حوار مع الدكتور بلبشير الحسني

5/22/2014

الدكتور بلبشير الحسني في حوار لـ"نماء":

شذرات في مسار مؤسس شعب الدراسات الإسلامية بالمغرب

الدكتور محمد بلبشير الحسني، قيدوم الدراسات الإسلامية بالمغرب، والأب المؤسس لهذه الشعبة بالجامعة المغربية منذ عشرات السنين، تقلد منصب أول عميد لكلية الآداب بالرباط، وهو الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية وأمين اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، يمثل المملكة المغربية في المجلس التنفيذي الإسيسكو والإلسكو لسنين عديدة، كما شغل مدير ديوان وزير التربية الوطنية ومدير الحي الجامعي بالرباط سابقا.

عُرف عنه أيضا اهتمامه بمنظومة القيم في القرآن الكريم، وأفرد لها كتابا من ضمن مؤلفاته العديدة، أفرد فيه جهدا استقرائيا في استخراج منظومة القيم، وتصنيفها وربط الفرعي بها بالمركزي، مع الاجتهاد في تقديم رؤية ناظمة للنسق القيمي القرآني.

من الاهتمامات التي ركزتم عليها خلال مسيرتكم العلمية، قضية القيم، حيث أفردتم لها كتابا حول منظومة القيم في القرآن الكريم، ما سر اهتمامكم بالموضوع؟

في الحقيقة اهتمامي بموضوع القيم، يدخل في اهتمام أكبر، فاهتمامي الأساسي منذ عشرات السنين هو الإسلام في شموليته، بمعنى انه دين كالأديان السماوية المعروفة، بالإضافة إلى أنه يهتم بكل شيء في الحياة، لأن القرآن الكريم والسنة النبوية، أي المصادر المرجعية للإسلام، تعالج جميع ما يتعلق بالحياة من قضايا تربوية واجتماعية واقتصادية وفكرية، ودور القيم في هذا السياق هو جزء من هذا الاهتمام الذي نجده في القرآن الكريم بصفة خاصة. فالقيم تختلف من بلد إلى آخر. وأنا ركزت على الأصل في مفهوم القيم في القرآن الكريم، ولذلك التجأت أساسا إلى القرآن ثم إلى السنة النبوية، فكان كتاب مدونة القيم في الكتاب والسنة. وأستطيع ن أقول بأ،  المثابرة على تلاوة القرآن وتدبره، كان الدافع الأساسي لمحاولة وضع "شبكة قيم" تتجلى بارزة في ثنايا آيات الذكر الحكيم وبعض مجالات السنة النبوية المطهرة، وترتكز الشبكة ثلاثة قيم رئيسة، قيم في كيان الإنسان وطبيعته، وقيم مكتسبة عن طريق العقائد والتربية والحياة المجتمعية، وقيم محسوسة ومعنوية.

ما الخصائص المميزة للمرجعية القيمية الإسلامية؟

أول خاصية تتميز بها المرجعية القيمية الإسلامية، عن باقي المرجعيات القيمية الأخرى، هي ربانية المصدر وربانية الوجهة، والمقصود بربانية المصدر، أن هذه القيم مصدرها من الله عز وجل، وهو سبحانه وتعالى أمر الناس جميعا بالامتثال لها، وإضافة إلى هذه الخاصية المركزية، التي تمتاز بها مرجعية القيم الإسلامية عن باقي المرجعيات الأخرى، هناك خاصية ثانية مركزية تعتبر ميزة رئيسة لمرجعية القيم الإسلامية، و تختلف بها عن باقي المرجعيات الدينية والمادية، فهي قيم تشمل جميع مناحي الحياة التعبدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، خلافا لبعض المرجعيات الدينية التي تحصر قيمها الدينية في العلاقة بالخالق، أو المرجعيات المادية التي تتبنى "العلمانية الشاملة" وتنزع كل القيم عن الحياة. وباختصار، يمكن القول أن عمق المشروع يتجلى في منهجية قراءة القرآن والسنة التي ساعدت على استنباط القيم الإسلامية من خلالهما.

ألا تفكرون في تناول جديد للقيم من خلال السيرة النبوية؟

السيرة النبوية متممة بطبيعة الحال لما جاء في القرآن الكريم، ومعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن الكريم، بمعنى يتبع ما جاء في القرآن الكريم، وبالتالي القيم التي سنجدها في السيرة النبوية، هي قيم تترجم الكثير من القيم التي جاءت في القرآن الكريم.

ما الخلاصة التي انتهيتم إليها في هذا المشروع البحثي؟

الخلاصة هي كيف يمكن أن ينتفع المؤمن بموضوع القيم، وفي نفس الوقت القيم هي ما يرتبط بما نعيشه اليوم، ويمكن التوسع من خلال المقارنة بين القيم في الكتاب والسنة والقيم عند الأديان الأخرى، وعند الأمم المتحدة، وهنا نستحضر مفهوم الحرية في الإسلام، وفي غير الإسلام.

علاقة بموضوع آخر، أنتم تعتبرون في المغرب الأب المؤسس لشعب الدراسات الإسلامية بالجامعات المغربية، كيف راودتكم فكرة التأسيس؟

المسألة مرتبطة بسيرتي الذاتية والعلمية، أنا درست عند كبار المستشرقين بفرنسا، والدراسة أوضحت لي أنهم يأخذون الإسلام ككل. وحتى حين يدرسون اللغة العربية، يعودون إلى الإسلام في ارتباطه باللغة العربية، وهذه الفكرة، أي فكرة الشمولية، جزء منها كان له تأثير في طريقة تدبير ملف شعب الدراسات الإسلامية، ثم حين كنت طالبا، كنت أطالع كثيرا التوجهات الفكرية الجديدة، منها كتب المرحوم علال الفاسي حول المقاصد، والتقت في ذهني قضية المقاصد مع فكرة الشمولية ومع تجربتي مع جامعة القرويين، ففي بداية الستينات كنت مديرا للتعليم العالي، الذي كان يضم أساسا جامعة القرويين العتيقة، وجامعة محمد الخامس الأولى، والشيء الذي أردت أن أصلحه في القرويين فشلت فيه، كنت أتساءل عن السر في تجزيء جامعة القرويين على الخصوص بين ثلاث أو أربع مدن، فحاولت أن أقنع العمداء في ذلك الوقت بتجميع الكلية في أي مدينة أرادوا، فكان الرفض، ومن ثمة الفشل، ومن جديد كنت مسؤولا عن التعليم الأصيل في جامعة القرويين في بداية السبعينات، وفي ذلك الوقت، كان الموضوع أهم من جمع فروع جامعة القرويين، كنا نناقش مستقبل جامعة القرويين، والمقارنة كانت ممكنة مع جامعة الأزهر بالقاهرة، ومع جامعة الزيتونة، وبالاتفاق مع الوزير محمد الفاسي، كتبنا عددا من المذكرات للديوان الملكي ليشير إلينا بالتوجه الذي يجب اعتماده بخصوص القرويين، هل نتبع الأزهر في إنشاء كليات الطب والتجارة والزراعة، بالإضافة إلى كليات الشريعة، أم نتبع جامعة الزيتونة، أم ماذا؟، حاولت في مناسبة خاصة، حين دعا الحسن الثاني رحمه الله إلى مؤتمر تأسيسي لرابطة الجامعات الإسلامية، واجتمعنا مع الفاضل بنعاشور رحمه الله، الذي كان رئيسا للزيتونة، وأخبرنا بأنه حاول أن يحدث كلية للفكر والحضارة الإسلامية فرفضت الحكومة، وبما أنني كنت مسؤولا عن جامعة القرويين، أخذت الفكرة وحاولت أن أضيف إلى كلية أصول الدين والشريعة، كلية الفكر والحضارة، واقترحت أن تكون في تطوان لأنها قريبة من الأندلس، واجتمعنا في مجلس جامعة القرويين في تطوان، ومن الأعضاء الذين كانوا معنا آنذاك، المرحومين علال الفاسي وعبد الله كنون، والمفاجأة أن كلية أصول الدين في تطوان هي التي رفضت الفكرة، ولا أستطيع أن أٌؤول لحد الآن لماذا كان الرفض، ولكن ما قيل آنذاك، أن هذه مؤامرة من الجنوب على الشرق. وهذا لا يعقل بتاتا. المهم، بعد تجربة بداية الستينات في جامعة القرويين، وتجربة 1972، وبعد مقارنتها بما أؤمن به من شمولية الفكر الإسلامي، كنت من حسن الحظ مازلت أستاذا في كلية الآداب، باعتباري أول عميد مغربي في كلية الرباط، وحصلت لي غصة من الرفض، وفكرت في أن أعوض هذا النقص بشعبة للدراسات الإسلامية من بين سبع شعب كانت آنذاك، وخاطبت وزير التعليم العالي آنذاك، الدكتور عبد اللطيف بن عبد الجليل، فقبل الفكرة وبدأنا نفكر، ثم جاء الوزير عز الدين العراقي، واقتنع بها، وبعث بمذكرة لعميد كلية الآداب يطلب منه أن يفتح شعبة للدراسات الإسلامية، هذا الجانب التاريخي.

أما جانب المضمون، لماذا شعبة الدراسات الإسلامية، لأنني تذكرت أن جامعة القرويين التي أعزها، لما قامت به من أدوار التوعية وأدوار التربية والتعليم بالغرب الإسلامي أساسا، والغرب الإفريقي أيضا، في الوقت الذي كانت تقوم بهذا الدور، كانت تحتضن شعب الطب والرياضيات والفلك وبعض العلوم، مع الأسف في القرون الأخيرة زال كل هذا، وبقيت فقط العلوم الشرعية، وذلك لا يكفي لمسايرة الركب الذي نعيشه في هذا الوقت.

هل كان الأمر سهلا أم وجدت مقاومة لتأسيس شعبة الدراسات الإسلامية؟

حين فتحت الشعبة بأمر من الوزير، وجدت مقاومة شديدة من طرف الشعب الأخرى، وفي طليعتها شعبة الفلسفة. ففي السبعينات، كان لا يزال التيار الذي أسس 1968، بعد انتفاضة الطلبة، فكان التوجه عندنا في الكلية يساري اشتراكي متطرف في أوساط الأساتذة والطلبة أيضا، وكانت معجزة أن ننجح في إحداث الشعبة، وما ساهم في النجاح أن 250 طالبا تسجلوا في السنة الأولى بعد تأسيس الشعبة، وحتى في التأطير، لم نكن نتوفر على ما يكفي من الأساتذة لمختلف المواد، لدرجة أنني أذكر شخصية علمية كبيرة، وهو الدكتور مصطفى بن حمزة، الذي كان يأتينا من وجدة مرة كل أسبوعين لتدريس مادة الحديث النبوي، باعتبارها مادة أساسية.

على ماذا كانت ترتكز البرامج التي اعتمدتم؟

 وضعنا في برنامج الإجازة، ودائما في ارتباط وثيق بمفهوم الشمولية الإسلامية، مادة المقاصد، على اعتبار أن المقاصد هي المنطلق، وأدرجنا مادة إطلالة، وفيها إطلالة على الاقتصاد الإسلامي، وإطلالة على علم الاجتماع الإسلامي، وإطلالة على تاريخ الأديان، وغيرها، كما أخذنا اتجاهين، الأول نحو توضيح الإسلام في شموليته والربط مع العالم الإسلامي، لأن توجه الدولة وخاصة توجه الأساتذة والجامعات التي تكونت من بعد كان نحو أوروبا، ونسيان الارتباط بالعالم العربي والعالم الإسلامي. وأحدثنا لأول مرة لغات شرقية بالإضافة إلى اللغات الغربية، منها الفارسية والتركية والعبرية ولغة الأوردو.

قضية أخرى مهمة، حين قاومتنا شعب الفلسفة واللغة العربية وغيرها، بقي علينا أن نعطي الحجة على أننا على بينة مما وضعناه، وبدأنا ننظم في المرحلة الأولى الندوات الدولية مع مؤسسات جامعية أخرى. نجحنا في قضيتين أساسيتين، الاقتصاد الإسلامي، فإخواننا في جمعية الاقتصاد الإسلامي يشتغلون منذ 30 سنة، أي بعد عقب الندوة المشتركة التي نظمنها بشعبة الاقتصاد بكلية الحقوق، ونجحنا لأننا وصلنا إلى نتائج ملموسة اليوم. النجاح الثاني من خلال تخصص الإعجاز العلمي، ونتعاون في هذا المجال مع منظمة الإيسيسكو والهيئة الدولية للإعجاز العلمي.

كيف تنظرون اليوم إلى الثمار التي أفرزتها شعب الدراسات الإسلامية؟

اليوم الحمد لله، كلما أنشأت كليات جديدة وجامعات جديدة، نجد التواجد القوي لشعب الدراسات الإسلامية، وأتذكر أن وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، كان يدافع عن شعب الدراسات الإسلامية ويشجعها، وثبت أنه قال في لقاء خاص أن شعب الدراسات الإسلامية بالمغرب عامل استقرار مهم، لأنها تنشر الفكر المعتدل، وهو ما يساهم في تعزيز أمن البلد، وقالت لنا أستاذة جامعية كان البصري صديق لزوجها، أنه قال لها أن إحداث شعب الدراسات الإسلامية كان فيه خير كبير لبلادنا، ذلك أنها جنبتنا ما يقع في الجزائر، ومن النقط المضيئة، يكفي أن نذكر الآلاف من خريجي الشعبة، الذي هم اليوم أطر في المجالس العلمية المحلية ووزارة الأوقاف ومختلف المؤسسات العمومية. فشعب الدراسات الإسلامية كونت أطرا كانت الدولة في أمس الحاجة إليهم خصوصا بعدما تراجع الدور التكويني لجامعة القرويين.

لو طلب منكم تقديم خارطة طريق لإصلاح برامج واختيارات شعب الدراسات الإسلامية، ما هي الأولويات التي ستركزون عليها؟

أعتقد أن من أولويات الإصلاح المنشود، إعادة النظر في المواد التي تدرس اليوم في شعب الدراسات الإسلامية، وخصوصا المواد التي لها ارتباط بشعب أخرى، كمادة الفكر الإسلامي مثلا، أذكر أنه كان بيننا وبين شعب الفلسفة نزاع حول طريقة تدريس هذه المادة، وفي النهاية انتصرنا، وبدأنا نحن ندرس هذه المادة لشعب الفلسفة. ومن الأمور التي يجب أيضا مراجعة النظر فيها، طريقة إجراء الامتحانات، ثم العمل على اكتساب مهارات جديدة، فمن المؤسف أن نجد اليوم خريجين للدراسات الإسلامية لا يحسنون كتابة الرسائل.

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة