المفكر العربي إلياس بلكا يشرح أعطاب المشروع النهضوي العربي

1/24/2014


يفكك المفكر العربي الدكتور إلياس بلكا، في هذا الحوار الخطاب العربي النهضوي ويستعرض مساراته وتحولاته، ويتوقف عند لحظة الربيع العربي، ودلالتها الحضارية، ويحاول أستاذ العلوم الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، والأستاذ الزائر بجامعة (زايد) بدبي، بالإمارات العربية المتحدة، أن يتوقف عند نقاط الامتداد والقطيعة في أدبيات النهضة العربية، محاولا أن يضع أصبعه على نقاط القوة وعناصر الإخفاق في هذا المشروع، كما لا يفوته أن يشرح بعض مظاهر التوتر والانقسام التي عرفها المجتمع العربي، ويتعرض لإشكالية العلمنة والإشكالات التي أثارتها ويتحدث عن التنوع والتعدد الذي يعرفه النموذج العلماني الغربي متوقفًا على جوانب التطرف في النموذج الفرنسي، ويحاول أن يطرح أسس تطوير الفكر الإسلامي حتى يضطلع بمهمة صياغة النظرية النهضوية الحديثة.

- هل يمكن القول بإمكانية تجديد مشروع تجديد النهضة العربية المعاصرة، انطلاقًا من واقع التحولات العربية الجديدة؟ أم أن الأمر يتعدى التحولات السياسية إلى تدشين ثورة ثقافية عميقة في بنية المجتمعات؟

شكرا لكم على استضافتي في هذا الحوار. مشروع النهضة العربية والإسلامية مشروع مستمر، فهو صيرورة لا تنقطع، وعمل لا يتوقف. الأسباب كثيرة، منها أنه سؤال مركب ومعقد، لخّصه رواد النهضة منذ قرن ونصف في سؤال: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وهو عنوان كتاب لشكيب أرسلان.

وقد اختلف الرواد الأوائل في الإجابة عن هذا السؤال الضخم، فظهر رجال وآراء وتيارات ومدارس، أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ووحيد خان ومحمد إقبال وخير الدين التونسي وعلال الفاسي والكواكبي ورفاعة الطهطاوي.. حتى أصبحت مدارس إصلاحية وجهادية وليبرالية.. إسلامية وعروبية وقومية.. وهكذا.. وهذه الاتجاهات اتفقت على أمور، كقيمة العلم والتكنولوجيا وقيمة العمل والكدّ.. في نهوض الأمم.. واختلفت في أمور أخرى، كشكل العلاقة المفروض أن تكون بين أطراف الدين والدولة والقومية والغرب..

من جهة أخرى، فإن عالمنا العربي والإسلامي عرف حراكًا داخليًا متصلًا منذ تعرضه لصدمة الاستعمار.. فالحركية السياسية والجهادية والثقافية والاجتماعية لم تتوقف منذ أكثر من قرن إلى اليوم.. لقد واجهت الأمة في البداية الاستعمار بقوة السلاح، ولئن حققت هذه المقاومات العسكرية بعض النجاح في البداية، إلا أنها مع الزمن فشلت تقريبا جميعا، وغالب ذلك حدث في العشرينيات من القرن الماضي.. لقد كان الاستعمار موجة كاسحة عاتية لم تنفع معها المقاومة، فبدأ النقاش الفكري حول أسباب قوة أوربا وضعفنا نحن.. وأثمر ذلك مدارس مختلفة، لكنها أحيانًا متضادة بل ومتصارعة، إذ إن الاستعمار عمد إلى السيطرة على التعليم، فخرّج أجيالا من الأهالي على يديه وتحت رقابته وعلـّمها لغته وثقافته.. بينما بقي السواد الأعظم يعيش كما كان يعيش في السابق، بل تمّ إفقار الجماهير العريضة وتجهيلها أكثر...

وحين جاء الاستقلال، والذي تمّ بفضل المقاومة العسكرية التي تجددت وبفضل أشكال متنوعة من المقاومات السياسية والاجتماعية وبسبب انهيار أوربا عقب الحرب العالمية الثانية...فإن الاستعمار سلـّم مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية والعلمية إلى هذه النخب التي حرص على تكوينها وإلحاقها بحضارته وفكره.. وهذا من أكبر الإنجازات التي نجح الغرب في تحقيقها في صراعه التاريخي مع العالم الإسلامي، إذ استطاع أن يشق هذا العالم من الداخل شقا عميقا، ويبذر فيه عميقا بذرة الانقسام الداخلي الإيديولوجي، فطرح لأول مرة في مدى ثلاثة عشر قرنا من حياة الأمة سؤال موقع الإسلام في حياتنا.

وقد نشأ عن ذلك انقسام المجتمعات العربية لأول مرة في تاريخها إلى مجتمعين: مجتمع عربي إسلامي تقليدي.. ومجتمع "متغرب" يرى أن تقليد أوربا والسير في ركابها هو الكفيل بإخراجنا من حالة الوهن الحضاري. وإذا كان المجتمع الأول هو الأكثر عددا، إلا أنه لا يملك من السلطة شيئًا، بينما المجتمع الثاني نخبوي، لكنه يسيطر على الدولة بكامل مفاصلها..

لم تستطع الأمة أن تحلّ هذا الانقسام، فقد بقي مستمرًا، وتعمق في بلدان وتَـلطف في أخرى، لكنه ظل قائمًا، بل تحول أحيانًا إلى صراع استنزف موارد الشعوب وإمكانات الدول..

والتحولات التي تجري في العالم العربي، خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة، ترتبط بهذا الانقسام المجتمعي المزمن، بل لعلها النتيجة الأبرز له. وذلك لأن الكتلة الكبيرة التي كانت مُهمشة طيلة العقود التي تلت الاستقلال لم تعد ترضى بهذا التهميش، لقد اقتنعت من واقع تجربتها مع النخب النافذة أنها فقدت أشياء كثيرة: إن الدولة الحديثة –وريثة الاستعمار- لم تحفظ هوية الأكثرية الدينية والثقافية، وأحيانا لم تحترمها، كما أنه لم تحقق استقلالا اقتصاديا حقيقيا، ولم تنجح في مشروع التنمية، لذلك تقول الدراسات إن المسلمين هم اليوم أفقر ممّا كانوا عليه عشية الاستقلال منذ نصف قرن أو أكثر، فقررت ألا تترك الساحة فارغة لهذه النخب تفعل ما تشاء. لذلك الذي حدث في السنوات الأخيرة ليس تحولا سطحيًا، بل هو تحول بنيوي عميق.. وعميق جدًا.

- لماذا أخفقت النهضة العربية الإسلامية المعاصرة في تحقيق طموحات وتطلعات الأمة؟

يرجع هذا الإخفاق في اعتقادي إلى جملة عوامل، أهمها:

1- لم يكن تصور مشروع النهضة واضحًا، بمعنى أنه اكتفى برسم الخطوط العريضة كاستعادة دور الدين في الحياة، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وامتلاك أسباب القوة العلمية والتقنية، وتوفير العدالة والمساواة لشعوبنا.. ومع الزمن تبيّن أن الجميع أدرك هذه الشعارات العامة ووافق عليها، لكن قلـّة من الناس استطاعت أن تترجمها إلى تجارب واقعية ومشروعات عملية..

2- انقسام المجتمع، خاصة على مستوى النخب، حول طبيعة مشروع النهضة وحدوده.. خاصة إذا تعلق الأمر بقضايا ظلت محل خلاف شديد كشكل الدولة، وآليات الوصول للسلطة وممارستها، وموقع المرأة، وفلسفة التعليم ومناهجه ولغاته، وتعارض الحريات الفردية مع الواجبات الاجتماعية، والعلاقة مع الغرب وسائر العالم..

3- العلاقة المتوترة أحيانًا بين السلطات الحاكمة، في بعض البلدان، وبين حركات المجتمع المدني.. وهذا أضاع طاقات الأمة في صراعات جانبية وأخّر الإصلاح.

4- يوجد سبب موضوعي قلّ من أشار إليه من الباحثين، بحسب اطلاعي. وهو أن فكر النهضة، خاصة في طبعته الإسلامية، كان واعيا بضرورة أن ينحت لنفسه وبنفسه مشروعا خاصا به، يكون متوافقا مع هويته الدينية والتاريخية.. ومؤسسا لنموذج حضاري مستقل. من هنا نفهم شعار المرحلة في منتصف القرن الماضي: لا شرقية، ولا غربية.. فقد أراد النهضويون أن يشقوا طريقًا مستقلا عن المنهجين السائدين: الشيوعي أو الاشتراكي، والليبرالي أو الرأسمالي.. وهذا أمل ضخم، وبالغ الصعوبة، لأنه يفترض أن نبدع لا أن نقلد، وأن نخترع لا أن نكتفي بالنقل.. ونفهم خطورة الموضوع حين نعرف أن دولا كبيرة كالصين واليابان لم تبدع نظاما جديدا في الحياة اليوم.. بقدر ما أخذت النموذج الغربي نفسه، خاصة الأمريكي، باعتباره المعيار والغاية.

5- التآمر الغربي الذي لم يتوقف حتى بعد إخراج الجيوش الأوربية المحتلة لأرضنا. إن الغرب، ببساطة شديدة، لن يقبل بسهولة أن يتحول عالم العرب والمسلمين إلى قوة كبرى في العالم.. فهو يرى مصلحته في بقاء المنطقة مجزأة ومنقسمة على نفسها، وفي استمرار استفادته من ثروات المنطقة، وبقائها أيضا في وضعية سوق استهلاكية ضخمة للإنتاج الغربي بمختلف لأنواعه.. من القمح والأجبان.. إلى السلاح والطائرة.. وهذا التآمر، والذي يجد أوْجه في قيام كيان إسرائيل، عرقل كثيرا جهود الإصلاح، مهما كانت خلفياتها الإيديولوجية، كما تشير لذلك التجربة الناصرية بمصر.

- كيف يمكن استئناف مقومات الفكر النهضوي؟

أوّل ما يجب عمله هو إيقاف هدر الطاقات الفكرية للأمة في علوم ودراسات ليست الآن، في نظري، ذات أولوية.. لو درسنا الخلفيات العلمية والتعليمية لرواد تيارات النهضة، ربما منذ نصف قرن إلى اليوم، يلاحظ أن أكثرهم أطباء ومهندسون وتقنيون.. بمعنى أن الذين تصدوا لإشكالية النهضة قوم لا يملكون الأدوات المعرفية والمنهجية الكافية للإجابة عن هذه المشكلات، لذلك تلاحظ فيهم تواضعًا في الأداء بسبب تواضع إمكاناتهم الفكرية والعلمية.

إن مشكلة النهضة مشكلة فكرية وحضارية بالأساس، وهي بالغة التعقيد، وطالما أن قسما كبيرا من الشباب العربي والمسلم يلِـج كليات الطب والهندسة والعلوم، ثم حين يتخرجون يقضون أكثر أعمارهم في العيادات الطبية والمصانع والضيعات الفلاحية.. لن تتقدم رؤيتنا لمشكلة النهضة.

إن استئناف القول في المشروع النهضوي يتوقف على وجود آلاف العلماء في علوم الشريعة والتراث، وفي الفكر والفلسفة واللغة، وفي علوم الإنسان كعلم الاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والأنثروبولوجيا والسكان، وفي حقول الإعلام والإدارة والفنون..

وتزداد المشكلة حدّة حين نعرف أن أفضل طاقات الأمة من الشباب وأذكاها لا يختارون هذه التخصصات.

ثانيًا- يجب أيضا أن تنخرط مجتمعاتنا في حوارات عميقة ومستمرة لتتوافق على مشروع نهضوي مدروس.

ثالثًا- قضية الحرية مهمة لأنها شرطُ تـَفجُّر الإبداع والعمل. وعلى الفكر النهضوي أن يتقدم أكثر في اهتمامه بالقضية وأن يفك مشكلاتها الأساسية كتعارض الحريات وحدودها..

رابعًا- تشجيع العمل العربي المشترك على مختلف الأصعدة، فلا يمكن لبلد أن يحقق نهضة لوحده. والذي حدث أن الفكر النهضوي بعد الاستقلال، وهو خلاف ما كان عليه أثناء الاستعمار، أخذ يفكر في حدود الدولة القومية الحديثة وبمنطقها، فتحول المشروع الواحد إلى جملة مشاريع نهضة قطرية محدودة.

- ألا ترى معي أن التعاطي مع التراث النهضوي الذي أنتج في القرن الماضي، يحتاج إلى قدر من التنسيب، وعدم التماهي مع خطاباته، مما يقتضي استلهام أطر جديدة في التفكير،قائمة على التجاوز وإبداع حداثة عربية خاصة بنا؟

يجب أن نستفيد من التراث النهضوي العام، والذي بدأ يراكم الكتابة منذ بدايات القرن التاسع عشر. لكن لا ينبغي أن نبقى أسرى هذا التراث، سواء في فلسفته أو مقولاته. لقد قال الإمام مالك في درسه بمسجد النبي عليه الصلاة والسلام: كل يؤخذ منه أو يُردّ، إلا صاحب هذا القبر. وأشار إلى قبر الرسول الكريم. لذلك نحتاج لإبداع حقيقي: إبداع في أسس المشروع، وإبداع في آلياته وأساليب تحقيقه..مثلًا يوجد الآن عامل مهم، ولم يكن كذلك في القرن التاسع عشر بل بعضه لم يكن موجودا أصلا، وهو ثورة الاتصالات والإعلام. فهذا معطى جديد يفترض أن نضعه في الحسبان حين نضع مشروعًا للنهضة المنشودة. مثال آخر: أصبح الآن لقسم كبير من النساء حضور يومي ومؤثر في بعض المجالات، هذا جديد ويجب اعتباره في كل تفكير نهضوي، خاصة حين ندرس موقع المرأة في النهضة، سواء كفاعل أم كموضوع..

- لقد اتخذ الحوار النظري في المسألة اللاهوتية السياسية في الدراسات الفلسفية والاجتماعية والسياسية الغربية مسلكين رئيسيين أساسيين لكل منهما مجاله الوصفي ومقتضياته المعيارية: القول بتلازم مسار العقلنة وحركية الخروج من الدين، واعتبار النظم العلمانية تعبيراً عن منطق لاهوتي وتجسيداً لمضامين دينية ثاوية. والسؤال المطروح راهناً بعد المراجعات النقدية المستمرة لمفاهيم الذات والعقلانية والسيادة: هو إلى أي حد يقود تفكيك المنظومة اللاهوتية السياسية للحداثة إلى إعادة النظر في مقولة العلمانية؟هل نتشبث بمقولات الحداثة السياسية خارج أفق نقدي تلمساً لنتائجها الايجابية في مستوى التحرر الليبرالي،أم نتلهف لنقدية ما بعد الحداثة بتحميلها صبغة إسلامية تجعل منها بديلاً عن حداثة علمانية "متجاوزة"؟

لا تكاد توجد علمانية مطلقة في عالم اليوم، صحيح أن أوربا تمارس فصلًا لشؤون السياسية عن الدينية، لكن هذا بشكل نسبي لا مطلق وحادّ كما في حالة فرنسا، ولذلك يتحدثون عن الاستثناء الفرنسي الذي جعل من فرنسا الدولة الوحيدة التي تُحدد نظامها الجمهوري بأنه لائكي، لأن مصطلح اللائكية Laïcité هو من أصل فرنسي وله علاقة خاصة بالتاريخ الفرنسي، ما أوجد صعوبة في ترجمته إلى اللغات الأخرى.

ولهذا نجد أن الملك في بريطانيا هو في الوقت نفسه رئيس الكنيسة الأنجليكانية، وفي الدانمارك لابد أن ينتمي الملك إلى الكنيسة الإنجيلية اللوثرية التي تتحكم بالدولة بمقتضى الدستور. أما إسبانيا فقد وقعت اتفاقات مع الفاتيكان، وينص دستورها على التعاون بين الدولة والأديان. وفي ألمانيا يُعترف للأديان بوظيفة أو رسالة عمومية، وتخصص لها بعض الضرائب.

ولذلك أقول دائما – كما في مقالات سابقة-: إن من الخطأ استلهام النموذج الفرنسي في العلمانية، لأنه نموذج متطرف ومعزول حتى في أوربا نفسها. ومن الأبحاث التي أقترحها لطلبة الدكتوراة إنجازها الكشف عن الجذور العميقة لهذا التطرف الفرنسي الذي يكاد يعادي الدين مطلقا، والذي برز جيدا مع ثورة 1789. إضافة إلى أن روح الإسلام يختلف عن روح المسيحية، وأن الظروف التاريخية لكل من أوربا والعالم الإسلامي مختلفة. لذلك لا يمكن اعتبار الإسلام شأنا شخصيا لا يعدو التعبد كما يفعل غلاة العلمانيين. ويبقى مجال الاجتهاد واسعا في تنظيم العلاقة بين الدين والحياة العامة وفق قواعد وضوابط معينة.

- كيف يمكن في ظل هذه التحولات، تطويرالفكر الإسلامي انطلاقًا من تجديد المنهجية المقاصدية لتقديم رؤية نهضوية ذات أفق عالمي وإنساني ينسجم مع فلسفة الإسلام الكونية في بناء الإنسان؟

نحتاج للعمل على مستويات ثلاثة:

1- مستوى الدين: يجب أن نعود إلى قراءة النصين المقدسين: القرآن والسنة الشريفة، فنفهمهما كما يريد منّا الوحي أن نفهم، ونحاول أن ندرك بأكبر درجة ممكنة من الدقة ماذا يريد منـّا القرآن الكريم، أفرادا وجماعات، بحيث نستخلص الإطار العام المجرد، نوعا ما، عن ظروف الزمان والمكان.. هذا المجهود سيعطينا النظرية العامة، والمُوجهات الفكرية والتشريعية والأخلاقية الكبرى.

2- مستوى التراث بصفة عامة: وهنا علينا ان نجري استقراءا واسعا لتراثنا وتاريخنا، فنتعرف على تجارب أسلافنا في الماضي: كيف قرؤوا النصين المقدسين، وكيف تفاعلوا مع ظروفهم الخاصة، ماذا أنجزوا وفيم أخفقوا، ثم –وهذا أيضا مهم- ماذا ورّثوا لنا؟ ما طبيعة هذا الموروث، كان إيجابيا أو سلبيا؟ فهم مثلا ورّثوا لنا مشكلة المذهبية خاصة الانقسام السني-الشيعي.. يجب أن نحدد كل هذه الأمور بدقة ونجيب عن هذه الأسئلة الجوهرية.

3- على مستوى العالم والعصر: يجب أن نفهم زماننا حقّ الفهم على جميع المستويات: الإيديولوجية والسياسية والجغرافية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والتقنية والإنسانية.. وهذه مهمة ضخمة، إذ أكثر العصور تعقيدا طوال التاريخ البشري كله هو عصرنا الحديث: خاصة القرنان الأخيران. ونحن نعيش في بيئة واحدة وقرية كونية صغيرة.. لذا يستحيل أن نحقق شيئا إذا لم نكن نملك الأدوات والدراسات والخبرات اللازمة للوعي بالعصر وسياقاته..

ويستحيل على أفراد –مهما كانوا في النبوغ والاجتهاد- أن يحققوا المطلوب في هذه المستويات، لذلك فتجربة المرحوم محمد عابد عابد الجابري مهمة جدا، لكنها قاصرة جدا: لا يمكن لعقل واحد أن يحيط بالدين وما نشأ حوله من الإنتاج، وبالتراث الإسلامي الضخم الذي عمره أربعة عشر قرنا.. هذا عمل آلاف العلماء والمفكرين والخبراء الذين يُفترض أن يشتغلوا جماعات وأفرادا طيلة مدة زمنية كافية..

من هؤلاء وغيرهم سيبرز الذين سيعملون التركيب المطلوب، الذين سيكتشفون "الخلطة" المناسبة، الذين سيجمعون ما تناثر من دراسات وأفكار واقتراحات.. فيصوغون مشروعا ضخما للنهوض يحتوي بدوره على مئات المشاريع العملية الصغيرة..

إلى حدّ ما هكذا تمت نهضة أوربا منذ أيام اتصالها بالحضارة الإسلامية وتعلمها منها، هكذا اشتغلت عقول أوربا في القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر.. ثم تفجرت النهضة الأوربية قوية ومبدعة في أكثر المجالات في القرون اللاحقة.

لكن، ولله الحمد، بسبب تطورات الاتصال والانتقال والمعارف.. لا نحتاج الآن لكي نحقق نهضتنا لقرون، وبالمقابل لابد من بضعة عقود ليولد لنا مولود حقيقي.. هو ثورة كاملة.. وحضارة إنسانية ومبدعة.. تكون هدية إلى العالم كله. (وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

والله تعالى أعلم.

التعليقات

1 ) عبد الله: مدونة إلياس بلكا 2/19/2014

هذه مدونة المحاوَر لمن يريد التعرف عليه أكثر وعلى إنتاجه العلمي: http://ilyassbelga.blogspot.ae/

أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة