قروض. ورغم أن نيتشه يحلّل مجتمعات ما قبل حديثة، إلاّ أنّه يثير سؤالًا مهمًّا يتعلّق بالقروض في النظام الرأسمالي.

أضف إلى ذلك أنّه يربط تحليله لعلاقة الدائن-المدين بالذاتيّة والزمن. وبالنّسبة إليه، فإنّ تثبيت تلك العلاقة يستوجب نماذج محدّدة من الذات والذاتيّة. فالدَّيْن يمثّل وعدًا، أي وعدٌ بالسّداد مستقبلًا، وهو ما يتطلّب بناء ذات قادرة على الوعد، وهذا هو البُعد الأول.

أمّا البُعد الثاني، فهو مرتبط بالزّمن، وبالتّالي بالاقتصاد النيوليبرالي، بمعنى أنّه اقتصاد موجّه للمستقبل بما أنّ آليّة عمله تتمحور حول الموارد الماليّة.

وبما أنّ علاقة الدائن-المدين ترتكز على وعد بالسّداد المستقبلي، يشير نيتشه إلى أنّ الدَّيْن يواجه عدم التحديد الزمني والعجز عن التوقّع. ومن وجهة نظره، يغدو بناء الذات والذاكرة وسيلة لكبح الذاتيّة وإعاقتها، ومن هنا فكرة اشتراط «قدرة المدين على ضمان نفسه»([1]).

ومن خلال علاقة الدائن-المدين، تنبع السلطة من الطبيعة الاجتماعيّة لمثل هذه العلاقة: فهي لا تقتصر على فضاء المصنع مثل ما هو عليه الحال في علاقة رأس المال-العمل. إنها علاقة عَرْضيّة للمجتمع (transversal)، وهي تبدو اليوم بوضوح أكبر مع ظهور مسألة الدَّيْن السياديّ.

إن مديونيّة دولة ما، في أعقاب أزمة ديون خاصّة على سبيل المثال، تعني أنّ المجتمع بأكمله أصبح مدينًا سواء كان الشخص عاطلًا عن العمل أو يعمل بدوام محدود أو متقاعدًا، إذ يغدو كلّ فرد محتجزًا في مثل هذه الديناميكيّة المنتجة لنظام أسْرٍ اجتماعي.

في الواقع، أعتقد أنّ التحوّل الذي حصل مع ظهور النيوليبراليّة، وهو ما دشّنته الليبراليّة الألمانيّة المنظّمة (Ordoliberalism) (عام 1948م)، كان يتعلّق بمسألة المجتمع: كيف تتم السيطرة على المجتمع بأكمله؟ فسلطة الدَّيْن في النيوليبراليّة تمثّل آليّة سيطرة واستحواذ عالية الفعاليّة، وهي أكثر فعاليّة من طرائق المقاومة التي وضعتها الحركات العماليّة. وبينما ماتزال الحركات العماليّة تعتمد ديناميكيات مُركّزة ضمن الفضاء الإنتاجي، أصبحت السّلطة تمارس على نطاق اجتماعيّ أوسع، ومن هنا عدم التناسق بين رأس المال وأشكال المقاومة.

وللتّلخيص، ودون التفصيل في نظريّة نيتشه حول السلطة، فقد لجأتُ إلى تلك المفاهيم النيتشويّة (الذاتيّة والزمن) بغرض تطبيقها على المجتمع الرأسماليّ.

ولعلّ إحدى أهمّ الثغرات بين التحليل الذي قدّمه نيتشه وبين واقع الدَّيْن في الرأسماليّة، هي أنّ الدَّيْن أصبح (لا-متناهيًا). وهذه نقطة مهمّة جدًّا، وهي التي دفعتني نحو التوجّه لكتاب دولوز وغاتاري (أوديب المضادّ) (1972م) لأكتشف أنّ إحدى أهمّ حججهما مستمدّة من ماركس وتقترح أنّ أهمّ تجديد للرأسماليّة يتمثّل في إدخال اللانهائيّة إلى الاقتصاد.

وفي هذا الإطار، تحيل اللانهائيّة على الصيغة الماركسيّة المتمثّلة في (مال- سلعة- مال)، وهي دورة تبدأ وتنتهي بالمال، أي أنّه لا نهاية لها عمليًّا: فالرأسماليّة تعمّم اللانهائيّة في كلّ شيء، ليس على المستوى الإنتاجي فحسب، بل كذلك على المستوى الاستهلاكي. فدورة «استهلاك- إحباط - استهلاك» تكرّر نفسها بلا نهاية.

ويمكن ملاحظة نفس الديناميكيّة في ما يتعلّق بالدَّيْن. والأكيد أنّ الدَّيْن في الرأسماليّة يختلف عنه في المجتمعات قبل الحديثة إلى حدّ بعيد نظرًا لاستحالة استكمال استخلاصه، ففي ظلّ الرأسماليّة يُطلق الدَّيْن العنان لمسار لا-نهائي، وهو ما يرتكز عليه.

ووراء هذه الملاحظات النظريّة، تظهر اليوم بوضوح استحالة التسديد الكامل للدّيون. وبعبارة أخرى، فإنّ سلطة الدَّيْن في الاقتصاد النيوليبراليّ يجب أن تُدرك من خلال الاعتبارات الذاتيّة والزمنيّة، وكذلك كمسار لا-نهائي.

أسئلة حول المنهج: جينيالوجيا الدَّيْن والنيوليبراليّة:

·                   في كتابك «صنع الإنسان المدين» تتبّعت نشأة حالة المديونيّة من خلال جينيالوجيا الدَّيْن. وقد علّقت في الفصل الأوّل على نيتشه وماركس ودولوز وغاتاري، بينما تناولت في الفصل الثاني جينيالوجيا علاقة الدائن-المدين في أصولها المسيحيّة والرأسماليّة، وصولًا إلى انبثاق الدَّيْن اللا-نهائي. ثمّ قمت في الفصل الثالث بتحليل التاريخ القريب لاقتصاد الدَّيْن بما هو جوهر النيوليبراليّة. وبهذا المعنى، فإنّ خصخصة النقود -التي ظهرت مع (صدمة 1971) - تؤسّس في رأيك لحظة ولادة النيوليبراليّة التي عبّرت عنها بـ «مصدر جميع عمليّات الخصخصة» (لازاراتو 2012: 96). كيف يمكننا فهم خصوصيّة اقتصاد المديونيّة الجديد هذا، المتولّد عن الفورديّة والذي صلّبته النيوليبراليّة؟

منذ نهاية فترة معياريّة الذهب التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (عام 1971)، تمّ تجريد النقود من شكلها المادي، بما يعني «تحوّلها إلى دَيْن». وانطلاقًا من تلك اللّحظة، فقدت النقود قواعدها في العمل بوجه خاصّ وفي العالم الاجتماعي بصفة عامّة. فقد أضحت النقود، بعد أن خُفّضت إلى مجرّد دين، مجرّد ظاهرة ورقيّة بالدّرجة الأولى. وهذا ما يظهر في نقطة تحوّل مهمّة سبق أن أشار إليها دولوز وغاتاري (1972)، وهي تجاوز النقود ارتباطها بالمكان. فبفقدانها كلّ ارتباط بالسلع وبالثروة الاجتماعيّة، أضحت النقود متحرّكة ومحرَّكة بشكل لانهائيّ، وتحوّلت بذلك إلى أداة سياسيّة.

إنّ التجديد الأساسيّ يتمثل في تحوّل النقود راهنًا إلى دَين بالتّعريف. فالبنوك الخاصّة تصدر معظم النقود المتداولة، وهي تفعل ذلك عبر عمليّات طباعيّة بحتة. هذه الطريقة في صنع النقود أضحت رئيسيّة. وكما ذكرتَ، فإنّ نهاية قابليّة تحويل الدولار إلى ذهب بسطت الطريق أمام عمليّة خصخصة كبرى تمثّلت في تفويض الدولة حقوقها السياديّة في مسألة سكّ العُملة إلى البنوك والمنظّمات الخاصّة، أو بالأحرى تخلّيها عن ذلك لفائدتها.

وتمثّل القصّة في مجملها مشكلة بالنسبة للاقتصاديّين، فهم يجدون صعوبة في التعامل كما يجب مع النقود لأنها لا تنشأ تحديدًا من السوق. فهي تنتج من قبل المركز أي من قبل الدولة، ومن قبل سلاسل من القوى. ونحن نجد أنّ رجال الاقتصاد الوحيدين الذين يعملون في ظلّ هذا المنظور منتمين إلى المدرسة التعديليّة الفرنسيّة (French Regulation School). وعلى سبيل المثال، فإنّ أندري أورليون (André Orléan) يقرّ بالتكافؤ بين النقود وبين الدَّيْن (أنظر أنجليتا وأروليون، 2002)، والنظريّة التعديليّة هي الوحيدة التي تعي هذه الحقيقة الأساسيّة. وفي المقابل، نجد تحليلات ميلتون فريدمان (Milton Friedman) الماليّة عَرَضيّة بما أنها تقترح أن يكون للمال دور وظيفي فحسب. وقد شرح فريدمان مرة أنه يكفي إلقاء النقود من طائرة هيلكوبتر فوق مدينة كي يظهر الإنتاج (فريدمان، 1969)، وبالتالي، فإنّ النقود ستتابع الإنتاج وستضمن وظيفيًّا تداولًا طبيعيًّا للسلع عبر توفير وسائل قياس وتخزين ودفع.

في كتابي الأخير (لازاراتو، 2013) أقوم ببيان العكس، وأبيّن أنّ المال لا يتبع الإنتاج، بل يسبقه. هذا التغيّر النظريّ مهمّ جدًّا لأنّ النقود وكذلك الضرائب تشكّل مستلزمات للسّوق وللإنتاج، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح على مدار سلسلة التغيّرات التي طالت تنظيم الرأسماليّة. فعلى سبيل المثال، ومنذ أزمة (عام 1929م) إلى النيوديل*، ومن الفورديّة إلى النيوليبراليّة، طالت التغيّرات الأساسيّة النقود والضرائب في المقام الأوّل. وفي فترة التحوّل من الفورديّة إلى النيوليبراليّة، استعادت الدولة الحقّ في سكّ العُملة وتمّ فصل النقود عن الذهب. هذه هي مستلزمات الإنتاج وشروطه في ظلّ نظام اقتصاد الدَّيْن الحالي.

·                   كيف كانت السياسات النيوليبراليّة في رأيك مجدّدة في مسألة تحويل علاقة الدائن-المدين؟

أشير هنا إلى جون كينز (John Keynes) الذي يبقى المنظّر النموذجي لهذا التحوّل، رغم أنّ وجهة نظره لم تطبّق. تطرح النظريّة الكينزيّة «القتل الرحيم للريعيّة»، أي بعبارة أخرى، ضرورة إبطال سلطة الريعيّة([2]). وفي الواقع، فإنّ أحد أسباب أزمة (عام 1929م)، إن لم يكن أهمّها، يكمن في وظيفة التمويل. فقد اعتبر بعض المراقبين أنّ تنظيم التمويل ومراقبته سيسمح للرأسماليّة الصناعيّة باسترداد بعض مجالها وبعض إمكانات نموّها. لكنّ الحقيقة أنّ النيوليبراليّة لم تتولّى القتل الرحيم للريعيّة، بل قامت بعكس ذلك تمامًا. وبالنتيجة، توسّعت علاقة الدائن-المدين، وغدت هي الشأن المسيطر.

ولدت الفورديّة مع النيوديل في الولايات المتحدة، وبعد الحرب العالميّة الثانية في أوروبّا الغربيّة، وقد تطلّبت، كشرط للتحقّق، إبطال الريعيّة والقيام بتسوية تاريخيّة بين رأس المال والعمّال (عبر الاتحادات) والدولة. وقد وضعت التسوية الفورديّة موضع الشكّ في نهاية الستينات وبداية السبعينات -لأسباب عديدة يطول شرحها- حيث تقلّصت مستويات الأرباح نتيجة زيادة الأجور. وفي هذا السياق الذي قيّد بموجبه خلق القيمة الرأسمالية، ظهرت الاستثمارات الشخصيّة كأداة لتعويض ميزان القوى الفوردي.

كانت الحركة العماليّة حينذاك مهمّشة كلّيًا نتيجة التسوية الفورديّة -الربط بين كسب الأرباح ومستويات الأجور- التي جاءت لتعوّضها سلطة علاقة الدائن-المدين، وهو ما مثّل نجاحًا من وجهة نظر الدائنين. في الواقع، فإنّ مقاومة الحركة العماليّة ضدّ الرأسماليّة لم تستهدف عبر تاريخها مسألة علاقة الدَّيْن، بل اقتصرت فحسب على علاقة رأس المال بالعمّال. بل إنّ صعوبات مقاومة هذه الديناميكيّات كانت واضحة، إذ لم يخلق العمّال بعد أشكال نضال ومقاومة تستهدف مسألة المديونيّة.

وبينما حُيّدت سلطة الدائنين بطريقة ما خلال فترة النيوديل، فإنّ المديونيّة ستنتشر تدريجيًّا في جميع مستويات الحياة الاجتماعيّة في الحقبة النيوليبراليّة. ويتضمّن كتابي الأخير (لازاراتو، 2013) فصلًا أحلّل فيه تاريخ الجامعة في الولايات المتحدة، وهو تاريخ مهمّ جدًّا لأنّ الجامعة الأمريكيّة تمثّل نموذجًا أصليًّا (archetype) لمجتمع الدائن- المدين. إنّها تمثّل إلى حدّ معين النموذج النيوليبراليّ الأكثر اكتمالًا، فغالبيّة الخرّيجين مدينون، مقابل أقليّة من الأغنياء، إن لم يكونوا أحيانًا من عائلات لدائنين. وتظهر هذه الحالة أنّ علاقة الدائن- المدين ليست محدودة بمجال الماليّة.

وفي البلدان المشابهة للولايات المتحدة التي تبلغ فيها النيوليبراليّة حدّها الأقصى، توجد نزعة لهيكلة جميع العلاقات الاجتماعيّة بموجب علاقات الاقتراض. وهذا شيء لا يمكن تصوّره في أوروبّا، إذ نشأت حركات سياسيّة تقاوم مباشرة المديونيّة حتى في أماكن مثل الكيباك (كندا). ويجدر هنا التنويه بأنّ أوّل هجوم أطلقته النيوليبراليّة كان في التشيلي حين أمسك أوغستو بينوشيه السلطة بعد الانقلاب على الرئيس سلفادور أليندي وقتله. وقد ساهم فتيان شيكاغو** في إدخال النظام النيوليبراليّ إلى الجامعة التشيليّة، وتكفي نظرة مقربة لتاريخ الحركة الطلابيّة في التشيلي لنكتشف أن مسألة المديونيّة كانت في صلب نضالها السياسي.

إن علاقة الدائن-المدين- التي أبعدت إلى الخلف خلال فترة الفورديّة - أصبحت الآن مركزيّة في جميع العلاقات الاجتماعيّة على الصعيد الاستهلاكيّ (السكن على سبيل المثال) والتعليميّ، الخ. فالنيوليبراليّة سعت وما زالت تسعى إلى هيكلة جميع العلاقات الاجتماعيّة بموجب ديناميكيّات الاقتراض.

الدَّيْن والأزمة: الاستحواذ على الثروة الاجتماعيّة عبر السياسات الجبائيّة والجنّات الضريبيّة:

·                   كيف أثرت أزمة 2007/2008 على تلك الديناميكيّة؟

في الواقع، لا توجد أزمة من وجهة نظر الدائنين بما أنّهم يديرون الآن عمليّة استيلاء كبرى ثانية عبر الاستحواذ على الثروة الاجتماعيّة لدولة الرعاية الاجتماعيّة. فإلى حدود (عام 2007) جرت عمليّة استيلاء كبرى أولى عبر آليات ماليّة سمحت بالاستحواذ على المال المتولّد عن الديون الخاصّة. ثمّ حدثت عمليّة إعادة توزيع لهذه الثروة، لكن لفائدة من؟ في رأيي، صورة البورجوازيّة الريعيّة للقرن التاسع عشر عفى عليها الزمن. فالشركات هي أكبر المستفيدين اليوم من الرّيع، وقد عوّضت الشكل الكلاسيكيّ للريعيّة. وباختصار، فقد أفرزت عمليّة الاستحواذ المالي الأولى عبر المديونيّة، ومنذ مستهلّ الأزمة الاقتصاديّة العالميّة، استحواذًا تكميليًّا على الثروة الاجتماعية عن طريق الدَّيْن العامّ والسياسات الضريبيّة النيوليبراليّة. فعلى سبيل المثال، أعلنت الفايننشال تايمز منذ أشهر أنّ الجنّات الضريبيّة تُخفي بين 21 ألف، و 32 ألف مليار دولار أمريكي (فيما يتعلّق بعام 2010) (هنري، 2012. ساشس، 2013). وبهذا المعنى، فإنّه تُوجد أسباب وجيهة للقول بأنّ جزءًا مهمًّا من الدَّيْن العالميّ يجري ضخّه من المجتمعات نحو الجنّات الضريبيّة.

فالسياسات الضريبيّة تُشكّل إحدى أهمّ آليّات عمل الدَّيْن الاجتماعي وتنظيمه. لكن لماذا أصبحت الدولة مدينة إلى هذا الحدّ؟ الجواب ببساطة: بسبب التقليص من الضرائب. فمنذ فترة إدارة ريغن، اقتصرت السياسات الضريبيّة على تقليص الضرائب للأغنياء والشركات. وهي نفس السياسة التي انتهجتها إدارة بوش الابن التي تمثل صورة كاريكاتوريّة لنفس السياسة. لقد كانت تلك السياسات سخيفة إلى درجة أن شخصًا مثل وارن بافت (Warren Buffet) اعترف أنه يدفع ضرائب أقلّ ممّا تدفع سكرتيرته.

والمسألة ببساطة: إذا كانت الضرائب في انخفاض والخدمات كما هي عليه، فلا مناص من أن تقترض الدولة، ولا يوجد أيّ حلّ آخر. فدولة الرعاية الاجتماعيّة الحاليّة - رغم صعوبة الحديث اليوم عن دولة رعاية اجتماعيّة - هي في خدمة الأثرياء والشركات. ومع النيوليبراليّة، ومنذ أزمة 2007/2008، أضحت المسألة أكثر وضوحًا، وتمّ عكس النظريّة الكينزيّة تمامًا لتصبح الدولة اليوم أداة تسمح بتحويل الثروة نحو الدائنين.

تمثل النيوليبراليّة تحولًا راديكالياَّ، فقد تم الحفاظ على مبدأ إعادة التوزيع، لكن مع عكس اتّجاه إعادة التوزيع. وكما شرح كارل شميت (2007)، فإنّ دولة الرعاية الاجتماعيّة أضحت شيئًا فشيئًا غنيمة للصراع الطبقيّ، وما نشهده الآن ليس تحطيمًا لدولة الرعاية الاجتماعيّة، بل تحطيم لشكل دولة اجتماعيّة كانت نتيجة الحركات العماليّة والنسويّة. لقد أضحى نظام إعادة التوزيع الكينزي، في اقتصاد المديونيّة النيوليبرالي، يسمح بتحويلات ماليّة ضخمة من غير المالكين نحو المالكين.

فالدَّيْن، والنظام الماليّ، والسياسات الضريبيّة، هي الآليّات التي يتمّ من خلالها الاستحواذ على الثروة الاجتماعية من قبل الدائنين.

الإحالات:

Aglietta M and Orléan A (2002) La Monnaie Entre Violence Et Confiance. Paris: Odile Jacob.

Blyth M (2013) Austerity: The History of a Dangerous Idea. New York: Oxford University Press.

Deleuze G (1995), Negotiations 1972-1990. New York: Columbia University Press.

Deleuze G (1992) Postscript on the societies of control. October 59 (Winter 1992): 3-7.

Deleuze G (1962) Nietzsche Et La Philosophie. Paris: Presses universitaires de France.

Deleuze G and Guattari F (1980) Mille Plateaux; Capitalisme Et Schizophrénie. Paris: Éditions de minuit.

Deleuze G and Guattari F (1972) L’Anti-Œdipe; Capitalisme Et Schizoprénie. Paris: Éditions de Minuit.

Friedman M (1969) The Optimum Quantity of Money and Other Essays. Berkeley: University of California.

Henry JS (2012) The Price of Offshore Revisited: New Estimates for 'Missing' Global Private Wealth, Income, Inequality, and Lost Taxes. Available at: http://www.taxjustice.net/cms/upload/pdf/Price_of_Offshore_Revisited_120722.pdf.

Isidore C (2013) Buffett Says He’s Still Paying Lower Tax Rate than His Secretary. Available at: http://money.cnn.com/2013/03/04/news/economy/buffett-secretary-taxes/.

Keynes JM (1936) The General Theory of Employment, Interest and Money. Cambridge: Cambridge University Press.

Lazzarato M (2013) Il Governo Dell'Uomo Indebitato. Saggio Sulla Condizione Neoliberista. Roma: Derive Approdi.

 Lazzarato M (2012) The Making of Indebted Man: An Essay on the Neoliberal Condition.: Semiotext(e).

Nietzsche F (1887) On the Genealogy of Morality. Cambridge: Cambridge University Press.

Sachs J (2013) Austerity Exposes the Global Threat from Tax Heavens. Available at: http://www.ft.com/intl/cms/s/0/f5047582-b0bf-11e2-9f24-00144feabdc0.html.

Schmitt C (2007) La guerre civile mondiale. Essais (1943-1978). Alfortville: Éditions èÒe.

Streeck W and Schäfer A (2013) Politics in the Age of Austerity. Cambridge: Polity Press.



* نشر هذا الحوار في مجلة الرابطة السوسيولوجيّة البريطانيّة (عام 2014 م):

 Sociology, October 2014, vol 48, no.5. 

وموريزيو لازاراتو (Maurizio Lazzarato): هو عالم اجتماع وفيلسوف إيطالي يعيش ويعمل في باريس، وتتركّز أبحاثه حول العمل غير المادي، وانهيار نظام الأجور، وحركات «ما بعد الاشتراكية».

* يُفهم قول دولوز هذا انطلاقًا مما يسميه أماكن الحبس، فبالنسبة له يمر الإنسان في المجتمعات الحديثة من مكان حبس إلى آخر، من المدرسة ثم إلى الجيش ومنه إلى المصنع، أي مكان العمل (المترجم).

([1]) See Lazzarato (2012: 49).

* - الصفقة الجديدة أو الاتفاق الجديد أو نيو ديل (New Deal) هي مجموعة من البرامج الاقتصادية التي أطلقت في الولايات المتحدة بين (عامي 1933و1936 م) بمقتضى مراسيم رئاسية وقوانين أعدّها الكونغرس الأمريكي للخروج من مرحلة «الكساد الكبير» إثر انهيار بورصة وول ستريت. وقد تركزت على ما يسميه المؤرخون الألفات الثلاثة (Relief, Recovery and Reform) وهي: «الإغاثة والإنعاش والإصلاح». وتشير تلك النقاط الثلاث إلى إغاثة العاطلين والفقراء، وإنعاش الاقتصاد، وإصلاح النظام المالي.

([2]) See Keynes (1936: 375f).

** - أطلق اسم «فتيان شيكاغو» (Chicago Boys) على مجموعة من الاقتصاديّين التشيليّين خلال السبعينات كانوا تخرّجوا من جامعة شيكاغو الأمريكيّة وتأثّروا بميلتون فريدمان وأرنولد هاربرغر (Arnold Harberger). وقد عملت هذه المجموعة لفائدة الدكتاتورية العسكرية التشيلية بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه، ولعبت دورا كبيرا في ما يسمى أحيانا «معجزة التشيلي» وفقا لصيغة ميلتون فريدمان (يذكّرنا هذا بما سمّي في حينها «المعجزة التونسيّة» في ظلّ ديكتاتوريّة الجنرال بن عليّ !).

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة