معضلة الجندر في فرنسا

4/28/2016

أدان العلماء المحافظون والنّشطاء الكاثوليك في فرنسا "نظريّة الجندر" التي يعتقدون أنّها توجّه قرارات حكومة فرانسوا هولاند الاشتراكيّة. فقد خرجوا في الشوارع رافعين لافتاتٍ قائلين “لا لنظريّة الجندر"، و"نريد الجنس، لا الجندر"، و"دعوا لنا قوالبنا الجندريّة المعهودة". وأنشأوا مواقع إلكترونيّة مثل موقع المرصد لنظريّة الجندر (Observatory for the Theory of Gender). ونظموا مجموعاتٍ شاملة.

 

وفي ديسمبر الماضي، أطلق بعضهم -حاشدين عبر الإيميلات والتغريدات والرسائل القصيرة- “يوم الإحجام عن الذهاب إلى المدرسة"، حاثّين الوالدين أن يحفظوا أطفالهم في البيت يومًا واحدًا بالشهر كردّ فعلٍ على تفشّي "نظريّة الجندر" في المدارس العموميّة.

 

وتقاطعًا مع الاعتراضات القوميّة العنيفة والحادّة ضدّ زواج المثليين الذي ابتدأ في ٢٠١٣، فإنّ هذا الاهتياج يُظهر للعلن أزمة قوميّة واسعة بشأن الجندر والأسرة. وجنبًا إلى جنب مع المنعطف النيوليبراليّ للشيوعيّة الفرنسيّة وصعود الجبهة الوطنيّة، تسلّط الأزمة الضوء على أبعادٍ مُهملة وشنيعة للسياسة الفرنسيّة المعاصرة، متعلّقة بشأن الجندر، والهجرة، والإنجاب، وحدود العلمانيّة والكونيّة.

 

يقدّم كتاب المؤرّخة كميل روبسيس، قانون القرابة (The Law of Kinship)، طريقًا لفهم تلك القوى. إذ يشير الكتاب إلى أنّ هذه الجدالات المعاصرة -والتي قد أدهشت المراقبون داخل فرنسا وخارجها على حدّ سواء- تنتمي إلى قصّة طويلة للكونيّة الفرنسيّة واعتمادها على الأسرة غيريّة الجنس (heterosexual). وما يلي هو مقابلة مكثّفة مع كميل روبسيس، حيث تشرح فيها لماذا تبدو فرنسا مهووسة جدًّا بالجندر هذه الأيام.

 

وروبسيس هي أستاذة التاريخ في جامعة كورنيل. وقد حاورها لصالح جاكوبين كيفن دونج (Kevin Duong)، وهو مرشّح للدكتوراه في النّظريّة السياسيّة بجامعة كورنيل.

 

***********

معضلة الجندر في فرنسا

حوار مع المؤرّخة الفرنسيّة كميل روبسيس

المصدر: مجلّة جاكوبين

 

ترجمة: كريم محمد

 

** في حين أنّ نظريّة الجندر في الولايات المتحدة تشير عادةً إلى جرأة أكاديميّة، فيبدو أنّها تحمل معنى واسعًا في هذه الجدالات الفرنسيّة.

 

-أظنّ أنّ الأمر الأول للاتضاح هو أنّه ليس هناك “نظريّة للجندر". وكما تشير، كان التنظير للجندر باعتباره مفهومًا، وباعتباره الغشاء الاجتماعيّ/ الثقافيّ للجنس، في واقع الأمر وبالمقام الأوّل جرأة أكاديميّة بالولايات المتحدة الأمريكيّة (وإن لم يكن حصرًا، لأنّ القانون والسياسة يستعملان أيضًا مصطلح الجندر كمرادفٍ للجنس). لكن لا توجد "نظريّة الجندر" بحدّ ذاته: إنّها مجرّد استراتيجيّة خطابيّة ابتكرتها مجموعات محافظة ليعارضوا الحقوق المتساوية للمرأة وللمثليين.

 

وليس هناك إجماع فعليّ على ما تتكوّن منه "نظريّة الجندر"، حتى في أوساط منتقديها. ومع ذلك، فقد رأت النور كتبٌ عدّة بفرنسا في السنوات الأخيرة تحاول أن تشرح أصول وتأثيرات هذه "النظريّة" (أو الأيديولوجيا، أو الأجندة كما يُطلق عليها عوضًا عن ذلك)، بعناوين مثل لا لنظريّة الجندر، والتعليم في عصر الجندر، أو الجندر: جدال.

 

وبحسب هذه المصادر، وُلدت "نظريّة الجندر" في الأكاديميا الأمريكيّة وبالأخصّ في أقسام دراسات المرأة، حيث تمّ تشكيلها (وفقًا للمصدر) من قبل الماركسيّة، والتفكيك، وما بعد الحداثة، والنِّسويّة -مع كلّ تضمّناتهم الأخرى: العدميّة، والنسبويّة، والنزّعة البنائيّة (constructionism)، والراديكاليّة. وباعتقادهم، لقد تمّ تعميم المفهوم في صلب المنظّمات الدوليّة مثل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبيّ، وعُمّم، محليًّا، في صلب الحزب الاشتراكيّ.

 

وفي داخل السّياق الفرنسيّ، عادةً ما يتطرّق النّقاد إلى مسألة كتب البيولوجيا المدرسيّة لعام ٢٠١١، حينما عرّفت الكتب المدرسيّةُ الجديدة لطلّاب المدارس الثانويّة على فكرة الجندر المُحدّد على أنّه مُكتسَب اجتماعيًّا، بدلًا من كونه شيئًا بيولوجيًّا. ويشيرون أيضًا إلى حملة (ABCD de l’Égalité)، وهي حملة انطلقت في عام ٢٠١٣ لمهاجمة القوالب النمطيّة الجندريّة في التعليم الابتدائيّ.

 

وقد أصبحت وزيرة التعليم الجديدة، نجاة فالو بلقاسم، هدفًا للمجموعات المُحافظة بسبب تورّطها في هذه الحملة بوصفها الوزيرة السابقة لحقوق المرأة. إذ إنّ تلك المجموعات قلقةٌ من أنّ بلقاسم ستواصل دعم وتعزيز "أيديولوجيا الجندر" بالمدارس في منصبها الجديد.

 

إنّ فكرة "نظريّة الجندر" التي يجري تعليمها وتدريسها في المدارس هي فكرة يُنظر إليها باعتبارها فكرة مقلقةً ومثيرة للقلق على نحو خاصّ، ليس بسبب أن الأطفال يُتصوّر أن يكونوا عرضةً للأفكار الراديكاليّة فحسب، وإنّما أيضًا بسبب أنّ المدارس في فرنسا -المجانيّة، والإلزاميّة، والعلمانيّة- قد لعبت دورًا من النّاحية التاريخيّة باعتبارها قوّة موجِّهة متميّزة لدمْج المواطنين في الأمّة.

 

ومن النّاحية العمليّة، يخشى هؤلاء الآباء من أنّ أطفالهم سيعلَّمون المثليّة الجنسيّة، والاستمناء، والتحوّل الجندريّ (transgenderism) -وعلى نطاق أوسع، من أنهم سيصبحون مواطنين يعتنقون العدميّة، والنسبويّة، والراديكاليّة، والنّزعة البنائيّة الاجتماعيّة، وكلّ القيم التي يعزونها إلى "نظريّة الجندر".

 

** يبدو أنّ مثل هذا الجدال قد شقّ طريقه للظهور على السّطح بصورة مفاجئة جدًّا في السنوات القليلة الماضية. فهل هذا صحيح؟

 

-حسنًا، إنّ الطريق الذي أودّ صوغه هو أنّ الجدال حول "نظريّة الجندر" عاود الظهور بقوّةٍ خاصّة منذ تمرير قانون زواج المثليّين في ٢٠١٣، والمعروف باسم "الزّواج للجميع". وعلى الرّغم من أنّ الإصلاح كان واحدًا من وعود حملة هولاند، فقد أطلقَ العنان لمعارضة فاجأت العديد من المعلّقين خارج وداخل فرنسا، نظرًا إلى القبول النسبيّ للمثليّة الجنسيّة في المجتمع الفرنسيّ واللامبالاة المنتشرة الظاهرة في مؤسّسة الزواج.

 

في هذه الجدالات، كانت النّقطة الأساسيّة للنّزاع هي البنوّة (filiation)، أو حقوق الوالدين. وعلى الرّغم من أنّ قانون الزّواج للجميع لا يُجيز التقانات الإنجابيّة للأزواج من الجنس نفسه، فقد فتح الباب للتبنّي، وتركّز كثير من النّزاع على ما إذا كان الأطفال الذين نشأوا في أسرٍ من الجنس نفسه يمكن ويجب الاعتراف بهم من قبل القانون [أم لا]. وركّزت معظم شعارات وملصقات المتظاهرين على مشكلة الإنجاب هذه.  

 

وينطوي الإنجاب بطبيعة الحال على رؤية معيّنة للأمّة، وهذا هو الموضع الذي يجتمع فيه الجندر وزواج المثليين. وفي كثيرٍ من هذه الحجج المعادية للجندر، يتمّ تصوير زواج المثليين باعتباره مطلبًا قادمًا من أعضاء يساريين للأحزاب السياسيّة والفكريّة المستوحاة من قبل ضربٍ من ضروب النّزعة بنائيّة الراديكاليّة التي يعتقدون أنّ "نظريّة الجندر" تمجّدها.

 

وقد صدر مؤخرًا كتابٌ من تأليف ثلاثةٍ من النّشطاء البارزين المعادين للجندر يصوغ ذلك الأمر على نحو جميل: من نظريّة الجندر إلى الزّواج من الجنس نفسه: تأثير الدومينو (From the Theory of Gender to Same-Sex Marriage: The Domino Effect). وتصوّر صورة الغلاف طفلاً صغيرًا مسحوقًا تحت هبوط أحجار الدومينو، وتحت "نظرية الجندر"، و"زواج المثليين"، و"الأبوّة المتعددة" (multiparenting)، و"التقانات المساعدة على الإنجاب"، و"تأجير الأرحام" (surrogacy). ووفقًا لهذا المنطق الخَطِر، فإنّ التقانات الإنجابيّة (والتي هي غير قانونيّة في فرنسا للأزواج من الجنس نفسه) وتأجير الأرحام (اللاقانونيّة بالكليّة) تنجم حتمًا عن القانون.

 

تنبثق "نظريّة الجندر"، بعبارة أخرى، بوصفها السببَ والنتيجة على حدّ سواء لزواج المثليين. فإذا سُمحَ للمثليّين بالإنجاب؛ فمن الذي سوف ينجم عن هذه العمليّة؟ وماذا سُتشبه الأسرة، والأهمّ من ذلك، وماذا سيكون المستقبل، والاجتماعيّ، وماذا ستشبه الأُمّة؟ وبطريقةٍ مماثلة، إذا تمّ تعليم الأطفال أن يساءلوا القوالب النمطيّة الجندريّة وأن يفكّروا حول هويّتهم الجنسيّة بوصفها أكثر مرونةً بمساعدة "نظريّة الجندر"، فأيّ نوعٍ من المواطنين سيصبحون؟ وما هي المعايير التي ستحكم عالَمنا؟

 

** في كتابك: قانون القرابة، تشيرين إلى أنّ هذه النّزاعات المعاصرة في فرنسا حول الجندر والبنوّة يمكن أن تُفهم على نحو أفضل من حيث التاريخ الطويل لـ"النّزعة العائليّة" (familialism) في فرنسا. إذ يساعدنا هذا التاريخ في رؤية كيف أنّ الإنجاب، والتماسك الاجتماعيّ والقوميّ، وبلاغة الكونيّة تتضافر تاريخيًّا معًا في الأسرة.

 

وكما ترين، تفترض النّزعة العائليّة ارتباطًا وثيقًا بين القرابة والتنشئة الاجتماعيّة. و تصبح الأسرة، في المقابل، المكان الأصليّ لتصوّر الجسد الاجتماعيّ الفرنسيّ. فهل بإمكانك أن تفصّلي في هذه الفكرة؟

 

-خرج كتابي إلى النور في مايو ٢٠١٣، وهو الشّهر نفسه الذي وُقّع فيه نهائيًّا قانون الزّواج للجميع، وما كان مدهشًا هو رؤية كيف أنّ السياق السياسيّ كان يؤكّد على كلّ شيء قد حاججتُ به في الكتاب! أقول مدهشًا ولكن مخيفًا أيضًا، لأنّه من المهمّ أنْ نتذكّر العنف الفعليّ الذي شهدته فرنسا أثناء هذه الأشهر.

 

ولعلّكم تذكرون حالة ويلفرد دي بروين (Wilfred de Bruijn)، والذي تعرّض للضرب في شوارع باريس بينما هو في طريقه للبيت مع صديقه [البويفريند]، أو حالة كليمان ميريك (Clément Méri)، وهو الطالب الذي يبلغ ١٩ عامًا المتورّط في سياسة الجناح اليساريّ -بما في ذلك المنافحة من أجل زواج المثليين- والذي كان عُرضةً للموت من قبل الهمجيين ذوي الصلّة بمجموعة اليمين المتطرّف التي تحتجّ على القانون. وأثناء التظاهرات، أعلن رئيس مجموعة الاحتجاج الكبرى، "في حال أراد هولاند الدّم، فسوف ينال بعضًا منه"، وأظهر الجدال البرلمانيّ للعيان بعضًا من اللغة الأكثر إهانةً وخبثًا التي لم تُسمع مطلقًا في الجمعيّة الوطنيّة.

 

وعلى أيّ حال، اهتممتُ في كتابي، كما ترى، بهذا التاريخ الطويل لـ"النّزعة العائليّة" في فرنسا. إذ أردتُ أن أفهم لماذا قد حازت الأسرة غيريّة الجنس بمثل هذا الدّور الأساسيّ في الثقافة السياسيّة الفرنسيّة. ففي حين أنّه في الولايات المتحدة تركّز الكثير من النّقاش حول حقوق المثليين في عام ١٩٩٠ على الزواج، كان حجر العثرة الرئيس في فرنسا -ولا يزال- هو الإنجاب.

 

وتُعتبر الأسرة بطبيعة الحال أمرًا مهمًّا من الناحية السياسيّة في كلّ مكان، لكن ما حاججتُ به في كتابي هو أنّه منذ القرن التاسع عشر، فإنّ القانون المدنيّ الفرنسيّ قد شكّل الأسرة غيريّة الجنس باعتبارها تأسيسيّةً وقِواميّة للاجتماعيّ. بعبارة أخرى، تُعتبر الأسرة بوصفها أفضل وحدة لتنظيم التضامن وبناء الإجماع السياسيّ، الأكثر كونيّة والصيغة الأكثر قابلية لتجريد (abstractable) التمثيل الاجتماعيّ، والتعبير الأنقى عن الإرادة العامّة.

 

وهذا ما أسمّيه "العقد الاجتماعيّ الجمهوريّ". ويمكن لهذا الاتصال الطويل والدّائم بين الأسرة والجمهوريانيّة (republicanism) أن يساعدنا في فهم السبب في أنّ القوانين المؤخرة المتعلّقة بالبيوتيقا (bioethics)، والزواج من الجنس نفسه، والأسر ذات العائل الواحد، وأسماء العائلة، وتأجير الأرحام، وتبنّي المثليين كانت مثيرة للجدل جدًّا في فرنسا.

 

ويمكن أن تفسّر أيضًا لماذا أنّ بعض الحجج التي تبدو غريبةً من هذا الجانب للمحيط الأطلنطيّ أتت في طليعة الجدالات الفرنسيّة. كانت الحجّة الأولى التي تواترت على مدار التسعينيّات، والتي أختبرها بتوسّع في الكتاب، هي الأشكال البديلة للأسرة طارحةً مشكلةً أساسيّة على مستوى "الرّمزيّ"، والتي قد تسبّب ذهانًا وفوضى اجتماعيّة.

 

ولإدراك هذه النقطة، انعطفَ القضاةُ والمشرّعون إلى الأنثربولوجيا البنيويّة والتحليل النّفسيّ؛ إذ في الواقع، توسّلوا ببعض أكثر الأفكار غموضًا وصعوبةً لكلود ليفي شتراوس وجاك لاكان. وحجّتي هي أنّهم وجدوا في البنيويّة مبرّرًا للمركزيّة الكونيّة والعابرة للتاريخ للاختلاف الجنسيّ في كلّ أشكال التنظيم النّفسيّ والاجتماعيّ. فقد وفّرت البنيويّة لهم سبيلًا لتحاشي ما كان تاريخيًَّا وجغرافيَّا وسياسيًّا، وحتى إمبريقيًّا في الجنسانيّة والقرابة، وتحدّد لهم عوضًا عن ذلك تصنيفاتٍ موجزة وكونيّة ومعياريّة.

 

يمكن لهذا التاريخ من التفكير في الأسرة غيريّة الجنس باعتبارها تأسيسيّة للاجتماعيّ ومرادفةً للجمهوريانيّة أن يساعدنا في أن نفهم بشكلٍ أفضل السبب في أنّ المناهضين لزواج المثليين سيقدّمون باستمرار زواج المثليين و"نظريّة الجندر" على أنّهما تصديرٌ أجنبيّ، وباعتبارهما نتاجًا لليبراليّة الجامحة أو للتوتاليتاريّة -وفي كلتا الحالتين، بوصفهما لا جمهورييْن ومعارضيْن أساسًا للثقافة الفرنسيّة.

 

إنّ المنطق الذي يكمن وراء هذه الادعاءات هو أنّ تغيير بنية الأسرة سيسبّب بالضرورة نظامًا سياسيًّا جديدًا، نظامًا ليس فرنسيًّا بشكلٍ حازم.

 

**هذا يثير سؤال مَن يكون نقّاد "الجندر" بالضبط. إذ تبدو الثقافة الفرنسيّة علمانيةً للغاية، من منظور الولايات المتحدة الأمريكيّة. وفي أمريكا، اعتدنا أن نحتجّ ضدّ المساواة الجنسيّة الآتية من اليمين الدينيّ.

                    

وقد ذكرتِ أنّ الكاثوليك المُحافظين قد نشطوا في الحركة بفرنسا، لكنّك تلاحظين أيضًا أنّه قد نُشرَت الحججُ العلمانيّة حول دور الأسرة في العقد الاجتماعيّ الجمهوريّ. فمن أين يأتي نقّاد "الجندر" -اليمين الدينيّ، واليسار الجمهوريّ، أم كلاهما؟ 

 

-بالتأكيد فرنسا ليست هي البلد الوحيد الذي شهدت فيه هذه الإشكالات انقسامًا عميقًا، لكن في الولايات المتحدة، كما تقول، لا مشكلة لدى اليمين أن يتذرّع بالدّين أو بالأخلاقيّة للدفاع عن الأسرة الإنجابيّة غيريّة الجنس.

 

وكان أحد اهتماماتي في الكتاب هو فهم لماذا انعطف القضاة والسياسيّون والمفكّرون في كلّ اليمين واليسار إلى مفكّرين أمثال ليفي شتراوس ولاكان لتثبيت معارضتهم على الاعتراف القانونيّ بالأسر غير التقليديّة. ويمكنك أن ترى هذا أثناء الجدالات التي دارت حول قوانين البيوتيقا عام ١٩٩٤ أو مشروع قانون الشراكة المحليّة عام ١٩٩٩.

 

وفي فرنسا، لم تحلّ البنيويّة محلّ الدين تمامًا، لكنّها قدّمت بالتحديد نموذجًا للخبرة المعياريّة الترنسندنتاليّة، وهي الخبرة التي لديها ميزة كونها في انسجام تامّ مع فهم الذات الحديث والعلمانيّ للثقافة السياسيّة الفرنسيّة.

 

وإنّ واحدًا من الاختلافات اللافتة بين فرنسا وأمريكا هو أنّه في تلك الجدالات حول البنوّة في فرنسا، غالبًا ما يكون معكسرا اليمين/اليسار غير واضحين. لذلك فإنّ المقاومة ضدّ المساوة الجنسيّة قد أتت بالفعل من اليمين والعالَم الكاثولويكيّ في المقام الأوّل.

 

ولكن أثناء التسعينيّات، انضم إليهم عددٌ من السياسيين والمفكّرين في اليسار الجمهوريّ الذين اعتقدوا بقوّة بأنّ بنية الأسرة لم تكن أمرًا مفتوحًا للنقاش -على سبيل المثال،  السوسيولوجيّ (Irène Théry)، والمحلّل النّفسيّ (Jean-Pierre Winter)، أو الأنثربولوجيّ (Françoise Héritier). وبعضٌ من هؤلاء، فيما يبدو، قد تغيّرت آراؤهم منذ التسيعنيّات، ولكن في الوقت الذي كانوا مصرّين فيه على أنّه رغم أنّ الأسر من الجنس نفسه والأسر ذات العائل الواحد قائمة وموجودة، فيتحتّم على القانون ألّا يعترف بها قطعًا.

 

وأثناء هذه الموجة الأخيرة للاحتجاجات ضدّ زواج المثليين وضدّ الجندر، كان للكاثوليك حضورٌ وصخبٌ أكثر بكثير. وإلى حدّ ما، يجب أن تُفهم حالة فرنسا بوصفها جزءًا من محاولةٍ أوسع للدفاع عن الأسرة الإنجابيّة غيريّة الجنس من جانب الفاتيكان واليمين المسيحيّ العالميّ. ومع كلّ ذلك، فقد أنذرَ بالفعل جوزيف راستنغر والبابا يوحنا بولس الثاني العالَم الكاثوليكيّ من الآثار الضارّة للجندر.

 

بيد أنّ المثير للعجب هو أنّ معظم هؤلاء النّشطاء والعلماء الكاثوليك الفرنسيين لا يستعملون حججًا دينيّة. بدلًا من ذلك، فإنّهم يحاولون استعادة القيم التي كانت أساسيّة في الثقافة السياسيّة الفرنسيّة، مثل الجمهوريانيّة، والكونيّة، والإنسانويّة، والجنسنة الغيريّة لهم. إذن، تأتي "نظرية الجندر" لتعمل ككلمة مفتاحية لفهم المعايير التي هي معايير تاريخيّة ومتغيّرة، وبوصفها معارضةً لفهم بنيويّ للإنسانيّ متجذّرًا في الاختلاف الجنسيّ.

 

وعلى سبيل المثال، فإنّ حركة (Manif Pour Tous) تعني حرفيًّا التظاهر من أجل الجميع. وهذا صدى واضح من اسم الحكومة للقانون، الزواج من أجل الجميع (mariage pour tous). إذ كان هذا "الوسْم" للمشروع بوصفه مشروعًا كونيَّا (في مقابل "زواج المثليين" الخصوصويّ (particularistic)) استراتيجيًّا من جانب داعمي ومروّجي القانون، والذين سعوا إلى تكريسه في صُلب تقليد الكونيّة الجمهوريّة -أو، يمكننا أن نقول، سعوا إلى صياغته وفقًا إلى الثقافة السياسيّة الفرنسيّة.

 

وبالتالي، تشير الحقيقة القائلة إنّ حركة (Manif Pour Tous) المعادية لزواج المثليين قد تبنّت أيضًا بلاغة الكونيّة إلى صراعٍ حقيقيّ يدور حول تعريف وحدود هذه الكونيّة. فهل ستكون الكونيّة الجمهوريّة قادرة على التكيُّف مع الأسر من الجنس نفسه أم ستظلّ غيريّة الجنس أساسًا كما يرغب هؤلاء المتظاهرون؟

 

وهناك مجموعة أخرى أطلقت على نفسها (Printemps Français)، أو الرّبيع الفرنسيّ، وزعمت بأنّ غاندي، ومارتن لوثر كينج، وأنتيجون، يمثّلون رموزها. ولم يذكر بيانُهم الرّسميّ بتاتًا حتى الزّواج من الجنس نفسه. بالعكس، يدّعي أنّه بمثابة تمرّد "من الأسفل، ضدّ نيوليبراليّة الأوليغارشيّة السياسيّة والماليّة والإعلاميّة"، وأنّه بمثابة "دمقرطةٍ للرّوح النقديّة"، ومعركة من أجل الدّفاع عن "الإنسانويّة".

 

بطرقٍ عدّة، تتبنّى هذه المجموعة بعضًا من الاستعارات والحركات الكلاسيكيّة للشعبويّة (populism). إذ تزعم كونها انبثقت "عفويًّا" باعتبارها إرادة حقيقيّة للنّاس، وللأقليّة الصّامتة، ولـ"الطبقة الثالثة" الجديدة إن استعرنا من (Béatrice Bourges)، وهو أحد قائدي الحركة. إذ يطالبون بأعمال تمرّد مدنيّ بانتظامٍ وباستفتاء لتحاشي عملية التمثيل السياسيّ المحكوم عليها بالفساد في لبّها وصميمها.

 

ما أجدهُ لافتًا حقًّا ههنا هو أنّ ذلك هو شكلٌ من أشكال الشعبويّة التي تتوسّل بالإنسانويّة والكونيّة. إذ يقدم [هذا الشكل] نفسه بوصفه زوْدًا عن مجموعةٍ محرومة الحقوق (العائلات غيريّة الجنس التي تنتمي إلى طبقة وسطى عاديّة يوميّة) تتمرّد ضدّ القلّة ذات الامتياز (الطبقات السياسيّة والفكريّة الاشتراكيّة والمثليّة) باسم الناس والشّعب -ولكن ليش شعبًا معيّنًا، إنّه شعبٌ كونيّ! لذلك أعتقد أنّنا نرى ههنا صراعًا مرة ثانية، وهو صراع حول الكونيّة والماهيّة الفرنسيّة (Frenchness)، وحول الأمّة.

 

**أودّ أن تتابعين الحديث حول هذه النّقطة. وكما أشرتِ في كتابك، فإنّ واحدًا من اللوازم المشتركة المسموعة في النقاشات المتعلّقة بالزّواج من الجنس نفسه كانت أنّه يقود إلى "جماعانيّة" (communitarianism) على الطراز الأمريكيّ، والتي تعارض الكونيّة الجمهوريّة الفرنسيّة.

 

فكيف يرتبط هذا بالهجمات الأخيرة على "نظريّة الجندر"؟ ولماذا تمّ تفسير شبح "نظريّة الجندر" بمصطلحات قوميّة، باعتباره معاديًا لفرنسا؟

 

-إنّ أحد التطوّرات اللافتة في النّقاشات التي تدور حول زواج المثليين منذ بداية التسعينيّات هي أنّ هذه البلاغة للجماعانيّة في واقع الأمر كانت أقلّ انتشارًا بكثير ممّا كان عليه الحال في السّنوات السّابقة. إذ للصّراع على الجمهوريانيّة والجماعانيّة تاريخٌ طويل في الثقافة السياسيّة الفرنسيّة، وهو الصّراع الذي يمكننا تتبّعه من بداية الثمانينيّات والذي كان غير مقتصرٍ على الجنسانيّة (sexuality).

 

لكن من حيث الجوهر، وبمصطلحاتٍ مبسّطة جدًّا، ترتكز فكرة الكونيّة الجمهوريّة إلى ما قد وصفه المؤرّخ جون سكوت (Joan Scott) بأنّهما "تجريدان ذات صلةٍ ببعضهما البعض: تجريد الفرد وتجريد الأمّة". فخلافًا للنّظام الأمريكيّ الذي تعمل الحكومة فيه باعتبارها وسيطًا بين المصالح الخصوصيّة المتضاربة، فإنّ الكونيّة الفرنسيّة تتصوّر وتتخيّل بأنّ ممثّلي الحكومة سيكونون قادرين على تجريد خصوصيّاتهم (الدينيّة، والاقتصاديّة، والعمليّة، إلخ) من أجل التّحدث باسم المجموع ككلّ.

 

وعلى مدار الثمانينيات والتسعينيات، اختُبرَت الكونيّة الفرنسيّة على محكّ "خصوصيّات" بعينها -لا سيّما الجندر، والإسلام، والمثليّة الجنسيّة- لم تكن تُعتبَر "قابلة للتجريد" (abstractable) بما يكفي ليتمّ "استيعابُها" من قبل البراديغم الكونويّ (universalist). إذ بالنسبة إلى المنافحين عن هذه الجمهوريانيّة الصّارمة، فإنّ الحجاب، على سبيل المثال، قد مثَّلَ رابطًا أساسيًّا بمصلحة خاصّة (الإسلام)، ومثّلَ شكلًا من أشكال الجماعانيّة المتعارِضة جوهريًّا مع فرنسا.

 

وفي المعسكر الثاني، اقترحَ كثيرون بأنّه كان من الممكن ارتداء الحجاب مع الالتزام بقيم الجمهوريّة. وهكذا، ردًّا على قانون ٢٠٠٤ الذي يمنع ويحظر "العلامات البيّنة" للانتماء الدّينيّ في المدارس العموميّة، فقد خرجت كثيراتٌ من طالبات الثانويّة في شوارع باريس مرتديات أحجبةٍ بيضاء وزرقاء وحمراء حاملين لافتاتٍ "نعم للحجاب، نعم للتسامُح، نعم للائكيّة".

 

وخلال التسعينيات، فقد تغلغلت بلاغةُ الجمهوريانيّة في النّقاشاتِ الدائرة حول حقوق المثليين. وحينما ناضل النُّشطاء من أجل (PACS)، وهو مشروع الشراكة المحلّية الذي تمّ التصديق عليه في عام ١٩٩٩، فقد أطَّروا المشروع بتأنٍّ في مصطلحاتٍ كونويّة، باعتباره قانونًا لكلّ الأزواج، المثليين والغيريين على السّواء، لتفادي تعريضه للنّبذ والرّفض باعتباره [قانونًا] “جماعانيًّا"، وباعتباره يلبّي مصالح مجتمع المثليين حصرًا. وتمّ الزّعم بسبب كلا الجانبين كونه يعمل وفقًا للمبادئ الجمهوريّة بأنّ حججًا جديدةً، لا سيّما الآتية من الأنثربولوجيا البنيويّة والتحليل النّفسيّ، قد جاءت إلى الواجهة.

 

وإنّ جزءًا من السّبب حول لماذا كانت بلاغة الجماعانيّة أقلّ انتشارًا بكثير في ذلك الوقت إنّما يرجع إلى الحقيقة بأنّ مروّجي القانون ارتكزوا إلى الفكرة القائلة إنّ مشروع الزّواج للجميع كان في وِفاقٍ تامّ مع القيم الحديثة والعلمانيّة والكونويّة للجمهوريّة الفرنسيّة.

 

وفي خطبها البرلمانيّة، كانت كريستيان طوبرا (Christiane Taubira) حذرة في تضمين قانون الزّواج للجميع في التّاريخ الطويل للزّواج المدنيّ بفرنسا، من الثورة، إلى الطلاق، إلى حقوق المرأة، وهو ما قد أسمته "تاريخًا جمهوريًّا بشكلٍ حازم". فالزّواج المدنيّ، كما أعلنت، يمكن أن يكون الآن "كونيًّا حقًّا" -ومن ثمّ تقترح ببراعةٍ تمامًا بأنّ زواج الغيريين كان "جماعانيًّا" بالفعل في شكله الحالي. وقد لعب النّشطاء المؤيدين للزواج أيضًا دورًا مع بلاغة الجماعانيّة والكونيّة بالادّعاء بأنّ ما كان جماعانيًّا هو فكرة الاتحادات المدنيّة للمثليين بحدّ ذاتها، والتي استحسنها نيكولاس ساركوزي وكثيرون من اليمين. 

 

وبالأمس القريب، في المسيرات المعادية لزواج المثليين، يمكننا أن نرى بوضوح مرة ثانية كيف أن مسألة الأسرة في فرنسا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجمهوريانيّة كما قد تبنّى كثيرٌ من المتظاهرين المعادين لزواج المثليين جهارًا شعاراتٍ ورموزًا كانت مرتبطةً تقليديًّا باليسار الجمهوريّ.

 

على سبيل المثال، فقد ارتدى بعض المتظاهرين مثل (Mariannes) بعصر الثورة قبّعات فريجيّة وفساتين قرويّة بيضاء، وانتقصوا من زواج المثليين بينما يتشبّثون بالقانون المدنيّ (civil code). وبتعريف تلك الرّموز الجمهوريّة بالدّفاع عن الأسرة غيريّة الجنس، يصبح زواج المثليين بالأساس أجنبيًّا، وجماعانيًّا.

 

ويمكننا أيضًا ههنا أن نذكرَ شتّى الإحالات إلى الإرهاب والتوتاليتاريّة في هذه النّقاشات. إذ رسمت واحدةٌ من المجموعات المعادية لزواج المثليين، جماعة (Hommen)، فرنسوا هولاند وهو يمشي يدًا بيد مع هتلر وستالين، مُهاجمةً مرّة ثانيةً هذا القانون الجديد باعتباره معاديًا للديمقراطيّة، ومعاديًا للجمهوريّة، ومعاديًا لفرنسا.

 

وكانت بلاغة الانتماء القوميّ مثيرة جدًّا أيضًا داخل الحملة المعادية للجندر. أعنيّ أنّ استخدام المصطلح الإنجليزيّ "جندر" في اللغة الفرنسيّة بالفعل يشير إلى أنّ المفهوم غريب وأجنبيّ بالأساس عن المجتمع الفرنسيّ، وغير قابل للترجمة بنهاية المطاف. وما هو مضحك ههنا بالأحرى هو أن كثرةً من الأكاديميين الأمريكيين انعطفوا نحو مفكّرين فرنسيين (ألتوسير، لاكان، فوكو، ليفي شتراوس، بوفوار، وآخرين) لتطوير هذه الفكرة حول الجندر.

 

كنتُ أقرأ مؤخرًا نصًّا كتبه الفيلسوف تيبو كولين (Thibaud Collin)، والذي قد كتبَ بتوسّع ضدّ "نظريّة الجندر"، وكنتُ مستمتعةً برؤية كيف أنّه يخطئ تهجئة اسم المنظّرة النّسويّة (Monique Wittig) مرّتين بأنّه "Monica Wittig”، وكيف أنّه يقتبس من الترجمة الإنجليزيّة لأعمالها بدلًا من الأصل الفرنسيّ. والنِّسويّة الرّاديكاليّة، كما يلمح كولين، هي استيرادٌ أمريكيّ، متعارضٌ جوهريًّا مع فرنسا.

 

ويمكننا في هذا السياق أن نتطرّق إلى الهجمات ضدّ جوديث بتلر والتي اتخذت منعطفًا عنفيًّا بخاصّةٍ في فرنسا، مع بتلر الآتية لتجسيد ليس فقط "نظريّة الجندر" وإنّما أيضًا المثليّة، والأبوّة المثليّة (gay parenting)، واليهوديّة (Jewishness). ففي أكتوبر ٢٠٠١، على سبيل المثال، قاطع أعضاء من جمعيّة (Renouveau Français)، وهي جمعيّة فاشيّة جديدة سارت بانتظامٍ في احتجاجاتٍ معادية لزواج المثليين، حفلَ منْحِ جوديث بتلر دكتوراه فخريّة في جامعة بوردو (Bordeaux).

 

متّشحين بملابس مغايرة لجنسهم، قاطعَ أعضاء من جمعيّة (Renouveau Français) جوديث بتلر أثناء إلقائها كلمتها ورفعوا علامات وإشاراتٍ مثل: “أريدُ شواربَ" و"أودّ أن أصير دولفينًا، فهل أستطيع؟". وردًًّا على حدث جامعة بوردو أيضًا، فقد انتشر فيديو بتوسّعٍ على مواقع كاثولويكيّة ويَمِينيّة مهاجمًا بتلر و"نظريّة الجندر" باعتبارها "نظريّة عرْقيّة تسعى إلى شرْعنة المثليّة الجنسيّة" وباعتبارها "ثمرة المثليَّات اليهود-أمريكيين"، مثل جوديث بتلر وآن فاستو سترلينج (Anne Fausto-Sterling).

 

تفصح الجدالات والنّقاشات الدائرة حول الجندر والإنجاب عن قلقٍ أساسيّ ليس فحسب حول الجنسنة الغيريّة (heterosexualization) للأمّة، وإنّما أيضًا حول العرْقنة (racialization) النّاجمة عنها.

 

وفي دفاعها الحماسيّ عن زواج المثليين في مجلس النوّاب، ارتكزت توبيرا (Taubira)، وهي التي تنحدر أصلًا من غويانا الفرنسيّة، إلى الطّابع الجمهوريّ للقانون، حول الفكرة القائلة إنّه من شأن هذا الطّابع أن يفضي إلى تحقيق العدالة والمساواة لكلّ أطفال فرنسا. وكما "فَرْنسَت" (francified) توبيرا العائلات من الجنس نفسه، فقد عرْقَنَها خصومُها وأجْنبوها. وبالتالي، فقد رسم أحد ملصقات مجموعة (Manif Pour Tous) ردفها [على هيئة] طفل مع القانون المدنيّ (Civil Code). ومثّلها ملصقٌ آخر كأنّها تقطّع فروع شجرة العائلة مع منشار سلسليّ (chain saw)، ومثّلها آخر بوصفها غوريلا عملاقة تهدّد فرنسا.

 

يحدث الشيء نفسه مع نجاة فالو بلقاسم في هذه اللحظة. وعلى الرّغم من بلقاسم وُلدت أساسًا في المغرب، فهي ليست فقط مجرّد مواطنة فرنسيّة وإنّما هي نتاج مثاليّ للنّظام الأكاديميّ الفرنسيّ المعتمد على الجدارة بوصفها متخرّجة من معهد الدراسات السياسيّة المرموق بباريس. وفوق ذلك، فقد أثارت العديد من الهجمات ضدّ بلقاسم حول مسألة الجندر سؤال خلفيّتها الإسلاميّة أيضًا. وكما صاغت ذلك المجلّة اليَمِينيّة (Valeurs Actuelles)، كانت بلقاسم بمثابة "آية الله" جديد "يريد أن يعيد تعليم وتربية أطفالنا". وكرّة أخرى، يتم تصوير "نظريّة الجندر" كنظريّة متعنّتة، وتوتاليتاريّة، وأجنبيّة، ومعدية للغاية.

 

إنّ الالتقاء بين العنصريّة، ورُهاب الإسلام، ومعادة الساميّة في هذه الاحتجاجات ضدّ زواج المثليين أمرٌ كاشف للغاية، وإنّه ليسلّط الضوء على الرّهانات الحقيقيّة للنّقاش: فالأمر ليس مجرّد نقاشٍ حول الجندر كمفهومٍ أكاديميّ أو حول زواج المثليين كقانونٍ خاصّ، وإنّما حول مستقبل فرنسا كأمَّة.

 

فهل ستظلّ الجمهوريانيّة الفرنسيّة برديغمًا مُغلقًا متجمّدًا في الزمن، أم ستكون قادرةً على استيعاب التنوّع الحقيقيّ القائم والموجود في فرنسا اليوم؟         

                 

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة