حوار مركز نماء مع الدكتور بشير نافع المفكر الإسلامي

5/27/2013

يكتسي هذا الحوار أهمية كبيرة باعتبار النظرات التحليلية العميقة التي يطرحها من جهة، ومن جهة ثانية باعتبار الرؤية الموضوعية التي يحملها المفكر بشير نافع عن الأدوار الضرورية التي ينبغي للفاعلين السياسيين القيام بها في هذه المرحلة؛ إذ لا يكتفي بتحليل الوضع الانتقالي الذي تمر به دول الربيع العربي، وإنما يستعرض أهم التحديات التي تواجه هذه الدول، وأهم القواعد التي يمكن الانطلاق منها لإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي في هذه الدول، وبناء نظام عربي جديد، وإعادة رسم التوازنات الدولية من جديد على قاعدة دور فاعل ومؤثر للعالم العربي في موازين القوى الدولية.

كيف تقرءون التحولات التي أفرزها الربيع العربي؟ وما هي مستوياتها وأبعادها؟

انفجرت حركة الثورة والتغيير في المشرق العربي الإسلامي بفعل عدة أسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، وبفعل التدهور المتزايد في موقع شعوب المشرق على المسرح العالمي، وما أطلقت عليه من قبل "إهانة القرن العشرين الكبرى".

في بعض دول المشرق، مثل: تركيا والمغرب والأردن؛ ثمة مسار إصلاحي ملموس أو متعثر وفي دول أخرى، وقع التغيير بفعل حركة شعبية أطاحت بنظام الحكم ولم تقوض مؤسسة الدولة، كما في مصر وتونس واليمن، وفي دول ثالثة، تجلت عملية التغيير في ثورة مسلحة أطاحت أو بصدد إطاحة نظام الحكم ومؤسسة الدولة، وهو ما شهدناه في ليبيا ونشهده في سوريا.

ويمكن بالتالي قراءة التحولات في هذه الدول في ضوء خصوصيات عملية التغيير؛ فثمة تحولات عميقة وكبيرة، ولكنها تدريجية، في تركيا ومصر وتونس واليمن، وربما المغرب والأردن، وهناك تحولات راديكالية وهائلة وسريعة في دول مثل: ليبيا وسوريا. بصورة عامة، ستطال عملية التغيير كل المجال المشرقي، آجلاً أو عاجلاً، وبصورة أو أخرى، وستتناول عملية التغيير علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة الحاكم بالثروة العامة، وعلاقة المحكوم بمؤسسة الدولة، بل وبنية الدولة نفسها، وفي النهاية، النظام الإقليمي الذي فُرض علينا بعد الحرب الأولى. هذه واحدة من أكبر المنعطفات في تاريخنا الحديث، وبالرغم من صعوبة عملية التغيير والانتقال، والصراع المرير بين قوى التغيير والقوى المضادة، محليًّا وإقليميًّا؛ فإن المشرق العربي الإسلامي لن يعود أبدًا إلى ما كان عليه. وبالرغم من أن طموحات الإنسان العادي كبيرة، وسيصعب تحقيقها بالسرعة المتوقعة؛ فإن عملية التغيير تعيد الاعتبار للإنسان ولموقعه ودوره.

بعد مرور قرابة سنتين على بداية هذه الثورات؛ برأيكم: ما هي الأسباب العميقة لتعثر المراحل الانتقالية في دول الربيع العربي؟ و ما هي أبرز التحديات التي تعيشها دول ما بعد الثورات العربية، خصوصًا مع أجواء التوتر والتعثر التي تشهدها الحالات الثورية العربية، وخاصة المشهد المصري والتونسي؟

الذين توقعوا أن تسير عملية الانتقال بسهولة ويسر كانوا مخطئين؛ فالثورات هي خروج عن المألوف والسائد والقانوني، وهي بطبيعتها مولِّدة للاضطراب والقلق وفقدان اليقين. وإذا قارنَّا بين الثورات العربية، من جهة، والثورات الفرنسية والروسية والإيرانية؛ فإن مسار حركة الثورات العربية يبدو طبيعيًّا نسبيًّا وأقل تكلفة. إن عملية التغيير والانتقال تتطلب عددًا من السنوات، لا الأسابيع والشهور، قبل أن تستقر بلدان الثورة والتغيير. وفي هذه السنوات، سيكون من الضروري التعامل مع عدد من الملفات الكبرى:

الأول: وهو يتعلق ببناء الإجماع حول المسائل الرئيسة للوطن والحكم والدولة؛ فليس هناك نظام ديمقراطي، حر، ومستقر، يقوم على صراع حول الأسس؛ بل لابد من توافق على الأسس أولاً، ثم تنظم الديمقراطية التدافع حول ما بعد ذلك.

الثاني: أن مشكلة بناء الإجماع الأكبر تتعلق بوضع وموقع ودور القوى الإسلامية السياسية، التي وفرت لها حركة التغيير الانتقال من هامش الحكم والدولة إلى متنه. وثمة حاجة ضرورية وسريعة لأن تتقبل النخب غير الإسلامية وتقتنع بأن القوى الإسلامية شريك رئيس ودائم في إدارة شئون البلاد، وأنه لابد من دور للإسلام في المجال العام. ومن جهة أخرى، لابد أن تدرك القوى الإسلامية السياسية أن فكرة "أسلمة" الدولة الحديثة غير ممكنة حتى يستطيع المجتمع الإنساني ككل أن يجد إجابة على معضلة الدولة الحديثة؛ فالممكن الآن هو مصالحة هذه الدولة مع الإسلام واحترامها لقيمه الكبرى.

الثالث: في أغلب دول الثورة والتغيير، لابد من عمل حثيث للتعامل مع الملف الاقتصادي والمالية العامة؛ فبدون خروج هذه الدول من عنق الزجاجة المالي الاقتصادي، فإن عملية الانتقال ستطول نسبيًّا.

الرابع: في مدًى أبعد قليلاً، يبدو من الضروري البحث بصورة أكثر جدية، بل وفتح نقاش عام، حول جدوى النظام الإقليمي القائم، الذي هو بطبيعته سبب للضعف السياسي والاقتصادي، وللصراعات الإقليمية، ومولِّد للانقسامات الطائفية والإثنية.

كيف تؤثر طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين في تدبير مرحلة الانتقال الديمقراطي وتحديد ملامح هوية دول الربيع العربي؟

كما أنه من الصعب وضع الإسلاميين جميعًا في كفة واحدة، فإن ما يُسمى أحيانًا بالعلمانيين ليسوا صنفًا واحدًا أيضًا، فهم يضمون خليطًا من الليبراليين والقوميين، من اليسار واليمين من حيث العلاقة بالملف الاقتصادي، ومن العلمانيين الرادكاليين والعلمانيين المتصالحين مع الدين. ومن جهة أخرى، تحتل القوى الليبرالية-العلمانية موقعًا بالغ التأثير في صفوف النخبة، وموقعًا أصغر بكثير بين عموم الناس، وهذا ما يعني أن هذه القوى تتحكم بالوسائل الإعلامية، وتتمتع بتأثير كبير في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، مما يجعلها أكثر استعدادًا لاستخدام هذه الوسائل والمقدرات في معركة التدافع على الحكم والسلطة، التي هي أداة القوة الرئيسة والأعلى في الدولة الحديثة.

ثَمة حاجة ملحة للحوار بين المعسكرين: الإسلامي والليبرالي-العلماني، وحاجة أكثر لبناء جسور الثقة وتعزيز مناخ الاطمئنان؛ فلدى الليبراليين-العلمانيين شعور عميق بأنهم، وهم فقط، حراس الحداثة، وأنهم، وهم فقط، مَن يستطيع إدارة شئون الدولة الحديثة، ولديهم أيضًا خوف متزايد من التهميش والعزل، الذي يستبطنه صعود الإسلاميين للحكم بقوة الرافعة الشعبية. ولذا، ففي المراحل المبكرة من عملية الانتقال والتغيير، ستكون حدة الصراع بين الطرفين عالية، وتكاليف الصراع باهظة نسبيًّا، وشيئًا فشيئًا، ستفرض حقائق توازنات القوة نفسها، من جهة، ويصبح الإسلاميون أكثر تجربةً ووعيًا وقدرةً على بناء علاقات أكثر صحية، من جهة أخرى. ولكن، وكما أشرت سابقًا، لا يجب أن يغفل أحد عن حقيقة أن هذا الانقسام يمثل العقبة الأكبر في طريق بناء إجماع تقام على أساسه دولة حرة وأكثر عدلاً؛ وبدون هذا الإجماع سيصعب بناء استقرار جديد والتفرغ لمواجهة تحديات التنمية والرفاهية.

في ظل بروز صراع حاد على دولة ما بعد الثورات العربية؛ فما مدى قدرة الفاعل الإسلامي -الذي صعد إلى الحكم- على استيعاب تحديات بناء دولة عربية حديثة وديمقراطية؟

ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال؛ فالإجابة تتعلق بواقع سائل، متغير، ومتعدد القوى والأزمات. وبصورة عامة، يمكن القول بأن الحاضنة الاجتماعية للقوى الإسلامية السياسية هي غالبًا طبقة المتعلمين والمهنيين من أبناء الطبقة الوسطى الحضرية، وهؤلاء أبناء الجامعة الحديثة والتعليم الحديث، ويتمتعون باستعداد تكويني للتعامل مع إدارة شئون الدولة الحديثة، ولكن الإسلاميين حُرموا طويلاً من احتلال مواقع مؤثرة في مؤسسة الدولة، ولديهم ما هو بين خوف، وشك، وكراهية؛ للدولة ودوائرها المختلفة، كما سيطرت عليهم لفترة طويلة فكرة "أسلمة" هذه الدولة، بدون أن يدركوا الاختلافات الجوهرية بين الدولة الحديثة ونموذج الدولة في التجربة التاريخية الإسلامية. نحن إذن أمام توجهات متدافعة من حيث علاقة الإسلاميين بالدولة؛ وما يفاقم من هذا التدافع أن تَسلُّم الإسلاميين مقاليد الحكم يتم في ظرف انتقالي قلق، يواكب صراعات داخلية وخارجية على الحكم ورُوح الشعب ومستقبل المجال العربي-الإسلامي كله.

قد أكون مخطئًا، ولكني أحسب أن الإسلاميين سينجحون في النهاية في تطوير درايتهم وقدرتهم على إدارة شئون الحكم والدولة؛ ولكن الأمر سيأخذ بعض الوقت.

ما مدى تأثير الثورات العربية في خلخلة المرتكزات الجوهرية التي قام عليها النظام الدولي في أبعاده المحلية والإقليمية؟ وما حدود تأثير الفاعل الدولي في مسار الثورات العربية؟

لنحاول التعامل مع الشق الثاني من السؤال أولاً؛ فالمسألة التي لابد أن تؤخذ في الاعتبار في قراءة علاقة المشرق العربي-الإسلامي بالغرب أن هناك تغييرًا في أولويات الولايات المتحدة الأميركية؛ بمعنى تراجع أهمية المشرق العربي-الإسلامي لصالح اهتمام أكبر بحوض "الباسيفيك". هذا التغيير في الأولويات بدأ منذ الولاية الأولى لأوباما، وليس هنا مجال لشرح أسبابه. الولايات المتحدة هي القوة الرئيسة في العالم وفي الكتلة الغربية؛ ولا تستطيع القوى الأوروبية تعهد مسئوليات كبيرة ومباشرة في العالم بدون مشاركة أميركية؛ ولابد أن ينظر إلى التدخل الأوروأميركي في ليبيا باعتباره استثناءً وهامشيًّا. إن انتقال الأولوية الأميركية لحوض "الباسيفيك" هو ما سمح بانتصار الثورات العربية في تونس ومصر، وأعطى دول الخليج الدور الرئيس في اليمن، ويجعل احتمال التدخل الغربي المباشر في سوريا احتمالاً مستبعدًا، إن لم يكن مستحيلاً. ما الذي يعنيه هذا؟ أن التأثير الغربي في شئون بلادنا تراجع بصورة ملموسة؛ لم يتوقف نهائيًّا، ولكنه تراجع. وهذه في نظري فرصة تاريخية لشعوب المنطقة، لتدبير شئونها بدون العبث الخارجي المعهود.

أما فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال؛ فلابد أن نأخذ عدة مسائل في الاعتبار:

الأُولى: هي بالطبع التغيير في سلم الأولويات الأميركية.

الثانية: مقدِرة دول الثورة والتغيير على التعامل مع الملفات الكبرى التي أشرت إليها سابقًا.

الثالثة: تتصل بمستقبل النظام الإقليمي الموروث، وبكلمة أخرى، نحن نتحرك باتجاه حقبة يصبح فيها قرار الدولة السياسي الخارجي أكثر تعبيرًا عن إرادة الشعب؛ والشعوب تريد بالفعل أن تحتل دول المشرق العربي-الإسلامي موقعها الذي يليق بها على المسرح العالمي، وأن تتحرر من إهانة القرن العشرين، وأن تتخلص من القيود التي فرضها نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولو بصورة تدريجية وبطيئة، وبأفق اقتصادي وتنموي. وهذا، في النهاية، ما سيؤدي إلى أن تلعب هذه الدول، كل على حدة أو من خلال نظام إقليمي جديد، دورًا أكبر في الشأن العالمي. ولكننا نتحدث هنا عن المدى المتوسط والبعيد.

ما هو حجم تأثير نجاح الثورة السورية على قواعد وأسس النظام الإقليمي العربي والمنظومة الدولية؟

هذا سؤال مهم؛ فسوريا رغم أنها ليست أكبر الدول العربية ولا أكثرها ثراءًً، إلا أنها اعتُبرت منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى مفتاح أو عقدة النظام الإقليمي للمشرق. وهذا ما جعل الصراع على سوريا خلال سنوات الحرب الباردة واحدًا من أهم حلقات التدافع الدولي؛ فعند سوريا تلتقي المسألة الفلسطينية والقضية الكردية، وتلعب سوريا دورًا رئيسًا في تقرير مصير فلسطين ولبنان والأردن، وهي مصدر أمن أو تهديد للعراق، وبوابة تركيا للمجال العربي. وبدون سوريا، لا تستطيع مصر أن تلعب الدور الذي يؤهلها له وزنها وموقعها.

التغيير في سوريا قد يفتح ملف نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى على مصراعيه، وأقول "قد"؛ لأن أحدًا لا يعرف الآن المدى الزمني الذي ستأخذه سوريا الجديدة للاستقرار ولا مَن سيحكمها.

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة