بِنْيةُ الاستبدادِ في الجُمهوريّاتِ العربية

6/8/2016

جوزيف ساسون: في أثناء مطالعتي لكتابي السابق "حزب البعث العائد لصدام حسين: في أروقة نظام استبدادي" الذي استند إلى أرشيفات نظام حزب البعث في العراق (1968 - 2003)، واصلت التساؤل عمّا إذا كانت الجمهوريات العربية الأخرى مماثلةً للعراق ولبعضها البعض. وتطلّبت الإجابة عن هذا السؤال، بطريقة نموذجية؛ الاطلاع على أرشيفاتِ الأنظمةِ الاستبدايةِ العربية الأخرى.

ظهور نصوص جديدة الآن:

جوزيف ساسون، بِنْيةُ الاستبدادِ في الجُمهوريّاتِ العربية

جوسيف ساسون

ترجمة: روان القصاص

جدلية: ما الذي جعلك تكتب هذا الكتاب؟

جوزيف ساسون: في أثناء مطالعتي لكتابي السابق "حزب البعث العائد لصدام حسين: في أروقة نظام استبدادي" الذي استند إلى أرشيفات نظام حزب البعث في العراق (1968 - 2003)، واصلت التساؤل عمّا إذا كانت الجمهوريات العربية الأخرى مماثلةً للعراق ولبعضها البعض. وتطلّبت الإجابة عن هذا السؤال، بطريقة نموذجية؛ الاطلاع على أرشيفاتِ الأنظمةِ الاستبدايةِ العربية الأخرى. لكن مما يُؤسف له أنَّ هذه السجلات ليست في مُتناول الباحثين. وتبعًا لذلك، فقد تحوّلتُ إلى المذكرات التي كتبها من هُم في النظام: مذكرات القادة السياسيين، والوزراء، والجنرالات، ورؤساء الأجهزة الأمنية، وأعضاء الأحزاب، ورجال الأعمال المُقرَّبين من السلطة. كما اطَّلعتُ على مذكرات أشخاصٍ من خارجِ النظام: مذكرات المُعارضين السياسيين لهذه الأنظمة والسجناء السياسيين. ورجوت أن يساعد الجمع بين هاتين المجموعتين من الداخل والخارج على إدراك المزيد عن الاستبداديّات القهريّة في العالم العربي على الرغم من العجز عن الوصول إلى الأرشيفات المُوصدةِ الخاصة بها.

 

جدلية: ما هي المواضيع والقضايا والأدبيّات التي يُعالجها الكتاب؟

جوزيف ساسون: يعالج هذا الكتاب عددًا ضخمًا من التساؤلات. كيف سارت النُّظم المختلفة؟ وما هو دور الحزب الحاكم في البلدان ذوات نظام متعددِ الأحزاب، مثل تونس ومصر؟ وإلى أيِّ مدى استُعمِلَ القمع والعنف؟ وكيف سيطرت أجهزة الأمن على المعارضة واستغلَّت الجماعات المؤثرة الأخرى مثل النقابات العمالية والطلابيّة؟ وكيف تمَّت هيكلة السلطة التنفيذية، وكيف اتُّخِذَت القرارات؟ وهل كانت عبادة الشخصية لصدام حسين مماثلةً أم مختلفةً عن مثيلتها لحافظ الأسد في سوريا أو الحبيب بورقيبة في تونس؟ كيف اختلف التخطيط الاقتصادي؟ وكيف عالجت هذه الأنظمة مشاكلها الاقتصادية؟

يُعَدُّ الكتابُ موضوعيًا بدلًا من تخصيصه فصلًا لكل جمهوريّة. فليس الهدف منه الاستعراض التاريخي للأحداث، لكنَّه يُسلِّطُ الضوءَ على بعض المشاهد والتوجُّهات من وجهة نظر المذكّرات. يبدأ الكتاب في عام 1952 بثورة يوليو، وينتهي بالانتفاضاتِ العربيةِ لعام 2011، مع فصلٍ نهائي مُخصَّصٍ لمرحلةِ الانتقالِ الصعبةِ من السلطوية التي بدأت بعد عام 2011.

 

جدلية: كيف يرتبط هذا الكتاب/ أو يحيد عن أعمالك السابقة؟

جوزيف ساسون: خلافًا لكتابيّ السابقين عن العراق واللاجئين، فقد اعتمد هذا الكتاب في الغالب على المذكراتِ السياسيةِ العربية. أما كتابي السابق عن حزب البعث فقد اعتمد في الغالب على الأرشيفات العراقية (حاليًا في معهد هوفر بجامعة ستانفورد). لقد أدركت أنَّ هذه المذكرات لم تُستخدم بالقدر نفسه من قِبَل مؤرخي العالم العربي مقارنةً بتلك التي تعمل على الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، وذلك بالرغم من إمكانية وصولهم إلى أرشيفات هذه البلدان.

 

جدلية: من الذي تأمُل في قراءته لهذا الكتاب، وما نوع الأثر الذي تُحبُّ أن يكون له؟

جوزيف ساسون: آمُل أن يُناشد الكتابُ كلَّ من يهتمّ باستيعاب سبب تعثّرِ الانتفاضات العربية؛ سواء أكانوا طلابًا للتاريخ أو السياسة أو الاقتصاد السياسي. ويُعَدُّ تعلُّمِ وفهم كيفية إدارة هذه الأنظمة الاستبدادية لمدة ثلاثة إلى أربعة عقود أمرًا مصيريًّا. وفي رأيي، فقد أدَّى عدم فهمِ هذه الأنظمة إلى الكثير من القرارات السياسيّة الخاطئة. وإضافة إلى ذلك، فإنني أؤمن بشدة أنَّ مواجهةَ الماضي ستكون عنصرًا جوهريًّا لنجاحِ أيّةِ عمليةٍ تحوّليّة.

 

جدلية: ما المشاريع الأخرى التي تعمل عليها الآن؟

جوزيف ساسون: لقد أدَّى بي هذا الكتاب للتفكيرِ أكثر في العنفِ والقمعِ والتعذيب الذين عانى منهم الكثيرون جدًّا في العالم العربي. فبعض المواد سترى النور، وأعتقد أنَّه من الأهميّةِ الشديدةِ أن نُسلِّم بمعاناةِ قطاعاتٍ كبيرةٍ من الشعوب في كثيرٍ من هذه البلدان.

 

مقتطفات من بنية الاستبداد في الجمهوريات العربية

من الفصل الرابع: دورُ الأجهزةِ الأمنيةِ في الجمهوريات العربية

يتماثلُ دورُ الأجهزةِ الأمنيةِ بشكلٍ ملحوظٍ في النظم الاستبدادية في العالم العربي أو في أي مكانٍ آخر، كما أنَّ لديها العديد من الخصائصِ المشتركة. وفوق كل ذلك، فهي تُشكِّلُ أدوات القهرِ والسيطرة عن طريق إمدادِ الحُكَّام بمعلوماتٍ عن القضايا السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ القائمةِ بين الشعوب. وفي الحقيقة، فإنَّ هناك مزيدًا من نقاطِ التشابهِ ]بين تلك الأجهزة[ عمَّا افتُرِضَ آنِفًا؛ سواء في الدولِ ذات الحزب الواحد مثل العراق وسوريا، أو فيما يسمى بالأنظمةِ متعددةِ الأحزاب التي كانت موجودةً في مصر وتونس. ففي جميع هذه البلدان، صُمِّمَت أجهزةُ الأمنِ لتتداخل، وتمّت هيكلتها على نحوٍ لا تستطيع معه إحداها أن تصبحَ قوية بما يكفي لتُهَدِّد النظام. تملّكت جميع هذه الدول أربع أجهزةٍ رئيسة في المتوسط، بالإضافةِ إلى بضع أجهزة أخرى منفصلة أنشئت لأغراضٍ محددة. وقد رُسِّخَ جيّدًا تواجدُ أجهزةِ الأمن الداخلي المُتغلغلةِ والقمعية؛ ففي مصر، بدأ هذا الوجود تحت حكم عبد الناصر، واستمر في ظل حكم السادات ومبارك. وفي سوريا، وُضِعت أُسسُ أجهزةِ الأمن التي سيطرت على جميع مناحي الحياة في أثناء الوحدة مع مصر (1958 - 1961). فكما توضِّح إحدى المُذكِّرات، فإنَّه في أواخرِ الخمسينيات، وبعد عامين من الوحدةِ بين سوريا ومصر، "سيطر وزير الداخلية "عبد الحميد السراج"، في الإقليم الشمالي ]سوريا[، على جميع الأمورِ الإداريةِ والسياسيةِ والاقتصاديةِ والأمنيةِ لدرجة أنَّه لم يحدث أبدًا من قبل أن تملّك سوريٌ كل ذلك القدر من السلطة"(1). كذلك في العراق، بدأت أجهزة الأمنِ في السيطرة على الأحداث والتأثير في صنع القرار في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، لكن كان الاختلاف في السنوات اللاحقة أن طوَّر وأحكم زعماءٌ مثل حافظ الأسد أو صدام حسين من عملياتِ هذه الأجهزةِ لتمكينها من التخلص من مُعارضيهم وضمان هيمنتهم الشخصية  لدرجة لم يُرَ لها مثيلٌ من قبل.

وقد ركّزت إحدى الدراسات الرئيسة في عدّة دولٍ عربية على بنية وزارة الداخلية بوصفها وسيطًا للأمن الداخلي، ولكن قلما تطرقت تلك الدراسات للأجهزة الأخرى الأكثر سريّة. ومن الجدير بالذكر أنَّه على الرغم من تقاعُس العالم العربي عن تطوير تكامل اقتصادي إقليمي، فقد كان هناك قدرٌ كبير من الحوار والتعاون بين مختلف الجمهوريات والممالك بشأن مسائلِ الأمن والاستخبارات. وفي جميع هذه البلدان، كان منصب وزير الداخلية منصبًا قويًا؛ فعلى سبيل المثال: في مصر، وفي أعقاب ثورة 2011، ذُكر أن الوزارة كان لديها 1.4 مليون موظف وعدد مقدّر بـ 700 ألف مرشد في كشوف الرواتب(2). بل وكشفت الإحصاءات المصرية الرسمية عن زيادةٍ مفاجئةٍ في عدد موظفي أمن الدولة والشرطة: تراوحت من 500 ألف في عام 1993 إلى أكثر من 640 ألف عام (2012 - 2013). ولم تشمل هذه الإحصاءات أفراد القوات المسلحة والمخابرات العامة والمخابرات العسكرية الذين يُقدَّرُ عددهم بنحو 000،600.

[...]

كان تعيين الضُبَّاط في هذه الأجهزة مُتماثلًا فيما بينها أكثر مما ظُنّ. وقد كان التركيزُ على الولاءِ أمرًا بالَغَ الأهمية، كما كانت الأصول الاجتماعية للمرشّحين اعتبارًا جوهريًّا. وقد بُنيت هذه الأجهزة على البارانويا والاعتقاد بوجود عدوٍ مُندَسٍ وراء كل ستارة. في مقابلة رائعة، يُشير ضابط أمن مصري متقاعد إلى محادثةٍ أجراها مع "حسن أبو باشا"، وزير داخلية سابق، الذي وصف ضابط الأمن المثالي بقوله: "إنَّ الحصول على التقديرِ الإيجابي من الناس والشعور بالرضا هما ميزتان بالنسبة إلى البشر، لكنّهما إثمان خطيران في حق ضابط أمن الدولة. وهذه هي قواعد كل جهاز"(3). وقد كان تدريب ضباط الأمن متماثلًا في جميع هذه البلدان. أقرَّ ضابط أمن مصري متقاعد، مُوضحًا بالتفصيل عملية تعيين الضباط وتدريبهم، بأن جميع الضباط قد تدربوا في جوٍ من الضرب والتعذيب وأساليب استجواب المشتبه بهم، وقد أصبح هذا الأمر عادةً و"حقيقةً حياتية" في هذه الأجهزة، بدلًا من تعلُّمِ كيفية التحقيق بشكلٍ صحيحٍ لكشف الحقيقة(4). إنَّ استخدام التعذيب منتشرٌ على نطاقٍ واسعٍ، ليس في الأجهزة الأمنية في هذه البلدان فحسب؛ بل أيضًا في قوات الشرطة المحلية. يعزو ضابطٌ سابق في الشرطة المصرية وأستاذ للقانون في كليةِ الشرطة انتشارَ التهديد البدني إلى اعتقاد أصيلٍ من جانب ضباط الشرطة بأنَّ تعذيبَ مشتبهٍ به هو أنجع وسيلةٍ للحصولِ على اعتراف. وأشار إلى أنَّ العديد في قوات الشرطة كُسالى، يريدون مُداراة نقصِ كفاءتهم في التحقيق، كما عزا الضابط السابق عادةَ إهانةِ المتهمين إلى الإشباع الذي منحته (تلك العادة) للضباط في ممارسة السيطرة على غيرهم من البشر.

[...]

إنَّ مذكّرات السجناء تبصيريّةٌ بشكلٍ واضح حول نظام الاستجواب والحياة اليومية في السجون. كانت إحدى أقوى هذه المذكّرات ما كتبه مصطفى خليفة، وهو سوري تحمَّل ثلاثة عشر عامًا من السجن والتعذيب. ففي رواية "القوقعة" الرائعة يحكي مصطفى كيف اعتُقلَ في مطارِ دمشق إثر عودته من فرنسا بعد الدراسة فيها مُدَّة ست سنوات. وقد استغرق الأمرُ قرابةَ ثلاثة أسابيع من التعذيب والضرب لاكتشاف أنَّه يُشتبه في كونه عضوًا في جماعة "الإخوان المسلمين". ولم تكن لمحاولته لإبلاغهم بأنَّه ليس فقط كاثوليكي المولد، بل ملحد في الحقيقة، أي أثرٍ؛ بل إنها قد زادت من سوءِ الأمرِ بالنسبة إليه، حيث قاطعه رُفقاء الزنزانة بعد إفصاحه عن ذلك. ومنذ ذلك الوقت، عانى مصطفى عزلةً تامَّة باعتباره كافرًا ونَجِسًا.

"وبمرور الأيام، بدأت قوقعةٌ ذات جدارين في التكوّنِ من حولي: شُكِّل أحدُ الجدارين بكراهيتهم لي؛ شعرتُ بأنني أسبحُ في بحرٍ من الكراهيةِ والحقدِ والاشمئزاز. حاولتُ جاهدًا ألا أغرق في هذا البحر. أما الجدار الثاني فشُكِّل من خوفي منهم ]الإخوان المسلمين]"(5).

وتُعَدُّ هذه المذكّرات تنويريةً من أجل فهمنا لحياةِ المعتقل، والتعذيب والإذلال الاعتياديين، وموقف النظام السوري تجاه الدين بشكلٍ عام وتجاه جماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص; وأخيرًا، إدراك التنظيم الرائع والانضباط بين الإخوان المسلمين داخل السجن وقدرتهم على الابتكار والتكيُّف مع الواقع المؤلم. ظهر وصفُ الإخوان المسلمين ومعاناتهم في مذكراتٍ أخرى كتبها الشيوعي السوري "ياسين الحاج صالح"، الذي وصف كيف أصبح سجن تدمر "الموطن الطبيعي" للإخوان. لقد رُسِمَ مجددًا التعذيبُ، والإذلالُ، والشجاعةُ، والقدرةُ على التكيف التابعة للأسرى. وتسردُ كلٌ من مذكّرات مصطفى وياسين كيف تعرَّض السجناء لأصرخ أداة للتعذيب في سوريا: "الدولاب"، حيث يوضعُ السجين داخل إطارٍ كبيرٍ بينما يضربُ الحرَّاس قدميه بأسواط وهرّاوات. ويبدو أنَّ كلَّ الجمهوريّات العربية كانت فخورةً بتطوير طراز التعذيب الخاص بها; ففي تونس، أُثيرَ السجناء بـ"الدجاج المشوي" في أثناء استجوابهم. ومن ضمن أساليب التعذيب الموثقة في بلدان قليلة ما أُشيرَ إليه بـ"القائمة": حيث تُعرضُ على السجناء قائمةٌ بأساليبِ التعذيب القاسية، ويُجبر السجين على اختيار أسلوب التعذيب الخاص به، الذي يُمكن أن يتضمن اقتلاع الأظافر، والصدمات الكهربائية، إلخ. وتحكي رواية أحد الناجين من جحيم سجون الجزائر عن كيف، خلال الحرب الأهلية في التسعينيات، اعتُقِل آلافُ الأشخاصِ وحُكِمَ عليهم بالإعدام، لكن تم تعذيبهم مسبقًا لأيامٍ "لانتزاع كل معلومةٍ عن رفاقهم"(6). وللأسف، كما يكتب شخصٌ كان على مقرُبةٍ من التعذيب السوري؛ فإنَّ كلماتٍ بسيطةً مثل كرسي، وسُلَّم، وكهرباء، وغلق بدأت تعني للعرب شيئًا يختلف عن تعاريفها اللغوية; لقد أصبحت رموزَ تعذيب.

في بلد مثل ليبيا، لم يكن التعذيبُ يرجعُ لأسبابٍ سياسيةٍ فقط; بل عُذِّب أيضًا الجنائيون المدنيّون بلا ريْب. يرسم نائبٌ عامٌ ليبي صورةً قاسيةً حقًا لمعاملة المعتقلين الجنائيين والسياسيين. فعندما اعتقلت الشرطة الليبية شخصًا يُشتبه في تشكيله لعصابةٍ من اللصوص، قامت بربطه في سيارةٍ وسحبِه حتى مات. وقد بلغ الإرهاب الداخلي للقذافي ذروته في سجن بو سليم، وأصبحت (تلك الذروة) تُعرف باسم مذبحة بو سليم، وهي شبيهةٌ جدًّا بمذبحة سجن تدمر في سوريا. لقد أضحى معتقل بوسليم رديء السمعةِ بسبب معاملته للسجناء، وذلك على غرار السجن السيئ السمعة في العراق المُسمَّى بـ "قصر النهاية"، والمعروف أيضًا بـ"المحطة الأخيرة". وفي وصفه للسجن الليبي، يقتبس الروائي "هشام مطر" رسالةً مُهرَّبةً من والده الذي سجن بعد "اختفائه" في القاهرة: "إنَّ قسوة هذا المكان تفوق كلَّ ما قرأناه عن سجن الباستيل المحصَّن. القسوة هي كل شيء، ولكنني ما زلتُ أقوى من أساليب قمعهم"(7).

جرت مذبحة بو سليم في منتصف عام 1996، عندما بدأ السجناء الإسلاميون، في أغلبهم، بإضرابٍ داخل المعتقل. وخوفًا من تمردٍ يمكن أن يتوسع خارج جدران المعتقل، قامت السلطات بقتل ما يقرب من 1400 سجين. وقبل الإطاحة بنظام القذافي نفت السلطات الحادث وادَّعت أنَّ اثني عشر معتقلًا فقط قد قُتلوا بعد مهاجمتهم الحرَّاس، وذلك رغم أنَّ منظمة العفو الدولية قد كتبت تقريرًا في عام 2006 تدعو فيه إلى ضرورة التحقيق في وفيّات المعتقل. وبعد الثورة، وُجدت مقبرة تحتوي على 1270 جثة، واعتُقدَ أنها رفات السجناء. ويسرُد "عبد السلام جلود"، عضو اللجنة الثورية ورئيس الوزراء من قبل القذافي، أنَّ في اجتماعه الأخير مع الزعيم الليبي في عام 1998 أثار قضية المجزرة. يقول إنَّه أبلغ القذافي: "مذبحة بو سليم هي أكبر مذبحة منذ مذبحة هتلر". فأجاب القذّافي: "لو لم أفعل هذا؛ لأحرقوا طرابلس وأحرقوك أنت أيضًا"[8]. لقد ادَّعى، حتى، شخصٌ في الأجهزة الأمنية أنهم سمعوا إشاعاتٍ فقط، وكان من المستحيل اكتشاف الحقيقة، وأصبحت المذبحة موضوعًا محظورًا. ولسنوات عديدة بعد ذلك، واصلت الأُسَر إحضارَ الطعامِ والملابسِ لأحبَّائهم، فقط لكي يأخذَها الحرَّاسُ لعدم وجود أحد تُرسل هذه الطرود إليه.

 

 

مراجع

(1) نبيل عمر، ذئب المخابرات الأسمر: الباب السرّي لجمال عبد الناصر [The Brown Wolf of the Intelligence: The Secret Door to Gamal ‘Abd al-Nasser] (القاهرة: دار الفرسان، 2000)، ص 80.

(2) اليستير ليون، " Analysis—Egyptian Army Could Hold Key to Mubarak’s Fate"، رويترز، 28 كانون الثاني/يناير 2011. ويستند التقدير إلى تسريبات من الدبلوماسيين الأمريكيين.

(3) مقابلة مع العميد حسين حمودة، الشروق، 8 نيسان/أبريل 2011.

(4) المرجع نفسه.

(5) مصطفى خليفة، القوقعة: يوميات متلصص، الطبعة الثانية (بيروت: دار الآداب، 2010)، ص 72.

(6)  Lyes Laribi، Dans Les Geôles Laribi de [في غياهب نزار] (Paris-- Méditerranée 2002)، ص 10.

(7) هشام مطر، "العودة: اختفاء والد، رحلة إلى الوطن" New Yorker، 8 نيسان/أبريل 2013.

(8) غسان شربال، في خيمة القذافي: رفاق العقيد يكشفون خبايا عهده [In Qaddafi’s tent: the colonel’s comrades expose the mysteries of his era] (بيروت: دار رياض الريس، 2013)، ص 52.

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة