حوار مركز نماء مع الدكتور محمد خميسي حول: رسالة الجامعة في الوطن العربي ومقومات إصلاح منظومة التعليم العالي(1/2)

7/27/2013

يتناول هذا الحوار  الأسئلة الشائكة التي تطرح اليوم على منظومة التربية والتكوين بالنسبة إلى التعليم الجامعي في الوطن العربي، سواء منها ما يتعلق برسالة الجامعة أو طبيعة التكوينات التي تضمها، أو موقع البحث العلمي فيها، أو إشكالية لغة التدريس وتدريس اللغات، هذا فضلا عن قضية التمويل والخصخصة والتنافسية. ولئن مستقبل الجامعة في الوطن العربي، وتحسين تصنيفها عالميا، يرتبط بشكل كبير بالأجوبة التي يتم تقديمها لهذه الأسئلة فقد ارتأينا في مركز "نماء" أن نفتح هذا الملف للنقاش، بدءا بهذا الحوار الذي استضفنا فيه  الدكتور محمد الخمسي أستاذ التعليم العالي بشعبة الرياضيات بكلية العلوم والتقنيات بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، وأحد كوادر المنتدى الوطني للتعليم العالم والبحث العلمي بالمغرب، ونأمل في أن نستعرض  في المستقبل القريب وجهات نظر أخرى تقدم إجاباتها بخصوص هذه ألأسئلة، حتى نتمكن من فتح فضاء للنقاش العميق حول مستقبل الجامعة في الوطن العربي وآفاق إصلاح التعليم الجامعي به. إلي نص الحوار:

تصنف الجامعات العربية في الغالب  في أسفل الترتيب بالمقارنة مع الجامعات الأمريكية واليابانية والأوربية، في نظركم لماذا يرجع هذا التدني في التصنيف، هل إلى المعايير المعتمدة في هذه التصنيفات والتي لا تراعي الخصوصية العربية، أم إلى تدني مستويات التعليم والبحث الجامعي في العالم العربي؟

تشكل الجامعة في أي دولة من العالم، امتدادا طبيعيا لواقعها، ومكانة الدولة الموجودة فيها، ولذلك، لا يمكن أن نتصور الجامعة إلا جزءا من الواقع والمشهد السياسي والاقتصادي والثقافي لبلد ما. وتعتمد مجموعة من المعايير التقنية والعلمية في التصنيف والترتيب، غير أن هناك عناصر مهمة وضمنية تساهم بشكل أساسي في هذا التصنيف، أهمها اللغة المعتمدة في التدريس وإنجاز البحوث في كل المستويات الجامعية، وخاصة النشر العلمي كما وكيفا، وهناك وسائل وآليات لقياس دور الجامعة في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، ومساهمتها في التنمية، وبطبيعة الحال الإمكانات المالية والتنظيمية وطبيعة ومستوى الموارد البشرية كلها عناصر أساسية في عملية الترتيب، ويتم قياسها بشكل مباشر وغير مباشر، بالنسبة للجامعات العربية يمكن تصنيفها إلى أربع أصناف:

الصنف الأول: ويتمثل في الجامعات الخليجية والتي تتمتع بموارد مالية هائلة، تمكنها من استقطاب بعض الأسماء العلمية مع توفير أسباب النشر العلمي، دون أن يعكس ذلك بالضرورة وجود مجتمع علمي ومشاريع بحث إستراتيجية وطنية.

وفي اعتقادي، أن هذه الجامعات تساهم في تخرج قيادات إدارية وسياسية فقط، على اعتبار أن السوق العالمي  يتيح شراء كل خدمة يحتاجها المجتمع أو الدولة، وتصنيف هذه الجامعات الخليجية ينطوي على بعض المؤشرات الجزئية تتم قراءتها بشكل مبالغ فيه كعدد النشر والمنح والإمكانات المالية التي تتمتع بها.

الصنف الثاني: يكاد يكون على النقيض من الصنف الأول تمثله الجامعات في المغرب العربي، حيث تتميز هذه الجامعات بكفاءات وطنية ودولية وبمورد بشري هائل، إذا اعتمدنا عدد الطلبة في مختلف التخصصات والشعب والمجالات،  إلا أن هذه الجامعات تعاني من ثلاثة اختلالات أساسية وهي:

-  التمزق اللغوي بين لغة التدريس "العربية" في المستوى الثانوي ولغة التدريس والبحث في الجامعة متمثلة في الفرنسية، ولغة النشر العلمي متمثلة في الانجليزية.

-  ضعف الموارد المالية وخاصة المتعلقة بالبحث العلمي، مع اعتمادها بشكل كلي على المال العام.

-  التشتت وضعف التركيز في قضايا البحث، ومجالاته العلمية، إذ تشتغل هذه الجامعات في كل شيء بدون أثر يذكر، أو تركيز أو تميز، بل أحيانا تشتغل في بحوث ليس لها أية علاقة بالقضايا الوطنية، (الاقتصادية والاجتماعية)، فتبقى مجموعة من الكفاءات موجودة جغرافيا داخل الوطن لكن اهتمامها وعطاءها العلمي خارجه، فهي في حالة هجرة دائمة لعقولها.

الصنف الثالث: وتمثله الجامعات المصرية والأردنية، وهي تعاني من نفس المشاكل وبشكل أشد حدة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أجور الموارد البشرية، إلا أن إشكال اللغة أخف عندهم لكونهم يعتمدون لغتين فقط العربية والانجليزية، من هنا كان تصنيفها أحيانا أفضل من الجامعات الموجودة في المغرب العربي.

الصنف الرابع: وتم القضاء عليه والإجهاز على تجربته، ويتمثل في التجربة العراقية، والتفصيل فيه قد يبعدنا عن الموضوع.

وكخلاصة للجواب على سؤالكم يمكن أن نقول أن أسباب وعوامل التصنيف مركبة ومتعددة ومتداخلة لا يمكن إرجاعها إلى سبب أو سببين، لما يعرفه الواقع العالمي من تعقيد وتداخل، إذ الجامعة جزء و مكون من واقع الكلي. ولاشك أن الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية واللغوية ساهمت في الترتيب والتصنيف للجامعة المغربية.

تسود موجة  اليوم في العالم العربي، تدعو إلى تحويل الجامعة إلى مؤسسة للتكوين المهني على حساب التكوينات الأساسية، بحجة ربطها بالمحيط السوسيو اقتصادي، كيف تقيمون هذا التوجه؟ وما  آثاره المرتقبة على وظيفة ورسالة الجامعة؟

من أساب كثير من الفشل في العالم العربي، أننا ننشغل بالإجابة على الأسئلة المتعلقة بكيف دون القدرة على صياغة الأسئلة المتعلقة بـلماذا، فالمنطق والعقل  يقتضي أن يكون مطلب التكوين المهني ضمن استراتيجية وطنية شاملة، فلا يعقل ولا يتصور أن نتحدث عن جنود دون ضباط، كما أننا لا يمكن أن نتصور وجود تقنيين دون مهندسين، أو مهندسين دون باحثين وجامعيين،  كما أننا لا يمكن أن نكتفي بتكوين ممرضات وممرضين دون أطباء، ولا يمكن أن نتحدث عن مرشدين تربويين دون خبراء وباحثين في هذا المجال، ولا يمكن أن نتحدث عن مدرسين وأطر تربوية دون كفاءات وطنية في مجال علوم التربية، وهكذا، فلا يمكن أن نتصور قاعدة عريضة من الخبرات والكفاءات الوسيطة دون أطر عليا، صحيح وأكيد أن هناك اختلال في قاعدة التناسب بين عدد الكفاءات العليا والأطر الوسطى والأطر التقنية، بل وعدد اليد العاملة والمؤهلة،  بحيث أننا كلما اتجهنا إلى المستويات العليا إلا وقل العدد وكلما اتجهنا إلى المهارات التقنية والمباشرة إلا ووجب ارتفاع عدد التكوين والمتخرجين، فحل هذه المشكلة لا يشترط ولا يتطلب خلق مشكلة أخرى إذ لو ذهبنا في  سياسة  تجفيف منابع الأطر العليا والكفاءات الوطنية، فسيؤثر ذلك مستقبلا على الاقتصاد الوطني والتنمية الشاملة، بل لن أبالغ إذا قلت إن غياب أطر وكفاءات وطنية سوف يؤثر على استقلالية القرار الوطني، ويقلص من  السيادة الوطنية على المدى المتوسط والبعيد في عدة مجالات، إن سياسة تجفيف منابع الأطر العليا، ستفرض علينا مستقبلا استدعاء هذه الكفاءات والخبرات وبرواتب عالية وعملة صعبة. إن دور المحيط السوسيو اقتصادي مهم جدا يجب أخذه بعين الاعتبار، ونحن ندرك أهمية الكفاءات التقنية التي لا تشترط مستوى علميا عاليا،  ويمكن   تحقيق ذلك  دون   تقليص عدد الكفاءات العليا، مع العلم أنا لازلنا نعاني من نقص في المهندسين والأطباء إذا ما اعتمدنا المعاير الدولية كما أننا لا زلنا دون تغطية بعض المجالات المتعلقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية التي أصبحت أساسية ومفاتيح لمعرفة حاجة المجتمعات و تطلعاتها المستقبلية، إذا ما تم التركيز فقط على التكوين التقني المحدود جدا فعلى سبيل المثال لا يمكن تطوير المجال الفلاحي في الدول العربية التي تعتمد عل الفلاحة فقط بمجموعة من التقنيين، فالمغرب مثلا في حاجة ماسة إلى جامعة علمية متخصصة في البحث في موضوع  الفوسفاط  من كل جوانبه و القضايا الاستراتيجية المتعلقة به، وليس فقط إلى تقني يشغل هذه الآلة أو تلك على أهمية دوره ومهمته، وأنا أشتغل في كلية العلوم والتقنيات ولا معنى لمؤسسة تقنية إلا ضمن نسق وسياق علمي، بل إن الجانب التقني يستفاد منه عند التمكن العلمي، ومن شروط توطين التقنيات أنه لا بد من الاستيعاب العلمي لها بل إن الخبرة التقنية، ما هي إلا أشكال من الإنتاج العلمي، وهي قابلة للتطوير والتغير بوتيرة سريعة يسهل استيعابها في بيئة علمية أو في بيئة تتمتع بثقافة علمية كحد أدنى.

من أكبر المعضلات التي تواجه التعليم الجامعي في العالم العربي قضية التعليم الجامعي الخاص، وتوطين العديد من الجامعات الغربية على أرضيته،  في نظركم ما الآثار التي يمكن أن تنتج على عدم وجود استراتيجية ناظمة في هذا الاتجاه؟

يحيلنا السؤال عن التعليم الخصوصي على أربع إشكالات أساسية وهي:

أولا: يجب استحضار دور الجامعة المغربية في صناعة النخب الوطنية وفي مساهمتها في بناء الدولة الوطنية الحديثة والديمقراطية وتطوير مؤسساتها، كما أن هذه الجامعة ساهمت في استقلال قرار البلدان العربية وحماية سقف سيادتها،  ذلك أن الجامعة ليست مواد تقنية صرفة، بل هي حالة ومنظومة فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية تساهم في بناء وخلق انتماء جماعي، ومن  يتحدث عن الجامعة كمؤسسة تسلم شواهد وتمكن من مهارات وخبرات فهو لا يعي  دور الجامعة في بناء  الشعور الوطني، والهوية الثقافية والدينية والوطنية، والانتماء إلى حيز جغرافي ثقافي تاريخي، وإن فتح الباب أمم الجامعات الخصوصية، دون أفق استراتيجي تسطره الدولة ومؤسساتها، والنخب الفكرية والعلمية والوطنية، ودون ميثاق وطني، وقواعد عمل متعلقة بهذا الموضوع، سيخلق أو يساهم في تفكيك الكثير مما يجمعنا، بل سنصبح مع الزمن مجتمعات داخل المجتمع، (نموذج الجامعة الأمريكية في بيروت)، مما يترتب عنه مجموعة من القضايا والإشكالات المستعصية والشائكة.

يجب أن نعي بالمخاطر المرافقة للجامعات الخصوصية والناتجة عن وجودها، فقدوم أفراد تخرجوا من هذه الجامعات، ليس له نفس الأثر في وجودها على التراب الوطني. فبدون إطار أو استراتيجية مسيجان لهذه الجامعات، ومحددان لدورها ووظيفتها ستكون له عواقب سلبية على البنية الاجتماعية  للدول العربية. إن من يضع برامج الجامعات وخاصة  ما يتعلق بالعلوم الإنسانية والاقتصادية والقانونية ليسوا هواة أو أصحاب مشاريع اقتصادية صرفة، وإنما من وراءها مراكز وخبراء وبرامج تملك من التأثير على المجتمعات الشيء الكثير، والترخيص للجامعات الخصوصية بموارد بشرية ومالية ليس مشروعا اقتصاديا لتخفيف العبء عن الدولة، وإنما هو مشروع مجتمعي يرخص له ضمن مجتمعنا التاريخي والثقافي، وبالتالي فالوعي بالنتائج أساسي وضروري قبل وعند اتخاذ القرار.

ثانيا: لا بد أن نتساءل هل سيأخذ التعليم الخصوصي المجال التقني الذي يسهل على  خريجيه إيجاد فرص الشغل (منطق الربح والمردودية والإقبال)، وستترك المجالات الأخرى للقطاع العمومي، بمعنى آخر إن الدولة ستتكلف بالتعليم (غير النافع)، وأن القطاع الخاص سيأخذ المجالات الربحية، سيقول قائل إن جزءا من المواطنين يبعث بأبنائه إلى إتمام دراستهم في الخارج وبمبالغ عالية. والإجابة عن هذا الإشكال  أعتقد أننا  نملك فيه أكثر من حل وليس فقط هذا الخيار كما لا أتصور غدا أنه سيكون هناك تعليم خصوصي في مجال الفلسفة والتاريخ والجغرافية والأدب والشريعة. بمعنى آخر أننا لحد الآن نخلط بين الجامعة الخصوصية بالمعنى الأمريكي الذي تتميز فيه بتدريس العلوم السياسية والعلوم الإنسانية والإعلام لصناعة النخب، وبين الجامعات الخصوصية التي تمكن من خبرة لكسب العيش، ومزاولة مهنة يحتاج المجتمع إلى خدماتها.

ما أريد قوله، أن الوعي بالمهمة والدور الاستراتيجي الذي يمكن أن  تقوم به الجامعة الخصوصية لازال لم يكتمل لدى كثير من المسؤولين في وطننا العربي، وبالتالي فغياب رؤية واستراتيجية وعقد اجتماعي  وميثاق وطني حول هذه الجامعات،  قد يعجل بإخراجها إلى الوجود بشكل مشوه، ودون إضافة نوعية وبسرعة سيترتب عنها من المشاكل ما لا حصر له، بل ستهدد الجامعات الوطنية في وجودها تحت عدة مبررات، أقلها الجودة والمردودية، فنحن في المغرب لازلنا لم نستنفذ كل الخيارات والحلول في إعادة دور الجامعة العمومية وتمكينها من القيام بواجبها، ومسؤوليتها كما أنني أخشى أن تقوم الجامعات الخصوصية باستنزاف الموارد البشرية للجامعة العمومية، وما تجربة التعليم الابتدائي والثانوي منا ببعيدة.

ثالثا: كيف وبأي معيار سيتم إعطاء رخص للجامعات الخصوصية في مجالات جد حيوية واستراتيجية، متعلقة على سبيل المثال بحياة المواطنين ككلية الطب أو الصيدلة أو الهندسة المدنية؟، إن مثل هذه المجالات وغيرها نظرا لحساسيتها وخطورتها، سيكون من العبث وضعها في مجال القطاع الخاص دون تحديد رؤية وطنية واستراتيجية مندمجة لمشروع التعليم الجامعي الخصوصي، تضعنا أمام صورة واضحة وأهداف عملية وتجنبنا مشاكل مستقبلية لا حصر لتعقيداتها وآثارها، أقلها شراء الشواهد وانتشار نوع من الفساد العلمي والمهني.

رابعا: قبل انطلاق التفكير في مشروع الجامعات الخصوصية هناك جملة من القضايا الأساسية والتقنية متعلقة بهذا الموضوع، أذكر منها شروط الولوج وطبيعة الاختبارات للاجتياز الامتحانات، والجهة المشرفة عليها، وكم نسبة الطبقة الفقيرة المتفوقة دراسيا التي سيتم احتضانها في هذه الجامعات؟ إن هذه الأسئلة وغيرها لا نعتبرها أسئلة نظام وتقنية فقط، بل تدخل في صميم الموضوع، فلو سلمنا أن الدولة ستحدد الجهة والأطراف الوصية أو المرتبطة بهذه الجامعات وقواعد العمل والإطار القانوني والتنظيمي فسيكون آنذاك قد وضع الأمر على الطريق الصحيح.

|1|2|

التعليقات

1 ) : 2/21/2017


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة