النَّرجسيُّون.. الكبار أشخاص سامُّون

4/22/2016

 

يوضّح الدّكتور لوران شميت، في كتاب مثقِّف "الحفلة الرّاقصة "للأنا"، الصّادر عند أوديل جاكوب أنّ الأشخاص ذوو الأنا المتفاقم يتسبّبون في أضرار، لا شكّ فيها.

هذا الطَّبيب المُمَارِس، المنسِّق في قطب طبِّ النّفس لمستشفيات تولوز، يدُقُّ ناقوس الخطر من اندلاع النَّرجسيَّة المعاصرة.

 

النَّرجسيُّون (الكبار أشخاص سامُّون)[1]

حوار صحفي مع الطبيب النفسي لوران شميت (Laurent  Schmitt)

أجرى معه الحوار كرستيان بيلافيا (Christian Bellavia) لمجلّة (L'Express)

ترجمة: سليم القرقني

 

(1) ننظر، عمومًا، إلى النَّرجسيَّة المتفاقمة كعيبٍ غير خطير. لماذا تعتبرون، بالعكس، أنَّها صارت مشكلة للحياة في المجتمع؟

لأنِّي وجدت، ولست الوحيد في هذه الحال، تزايد المرضى الذين يعانون من ضيقٍ (قلق) مرتبط بمشكلات في العلاقات.

إنَّهم يعيشون مع أو يخالطون أشخاصًا مُحْتقرين (مُهينين)، ذوي (أنا) متضخِّمة، يحرمونهم ويُجَرِّدونهم وينكرونهم ويتبرَّؤون منهم ويزدرونهم، وهذا ممَّا يؤثِّر كثيرًا في احترامهم، تقديرهم لذواتهم.

الحاجة إلى أن يُسمع، إلى أن يُعترف به والمعاناة لعدم حصول ذلك تعبِّر عن نفسها بقوّة متزايدة.

 

(2) كيف تُعرِّفون (الإِڨو(l'Ego).

في اللُّغة المشتركة، المصطلح يدلُّ على الكبرياء والغرور ورُؤية الذَّات المبالغ فيها، إلى حدٍ ما.

الشعور النفسي، يعني لي، طريقتنا التي نكون بها في العالم، شخصيَّتنا وكذلك قدرتنا على التَّحكُّم في الدَّافع والباعث، مع إظهار الاهتمام والتَّعاطف واللطف.

(الإِڨو) هو نسيجنا والوعي الذي لدينا بأنفسنا.

 

(3) فيمَ يختلف عن النَّرجسيَّة؟

النَّرجسيَّة هي أحد عناصر (الإِڨو).

لمَّا تكون مُتضخِّمة، نتحدَّث عن (نرجسيَّة مُفْرطة).

هناك نرجسيَّة أوَّليَّة، التي تسمح لنا (بالتَّعرُّف) إلى أنفسنا في شخصنا بالكامل. ونرجسيَّة ثانويَّة، التي من طبْعنا، تربطنا مع الآخرين.

الأشخاص (النَّرجسيُّون بإفراط) يحافظون على توازنهم النَّفسي بفضل الإطار الاجتماعي الذي يُرْضيهم ويُمْتِعهم والتّقدير الذي يثيرونه، في البداية.

ولكن، لـمَّا تكون الشّروط غير مُجْتمعة (متوفِّرة)، على إثر انفصال، انقطاع علاقة عاطفيَّة أو مرض مثلًا؛ فهؤلاء، أيضًا، قد ينهارون.

 

(4) هل توجد نرجسيَّة حسنة وسيِّئة؟

كلُّ شخص يحتاج إلى أن يشعر بالثّقة بالنّفس، إلى أن يكون قادرًا على تأكيد ذاته والاستثمار، ويحتاج أن يؤمن (يعتقد) بمواهبه وأن يكون مستقلًّا ...

وهو ما يسمّيه أرسطو (الأنانيَّة الحسنة)،philautia, Ethique à Nicomaque.

في (أخلاق نيكوماك).

تتمثَّل في الحدّ الأدنى، (الفيزيولوجي) تقريبًا للنَّرجسيَّة؛ تلك التي يجب أن ينْقُلَها الوالدان إلى أطفالهم لكي يرى هؤلاء أنفُسَهم كإنسان راقٍ ذي جودة، ذي نوعيّة ممتازة.

ثمّ هناك اضطرابات النّرجسيّة:

إمَّا أن تكون للشّخص رؤية متدهورة كثيرًا عن نفسه؛ لكونه تعرّض لمطالب مبالغ فيها أو احتُقِر بشكل دائم، أو إمَّا العكس، يعتبر نفسه كعظيم واستثنائي، وهو ممَّا يمكن أن يكون وسيلة لتعويض سلسلة من الشّقوق، كحالة من كان هو الأقلّ حبًّا من بين إخوته أو من واجه إعاقة جسديّة، كمثال (Talleyrand,) الذي عانى من حنف القدم.

 

(5) كبار النَّرجسيّين، هل هم سامّون؟

نعم؛ وبشكل كبير في بعض الحالات.

بما أنّ لهم رؤية بلا حدود عن أنفسهم وينقصهم التّقمّص العاطفي وهم غالبًا ما يكونون في منافسة مستمرّة؛ فهم يُحْدِثون حولهم سلسلة عواطف، من الإعجاب إلى الإهانة، مرورًا بالشّعور بالظّلم.

الشّخص الذي يجد نفسه أمام نرجسيّ كبير، دائمًا ما ينتهي بطرح السّؤال:

هل هو يتلاعب بي، هل يريد التّقليل من شأني؟

هذا التّأثير الهدّام قد يقود بعض الأشخاص، الأكثر هشاشة، إلى الانتحار.

 

(6) هل يسبّب هذه المشاعر عمدًا؟

في حالة المنحرف النّرجسي الذي يطبّق استراتيجيّة لجرح الآخر: نعم.

ولكن عمومًا، ليست نيّة (النّرجسيّ الكبير) النّرجسيّ المُفرَط.

هذا الأخير، يريد (فقط) السّيطرة على الآخرين، أن يكون الأوّل.

واحدة من المريضات، مثلًا، كانت متزوّجة من رجل أعمال صغير، يستخفّ بها باستمرار، قائلًا لها: «أنتِ موجودة بفضلي أنا، فقط، أنا من قدّم لكِ وظيفة، إلخ».

المنهج لـم يكن منحرفًا بالمعنى الحرْفي؛ فالزّوج حدّد نواياه وكان صادقًا قدْر الإمكان.

أمّا المنحرف فيبدأ بالإغراء، ثمّ يغيّر خطّته وينتهي باستبعاد الآخر وتدميره.

 

(7) ماذا يحدث عندما يكون هذا النّوع من الأشخاص زميل عمل أو مديرًا؟

يسعى للتألّق على حساب الآخرين، يسعى لجذب مزايا كلّ عمل لنفسه ويسعى لإزاحة أعضاء فريقه.

النّرجسيّ الكبير يحتقر المساوين له (مَن يعدله)؛ لكي لا يخالط إلَّا من يمكنهم مساعدته، أو من يكونون بمثابة موطئ قدميه في حياته المهنيّة.

إنَّه قد يكون السّبب، لـمَّا يكون في حالة تفوّق (كمركز، منصب) في اضطرابات مرتبطة بالتّوتّر كآلام في المعدة، أوجاع في الرّأس وآلام في العضلات

 

(8) هؤلاء الأشخاص ذوو (الأنا المنتفخة)، هل هم واعون، مُدرِكون لأذيّتهم وإزعاجهم؟

لا؛ فليس لديهم في أيِّ وقت من الأوقات، صوت صغير يقول لهم: «هنا، الآن، هذا كثير جدًّا».

يُبرّرون (الأنا) من خلال ذكائهم، قدراتهم. من النَّادر، أن يأتوا لطلب الرّعاية (والعلاج).

 

(9) ومع ذلك، فقد كان (النّرجسيّون الكبار) موجودين دائمًا...

نعم؛ ولكن كانوا أقلَّ لأنَّهم لـم يستفيدوا، آنذاك، بصدى وسائل الإعلام الذي يتمتّعون به اليوم.

لقد انتقلنا إلى مرحلة تصنيع للأنا.

نحن نعرف كلمة الفنّان أندي وارول  (Andy Warhol): «في المستقبل، سيكون لكلّ واحد الحقّ في ربع ساعة من الشّهرة العالميّة».

طيّب، هذه الإمكانيّة صارت صناعة.

 

(10) ماذا يعني ذلك؟ ماذا تقصدون؟

مثلًا، برامج (تلفزيون الواقع) تقوم بترويج للأفراد بدرجة لـم تتحقّق من قبل في التّاريخ.

خذوا مثلًا مسابقة أفضل عامل في فرنسا، التي أنشئت وفق النّموذج القديم:

إنّها تحدث في الخفاء التّام!

الشّهرة السّريعة توفّر سلطة المثاليّة، أعلى بكثير من النّموذج التّقليدي، الكلاسيكي.

«قلت: المقصود أنَّ الشّهرة المعاصرة بسرعتها تجعل مجهول الأمس، معروفًا اليوم بل مثالًا يحتذى به بسلطتها على (العقول والعيون، على الأبدان والأذهان) خلافًا للمشهور في الماضي الذي ينتظر وقتًا ما, ليس بالقليل».

بينما بالأمس، كانت الشّهرة ناتجة عن سمعة فكريّة، علميّة أو فنّية مكتسبة بشقّ الأنفس.

اليوم، تضيء وتحترق في لحظة، (السَّلْفي) هو مثال ممتاز على ذلك.

في القرون الماضية، لمّا كان الرسّام يقوم بصورته الذّاتيّة، قد يستغرق منه ذلك شهرين أو ثلاثة!

 

(11) في ماذا يرتبط هذا (الحفل الرّاقص للأنا)، الذي تسْتَنْكِرونَه، في تَوَحُّد المجتمع حول أنماط الحياة والتّفكير والاستهلاك؟

عندما يشبه الجميع بعضهم بعضًا ويكون كلُّ شيء ممكنًا للجميع؛ يصنع المجتمع، ضمن آليّة دفاع، صورًا (أيقونيّة)، شعارات استثنائيّة.

في مجتمعاتنا، ذهبت هذه العمليّة جنبًا إلى جنب مع الفردانيّة.

سابقًا، الحاجة إلى تأكيد الذات كفرْد لـم تكن تستبْعِد المساهمة في المشاريع المشتركة والنّشاطات ذات المصلحة العامّة.

رجل عصر الأنوار، ذاك الرّجل صاحب يوتوبيا المجتمع أو صراع العمّال، ناضل لظهور عالـم أفضل.

اليوم، فقط إثبات الذّات هو ما يَهُمّ.

(ideal): مجتمعنا المادّي في أزمة مثاليّة، في أزمة مشاريع كبرى وأهداف إنسانيّة.

انطوى على نوع من (أنا) نرجسيّ وفي حدّه الأدنى، حيث إنّ القضايا المصيريّة الوحيدة هي الاستهلاك أو الوجود في نظر الآخرين.

 

(12) ترَوْنَ، أيضًا، في تفَتُّح أزْهار (الأَنَوَات الهائلين) نتيجة لبعض الدّاروينيّة؟

في الواقع، مجتمعنا، في أزمة، يطبّق نظريّة داروين:

للبقاء على قيد الحياة؛ يجب أن تكون الأفضل فوق البقيّة.

لـم نعُد نتقدّم معًا لكنّنا نقاتل ضدّ الآخرين.

وهذا ممّا يوصِلُ الجسم الاجتماعي لإفراز قِيَم الاختيار (selection) ، وبالتّالي لصنع شخصيّات مُهيمنة.

التّفكير الحالي في الرّغبة (أن يكون هو نفسه، هو ذاته) هو خطوة إلى الأمام.

لكنّ هذه الرّغبة في أن يكون كما هو، لا بدَّ أن تمُرَّ من خلال الاعتراف بقدراته، التّسامح مع نقاط الضّعف والتّأكيد على إرادته الحرّة.

فبهذه الطّريقة، يقاوم الشّخص، أفضلَ، (اسْتراتيجيّات التّأثير).

 

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة