حوار مركز نماء مع الدكتور محمد خميسي حول: رسالة الجامعة في الوطن العربي ومقومات إصلاح منظومة التعليم العالي(2/2)

8/14/2013

تختلف رؤى واستراتيجيات الدول لقضية البحث العلمي، فبينما تتخصص بعض الدول في قضايا بعينها، تحرص دول أخرى على جعل البحث العلمي خادما للقطاعات الاقتصادية التي تبرز في هذا البلد، فيما تتجه غالبية الدول العربية إلى جعل البحث العلمي  يتناول كل شيء ولا يفضي إلى أي شيء، في نظركم أين الخلل في هذه الرؤية؟ وما الاستراتيجية التي ينبغي للبحث العلمي في العالم العربي أن ينتهجها؟ وما أفق التكامل بين الدول العربية في هذا السياق؟

من المهم جدا الوعي بأن البحث العلمي فعل تراكمي، وأن توطين البحث العلمي يعبر عن حالة متقدمة للدول والشعوب وبالتالي ليست عملية محدودة في الزمن. ولا نمتلك قرارا إداريا لإنجازها،  من هنا يمكن أن نقول أن الدولة جزء أساسي من تحديد استراتيجية البحث العلمي ومجالاته، لكن للحقيقة والإنصاف، فإن البحث العلمي في الغرب وفي كثير من الدول المتقدمة محتضن من طرف القطاع الخاص ورجال الأعمال وكبرى الشركات الوطنية والدولية (ينفق عليه بالملايير جامعة هارفرد نموذجا)، بمعنى آخر أنه خيار مجتمعي وقضية تحظى بالثقة من مختلف الفاعلين والمؤسسات،  كما أن البحث العلمي رسخ قواعده وثقافته ومبادئه في هذه البلدان، بمعنى أننا أصبحنا أمام مجتمع البحث العلمي الذي يتمتع بأعراف وتقاليد خاصة به، لقد أصبح لديهم ما يشبه الوقف عندنا فيما يتعلق بالبحث العلمي، بينما يعاني البحث العلمي عندنا  هذا المجال من عدة عوائق واختلالات يمكن أن نذكر منها اعتماده كليا على إمكانات الدولة، وهي إمكانات مهمة إلا أنها غير كافية، مع غياب منطق الاستثمار في هذا المجال وضعف الثقافة الدينية في دعم البحث العلمي، إذ لا يشعر المواطن أن بناء جامعة أو مختبر لا يقل أهمية عن بناء المسجد، يضاف إلى ذلك تشتت الأطراف و الجهات وتعدد المتدخلين في عملية البحث العلمي، وفي نظرنا فإن القيام بمناظرة وطنية تجيب على ثلاث أسئلة جوهرية يمكن أن تكون مدخلا مهما و أساسيا وهي:

أ‌- ما هي المجالات ذات الأولوية الوطنية في موضوع البحث العلمي؟

ب‌- ما هي السبل الكفيلة لخلق الجامعة كمؤسسة موحدة؟

ت‌- كيف يمكن أن نبني شبكة متكاملة في قضايا البحث العلمي؟

متحررين نسبيا من إكراهات  التخصص بحيث نستطيع أن نؤسس فرقا علمية متكاملة ومنسجمة ومتعاونة، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي العربي أو في اتجاه دول الشمال والاستفادة منهم قدر الإمكان والمستطاع، ضمن استراتيجية وطنية.

من بين الإشكالات التي تواجه إصلاح منظومة التعليم الجامعي، الإشكال اللغوي، وبخاصة لغة البحث العلمي،  كيف تقيمون الخيارات المطروحة في هذا السياق؟ وما هي الرؤية التي يمكن  اعتمادها لجعل اللغة رافعة أساسية للبحث العلمي؟

في اعتقادي أن ما يرهق كثيرا من البلدان العربية مثل المغرب ليس تعدد الخيارات، ولكن عدم الحسم فيها، مما يجعل معظم قضايانا مفتوحة إلى اللانهاية، إن سؤال اللغة لن يحظى بإجماع وطني، لأن كل فريق يملك حججا ومبررات موضوعية، ولذلك، في نظري أنه آن الأوان لفتح الفرص والخيارات وجعل الجامعة تملك استقلالا في المواد ولغة التدريس وفتح الآفاق أمام الطلبة المغاربة للاختيار اللغة التي  يريدون إتمام الدراسة بها، ويمكن أن نبدأ ببعض التجارب الفضلى والناجحة في هذا المجال، طبعا لا يشك أحد في موقع اللغة الانجليزية وهيمنتها على البحث العلمي، إذ لا ينشر الباحث الفرنسي إلا بهذه اللغة إذا أراد أن يقرأ بحثه ويطلع عليه، لكن القفز بسرعة وحرق المراحل في فرض لغة مهيمنة  لا يخلو من مخاطر ومنزلقات، خاصة إذا دخل البعد السياسي والثقافي على الخط، وبالتالي فنحن نحتاج إلى مرحلة وسيطة تبنى على إرادة الاختيار والتنوع وإتاحة فرصة الاختيار مستقبلا.

إذا شئنا أن نتحدث في نقاط عن مقومات الإصلاح الجامعي في الوطن العربي، ما هي العناوين الكبرى التي تقترحونها في هذا السياق؟

تزخر رفوف الوزارات بعدة مشاريع للإصلاح الجامعي في العالم العربي، وهي ظاهرة تكاد تكون عالمية، بيد أن كل إصلاح يقتضي ثلاث محطات:

أ‌- قراءة علمية متأنية للرصيد والتجربة الجامعية والاستفادة من مكتسباتها، لأنه وكما سبقت الإشارة إليه  فإن الجامعة فعل تراكمي إذ لابد من استثمار هذه التجربة والرصيد العلمي والمعرفي.

ب‌- صياغة أسئلة أساسية ومؤسسة لدور الجامعة مستقبلا، بمعنى أن تكون الجامعة مركزا لصناعة القرارات كما هو معمول به في الدول المتقدمة، فالجامعات في هذه الدول تحال عليها كل القضايا الاستراتيجية ومنها الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بل والتوقعات المستقبلية باعتبارها شريكا يشتغل بوسائل وأدوات وإمكانات هائلة ثم إن طبيعة موارده البشرية غالبا ما تتمتع بقدرات، وتخصص يمكن من أفضل الحلول ويمد بأحسن الخيارات.

ت‌- قيام كل الأطراف المعنية بالإصلاح الجامعي وبشكل تكاملي تشاركي حسب الموقع والمسؤولية  بالمهام المنوطة بها، مع الوعي بأن الجامعة ثروة وطنية يعتبر الاستثمار فيها استثمارا في المعرفة وخلق شروط الاقتصاد المعرفي الذكائي.

لنرجع إلى مشكلة التمويل، والتي تعتبر قضية مفصلية في رسم توجهات الإصلاح الجامعي في الوطن العربي، كيف تنظرون إلى التمويل الأجنبي، وهل يمكن  للدول العربية أن تنجح في مسار إصلاح منظومة التعليم الجامعي بالتمويل الأجنبي؟

لا يمكن أن نتصور بحوثا علمية جادة دون تعاون علمي وشراكة وتمويل، فالدول الكبرى أصبحت لديها طرق  وسائل وخبراء في البحث عن تمويل مشاريعها العلمية، وهنا تتجلى إحدى الأوجه المشرقة في العلاقات الدولية، فنحن لا نتصور بحثا علميا حول داء السيدا أو قضايا البيئة أو حماية الأطفال من كل أنواع الاستغلال إلا في إطار شراكة دولية تمويلا وتخطيطا وتفكيرا، إن المشكلة لا تكمن في التمويل، بقدر ما تكمن في إقناع الآخرين بتمويل مشاريع تدخل ضمن اختياراتنا واستراتيجيتنا، فالباحث العربي الذي سيقنع اليابانيين بالتعاون في دراسة  التصحر وطرق حماية شجرة النخيل أو أرغان، على سبيل المثال، سيكون دبلوماسيا ناجحا قبل أن يكون باحثا بيولوجيا، ومن سيقنع مراكز البحث والعلوم السياسية والثقافية في أوروبا أن الدراسات الفقهية والاجتهاد في الفقه المالكي في إطار الإجابة على قضايا  الناس الروحية والدينية بالغرب، هو الأنسب لحياة المسلمين بأوروبا كامتداد لتجربة الأندلس الحضارية التي تعايشت فيها ديانات التوحيد، وأنتجت حضارة وثقافة وعمران، سيكون باحثا موفقا وعالميا في تفكيره وتصوره و قيمه.

إن منزلق التمويل يكمن في أمرين:

المنزلق الأول: هو أن مجموعة من البحوث هي أقرب إلى التجسس على الدول والشعوب ومقدراتها وإمكاناتها أو هي مقدمات الاجتياح الاقتصادي والثقافي والفكري أو أحيانا الروحي، والفصل بينهما يغيب عن كثير من المتعاملين في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بالدراسات الاقتصادية والاجتماعية.

المنزلق الثاني: أننا قد نخرج من عملية البحث العلمي بالفتات، بحيث يتم استغلال الموارد الجامعية البشرية والمادية العربية، وأن المنتج يستفيد منه الآخر كليا ولا يبقى لنا أي شيء في الجامعة المغربية، اللهم إذا كان القصد هو التدريب على إنجاز البحوث، من هنا فإن لا خوف على التمويل الأجنبي أو المشترك ما دام هناك وعي واستراتيجية تحكم هذا المجال، وهو ما سبق أن أشرت إليه من قبل.

يلاحظ في مسار منظومة التعليم أن  هناك تمايزا ملحوظا بين درجات الاستقطاب والأهمية للشعب المدرسة في الجامعات المغربية، إذ تحظى التخصصات الطبية والهندسية والمعاهد العليا بأعلى الاستقطابات، تتلوها التخصصات الاقتصادية والتقنية، وتأتي في آخر اللائحة التخصصات الأدبية والاجتماعية، فهل اختلاف وتيرة الاستقطاب في منظومة التعليم الجامعي يرجع إلى طبيعة هذه الشعب أم إلى السياسة التعليمية؟ وما الآثار التي يمكن أن تجنيها منظومة التربية والتكوين من جراء تهميش العلوم الاجتماعية والدراسات الإسلامية؟

هناك عدة أسباب تراكمت وتفسر ذلك، أولها أن نظام الحماية الفرنسي وضع ذلك التقسيم النكد حين أعتبر العلوم التقنية هي الأهم ثم  تليها العلوم الإنسانية وأخيرا كل ما يتعلق بالتراث والعلوم الشرعية، وكان من مصائب ذلك أننا همشنا مجالا لا يمكن تطور المجتمعات بدونه، وهو مجال العلوم الإنسانية وخاصة الفلسفة، كما أن الأمر زاد إرهاقا حين اعتبر التعليم الأصيل، كفضاء لاستقبال التلاميذ الذين لا يصنفون كعلميين أو أدبيين بمعنى الذين هم على حافة الفشل الدراسي، مع العلم واليقين أن العلوم الإنسانية  الشرعية تؤثر في السياسات العمومية، والأدهى من ذلك أنه تم تهميش تدريس قواعد الفنون وعلومها، مما شوه كثيرا من الذوق وعطل الإبداع في ميادين فنية كثيرة، كالمسرح والسينما والأدب والقصة والشعر والرسم.. ومما ساهم في تعميق الفجوة هو إصرار الطبقة المتوسطة والمتعلمة على توجيه أبنائها الى العلوم التقنية باعتبارها صمام أمان لمستقبلهم، كل هذه العوامل ساهمت في التأثير والاستقطاب لمؤسسات دون أخرى يضاف إلى ذلك أنه لا يزال هناك خصاص في المجالات التي أشرتم إليها سابقا، وأعتقد أنه آن الأوان إلى رد الاعتبار إلى هذه المجالات، أي العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم الإسلامية، وإن كان المغرب قد سبق كثيرا من الدول العربية في دعم المعارف الإسلامية وتنظيم حقلها المعرفي من خلال مجموعة من مؤسسات علمية كدار الحديث الحسنية وجامعة القرويين وأعاد الدور للعلوم الإنسانية وخاصة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، غير أن الطريق لازال شاقا و طويلا في هذا الموضوع.

ويمكن أن نقول أننا ورثنا وضعا خاصا في السياسة التعليمية وكرسناه للأسباب السابقة، يضاف إلى ذلك، أن سنوات السبعينات وحتى حدود الثمانينات كانت الدولة تنظر إلى مجال العلوم الإنسانية والاقتصادية بعين الحذر والريبة وتعتبرها مواد التغذية الفكرية للمعارضة السياسية، الأمر الذي تغير الآن بشكل جدري، وأصبح غير ذي معنى في عصرنا الحالي، على اعتبار أن هذه الجامعات تشكل الوعي العام للمواطنين، وتساهم في بناء الطبقة المثقفة والفكرية، بل فضاء للنقاش والاهتمام بالشأن العام، ولم يعد هناك من يتصور وجود للتنمية الشاملة دون هذه المؤسسات، مما يشترط مستقبلا الاهتمام بها ودعمها نظرا لدورها الرائد في تطوير وتحديث البنية الفكرية والعلمية والثقافية للطالب المغربي.

يلاحظ في الآونة الأخيرة اهتمام كبير في الجامعات الغربية بالعلوم الاجتماعية، بل بعض الدول العربية مثل قطر  والإمارات صارت تركز على الرفع من منسوب هذه العلوم، ما هو تفسيرك لهذا التوجه، وهل تتوقع أن تسير الدول العربية في هذا التوجه؟

يعيش الإنسان المعاصر نوعا من الإرهاق والإجهاد، وصعوبة التقاط أنفاسه، وذلك لثلاث خصائص مميزة لهذا العصر، وهي التسارع واختصار المسافة وكمية المعلومات التي يمكن أن يطلع علها يوميا، بحيث يستطيع الإنسان أن يتناول فطوره في إحدى دول أوروبا ووجبة الغذاء بأفريقيا، ويمكن له أن يتعشى ليلا بآسيا، هذه الرحلة الدالة على ما أشرت إليه، حولت البنية النفسية والاجتماعية للإنسان بشكل عنيف، وأحيانا مرهق وقاس جعلت العودة إلى هذه العلوم والمعارف أمر ضروري يضاف إلى ذلك تدخل التكنولوجيا الرقمية ووسائل الاتصال والتواصل بشكل مكثف في الحياة اليومية للمجتمعات، مما ترتب عنه أوضاع ثقافية وفكرية جديرة بالدراسة والبحث. بل أكثر من ذلك، أصبحت الحياة الافتراضية والذكاء الآلي وعوالم السيبرنتيك مؤثرة جدا، وتشكل واقعا أقوى أحيانا من الواقع المادي الفيزيائي،   كل ما سبق جعل الاهتمام بالعلوم الإنسانية آفاقا مستقبلية للإجابة على قضايا ومشاكل غاية في التعقيد، لم يسبق للبشرية أن عرفتها، والاهتمام المبكر من طرف الجامعات العربية سيساهم ولا شك في المد بصورة علمية وواقعية على الشخصية العربية ككائن اجتماعي ثقافي وسيساعد على إدراك طبيعته وحاجياته ومساعدته على تحقيق حيات تليق بكرامته وتاريخه.

|1|2|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة