حوار مركز نماء مع الدكتور سمير أبو دينار (1/2)

1/9/2013

- الجزء الأول

يكتسي هذا الحوار أهمية كبيرة، ذلك لأنه يروم استدعاء الفكرة الإصلاحية في شخص ورادها الأوائل ومحاولة تقييمها ورصد امتداداتها وعلاقتها بالمشروع التغييري الذي تطرحه الحركة الإسلامية، كما يحاول قراءة التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة العربية فيما يسمى الربيع العربي من مدخل المشاريع الإصلاحية التي طرحت في القرنين الماضيين، كما يحاول الإجابة عن سؤال ما تبقى من الفكرة الإصلاحية في زمن الثورات. كما تكمن أهمية هذا الحوار من جهة ثانية، من طبيعة المحاور المتخصص في علم الاجتماع، الباحث والمفكر المغربي الدكتور سمير أبو دينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية الذي حاول أن يقدم رؤية عميقة  عن هذه ألأسئلة والتحديات التي تواجه الفكرة الإصلاحية بعد تحولات زمن الربيع العربي.

توجهت العديد من مراكز الأبحاث المعاصرة إلى إعادة دراسة مشاريع الإصلاح النهضوية، فنشطت في الآونة الأخيرة حركة التأليف وكتابة الدراسات حول الفكرة الإصلاحية عند الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبي وسيد قطب والمودودي ومالك بن نبي وغيره، وكان تبرير هذا التوجه ينطلق من الحاجة إلى إعادة قراءة هذه التجارب واستلهامها، أو محاولة وصل الفكر الإصلاحي النهضوي بالفكر الذي جاءت به الحركة الإسلامية، في نظركم إلى أي حد يعتبر مفيدا اليوم، في هذه المرحلة إعادة قراءة تجارب النهوض الإصلاحية؟

بداية، ينبغي أن يكون راسخا في وعي الدارس لمجمل حركة النهوض والإصلاح التي عرفها عالم المسلمين في العصر الحديث، أن مختلف المدارس والتجارب الفكرية التي أسست هذه الحركة وساهمت فيها، كانت بمثابة "المشاريع المجهضة"، حيث تضافرت العوامل الخارجية التي ترى في تلك الدعوات نقيضا موضوعيا يتوجب عليها محاربته، مع عوامل القصور الذاتي في قدرة مجتمعات المسلمين على الاستيعاب الواعي والتفاعل الإيجابي مع دعوات الإصلاح وتجارب النهوض المعاصرة.

يمثل هذا الأمر –إلى جانب عوامل أخرى- تفسيرا  لما تنجلي عنه الحالة الراهنة لواقع مجتمعات المسلمين من حضور ملح لذات الأسئلة والقضايا الكبرى التي لأجلها كانت تلك الدعوات الإصلاحية من قبيل سؤال وحدة الأمة، وسؤال النهوض الحضاري، وسؤال تحرر الإدارة الجماعية الفاعلة لمجتمعات المسلمين..، ما يوضح حجم القصور في الإفادة من فكر الإصلاح النهضوي، ويطرح إشكالات متعددة حول امتداداته الحركية الإسلامية وفعاليتها في الإجابة عن تلك الأسئلة الكبرى.

أرى أن أهم جوانب الأهمية التي يكتسيها استدعاء تجارب الإصلاح والنهوض اليوم هو الإفادة من "منطق الاستجابة" الذي تعاملت به مع تحديات واقعها، وهي تحديات مشتركة مع واقعنا إلى حد بعيد.

الأمر الآخر الذي يرفع من مستوى أهمية الفكرة الإصلاحية عموما، وخاصة الفكرة الشاملة التي تستطيع التعامل مع مشكلات الواقع برؤية نسقية ومستوعبة. هو اللحظة الراهنة من تاريخ الأمة، والذي بقدر ما تحمل من بشائر الأمل فإنه تطرح من الأسئلة المعقدة، فالواقع اليوم يساءل بمعطياته وتداعياته العقل المسلم ونخبه المتصلة بواقع مجتمعاتها برابطة الولاء والانتماء بأكثر مما يقدم أجوبة على مشكلاتها وأزماتها، ومن هنا الحاجة الماسة إلى عقل استشرافي يشتغل وفق رؤية إستراتيجية كلية لمعطيات الواقع وإمكانات المستقبل، وهذا العقل لابد فيه من امتداد التجربة التاريخية التي هي خلاصة مسارات الواقع ومآلاته، ولاشك أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة كانت عنصراً أساسياً من عناصر هذه التجربة.

مع اندلاع الثورات العربية، بدأ يسود خطاب جديد هو أقرب إلى ترديد المقولات التي كتب عليها الكواكبي في طبائع الاستبداد، أو الأفغاني في مواجهة مشاريع التجزئة، في نظركم ما هي أهم المضامين التي يمكن استلهامها من هذين العلمين في هذه المرحلة، وما هي الأفكار التي تقدرون أنها لا تزال صالحة للبناء عليها في المرحلة القادمة؟

إذا جاز لنا أن نستدعي أهم مضمون من مضامين المشروع الإصلاحي للأفغاني الذي توفي في السنوات الأخيرة من القرن 19 (1897) وهو يحاول إرساء قواعده، فهو أن الرجل قد أسهم في إعادة بث روح "الإسلام المقاوم" في الحياة العامة، أي إحياء المعاني التحررية للإسلام في واقع كانت الأقطار المسلمة كلها أو جلها تعرف فيه حالة حصار أو احتلال أجنبي مباشر أو غير مباشر، ومن ثمة دعوته إلى الوحدة بينها في إطار "الجامعة الإسلامية" كوجه آخر لتدعيم مقوماتها الذاتية للتحرر، لكن المشكلة التي واجهها هو ومن جاء بعده (ومن بينهم عبد الرحمن الكواكبي) هي حالة الاستعصاء التي قابل بها الواقع العربي والمسلم هذه الدعوات، خاصة حين تجلت ثنائية (الإطار التاريخي-الدولة الحديثة) وتحولت إلى حالة تقاطب فكرية وسياسية حادة وعامة.

لقد كرس الكواكبي حياته لمحاربة الاستبداد كتجل لواقع التخلف في تدبير الشأن العام، الذي أفرزته سيطرة أطراف متعددة على واقع المجتمع والدولة في المشرق، لكنه في المقابل واجه أزمة "الدولة الحديثة" بنوع من الحيرة التي حاول التعامل معها بالتوفيق بين المفاهيم الأصيلة والحديثة في تدبير سياساتها، فنجده في كتابه "طبائع الاستبداد" الذي يعد معلم مشروعه الفكري الإصلاحي، وبعد أن تجاوز مرحلة "أم القرى" يتحدث مثلا عن "الشورى الدستورية" و"الاتحاد الوطني"....

إذا نظرنا إلى تطور هذه الأفكار في السياق التاريخي، يبدو الأمر فعلا كما لو أننا لا نزال نعيش مرحلة تحرر وطني تستلهم قيم "الإسلام المقاوم" للتدخل الأجنبي وتقييد الإرادة الذاتية للأمة وحراسة تخلفها وتجزئتها، وبالتالي فإن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية أو إعادة بناء النظام السياسي للدولة المسلمة الحديثة على أسس العدالة والحرية والشورى... كلها أفكار لازالت تحظى بالراهنية في واقع مجتمعاتنا المسلمة إلى اليوم.

يتزايد في كل تقارير التنمية البشرية خاصة منها العربية التأكيد على أهمية التعليم والنهوض بالمنظومة التربوية كمؤشر أساسي من مؤشرات التنمية البشرية. ألا يمكن اعتبار هذا التوجه استعادة لبعض أفكار رموز الإصلاح الذين كانوا يعطون أولوية كبيرة للتربية والتعليم في مشاريع النهوض؟ وهل يمكن اعتبار مثل هذا التوجه مبررا لإعادة قراءة التجارب الإصلاحية من جديد؟

أعتقد أن جوهر منظومة التعليم برمتها يظل هو "التحرر" كهدف أكبر يتحقق عبر تعليم حقيقي وفعال وذي كفاءة عالية، التحرر من الجهل ومن التبعية، وتحرير الطاقات الكامنة في الإنسان لتتجه لخدمته وإعمار مجتمعه...، ولعل اهتمام مشاريع النهوض عامة بالتعليم كأداة مفتاحية، وكفاح الحركة الإصلاحية في عالم المسلمين لأجل الرقي به إلى مستوى يمكنه من تحقيق تلك الأهداف، هو تعبير عن إرادة التحرر التي انبثقت في الوعي الإسلامي الحديث بفعل حالة التردي الحضاري بأوجهها العلمية والاقتصادية والعمرانية (الاجتماعية)، التي ميزت واقع الأمة في العصر الحديث.

فنحن نعرف اليوم مقدار الدور الذي أدته "المدارس الحرة" مثلا بالمغرب العربي في مواجهة مشاريع المحتل الأجنبي، وأنها كانت عنوانا لعمل الحركة الإصلاحية المتمثلة في السلفية الوطنية في المغرب وجمعية العلماء المسلمين بالجزائر .

وإذ كان الفكر الإصلاحي قد ركز على تحرير التعليم من معيقات متوارثة شلت كفاءته في تحقيق أهدافه، ورسخت حالة من الجمود على التقليد اللاواعي، فإن الخطاب الذي ينبغي أن يحمل الفكرة الإصلاحية اليوم إلى الناس، هو خطاب تحريري في اتجاهين: أحدهما  التحرر من التقليد للغير ماضيا، بتحرير العقل المسلم ومكوناته المعرفية والثقافية من قيود التقليد، التي تمنعه من بناء نماذجه الذاتية الحية، والقادرة على التعامل مع واقعها وأسئلته وقضاياه من جهة؛ ومن جهة ثانية التحرر من التبعية التعليمية أي من التقليد للغير حاضرا، التي لا تضرب أهم دور من أدوار المؤسسة التعليمية بوصفها مؤسسة لإعادة إنتاج قيم الجماعة لصالح الأجيال المتلاحقة من أبناءها فحسب، بل تحرف فلسفة التعليم و مؤسسته عن تحقيق أهدافه في المواءمة بين طاقة المجتمع البشرية، وكفاءة الإنجاز في مختلف المجالات، من خلال تعليم يعي متطلبات التنمية الحقيقية والشاملة وأولوياتها، ويعمل على تأهيل الإنسان ليكون فاعلا في بناءها.

قليلا ما يتم تدارس العلاقة بين الحركة الإصلاحية و الحركة الإسلامية، بسبب الفارق الزمني بين ظهور الحركتين، في نظركم إلى أي حد يمكن أن نصل الحركة الإسلامية بجذورها في الحركة الإصلاحية؟

يبدأ الأمر في تقديري من دراسة ظروف الانتقال الفكري من المدرسة الإصلاحية إلى الحركة الإسلامية المعاصرة، فرغم أنه من المعروف تاريخيا أن هذه هي وليدة عملية انتقال من تلك، بحيث مثلت الاجتهادات الفكرية والآراء الفقهية لرموز الدعوات الإصلاحية رافدا أساسيا من روافد التغذي الفكري للحركة الإسلامية المعاصرة؛ أقول رغم ذلك فإن هذا الانتقال تم في جو فكري تتعاوره الإكراهات والضغوط.

أولا: من الناحية الثقافية حيث اعتبرت الحركة الإسلامية الحديثة " أحد التأويلات المطروحة" لفكر الإصلاحيين، ففي مقابل خط محمد عبده- رشيد رضا- حسن البنا، ثمة خط آخر يتجسد في محمد عبده- لطفي السيد-طه حسين مثلا، أي أنه فرع من بين أفرع أخرى تنتمي لذات الأصل الفكري مع اختلاف في البيئة و المؤثرات و الأولويات الثقافية.

وثانيا: لم يكن الظرف العام و خاصة السياسي واحدا بين التجربتين، فإذا كانت الإصلاحية دعوة لتعضيد الوحدة الإسلامية و حماية ما بقي من إطارها الجامع، فان الحركة الإسلامية الحديثة اضطرت للتعامل مع ما بعد سقوط الخلافة العثمانية والاحتلال المباشر، وواقع التجزئة و اتساع تأثيرات التبعية و التغريب.

لست في الواقع من الذين يعتبرون الهوية الفكرية هي وحدها العامل الحاسم في الحكم على حركات التغيير، لأن تلك الهوية مركبة بالضرورة من عناصر متعددة، وهي هوية متجددة قابلة للاجتهاد والتجدد؛ بل الأهم في تقديري هو الهوية المجتمعية. و لأن الهوية المجتمعية في هذه المنطقة من العالم عالم المسلمين وفي الوطن العربي خصوصا قد صاغها الإسلام أساسا، وبه كانت؛ فإن النسيج المجتمعي، والبيئة الحضارية للمنطقة إسلامية أساسا، و لهذا السبب لا يستغرب أن تتسم كافة القوى الاجتماعية الفاعلة فيها، وحركات التغيير التي نبتت في تربتها، إن كانت تنتمي إليها فعلا، بالسمة الإسلامية التي هي هوية المجتمع في هذه المنطقة، و من هنا فإن علاقة الاستمرارية التي تصل بين المدرستين النهضوية الإصلاحية و الحركية الإسلامية، ليس من ناحية الامتداد الفكري من خلال بعض رموزهما فحسب، بل من جانب الانتماء المشترك لنسيج هذه المنطقة بهويتها و قضاياها وتحدياتها التي تعاملت معها أطر تلك الحركات و اجتهاداتها و دعواتها.

في القراءات التي قدمت حول مشاريع الإصلاح، يتم القفز من زمن الحركات الإصلاحية إلى زمن الحركة الوطنية التي أقامت الدولة الوطنية و استفردت بمهمات البناء و التنمية، دون معرفة مصير هذه الحركات الإصلاحية و هل اندمجت في الحركة الوطنية أم استبعدت، أم أقصيت، أم أنها انسحبت بعد أن أكملت مهمتها في الاستقلال و التحرر، ما هي قراءاتكم لتواري الحركة الإصلاحية مع الاستقلال ؟

إذا كان لنا أن نصف منطقة من مناطق العالم بأنها تتسم بواقع شديد التركيب، و أن تركيبته تزداد مع مرور الوقت فتتولد فيه ظواهر و قضايا تتأبى على الإدراك الفعلي و التعامل إلا بعد حين، فان هذه المنطقة ستكون حينئذ عالم المسلمين، ووطن العروبة منه بشكل أخص، فسواء تعلق الأمر بالحالة الاستعمارية فيه، أو بظروف الاستقلالات الوطنية، أو حجم أدوار النخب المجتمعية  والسياسة و اتجاهاتها، فإننا نجد أنفسنا أمام وضع مركب تتفاعل فيه قوى الخارج مع ظروف الداخل باستمرار.

وفي هذا السياق المضطرب مثلت الحركة الإصلاحية الضمير الفكري و المرجعية الثقافية  والرمزية لحركات التحرر الوطني، في استمداد قيمي و فكري مستمر عبر مسار المجتمعات العربية و الإسلامية الحديثة، لكن لحظة" الاستقلالات الوطنية " كانت اللحظة التي بلغ فيها المشهد "قمة التركيب"، حيث توارى المنظور الإصلاحي تدريجيا لصالح رؤية جديدة مستمدة من القواعد الحاكمة للدولة الحديثة و علاقاتها و توازنات القوى داخلها، و احتكامها إلى قوى الخارج، و هو أمر يرجع في تقديري إلى عاملين رئيسين:

الأول يكمن في الطبيعة الفكرية للمدرسة الإصلاحية، التي اهتمت بتحقيق المقاصد الكبرى لوجود الأمة، كالتحرر و الوحدة و مناهضة الاستبداد، و الإصلاح الفكري من مداخل التعليم والتدين، لكنها لم تطور -لأسباب موضوعية، وإكراهات ليست مسؤولة عنها غالبا- منظورها السياسي لما بعد تحقيق هدف الاستقلال السياسي، و الأفق المطروح للدولة الوطنية و مشروعها الفكري و الاجتماعي، وإجابات نخبها على أسئلة النهوض و التحرر الكامل بأبعاده الثقافية والاقتصادية والحضارية، وموقع تلك الدول من علاقات التفاعل المستمر بين الداخل و الخارج، والآليات الضامنة لتحقيق أهدافها الكلية (الإستراتيجية) أو على الأقل لعدم الانحراف عن الاتجاه إليها..

أما العامل الثاني فكان حجم التأثير الهائل الذي تعرضت له بنية المجتمعات العربية و الإسلامية بفعل اللحظة الاستعمارية، و خاصة ما اتصل منه بالشرخ الحادث في نسيجها الاجتماعي وآلياتها الذاتية للفعل، و هو ما أنتج " نخبا بديلة " في بنيان المجتمع، اضطلعت بدور أساسي في المرحلة التي سبقت "الاستقلالات" السياسية مباشرة، ثم كان لها الدور الفاعل في مرحلة ما بعد الاستقلال، حتى مع وجود الفكرة الوطنية و نخبها التي قادت حركة التحرر الوطني و التي توارى حضورها الفاعل، إما ماديا أو رمزيا بشكل تدريجي.

و هنا ينبغي التأكيد على أنه بالرغم من انتماء تلك النخب البديلة لمدرسة فكرية و تقاليد في ممارسة الشأن العام مختلفة عن تراث النهضوية الإصلاحية، و في بعض الحالات مناقضة له، فان ذلك التراث امتد في قوى التغيير الاجتماعي الأخرى و منها امتدادات الحركات الوطنية و الحركات الإسلامية التي أكدت على و حدة انتماءها المجتمعي مع المدرسة الإصلاحية.

|1|2|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة