حوار مركز نماء مع المفكر المغربي د. مصطفى المرابط

3/12/2014


حوار مركز نماء مع المفكر المغربي د. مصطفى المرابط*

أدوار المثقفين في/ وبعد الثورات العربية بين الواقع والمأمول

- إذا كان رصد الأحداث وتحقيبها عملا إعلاميا رائدا لا غنى عنه، فإنه غير كاف لسبر أغوار "الظاهرة" ورسم صورة كاملة ومتكاملة عن ما يحدث.

- لا نستغرب تماهي جزء كبير من الخطاب الإبداعي والمعرفي مع الخطاب الإعلامي والسياسي، إن لم نقل أنه في أحيان كثيرة يبدو الثقافي، بمختلف تجلياته، أسير سلطة الإعلام والسياسة من خلال ارتهانه لمقولاتها ومفاهيمها

يعتبر البعض أن الثورات العربية أحدثت تغييرات عميقة في العالم العربي عموما، سواء في الدول التي طالتها تلك الثورات أو في باقي  الدول العربية الأخرى... ويتم التركيز أكثر على التغيرات التي طالت مجال الوعي السياسي في مجال الحقوق والحريات.

في هذا السياق، نريد أن نناقش موقع المثقف في مجتمع ما بعد الثورة: فبداية، يفخر الجميع أن هذه الثورات ليست من صنع المثقفين والنخبة، بل هي تعبير شعبي تلقائي تجلى كسلسلة من الاحتجاجات على أوضاع معينة، حيث برز الشباب كتمثيلية أكبر ضمن حشود الثائرين.

فهل فعلا، لم يكن من دور للمثقفين في هذه الثورات؟

وما الدور المطلوب لمثقفي ما بعد الثورة؟ هل هناك أدوار معينة، واستجابات بعينها لحاجات ثقافية أفرزتها مجتمعات الثورة؟

ألم نكن في حاجة – مع الثورات أو بدونها- إلى تجديد وعي المثقفين، سواء على مستوى تصور الأدوار، أو أنماط وصيغ والاشتغال، أو هامش المسؤوليات، أو مواصفات وقدرات المثقفين أنفسهم؟

وبالموازاة مع حديث الثورات، نلاحظ تناسل العديد من مراكز الدراسات في العالم العربي، فكيف نقيم هذه الظاهرة في شموليتها؟ وأيضا في كونها تشكل نوعا من الانتقال من الاشتغال الفردي إلى العمل الجماعي للباحثين والمثقفين؟

ألا ترتبط مراكز الدراسات بتموقعات إيديولوجية في الغالب؟ كيف نخرج بها من هذا الحيز الإيديولوجي وهاجس التمويل، إلى فضاء استقلالية البحث العلمي؟

هل مراكز البحث، على مستوى بنائها التصوري، وهيكلتها، تناسب خصوصيات المجتمعات العربية؟ بمعنى هل مراكز البحث، كمؤسسات ولدت وازدهرت في الغرب، مجرد أوعية تنظيمية للجهد البحثي؟ أم أننا نحتاج إلى "تعريبها" أو "أسلمتها" على مستوى التصور والهيكلة والأهداف ومناهج العمل؟

كل هذه التساؤلات وغيرها، سنناقشها في حوار مطول مع المفكر المغربي د.مصطفى المرابط، وهو أستاذ باحث، والمدير السابق لمركز الجزيرة للدراسات في قطر، ورئيس مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، بالرباط، المملكة المغربية.

نماء: هل فعلا، لم يكن من دور للمثقفين في هذه الثورات؟

قبل الخوض في هذا السؤال يجدر بنا أن نلفت الانتباه إلى أن ما حصل في العالم العربي ليس حدثا عاديا أو حادثا مفاجئا، بل هو حدث يرتقي إلى مستوى الأحداث التاريخية الكبرى. وبما أنه كذلك، فإننا لم نستفق بعد من هول وقعه، مازلنا تحت تأثير الانفعال الوجداني، الذي يحول دون استيعاب هذا الحدث وتقدير أبعاده ووعي مضامينه. إن ضبابية الرؤية وكثافة الغبار الناتج عن وقع الحدث يجعلان من المتسرع استخلاص نتائج ما. كل ما نستطيع فعله، والحالة هذه، هو تلمس الطريق وتطوير أدوات لتبديد الضباب والغبار، أو على الأقل اختراقهما لرصد ما وراءهما. وتلك هي مهمة المثقف !!!

نماء: هذا يعني أنكم تخالفون الذين يعتبرون الثورات العربية، ثورات شباب وشعب مهضوم الحقوق، وليس لنخبة المثقفين من دور فيها؟

شخصيا لا أميل إلى هذا الاستنتاج المتسرع عن نفي أي دور للمثقفين، اللهم إلا إذا كنا ننظر إلى ما حدث على أنه حادث عابر ومحدود في الزمان والمكان، الأمر الذي نستبعده كليا بالنظر إلى طبيعة الحدث في حد ذاته، وبالنظر أيضا إلى المجتمعات العربية في صيرورتها التاريخية وتحولاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقيمية، من جهة، ومن جهة أخرى إلى موازين القوى العالمية، التي لم تستقر بعد على حالة منذ أواخر الثمانينيات.

 لا يمكن أن نبخس دور المثقفين في صناعة "خميرة" الانتفاضة والتغيير، فما تراكم من تراث على مستوى الإبداع الأدبي والفني وعلى مستوى الاجتهاد المعرفي والتدافع الفكري، بغض النظر عن موقفنا منه، قد تغلغل في بنيات المجتمع العميقة ولعب، دون شك، دورا لا ينبغي الاستهانة به.

نماء: هل يمكنكم أن تكونوا أكثر تحديدا بخصوص طبيعة مساهمة المثقفين في هذه الثورات، الذي اختفوا إلى حد ما في شرارات الثورات الأولى؟

 إن دور المثقفين هو من الأدوار التي لا يقاس مفعولها على المدى المنظور، بل آثارها بطيئة وتحتاج إلى الزمن الطويل. وتسعفنا في هذا الإطار مقاربة فرناند بروديل للزمن التاريخي، حيث يقسمه إلى ثلاثة أزمنة، الزمن القصير، هو الزمن الفردي، زمن الأحداث اليومية الذي يقاس بتعاقب الليل والنهار، زمن يطفو على سطح التاريخ تلتقطه عين الإعلام والسياسة. ثم يأتي الزمن المتوسط، وهو الزمن الاجتماعي، زمن يحتوي الزمن القصير ويتعالى عليه لأنه يتصدى لتاريخ المجتمعات في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية، وهو زمن لا يدرك إلا على مستوى تعاقب الأجيال. وأخيرا هناك الزمن الطويل، وهو الزمن الجغرافي، زمن تاريخ شبه قار يرصد علاقات الإنسان مع محيطه، إنه زمن البنيات العميقة التي تمتد من المجتمعات إلى الحضارات. إذن حسب هذا المنظور يبدو الزمن التاريخي عبارة عن طبقات ثلاث يعلو بعضها بعضا، طبقة الزمن الفردي وهي التي تطفو على السطح، ثم طبقة الزمن الاجتماعي، التي تغوص تحت الطبقة الأولى وتتحكم فيها، والتي لا يمكن إدراكها إلا بالحفر عليها، وأخيرا طبقة الزمن الجغرافي التي تستقر في الأعماق وتتحكم في الطبقتين ولا تظهر آثارها إلا على المدى الطويل.

إن القراءات السائدة حول الانتفاضات العربية تنحصر في الزمن القصير ولا تتجاوز ما يطفو على السطح. إذا كان رصد الأحداث وتحقيبها عملا إعلاميا رائدا لا غنى عنه، فإنه غير كاف لسبر أغوار "الظاهرة" ورسم صورة كاملة ومتكاملة عن ما يحدث. من الصعب أن تستقيم أفهامنا إذا لم نربط ما يموج فوق السطح بالزمن المتوسط والطويل. إن ما يضعه الإعلام بين أيدينا من الأبنية "الحدثية" هي مفاتيح، لا مناص منها للدخول إلى أعماق هذه المجتمعات. إن الاكتفاء بالطبقة السطحية (الزمن القصير) لتفسير هذه الانتفاضات لا يعتبر عملا قاصرا فقط، إنما يساهم أيضا في تضبيب الرؤية وتشويه الصورة. ولعل هذا ما يفسر حالة التيه والفوضى التي تميز، بالخصوص، ساحتنا الإعلامية والسياسية.

نماء: في هذه الأزمنة الثلاثة المتراكبة، أين تموقعون مساهمات المثقفين؟

إن عمل المثقف لا يندرج في إطار الزمن القصير، إنما آثاره تنطبع في طبقتي الزمن المتوسط والزمن الطويل، فالثقافة بطبيعتها تشتغل على الذهنيات والبنيات. لذلك إذا أردنا أن ننظر في سؤال دور المثقفين فلا يجب أن نبحث عن هذا الدور في ما يطفو على السطح وتعكسه وسائل الإعلام ومواقف السياسة، بل يجب أن نغوص تحت هذه القشرة لاستنطاق "العقل" الجمعي ومساءلة الجغرافية الحضارية عن مدى حضور هذا الدور وحجمه.

لا ننكر أن مفارقة تعترينا حين نقارب دور المثقف في المجتمع عموما وفي الانتفاضات خصوصا، ففي الوقت الذي تعتبر فيه جهوده الإبداعية والمعرفية، بصفة عامة، وازنة ومركزية في مصائر المجتمعات، لكونها تؤسس فضاءات الزمن المتوسط والطويل، نجد أن مساهماته في قراءة مجتمعه وفهم تحولاته تظل رهينة الزمن القصير وتكتفي بما يتمظهر على السطح من أحداث ووقائع. لذلك لا نستغرب تماهي جزء كبير من الخطاب الإبداعي والمعرفي مع الخطاب الإعلامي والسياسي، إن لم نقل أنه في أحيان كثيرة يبدو الثقافي، بمختلف تجلياته، أسير سلطة الإعلام والسياسة من خلال ارتهانه لمقولاتها ومفاهيمها. ألا نلاحظ كيف استكان المثقف لبعض المفاهيم والمفردات الرائجة في عالمي الإعلام والسياسة، مثل ما هو الأمر، على سبيل المثال لا الحصر، مع مفردات "الربيع العربي" و"شبكات التواصل الاجتماعي" و"الدولة المدنية"... فاتكأ عليها ليؤسس خطابا يحلل به الانتفاضات العربية دون تمحيصها ابستملوجيا أو اختبار مدى إجرائيتها منهجيا.

 كم تبدو بئيسة ومخجلة تلك الأحكام المتسرعة التي تجعل من الانتفاضات والتحولات التي تعيشها المجتمعات العربية مؤامرة خارجية، حين نربط هذه الأحداث بالعمق الحضاري لهذه المجتمعات ومخزونها الثقافي وخبرتها التاريخية (الزمن المتوسط والزمن الطويل)!!!

هذا الانقلاب في الأدوار أساء إلى موقع المثقف، أولا، وساهم، ثانيا، في إغلاق آفاق المجتمعات بحبسها في الآني، وبحرمانها من إمكانيات فتح ثغرات في الجدران السميكة التي تحبسها وتَرهَنها للتآكل والتدمير الذاتي. إن المثقف بوعيه التاريخي ومهامه التنويرية هو الذي يقدم الإطار المعرفي والجهاز المفاهيمي لبناء الوعي بـ"الأحداث" والمقدرة على استشكالها واستخلاص تقدير موقف مما "يحدث" من خلال ربط "ما" يطفو على السطح بالزمن المتوسط والطويل. انقلاب الأدوار هذا هو الذي جعل من المثقف هامشا للسياسي وتابعا للإعلامي، إنه أشبه بوضع الحصان خلف العربة!!!

-------------------------------------------------

(*) المدير السابق لمركز الجزيرة للدراسات، ورئيس مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة