حوار مركز نماء مع: فضيلة الدكتور فتحي حسن ملكاوي(3/3)

12/24/2012

- الجزء الثالث

كيف تقيمون الخطابات التي أنتجتها الحركات الإسلامية في سياق تفاعلها مع واقع ما بعد الثورات؟

حجم التغيير لا يزال ضعيفا، لا يزال المتحدثون في الخطاب الاسلامي أسيري الأقوال التقليدية السابقة، ولا يزال قاصرا عن أن يلبي رغبات الجمهور الذي يستهدفه هذا الخطاب. لا يزال العديد من الناس يتخوفون من الخطاب الإسلامي، ويعدونه خطابا إقصائيا، أو خطابا غيبيا طوباويا، وليس عمليا واقعياً. لا يزال كثير من الناس مترددين بشأن هذا الخطاب، لأنه لم يجرب بعد، ولا يزال الكثير من الناس الذين ألفوا الهجوم على هذا الخطاب يتهمونه باتهامات شتى، ليس من السهل على كثير من الناس أن يزيلوا من أذهانهم هذه الصورة النمطية التي كانت في أذهانهم.

وعلى الإسلاميين أن يعالجوا هذا المستوى البطيء من سرعة التحول، من الخطاب التقليدي الذي كان سائدا إلى الخطاب الجديد. مثلا في الانتخابات المصرية التشريعية، لا يزال كثير من ألوان الخطاب عند الإسلاميين فيه البعد العاطفي والبعد الفقهي، فمثلا لما يقال "عليكم أن تنتخبوا فلانا بالاسم" وليس غيره، و"هذا واجب شرعي"، و"هذه بيعة، بايعتم عليها" ... مثل هذا الخطاب لا أعتقد أنه خطاب سياسي، ولا أعتقد أنه يصلح، لا بد أن تقدم للشخص أدلة مقنعة، وبدل هذا الخطاب، وجب أن يستبدل به خطاب سياسي، يقوم على لغة الاختيارات، والمقارنة بين البرامج ومدى واقعيتها وقابليتها للتطبيق.

وهذا النوع من الخطاب الذي يقوم على لغة عملية واقعية، وجب أن يعتمد بديلاً للغة الخطاب الوعظي الفقهي الذي كان ولا يزال سائداً عند العديد من الحركات الدعوية والأحزاب السياسية التي اقتحمت المعترك السياسي مؤخرا.

ولعل من المفيد أن نشير إلى ظاهرة مؤسفة تسهم في إعاقة عملية التحول في ألوان الخطاب الإسلامي المنشود وممارسة متطلباته. وآية ذلك أن ثمة قوى من توجهات مختلفة إسلامية وعلمانية، لا تريد للإسلاميين أن يمارسوا أي عمل سياسي، فالعلمانيون لا يريدون الخلط بين الدين والسياسة، وربما يرون في الخبرة التي يكتسبها الإسلاميون من ممارستهم للعمل السياسي وما تتطلبة من تطوير عقلاني وميل إلى الاعتدال، وحضور مؤثر لنماذج سياسية إسلامية فريدة في إخلاصها وبعدها عن الفساد، حافزاً يحفز الجماهير لمزيد من الدعم للإسلاميين ويبعدها عن دعم غيرهم. أما الإسلاميون المحافظون فربما يريدون أن يحافظوا على "طهوريتهم" فلا يتلوثوا بالسياسة، ولا يمارسوا ما تحتاج إليه من تطوير وتنويع ومرونة في الخطاب الإسلامي، وهذه القوى تَعُدُّ مظاهر النضج والتطور والحكمة في صياغة الخطاب الإسلامي السياسي وجهود المراجعة التي تقوم بها بعض العناصر الإسلامية لألفاظ هذه الخطاب وشعاراته، تنازلاً عن الثوابت والمبادئ. وتريد هذه القوى أن تبقى مواقف الإسلاميين محصورة في الاحتجاج والمعارضة. ومن هذه القوى عناصر في التيارات الإسلامية ترى أن الدخول في تجارب تسهم في التحول الإسلامي التدريجي، أو التعاون مع غير "الإسلاميين الأنقياء" على تحقيق مصالح عامة للناس هي جهود عبثية، لا تنسجم من دلالات الولاء والبراء.

مع الثورات وانطلاق الحراك الشعبي الديمقراطي في العالم العربي، تم الوقوف على فراغ كبير في التنظير العلوم السياسية لما يسمى بالتجربة العربية في الانتقال الديمقراطي، في نظركم ما الذي يفسر ضمور الفقه السياسي الإسلامي وعدم قدرته على  بلورة  رؤى تجديدية لقضايا الإصلاح الديمقراطي؟

الفكر السياسي الإسلامي ولا أقول الفقه لم ينم ويتطور بالقدر الذي تطور الفقه والفكر في المجالات الأخرى. ففي التجربة المعاصرة، لما بدأت حركات الاستقلال في العالم العربي، كانت الأفكار السياسية التي تروج هي الأفكار التي وضعها المستعمر، ولم يكن لدى مجتمعاتنا نظام بديل للفقه السياسي، أو حتى لمعالمه الكبرى. فبلاد الشرق الإسلامي، ما قبل عهد الاستعمار كانت تابعة للدولة العثمانية، ولنظام الحكم في السلطنة العثمانية، ونظام هذا الحكم قائم على تراتبية يقع في رأسها الولاة، الذين يستمدون سلطتهم من السلطان، وكانت معظم الولايات تعيش في نظام استبدادي، وفي أواخر العهد العثماني بدأت عملية التتريك وتحولت الدولة العثمانية إلى دولة تركية.

وما دمنا نتحدث عن تجربة الإصلاح في العالم العربي، الذي كان في مجمله تحت حكم الأتراك وليس العثمانيين، فقد ثار العرب بدعم من الإنجليز ضد الدولة العثمانية، وكانوا يريدون دولة عربية، وقد كان اسم "الشريف الحسين" الاسم المرشح للقب خليفة المسلمين، أو ملك العرب. وربما كانت وعود بريطانيا للعرب لمساندتهم هي العامل الأول فى الثورة ضد الأتراك، إضافة إلى عامل التتريك، الذي لم يعد للعرب معه ما يسوغ الخضوع للأتراك من باب الدين. فهذه المرحلة، كان هناك زعامات فكرية وسياسية تحمل أفكاراً إصلاحية مختلفة، نذكر من بقاياهم في آخر العهد العثماني: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والقاسمي والآلوسي الذين كانت مطالبهم موجهة أساسا إلى السلطان العثماني. كانوا يدعون إلى الجامعة الإسلامية، التي تقضي بإجراء إصلاحات في الدولة العثمانية، لكن هذه الدعوات الإصلاحية لم تجد من يستجيب لها، ففشلت تلك الجهود التي كانت تحاول أن تقدم رؤية معينة للإصلاح، في مجمل الدولة التي كانت تعبر عن طموحات المسلمين.

مع مجيء الاستعمار دخلت البلاد العربية في نظام سياسي جاهز ومكتمل، واعتمد فيه الحكم الاستعماري المباشر على القوة المادية والسلاح، ثم بدأ الاستعمار يهيئ أتباعه وأعيانه ورجاله ويعدهم لينوبوا عنه في إخضاع الشعوب، وبطريقة استبدادية سواء كان الحكام في هذه البلاد ملوكا أو أمراء أو رؤساء. وقد خلَّف هذا الوضع تركة من الفكر السياسي الغربي، الذي أعاق إمكانية تطوير فكر له أي صفة أخرى، عربية أو إسلامية. وما بقي على صعيد التراث كان عبارة عن مجموعة من الكتب الفقهية التي كانت تعبر عن أحكام في الفقه، تدور حول ما يجوز وما لا يجوز، ما ينبغي وما يلزم أن يكون، وشروط الوالي، وشروط الخليفة، لكن الأسئلة الأساسية لم تكن تطرح. ومعظم هذه الكتب كانت تكتب تحت عنوان الأحكام السلطانية، السلطان يطلب من فقيه أن يكتب فيكتب، ولم تكن هذه الأدبيات، وهذا التراث في الفكر السياسي الإسلامي، قد نضج بعد، إلى الحد الذي تستطيع فيه الدول الجديدة والأنظمة في العالم العربي أن يكون لديها ما يلزم تطبيقه، فضلا عن كون هذه الأنظمة، كانت زراعة استعمارية تروم تثبيت مفهوم الدولة على النمط الغربي.

لم يكن مطلوبا من الأنظمة السياسية القائمة، إنتاج فكر سياسي، لذلك لم يعط هذا الأمر، الذي كان يحتاج إلى خبرة وممارسة، أية أولوية، لأن غالبية النخب المتدينة والإسلامية كانت محرومة من ممارسة هذه التجارب.

لذلك فإن مستوى النضج الذي بلغه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر سوف يعتمد على التجربة والممارسة، ولا يكفي فيه التنظير والبناء في الهواء، حتى يستجيب للمرحلة. ولذلك ليس من العسير القول بإن هذا الفكر لم ينضج بعد ليستجيب لمتطلبات لمرحلة وتحدياتها.

إذا أتيح المجال لقدر من الاستقرار يمكن المفكرين والممارسين الإسلاميين من ترشيد التجربة في المشاركة في الحكم، عندها يمكن أن يكسب الفكر السياسي الإسلامي قدراً من النضج، ليس من خلال بنائه على المبادئ العامة للفكر الإسلامي الإسلامي في مرجعياته من النصوص ومن الواقع التاريخي وحسب، وإنما من قدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر ومستجداته كذلك.

على سبيل المثال، نحن نتحدث الآن عن الديمقراطية بصورتها المألوفة في الغرب، وهي ما يمكن أن يكتفي به الإسلاميون اليوم، منتظرين قدراً من الاستقرار وطول التجربة التي تنضج فيها ممارسات ديمقراطية محلية خاصة ربما تقترب من المقاصد المأمولة من الشورى الإسلامية. أما المفهوم المجرد للشورى فقد لا يكون له معنى في الظروف القائمة، سواء كانت هذه الشورى ملزمة، أم معلمة؟ أو مؤلمة. وهل يمكن أن تدار الشورى بطريقة تقترب من تعيين أي من الخلفاء الراشدين في منصب الخلافة؟ أم بالأدوات الديمقراطية المألوفة اليوم؟ هل يمكن اليوم أن نتحدث عن أهل الحل والعقد؟ ومن هم وكيف نختارهم؟ وهل يختارهم الحاكم؟ أو الجماهير؟ وهل هذا الاختيار مفتوح للجميع أم أنه مقصور على نخبة من الناس؟ وكيف يمكننا أن نطور نظاما إسلاميا يستجيب للمرحلة الراهنة، ويستفيد من خبرات الديمقراطية في العالم الغربي، يأخذ منها ما يلبي متطلبات المرحلة، ويحافظ على مبادئ المجتمع وثوابته ومرجعياته العليا؟

وقد أصبح اليوم ضبط التوازن والاستقلال بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية أمراً من أمور الديمقراطية القارة، فإلى أي مدى ينسجم هذا الضبط والاستقلال مع روح الإسلام ومقاصده في التدبير السياسي؟ وثمة مسألة مهمة حتى في الممارسة الديمقراطية الحديثة، فالديمقراطية في أمريكا ليست هي الديمقراطية في فرنسا، ولا هي في ألمانيا،  ولا في بريطانيا، كل بلد له تجربته الديمقراطية المختلفة إلى حد كبير، وإن كان يجمع بينها فكرة الاختيار المباشر، واستمداد السلطة من الشعب.

هل يمكن تلمس شيئاً من مقدمات النضج في كتابات بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين، كالشيخ راشد الغنوشي؟

بالتأكيد هناك العديد من المفكرين الذي قعدوا لفكرة الديمقراطية والنظام السياسي، نذكر من بينهم المستشار طارق البشري، والدكتور أحمد الريسوني، والدكتور توفيق الشاوي، والدكتور سليم العوا، والشيخ رائد الغنوشي، وغيرهم كثير، ممن أثروا المكتبة الإسلامية في مرحلة ما قبل الربيع العربي. لكن ما يميز هذه المرحلة هو اننا دخلنا مرحلة تنفيذ هذه الرؤى والتصورات النظرية وقياس مدى صلاحيتها الاجتهادية.

ولا شك في أن الشيخ الغنوشي قدم تصورات في الفكر السياسي الإسلامي، تتصف بقدر من النضج، وقدمها فكراً مكتوباً وقدمها ممارسة عملية في الوقت نفسه. وقد عمل على تطويع العديد من المفاهيم والتصورات، واجتهد في تنزيلها على تجارب الدول العربية، ولعلّ كتابه حول الحريات العامة في الإسلام، وكتابه الآخر: حقوق المواطنة، يندرجان في هذا السياق، والشيخ علاوة على ذلك يتبنّى منهجا مفتوح الآفاق، ويتبنّى توظيف إمكانيات التواصل والتعاون بين الفئات الإسلامية وغيرها من الفئات في القضايا العامة للأمة والمجتمع.

مع تجربة الإسلاميين في الحكم  وضعت المنهجية الأصولية في المحك، وصار التساؤل مشروعا عن  جدوى هذه  النظرية ومدى قدرتها على مساعدة الحركات الإسلامية على إنتاج رؤى في تدبير الحكم والتعامل مع تعقد واشتباك المصالح والمفاسد وما يتطلبه الإصلاح من مواجهة لوبيات الفساد واستيعاب النخب، في نظركم هل هذه هي لحظة الفكر المقاصدي؟ أم أن هذا الفكر استنفد أغراضه ولم يستطع أن يحدث الانتقال من الحقل المعرفي إلى حقل الممارسة السياسية؟

سؤالكم يمكن إعادة صياغته بالشكل التالي: إذا كانت المنهجية التقليدية (الأصولية والمقاصدية) هي الأدارة الرئيسية في التفكير الإسلامي وفي عمل العقل المسلم، فهل هذه الأدرة لا تزال صالحة أم تحتاج إلى تطوير؟ وما هو التطوير اللازم؟

أعتقد أن القضايا والمسائل المستجدة في الفكر السياسي الإسلامي، هي التي يمكن أن تجدد المنهجيىة الأصولية، حتى تستطيع أن تستجيب لمتطلبات الوضع القائم.

علينا أن نلاحظ أنّ المنهجية الأصولية منهجية منفتحة وليست منغلقة، لأنها منهجية قائمة على كيفيات التعامل، وليست نصوصاً وأحكاماً شرعية، فالمنهجية الأصولية هي وسيلة استنباط أحكام، واستنباط بدائل، واستنباط حلول للمشكلات. ولذلك فإنّ طبيعة المشكلات هي التي تفرض على المنهجية أن تتسع لمثل هذه المشكلات، وبالتالي تكون قادرة على تقديم حلول.

ولن يتم ذلك من خلال التنظير المجرد، وإنما يتم ذلك من خلال المعاناة، فالفقيه والعالم والمفكر والأصولي، ينظر إلى القضية المستجدة المعاصرة ويبحث عن بدائل لها، بدائل أقرب إلى "تحقيق مقاصد الحق من الخلق"، فيستنبط من ذلك حلا يكون أقرب إلى مقصد الشرع، لأن القضية حالة، وليست نظرية، قضية آنية وليست قضية في الزمن الماضي، وقضية هذا البلد وليس أي بلد آخر.

فالمنهجية الأصولية سوف تتطور، آخذة بالحسبان البعد المقاصدي في التفكير الإسلامي من خلال المعاناة، والاستجابة لقضايا العصر الآنية في الزمان والمكان. ولا نستطيع أن نقول إن المنهجية الأصولية قد اكتملت عناصرها، وأصبحت قادرة على أن تلبي متطلبات العصر، وتقدم البدائل في أي زمان أو مكان، فلا نتوقع ذلك.

نصوص الإسلام نصوص عامة، وهي نصوص مقاصدية تتحدث عن الكليات، ففقه الكليات ومقاصد الدين في ضوء القضايا الكلية، سوف يتيح استنباط أشياء جزئية وأحكام جزئية لقضايا حالّة  في الزمان والمكان.

وبالتالي، فالتجارب الإسلامية في الوطن العربي،سوف تختلف من بيئة لأخرى حسب الخصوصيات الثقافية والحيثيات الاجتماعية والتاريخية ومدى تفاعلها المبدع في تطوير المنهجية الأصولية لتنزيلها على أحكام ووقائع وبرامج وخطط واستراتيجيات معينة.

وفقه الفقهاء نما وتطور بهذه الطريقة. ما الذي جعل واحدا مثل الإمام الشافعي وهو تلميذ للأمام مالك، أن يشق طريقا في الفقه بآلية الاستنباط، كتبها وأوجد من خلالها علم أصول الفقه، ودونَّه في كتاب الرسالة، وما الذي جعله يفعل ذلك، وهو تلميذ للإمام مالك؟ لا شك في أنَّ الذي جعله يفعل ذلك هو خبرته التي بناها من تنقلاته من المدينة إلى العراق ثم إلى مصر، في خبرة في الزمان والمكان. كل ذلك جعله يستمع إلى مالك وإلى تلاميذ أبي حنيفة، ومنهم وكيع تلميذ أبي حنيفه الذي يعد شيخ الشافعي في العراق، وجمع بين مذهب أهل الحديث ومذهب أهل الرأي، وكتب علم أصول الفقه لضبط عملية استنباط الأحكام الفقهية.

لذلك يمكن القول، إنّ المنهجية الأصولية كانت مرنة في الاستجابة لمتطلبات العصر، وأنّ هذه المنهجية لا تزال مرنة الآن وقادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر الحاضر، وهذه المرونة هي الأساس في متطلبات تطويرها وإمكانية تطويرها، وتفعيلها في القضايا العامة، كالعلاقات الأسرية، والتنمية الاقتصادية، وحرية الأحزاب السياسية، وتعارض برامجها وتوجهاتها الفكرية، واستقلالية السلطات في داخل الدولة، والتحالفات الدولية، والعلاقات الخارجية، للإجابة عن أسئلة محددة مثل حدود التعامل مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان.

وعموما فإنه يمكننا القول إنّ المنهجية الأصولية، والتفكير المقاصدي جزء أساسي منها، سوف تتجدد باستمرار من خلال تفعيل كلياتها وقواعدها العامة على الجزئيات والحالات والمواقف والقضايا المحددة.

في نظركم ما الإضافة التي يمكن أن تقدمها الحركة الإسلامية التي وصلت إلى السلطة لفكر الإصلاح والنهضة التي انطلق مع القرن التاسع عشر؟

مرت الأمة الإسلامية في تاريخها في مراحل وحالات من التقدم والتأخر، وبدأت بعض مظاهر الخلل في وقت مبكر، وذلك بالقياس إلى المستوى الذي يريده الإسلام، وبالقياس إلى الإمكانات العلمية والعملية التي تمتعت بها، وبالقياس إلى اتجاهات النمو والتطور والتقدم الذي كانت الأمم الأخرى تتجه إليها. وقد تطورت حالات الضعف في واقع الأمة، فبدأت في جانب السياسية وطبقة الحكام، في الوقت الذي بقي فيه المجتمع ملتزماً وقوياً في مؤسساته المدنية، ثم استشرى الضعف في سائر المجالات، حتى وصل العالم الإسلامي إلى حالة القابلية للاستعمار، مما مكن للقوى الاستعمارية الأوروبية أن تستعمر الجزء الأكبر من بلدان العالم الإسلامية.

لكن الجهود الإصلاحية في سائر المجالات لم تتوقف، ولنأخذ مثالاً عن بعض هذه الجهود التي قام بها أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، حيث مارس عملية الإصلاح في جبهات متعددة كان منها مثلاً، تصحيح التدين وتجديد فهم الدين وإحياء علومه،  وذلك في كتابه المعروف "إحياء علوم الدين". ولا نملك إلا أن نلاحظ مصطلح "إحياء" وقوة دلالاته، فكأن علوم الدين قد ماتت، وتحتاج إلى إحياء من جديد. وثمة جبهة أخرى حاول فيها الغزالي أن يمارس الإصلاح والتجديد، في الفكر الفلسفي، الذي غلبت عليه موجة الاقتراض الثقافي من الفلسفة اليونانية والتأثر بنظرياتها، فواجه هذه الموجة، بما يعبر عن التصحيح والتجديد، في كتابيه: "مقاصد الفلاسفة"، و "تهافت الفلاسفة".

وقل مثل ذلك في جهود كثير من العلماء والمفكرين والمصلحين، التي لم تنقطع في التاريخ الإسلامي. ولست في هذا المقام بصدد تقويم هذه الجهود، لكنني بصدد التأكيد أن هذه الجهود رغم نتائجها الإيجابية المتعددة، لم تكن كافية لعمل انقلاب في الواقع الاجتماعي الإسلامي يمنع استمرار الضعف والتدهور. وفي العصر الحديث كانت هناك تجارب متميزة في التأليف والكتابة وإنشاء المؤسسات التعليمية والفكرية والإعلامية-الصحفية، منها تجارب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده جمال ومحمد رشيد رضا، وحسن البنا، ولا شك في أن هذا الجهود كانت لها أمتداداتها في حركات الإصلاح المعاصرة، فليس ثمة جهود تبدأ من الصفر، وإنما قدرها أن تبني على تجارب السابقين.

علينا اليوم أن نستثمر كل التجارب السابقة، وأن نبني عليها أيضا، لكن شكل البناء ربما يكون مختلفا من بلد إلى آخر، ومن مجال إلى آخر، فإذا نجحت الحركات الإسلامية في الوصول إلى الحكم بالفعل، وكتب لها بعض الاستقرار الذي يضمن ظهور نتائج ما قد يتحقق من إصلاح في بعض المجالات، فإنها ستكون في الوقت نفسه مطالبة بالبحث عن أسباب تعثر الأفكار والجهود الإصلاحية عن تحقيق أهدافها في المجالات الأخرى.

ولعل أهم ما يجب الانتباه إليه في هذا المسار التقويمي النقدي، هو التمييز بين الديني بالمعنى الفقهي، والديني بالمعنى السياسي، أي الدين كاستجابة عملية وتاريخية وبشرية للمعضلات التي يطرحها العصر. فهذا التمييز مطلوب، لأسباب متعددة، واحد منها أن مختلف التجارب التي يخوضها أو سيخوضها الإسلاميون، لا يجوز أن تحسب على الإسلام، فيكون الخطر على التدين وعلى الدين كله. وعندا يسوغ بعض الناس لأنفسهم القول قد جربنا العلمانيين وفشلوا، وجربنا اليساريين وفشلوا، وجربنا القوميين وفشلوا، وأخيراً جربنا الإسلاميين وها هم يفشلون؟ وخطورة ذلك لا تنعكس على الحركات الإسلامية، وحسب، وإنما على التدين بصورة عامة.

فلا بد من مصارحة الناس أن تجارب الإسلاميين في الحكم هي تجارب بشرية يصيبها ما يصيب بقية التجارب، من الفشل والنجاح، حتى يبقى الدين لنا، فلا تنقض عراه ولا تنقص ثقتنا في الدين. ولهذا فالتمييز بين الحركة الدعوية والحزب السياسي في هذه المرحلة أمر مهم. والتجربة المغربية في هذا المجال تجربة واعدة في التنظير لعلاقة الفصل والوصل بين الحركة الدعوية والحزب السياسي في العمل الإسلامي، فالدعوة هي لأبناء الأمة كلها، تنافح عن هويتها الإسلامية وقضاياها الجامعة، وتغني التجرية الدينية والانتماء الديني لأعضائها ومناصريها، وللجماهير التي تخاطبها، أما الحزب السياسي فهو إطار تنظيمي للمنتسبين له ضمن برنامج سياسي يتنافس فيه مع الأحزاب الأخرى على أصوات المواطنين من خلال ما يمكن لبرنامجه أن يقدم للمواطنين من مصالح مباشرة. لذلك يفضل أن لا يسوغ الحزب عمله تسويغاً دينياً، ولا يكون التزام أعضائه برؤية الحزب التزاماً شرعياً، وإنما هو التزام إداري تنظيمي. وهذا لا يعني بالضرورة أن يصبح الحزب ذو المرجعية الإسلامية مثله مثل سائر الأحزاب الليبرالية والعلمانية، وإنما تبقى مرجعيته الإسلامية منطقاً لرؤيته النظرية، وإطاراً لمواقفه العملية، وأساساً لتحديد برامجه في تحقيق مصالح البلاد والعباد. ويبقى لكل من الحركة والحزب أطره الإدارية والتنظيمه ومصادره المالية المستقلة تمام الاستقلال عن بعضها بعضاً، ويبقى لكل منهما رموزه وشخصياته القيادية المستقلة تماماً أيضاً.

في تقديركم ما هي الأولويات التي يلزم أن يشتغل عليها الخطاب الإسلامي في المرحلة القادمة؟

كل ما قلناه سابقاً يعبر في نظري عن أولويات، وللتلخيص والتذكير يمكن الإشارة إلى ما يأتي:

1. إعطاء قدر من الأمل والتفاؤل للناس بإمكانية تحقيق الإصلاح في مجالاته المتعددة، بعد فترة طويلة من اليأس الذي أصابهم بسبب طول عهود الفساد والاستبداد.

2. التميز والاستقلالية التامة بين العمل الدعوي والعمل السياسي، في أشخاصه، وبرامجه، وأولوياته، ومتطلباته الإدارية والتنظيميه، وذلك من باب التخصص في مجالات العمل، رغم وجود الهوية والمرجعية الجامعة.

3. الانتقال من خطاب الدعوة الوعظي إلى خطاب الدولة السياسي الذي يعتمد الخطط والبرامج والمشاريع البديلة، فالإسلاميون الذين حرموا في السابق من العمل السياسي لم يطوروا من صور الخطاب السياسي وأولوياته وبرامجه، ما يجعله منافساً لبرامج الحركات والأحزاب والقوى السياسية الأخرى، والخبرة في هذا المجال تختلف عن خبرة العمل الدعوي العام، وعن خبرة العمل السياسي الذي مارسته التيارات غير الإسلامية؛ تختلف في الألفاظ والشعارات وطرق الحشد والإقناع التي تمارس مع الجماهير.

4. الانتقال من مواقف الاحتجاج والمعارضة التي مارسها الإسلاميون طويلاً، منذ بدء مواقف العلماء من رجال السلطة بعد انتهاء الخلافة الراشدة، حتى الآن، إلى مباشرة حمل المسؤولية وترشيد ممارسات الحكم بصورة تغذي الفكر السياسي الإسلامي والعمل السياسي الإسلامي بنماذج طال انتظار الشعوب لها.

5. الاهتمام بمشاريع الإصلاح التربوي والفكري بوصفها أطول في مداها وأعمق في أثرها، وأوسع في نطاق شمولها. وذلك بأن ينفر إليها أهل الكفاءة والاختصاص للتفكير والتخطيط والبرمجة. وبغير ذلك فإن المشكلات السياسية والاقتصادية في كثرلاتها وإلحاحها وراهنيتها ربما تغرق جميع الكفاءات الإسلامية في مواجهتها والاستجابة لها، فلا يبقى للإصلاح التربوي والفكري من الكفاءات والإمكانات ما تستحقه.

|1|2|3|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة