الرئيس التركي عبد الله غول يكشف في حواره عن مفاتيح الزمن التركي(2/2)

3/23/2013

ترجمة/ مركز نماء للبحوث والدراسات

أجرت مجلة "الفورين أفيرز الأمريكية" – الشؤون الخارجية – عبر الصحفي "جوناتان تيبيرمان" في أكتوبر 2012 حوارا مهما مع الرئيس التركي عبد الله غول في مكتبه بأنقرة، وتم نشره في العدد الأخير من المجلة (عدد يناير فبراير تحت اسم الزمن التركي) ونظرا لأن الحوار يقدم رؤية للدور التركي في المنطقة، ويقدم إجابات عن موقف تركيا بخصوص العديد من الملفات (سوريا، الملف النووي الإيراني، العلاقة مع إسرائيل، الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، دور تركيا في الربيع العربي، رسالة تركيا في العالم)، فقد ارتأينا أن نترجمه إلى القارئ العربي ونقدمه لجمهور مركز نماء للبحث الدراسات مساهمة في التفاعل الإيجابي مع الأفكار والتجارب المختلفة.

حينما كانت العلاقات بين تركيا وإسرائيل جيدة، كان يبدو أن الطرفين يستفيدان منها. الآن، العلاقات ليست جيدة، ويبدو أن البلدين يعانيان من ذلك. والآن، لا تزال شروط تركيا لتحسين العلاقات مع إسرائيل، وخاصة رفع الحصار عن غزة،  تبدو وكأنها تضع حاجزا عاليا يجعل العلاقات مستحيلة بين الطرفين. فأي احتمال للمصالحة بين تركيا وإسرائيل؟

أولا وقبل كل شيء، الوضعية الحالية بين تركيا وإسرائيل هي حصيلة أولويات السياسة الإسرائيلية والأخطاء التي ارتبكتها. كل العالم يعرف ذلك. وحتى حلفاء إسرائيل الذين لا يستطيعون أن يعبروا عن ذلك صراحة لإسرائيل يقولون ذلك لنا بوضوح. ثانيا، الوضعية الحالية للعلاقات التركية الإسرائيلية لم تؤثر سلبا على اختياراتنا العسكرية أو قواتنا المسلحة. صحيح أن لدينا طائرات من غير طيار،  ومركبات جوية غير مأهولة،  اقتنيناها منهم في الماضي،  ولا زالت بعضها موجودة فيما البعض الآخر تم إلغاؤه أو لم يتم اقتناؤه . لكن أريد من كل واحد أن يفهم بوضوح أن  القوات المسلحة التركية ليست بأي شكل من الأشكال  مرتبطة ولا مرتهنة بإسرائيل بهذا المعنى أو بأي معنى آخر. ليس لدينا أي ضعف أو انخفاض مستوى القدرة العسكرية اتجاه سوريا بسبب مستوى العلاقات مع إسرائيل.

وبالنسبة لإسرائيل، ومن أجل تصحيح أخطائها المرتكبة ضد تركيا، فقد قامت بمحاولات أولية لكنها لم تكتمل بسبب التطورات السياسية الداخلية في إسرائيل. أما بخصوص الحصار على غزة، فهذا لا يرتبط فقط بتركيا، إنها قضية ترتبط بالكل، ترتبط بالاتحاد الأوربي والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، لأن كل واحد يعلم بأن الحصار ينبغي أن يتم رفعه. لكن دعني هنا، أؤكد مرة أخرى، بأن بلدنا تركيا، وأنا شخصيا باعتباري رئيس الجمهورية التركية، عملنا بقوة وبذلنا كل الجهود من أجل المساهمة في مسار عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن الإدارة الإسرائيلية تملك نظرة استراتيجية جد قصيرة الأفق. ما نريده من الإسرائيليين هي أن يقدروا الصداقة التي تعبر عنها تركيا.

دعوتم إلى شرق أوسط من غير سلاح نووي،  لكن  لا يبدو أن تركيا مهتمة بالبرنامج النووي الإيراني كاهتمامها ببقية الدول في المنطقة والدول في الغرب. لماذا هذا؟

لا تريد تركيا أن ترى أي بلد في جوارها يمتلك السلاح النووي. تركيا لن تقبل أن تمتلك أي دولة جوار السلاح الذي لا تمتلكه تركيا نفسها. نحن لا نقلل من هذه المسألة بأي شكل من الأشكال. لكننا أكثر واقعية، وما نحتاجه هو حل أكثر تفهما ومقاربة لهذه المشكلة. ما يثير الاهتمام هنا هو ضمان الأمن لإسرائيل، وفي الوقت الذي يتم ضمان أمنها، ينبغي الانتقال إلى الخطوة الثانية، وهو منع جميع أشكال السلاح النووي من المنطقة، وهذا لا يمكن أن يتم إلا عبر السلام.

هل هذا هو السياق الذي جاءت فيه المبادرة العربية للسلام؟

نعم، لأنه اليوم،  لا وجود لأي جهد يبذل في مكانه لتحقيق السلام.

لكن، كيف يمكن بذلك أن يتم معالجة البرنامج النووي الإيراني؟

هنا، ما يهم هو أن تضع نفسك في مكان إيران، وأن تقدر كيف ينظر الإيرانيون للتهديد الخارجي.

معنى ذلك أنكم ترون أن مفتاح وقف البرنامج النووي الإيراني هو نزع السلاح الإسرائيلي، هل هذا هو المعنى الضمني لكلامكم؟

هذه هي الطريقة التي انظر بها ، هذه الطريق يمكن أن تساعدنا على حل المشاكل الأساسية في الشرق الأوسط، والتي تؤثر في العالم بأسره.

بعض المراقبين الأتراك والأجانب عبروا عن قلقهم من أن تتراجع الحكومة التركية عن الديمقراطية. هل انتقادكم الأخير لاعتقالات الصحفيين ومنع البرلمانيين الأكراد يعني أنك تشارك هؤلاء قلقهم؟

ليس صحيحا مطلقا بأن الديمقراطية في تركيا تتراجع. بالعكس، نحن نتقدم، وننجز كل يوم عددا من الإصلاحات العميقة. مؤكد، هناك بعض الممارسات الخاطئة، ولهذا السبب أثرت انتباه هؤلاء. لقد تحدثت عن هذه الممارسات الخاطئة للتأكيد على أنها لن تلقي بظلالها على مجموع الإصلاحات ومسار الدمقرطة الذي تعرفه تركيا. أعني بذلك، لقد سألت بشكل صحيح سؤالا عن هذه القضية. وهذا ما أعنى بالظلال التي تلقى على تركيا. لقد فاجأتني بعمق، ولهذا السبب، كلما سألاحظ ممارسة خاطئة في أي مكان  سأطلق تحذيرا فوريا.

الاقتصاد التركي والساكنة التركية أيضا في نمو رغم أن عددا من القوى الدولية أصبحت ضعيفة بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية والجمود السياسي. مع استمرار تركيا في النهوض،  أي نوع من الدور الدولي المتنامي  ترى أن تركيا تقوم به؟

ما يهم ليس هو أن تصبح قوة دولية. ما يهم بالنسبة لأي دولة هو أن يكون لها معاييرها للنهوض لأعلى مستوى ممكن، حتى تمكن مواطنيها من الرخاء والسعادة. وحينما أقول المعايير، أقصد معايير مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان. هذا هو  الهدف الأقصى بالنسبة لتركيا. وحين ترتفع معاييرك، يصبح اقتصادك أكثر قوة، وتصبح أيضا قوة حقيقية. وفي الوقت الذي تجمع كل هذه المعرفة التي تبين لك كيف العمل (معرفة كيف) وفي الوقت الذي تنجح في النهوض وتحقيق معاييرك، حينها تصبح نموذجا ملهما  يتم الإفادة منه من قبل بلدان أخرى. وفي اللحظة التي يحدث ذلك، ما الذي سيضر لو تم جمع القوة الصارمة والناعمة عندك، ونقلها إلى قوة فاضلة لمحيطك المباشر، ولمنطقتك وللعالم كله.

لقد استعملت مصطلح قوة فاضلة من قبل، ماذا تعني؟

القوة الفاضلة هي القوة التي لا تحمل طموحا توسعيا هيمنيا بأي معنى من المعاني. بل بالعكس، هي القوة التي ترتبط الأولوية عندها بحماية حقوق الإنسان وتحقيق مصالح جميع البشر بطريقة يستتبع أيضا تقديم مساعدات لمحتاجين دون توقع أي شيء في المقابل. هذا ما أعنيه بالقوة الفاضلة: القوة التي تعرف ما هو الخطأ وما هو الصواب، وتعمل بقوة كافية لأن تظل مناصرة للحق.

هل هذا هو الدور الذي تقومون به الآن مع الديمقراطية العربية الجديدة في الشرق الأوسط؟

نحن لا نتحمل أي دور على الإطلاق في العالم العربي. إذا رضي الآخرون بأن يأخذونا كنموذج،  أو أنهم صاروا ملهمين بتجربتنا، فهذا شأنهم. نحن نتصرف في تضامن معهم، لأن تجربة كل أمة تنهض وتسقط عبر الوقت. ما يهم هو أن تعبر عن الدعم والتضامن مع الذين يقاومون الضعف. كل الدول متساوية، وكل أمة لها كرامتها، ولا أحد يمكن أن يكتب سيناريو أو يعين أدوارا لدول أخرى. لا تحدد الأولويات، ولا تجعل نفسك قائدا للآخرين.

لكن أليست تركيا نموذجا جيدا لهذه الدول مثل مصر وتونس وليبيا أن تسير عليه؟

نعم نحن سعداء بأن تجعل هذه الدول العربية من تركيا  النموذج الملهم لهم، لأننا بلد مسلم، ولأننا ديمقراطية،  وقصة اقتصاد ناجح. إنهم يعتقدون أنه بالإمكان أن يحققوا نفس النجاح مثل تركيا. وكموقف للتضامن، نحن نساعدهم ونتقاسم معهم دوافع نجاحنا، لكن ليس لدينا أي نية في أن نتصرف معهم كشقيقهم الأكبر.

|1|2|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة