حوار مركز نماء مع الدكتور رضوان السيد "أسئلة النهضة في مرحلة ما بعد الثورات العربية"

1/5/2013

تعرف المنطقة العربية  بعد الربيع العربي تحولات عميقة، وقد كان من إفرازاته أن تقلد جزء من الحركة الإسلامية للسلطة، بعد إجراء انتخابات ديمقراطية، وقد شكل هذا المنعطف تدشين بداية عهد جديد في مسار المشروع النهضوي المعطل، ونظرا لحساسية المرحلة السوسيوتاريخية التي دخلتها المجتمعات العربية، وبشكل خاص النخب السياسية، فإن الأمر يقتضي، فتح نقاش فكري وعلمي وحضاري، مع كل النخب الأكاديمية والحركية والحزبية والجمعوية للتفكير في مستقبل التجربة الديمقراطية الوليدة في هذه المجتمعات.

وباعتبار مركز نماء واحدا من هذه المكونات الفكرية والعلمية  المنشغلة بسؤال النهضة وبمقدرات الشعوب العربية في تحقيق تجربة تنموية أصيلة،  يواصل المركز طرح سؤال استئناف الفكر النهضوي من خلال هذا الحوار مع  مع الكاتب والمفكر العربي، الدكتور" رضوان السيد" والذي انشغل مبكرا بأسئلة النهضة وبمستلزمات النهوض، وذلك ما يظهر في العديد من المؤلفات والكتب التي صدرت له.

وللاشارة فإن الدكتور "رضوان السيد"  كاتب ومفكر لبناني، حاصل على الإجازة العالية من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1970. حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة "توبنغن" بألمانيا الاتحادية سنة 1977. وهو أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية منذ العام 1978، ورئيس تحرير مجلة الاجتهاد الشهيرة، وهو أيضاً مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية، وله العديد من المؤلفات والترجمات. من بينها: "مفاهيم الجماعات في الإسلام: دراسات في السوسيولوجيا التاريخية للاجتماع العربي الاسلامي" و " الأمة والجماعة والسلطة:  دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي" وغيرها كثير.

ما يميز حوارنا مع رضوان السيد، قدرته على الحفر التاريخي لأسباب فشل المشروع النهضوي العربي، فهو يعتبر أن الاستعمار كان سببا في هذا التردي، وبجانب ذلك لا يتردد مفكرنا في توجيه النقد للنخب السياسية العربية التي تولت الحكم بعد الاستقلال، لأنها، في نظره،  ساهمت في تعطيل النهضة، بإبعادها وتهميشها للنخب الإسلامية.

 

في نظركم فضيلة الدكتور: لماذا تعطلت مشاريع النهضة في الوطن العربي الإسلامي في المرحلة السابقة؟

لفهم سيرورات التعطل التي أصابت العقل العربي وعجزه عن تحقيق النهضة، يمكن القول أن النهضة طرحت أسئلة كثيرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أكثر مما طرحت إجابات.

كانت هناك أسئلة أساسية، إلا أن إجاباتها كانت متواضعة وتتسم بقدر من القصور الفكري، ورغم ذلك يمكن القول عموما أن رواد النهضة طرحوا  مسائل أساسية، لأن سؤالها الأساس كان كيف نتقدم؟ ثم اختلف حول مفاهيم التقدم، هل نتقدم بالمفهوم الأوروبي، كما  عند بعض النخب الفكرية، التي كانت ترى أن المخرج من أزمة التخلف في المجتمعات العربية الإسلامية، يكمن في استلهام النموذج الغربي.

لكن في نظري، أهم سبب جعل مشاريع النهضة تتأخر، هو أنه بدءا من العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، ، وقع  إلغاء الخلافة الإسلامية، وتبعتها كارثة الاستعمار الذي تمركز في أنحاء عديدة من الوطن العربي الإسلامي ، وبعد قيام الدولة الوطنية، عملت على تهميش النخب الإسلامية، ووقع تعطل آخر تمثل في تغير الإشكالية في وعي النخب وأذهانهم، حيث لم يعد السؤال كيف نتقدم كما طرحه رواد النهضة: محمد عبده ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، بل بدأ يطرح سؤال: كيف نحافظ على هويتنا؟

فالتعطل كان نتيجة تغير الإشكالية، ومع فقدان الأمل في تحقيق التقدم، في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، بدأت تبرز معالم تغير في خطاب النهضة عند النخبة الفكرية، ثم بعد ذلك عند الجمهور العام.

وعموما يمكن القول، إن مشروع النهضة تعطل نتيجة تفاقم الاستعمار من جهة، وعدم القدرة على إنتاج بدائل تؤدي إلى النهوض في طريق الاستقلال وطريق بناء النموذج الحضاري، وأيضا بسبب تهميش الدولة الوطنية للنخب الإسلامية.

كيف يقرأ فضيلتكم ربيع الثورات العربية، وهل يمكن القول أن الحركة الاسلامية دشنت مرحلة جديدة في مسار النهضة العربية؟

كانت العديد من  النخب تعتقد أن الانقلابات العسكرية لتي وقعت في العالم العربي بخلفية اشتراكية تمثل المنفذ للنهوض، لكن بعد نكبة 1967، لاقتنعت النخب أن هذا الخيار لم يكن منفذا، ذلك أن إزالة الدولة الوطنية الليبرالية لصالح الدولة العسكرية الاشتراكية، لم يعط لمضامين النهضة أية أبعاد.

فلم تحل الدولة الوطنية الليبرالية المشكلة، ولكن الناس كانوا مرتاحين للدولة العسكرية الاشتراكية، ولم تستطع هي الأخرى تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين، ولهذا منذ 50 سنة، وحتى الآن، كانت هناك حالة اشتداد هائلة أدت إلى الشرذمة وتفاقم الاستبداد والهجمات الدولية وتملق إسرائيل.

ولذلك، أعتقد أن هذه الثورات تشكل أفقا جديدا لأول مرة منذ 50 سنة، ولهذا فالمسألة المطروحة حاليا ليس هي كيف ننهض؟ ولكن كيف يمكن تكوين المجتمع السياسي وجلاء علاقتنا بالإسلام.

في مرحلة ما قبل الثورة، ظهر الإسلام المعارض الذي كان يحاول أن يستفرد بالأمور، باعتبار معارضته السابقة وتعرضه للقمع.

ما أخشاه أن تصير مشكلتنا مع الإسلاميين مثل ما حصل لنا مع الاشتراكيين الذين كانوا يرفعون شعار الاستقرار والعدالة، وليس التعددية والديمقراطية. فما يطرحه الشباب المعارض الآن ليس سؤال النهوض، ولكن سؤال نهوض الفكر الإسلامي وتوجهه إلى الاجتهاد لإبداع أجوبة بخصوص علاقة الدولة بالمجتمع والديمقراطية والتعددية.

وسؤال إعادة تشكيل المجتمع السياسي، الذي يمكن أن تنتطم فيه الأمور وحكم القانون وهذه المثالات التي طرحتها الثورات العربية.

في نظركم ما هي العناوين الكبرى التي يمكن أن تشتغل عليها، النخب السياسية الحالية، وخصوصا التي تتولى مقاليد تدبير الشأن العام؟

باختصار يمكن أن نتوقف عند العناوين الآتية:

أ‌) التلاؤم، بمعنى أن هذه الثورات العربية طرحت شعارات، تبنتها حتى الحركات الإسلامية السلمية  إذ تم رفع شعارات مثل: الديمقراطية  والكرامة والحرية، وهي طموحات عربية تتلاءم مع حضارة العالم وثقافة الكون، فيقتضي أن تتلاءم مادامت تحظى بهذه الشعبية.

ب‌) ألا يتدخل الدين في بطن الدولة حتى لا يتفتت الدين، بمعنى ألا يتم إقحام الإسلام في عمليات الصراع السياسي، بين السلفي والإخواني والتحريري، أو في استخدام الإسلام لنفي الخصوم، يقول هذا علماني وهذا شيطاني، هذا نوع من استغلال الدين في الوصول إلى السلطة. أتمنى  أن لا تستعمل الحركات الإسلامية التي لها هذه الشعبية، والتي هي على ثقة من أطروحاتها، الدين في الصراع السياسي مع خصومها، لأن ذلك سيهدم اجتماعنا الإنساني. الدين هو عماد هذه الوحدة التي نتمتع بها في المجتمع العربي، فينبغي أن يبقى كذلك، في أعرافه ومثله التي تقبل الآخر، كما هو الحال في مجتمعاتنا التقليدية. ينبغي الإشارة هنا، أن الناس، لما كانت الحركة الإسلامية في المعارضة، وكانت تحرص على التأكيد على الهوية الإسلامية ، كانوا مع هذه الشعارات، عندما كان هناك طغيان. الآن سقط هذا الطغيان، ولم يعد هناك مبرر لاستخدام نفس المصطلحات السابقة. هذه المفاهيم والمصطلحات والشعارات التي كانت صالحة في زمن التحشيد، لم تعد صالحة الآن. سئل "ناجح إبراهيم"  لماذا لا تخرج على السلطان؟ وتتبنى العنف؟  فقال ما دمت أستطيع أن أطرح تصوراتي وبرنامجي وأفكاري...دون أن يتصدى لي أحد، فلماذا أخرج على السلطان؟ فلماذا أستخدم العنف؟ هناك أناس يؤيدونني وآخرون يعارضونني. وعموما كثير من الأسئلة سقطت بمجرد انهيار الأنظمة الاستبدادية بقيام الثورات العربية.

ت‌) تغيير المفاهيم الجاهزة: أنا هناك أود أن أتساءل:  ألا ينبغي أن نتغير بعد الرجة التي أحدثتها الثورات العربية؟ ألم يحن الوقت بعد لتغيير  المقولات التي كنا نحملها في أذهاننا، من مثل" الإسلام هو الحل؟ ومفهوم الحاكمية؟  أنا أعتقد أن الثورات العربية إن لم تساعدنا على القيام بهذه المهمة، فإن مهامها لم تستكمل بعد، إذ أنه من الخطورة أن تصبح مثل هذه المفاهيم مقدسة غير قابلة للمراجعة. يمكن أن يكون التشبث بهذه المفاهيم مبررا في حالة ما إذا كانت الحكومات السابقة تتعاون مع الاستعمار والتغريب وتمارس الإستبداد. فأنا مثلا أتفهم أن يكون السوريون المتدينون شديدي التطرف ضد حكم البعث والعلويين؟ لكن، عندما يسقط البعث والعلويون، فما الداعي لطرح مصطلحات الحاكمية والمفاصلة كما كان يطرح ذلك الدكتور حسن الترابي.

كيف يقرأ الدكتور الانبعاث السلفي في الوطن العربي، بعد ربيع الثورات؟

صرح "عبد المنعم شحادة" مرة قائلا:"نحن نتراوح بين التفسيق والترشح ليس هناك طريقة في التلاؤم".

السلفيون لم يتعودوا على الدخول للانتخابات، ولم يستأنسوا بالانفتاح على المجتمع وعلى التسيس وليست لهم تجارب.

وهذا ما يطرح صعوبة التلاؤم.

في نظركم ما التحديات التي تواجه الإسلاميين في تجربتهم في الحكم؟

أولى هذه التحديات هو ترجمة الشعارات إلى برامج ، ثن تجاوز أي مسلك من مشالك الانتهازية. وأن يظلوا الانتهازية مصرين على هذه الأهداف التي جعلت الناس يلتفوا حولهم، والانسجام مع أهداف الثورة الحقيقية، والتسلح بالوعي والعزيمة، والقدرة على الاستمرار وتشكيل قيادات سياسية، وأن يكون هدفهم الأساسي هو تشكيل مجتمع سياسي وتحقيق الأمن والاستقرار والنمو الاجتماعي والاقتصادي، فهذه القضايا لا تحتمل التأخير. ثم هناك مسألة لا بد أن نشير إليها، نلاحظ أن بعض زعماء حركة الإخوان المسلمين بدأوا يتحدثون عن إمكانية استلهام تجارب دولية ناجحة في وثيقة الدستور. أنا أتساءل هنا: أليست في مصر من التجارب ما يغني ألا تتوفر مصر ذات التاريخ العريق وذات أقدم دستور في المنطقة العربية على نماذج رائدة في الدساتير.

في نظركم كيف تتصورون مستقبل المنطقة العربية بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة؟

لست شديد الخوف، هناك خطوات كبرى تحققت، يكفي ان الشارع المصري كله في الشارع، لم يعد أحد يريد أن يفكر الآخرون عوضه، بل كل واحد يعبر عن ذاته.  ألأمر الثاني، وهو أننا يلزم أن نحتاط ونحذر من الاستقاطات والاصطفافات الإقليمية والدولية ( تركيا، إيران، أوروبا وامريكا)، فإيران تسعى للهيمنة وكسب نفوذها على المنطقة، وإن كان ذلك عن طريق العنف. أما تركيا فتسعى هي الأخرى لتحقيق مصالحها الاقتصادية وإن كان بطريقة ناعمة. أما أوربا وأمريكا، فإنهما إنما يبحثان عن أسواق، وضمان استمرار إسرائيل. لكل ذلك، فالحركات الاستقلالية والحركات الإسلامية لا نعرف لهما ولاء غير ولائهم للوطن ولمصالحه العليا، ولهذا على هذه الحركات أن تحافظ على استقلاليتها، وأن تدرك أن العالم العربي مستنزف استراتيجيا، وهذه الثورات ما هي إلا تعبير عن الهوية العربية الإسلامية، وأنها جاءت لتحطم ما كان يعتمل في السابق من مشاريع، كالشرق الأوسط الكبير والصغير والمتوسط وما إلى ذلك. نحتاج في هذه المرحلة إلى تقوية الوعي المدني والسياسي، وبشكل خاص نحتاج من النخب أن تعالج الموضوعات الشائكة كعلاقة الدين والدولة في المجتمعات العربية. ومفهوم الحرية والتعددية والاختلاف ...

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة