حوار مركز نماء مع الدكتور سمير أبو دينار (2/2)

1/16/2013

- الجزء الثاني

بعض الحركات الإصلاحية استطاعت أن تنتج مشروعها السياسي و تؤسس دولتها، لكنها لم تستطع الاستمرار في بعض من الأقطار مثل السودان و ليبيا، في حين لم يكن لبعض الحركات الإصلاحية أي دور في بناء المشروع السياسي و بناء هوية الدولة الوطنية، ما هو تفسيركم لهذا التمايز في طبيعة هذه الحركات؟ وما السبب الذي دفع بهذه الحركات إلى الفشل في تحصين مشروعها السياسي؟

ثمة خصوصيات في السياق المجتمعي و الحالة السياسية التي أفرزت حركات إصلاحية استطاعت أن تؤسس دولها في المنطقة. سواء تلك التي استمرت (السعودية)، أو التي تعرضت تجربتها لانقطاع اضطراري (ليبيا، السودان)، وهي خصوصيات جديرة بالدراسة في جوانبها المتصلة بالطبيعة الديمغرافية، أو بشساعة المساحة الذي يتأبى على الضبط إلا بسلطة معنوية وأخلاقية، أو بحجم الحضور التقليدي للمؤسسات التي استثمرتها الحركات الإصلاحية ( المؤسسات الدينية، زوايا الرباط ) في المجتمع وسلطتها عليه، أو في خصوصية تجربتها مع الحالة الاستعمارية في شكلها المباشر، كحالة محدودة زمنيا أو مجالا، أو حتى عدم الخضوع لتلك التجربة ( السعودية مثلا). ومن هنا أعود إلى القول إنه إلى جانب المحدد الفكري لهوية حركات الإصلاح و التغيير السياسية، ومستوى إنجازها ونجاح مشاريعها في الواقع؛ هنالك محدد آخر لا يقل أهمية و نحن بصدد دراسة تجربتها و قراءة مستوى فاعليتها و هو المحدد المجتمعي، الذي ينبغي أن يظل حاضرا في تفسير هذه التمايزات في طبيعة تلك الحركات، و استخلاص الأسباب الكامنة وراء تجارب النجاح و الفشل، هذا طبعا دون إغفال عامل الهوية الفكرية و تأثيره في مسار تجارب حركات الإصلاح و مآلاتها.

في نظركم ما هي الجوانب التي استلهمتها الحركة الإسلامية من الفكرة الإصلاحية؟ وإلى أي حد حاولت أن تجدر نفسها و تستمد أصولها التاريخية من هذه الحركات؟

هنالك في تقديري قضيتان مركزيتان تتفرع عنهما كثير من مجالات اهتمام الحركات الإسلامية المعاصرة، هما: التحديات الخارجية للأمة، و هويتها الجامعة. هذان هما المحورين الذين ظل عليهما مدار الفكرة الإصلاحية، ثم موضوع الفكر و الفعل الأساسيين لدى الحركة الإسلامية. فحفظ سلامة الأمة وتقوية عناصر الفاعلية الحضارية فيها، التي تسمح لها بالتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية من خلال عنواني الحرية والوحدة من جهة؛ و صيانة الهوية الجامعة للأمة مما قد يلحق بها من المؤثرات و الأخطار من جهة ثانية كانا أهم جوانب استلهام الحركة الإسلامية من الفكرة الإصلاحية، برغم ما كان بينهما من فوارق زمنية وفي ظروف مرحلتيهما السياسية، و التي غلب على المنظور الحركي الإسلامي إليها أنها امتداد و تعاظم لذات المخاطر و التحديات، بصيغ و أشكال مختلفة.

هذا الامتداد في الخط الفكري و مقوماته، خاصة ما يتصل منها بالنظر إلى الأولويات المماثلة، بقدر ما مثل عنصر قوة في الاستمداد النظري و الاتصال بتراث الإصلاحية الإسلامية، مثل من جهة أخرى مشكلا تجلى في إعادة الإنتاج ( الواعي أو غير الواعي)  لذات المقولات، ثم في محدودية القدرة على إدراك التحديات المستجدة باستمرار، و التعامل الفاعل معها .

بعض الحركات الإسلامية باشرت مراجعات جذرية في النظرة إلى الدولة و المجتمع و تخلت أدبيات كانت تعدها أصولها الفكرية، مثل أدبيات المودودي و سيد قطب، غير أنها في عملية بنائها لأدبياتها الجديدة و خطابها الجديد، و جدت نفسها تعيد إنتاج أفكار سبق وأن دعا إليها بعض رموز الإصلاح، في نظركم هل هذا يعني مصالحة مع الفكر الإصلاحي؟ أم هذا يفسر القطيعة بين الحركة الإسلامية و بين الحركات الإصلاحية ؟

الفكر الإصلاحي –كما أسلفنا- هو أحد الروافد الأساسية التي تغذت عليها الحركية الإسلامية المعاصرة فكريا، و بينهما رابطة استمرارية بأبعاد مجتمعية و معرفية، ثم إنهما تعاملا مع ظروف اتحدت في النوع و إن اختلفت في درجة حدتها. الإشكالية في التنظير الذي حاولته الحركات الإسلامية لموضوعات سبقتها إليها رموز الإصلاح النهضوي، أنها تعاملت فيه مع ذات المفاهيم الكبرى، والنماذج التفسيرية و التحليلية، بل وبذات مستوى التجاوب مع تحديات موضوعية ماثلة وموجّهة.

فإذا كان الفكر الإصلاحي مثلا قد ركز على بناء الدولة على أسس الشورى و إرادة الأمة في مسألة السلطة السياسية، ووحدة الأقطار المسلمة في الوجهة الخارجية للدولة، فان الفكر الحركي الإسلامي متأثرا بذات الاتجاه مضى يؤصل لمفاهيم الحكم الإسلامي و عناصر قوة الدولة ومقوماتها التي تجعل منها أداة فاعلة في تسيير شؤون المجتمع، و التعبير عن إرادة الأمة و غيرها من قضايا الاجتماع السياسي، غافلا عن أنه يتعامل مع كيان مغاير تماما لمفهوم الدولة التاريخي الذي كان الفكر الإصلاحي معنيا باستبقاءه والمحافظة عليه وعلاجه من الآفات التي أضعفت الكيان الإسلامي و جعلته عرضة للاحتلال و التجزئة، الدولة الحديثة التي واجهتها الحركات الإسلامية كواقع قائم ينبغي التعامل معه هي دولة مأزومة باعتبارها دولة تجزئة، و فاقدة بالتالي لمقومات النجاح في المهمات التاريخية للدولة من حفظ بيضة الأمة و الدفاع عنها ورعاية الاجتماع الإسلامي وفقا مقاصده الشرعية وغاياته الحضارية.

المشكلة الأخرى التي تمخضت عن هذا الاتجاه هو المبالغة في تقدير أهمية " النظرية السياسة " بمرجعيتها الإسلامية في إصلاح هذه الدولة الحديثة، و هي مشكلة في مستويين:

أولهما إغفال طبيعة التجربة التاريخية لمجتمعاتنا، والتي كانت الأهمية الحاسمة فيها للأمة كثابت استراتيجي لا للدولة كمتغير.

و ثانيهما الاعتقاد بأن الإصلاح السياسي هو المدخل اللازم للإصلاح الشامل، في تجاوز هذه المرة ليس للخبرة الحضارية في بناء الأمة و تطورها و استمرارها فحسب، بل لتراث الفكر الإصلاحي النهضوي نفسه، الذي اعتبر الإطار السياسي(الجامعة الإسلامية)  مجالا لتنزل قيم الدين و مقاصده الكلية وأحكامه التي ينبغي استعادتها بالإصلاح الديني و التعليمي التربوي و الفكري..

لقد انتبه الأستاذ حسن البنا إلى جدية هذه المشكلة حين أدرك متأخرا أنه دخل مجال الصراع السياسي بالمنافسة على مواقع التأثير في مؤسسات الدولة الحديثة قبل الأوان، وكان ذلك في غير صالح الرسالة التي انتدب نفسه لها أصالة، فقال حينئذ قولته المعروفة "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بالإخوان إلى زمن المأثورات!".

في نظركم ما الذي تبقى من فكر الحركة الإصلاحية الذي يمكن أن يصير قاسما مشتركا لجميع مكونات الأمة ؟

ما نراه اليوم ماثلا من حراك في المجتمعات العربية هو في الحقيقة نتاج وعي جمعي، أساسه قيم وطنية و إسلامية، جوهرها مفهوم الولاء للأمة و الانتماء للوطن و الانحياز لقضاياهما والبذل في سبيلهما، هذا الوعي و إن كان ظاهره مجتمعيا عاما تعبر عنه روح الشعوب في انتفاضاتها، أو سياسيا تولد من التأطير الحزبي و التكوين على مهارات الاشتغال بالشأن العام داخل التنظيمات والجمعيات والمجال الافتراضي، فهو في الواقع امتداد حي لفكر حركة إصلاحية بثت و عيا جديدا داخل الأمة، و استطاعت شحذ طاقاتها للتعامل مع التحديات الماثلة.

الحركة الإصلاحية هي محاولة لتجاوز سلبيات الانسحاب والتشرذم، وبقدر ما تمثلت هذه المعاني في مسعاها الإصلاحي على صعيدي الفكر الديني و العمل الوطني، بقدر ما رسخت في الشعور الجمعي لأنباء الأمة مفاهيم وحدة الانتماء، والقضايا الكبرى. هذه قيمة نحن اليوم في أمس الحاجة إلى استعادتها في مسلكيات النخب المشتغلة بالشأن العام، سواء على الصعيد الفكري أو في الممارسة العملية، و هي إعادة الاعتبار لقوة الأمة الأساسية، سواء في صيغة " الكتلة التاريخية " التي نادى بها المرحوم محمد عابد الجابري أو "التيار الأساسي للأمة " الذي نظر له المستشار طارق البشري، لأن قوة الأمة الأساسية كما أدركها جيل الرواد من الإصلاحيين لا تكون إلا بالالتآم على مشروع جامع أساسه الثوابت الدينية والوطنية، وهذا أهم ما علمتنا إياه الإصلاحية الإسلامية، ونحتاج اليوم إلى بترسيخه في الخطاب الفكري و السياسي كشرط ضروري لتعامل فعال مع مخاطر واقعنا و احتمالاته المفتوحة.

تعاني الحركات الإسلامية اليوم من ضعف كبير في التنظير و غياب قادة فكر قادرين على إنتاج الأفكار النسقية الإصلاحية، إلا ترون أن الحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تعيد إنتاج فكرة إصلاحية جديدة تتجاوز النظرة الذاتية و تخاطب كل مكونات الأمة؟

هذا المنظور للحركات الإسلامية من جانب ضعف قدراتها على التنظير، وضمور طاقاتها الإبداعية في مجالات الفكر و الاجتهاد، و الذي أدى إلى تبلور مقولات " ما بعد الإسلاموية " أو ما بعد الحركات الإسلامية، يعبر عن واقع تعرفه هذه الحركات، لكنه في تقديري ليس خاصا بها فهو تجل من تجليات نهاية " المقولات الكبرى " في مجال التغيير المجتمعي و الحضاري، التي تعرفها أكثر المدارس الاجتماعية و السياسية الراهنة، لكنه من جهة ثانية يرتبط بعلاقة الحركات الإسلامية بواقع يتحرك باستمرار، وقدراتها على قراءته بدأب و التعامل معه بمرونة ودقة.

أرى أنه إن كان لنا أن نتحدث عن فكرة إصلاحية جديدة، تتجاوز النظرة الذاتية، فإنه ينبغي أن ننطلق من "تفاكر" عميق ونقاش شامل ومستوعب لما يمكن أن نسميه مصادر "الإصلاحية الشاملة" في عصرنا، و ليس لذلك علاقة بإعادة النظر في المرجعية العامة بل بمصادر التلقي في منظومة التفكير، والروافد المغذية لهذه المنظومة؛ ومن ثم علاقتها بمعطيات الواقع، والقراءات المتعددة له بما فيها تلك المخالفة. بما يتيح إنتاج أقرب صورة ممكنة عن الواقع و إشكالاته وقضاياه، وليس صورة هي محصلة قراءة خاصة له.

الأمر الآخر متصل بمجالات هذه الإصلاحية المأمولة، وأولوياتها في التفكير و الحركة، مع إعادة نظر لازمة في أدوات التغيير والتصور الحركي الإسلامي الشائع عن أهميتها، هنالك اليوم " وسائل أبلغ تأثيرا وأمضى فعلا مع كونها من قبيل "القوى الناعمة" التي تعمل بآلية "التأثير اللطيف"، على أصعدة صياغة الوعي، ومنظومة القيم، وتشكيل المخيال، وصناعة الذوق واتجاهات السلوك..، وهي بمثابة مفاصل تأثير في المنظومة الإنسانية والمجتمعية الراهنة في إطلاقها، وبالتالي مداخل للفعالية في زيادة مستوى الرشد، والإمداد بمعالم الاهتداء للإنسان- مطلق الإنسان-، خاصة مع الزيادة غير المسبوقة في اتحاد نوع الأزمات التي يعاني منها عالمنا والمخاطر التي تهدد مستقبله المشترك بين كافة أبناءه باختلاف قومياتهم وأديانهم وأوطانهم، أعتقد أن عنوان الاصلاحية الجديدة سيكون وسائل أفعل لتحقيق تأثير أشمل في دوائر المجتمع المحلي والعالمي، وذلك في واقع تمس حاجته لخطاب الدين من أجل اكتسابه "المعنى" ولمنظومة قيمه في ضبط اختلاله المتسارع.

وليس أقدر على هذه الأدوار اليوم من الإسلام، دينا يتجاوز في إطلاقية مصدره وقيمه حدود الزمان والمكان، وفي فعاليته قيد التاريخ، وفي حيويته عوائق المواجهة والعداء. غير أن ما تحتاجه هذه الرسالة هو مشروع تغيير ونهوض يحقق مقصد البيان للناس أجمعين: "كيف" يعيشون بالدين حياتهم.."كيف" يستلهمون روحه وقيمه في واقعهم وعلاقاتهم.."كيف" يجيبون بهدي منه على أسئلة زمنهم وعالمهم..

الدكتور سمير أبو دينار

رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بجدة

|1|2|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة