حوار مركز نماء مع: فضيلة الدكتور فتحي حسن ملكاوي(2/3)

12/18/2012

- الجزء الثاني

إلى أي حد يمكن أن نتحدث عن وجود  فجوة بين التنظير الفكري الإسلامي الذي كان سائداً قبل الثورات وما تطلبه الخطاب الجديد لمواجهة التحديات التي فرضها واقع ما بعد الثورات؟

فرق كبير بين التنظير والتطبيق، صياغة الحلول في الواقع العملي بغرض ممارستها، وليس تصورها بمنطق الممكن أو المؤكد، تتطلب إحداث نقلة فكرية في أسلوب تعامل الحركات الاسلامية مع الوقائع. ففي السابق، أي في مرحلة الدعوة، كان هناك حديث عن القطعيات التي تشبه اليقين، كمقولة "الإسلام هو الحل" فهذه المقولة صحيحة عندهم، لكن دلالاتها العملية، غير واضحة، فهم يريدون أن يكون الإسلام هو الحل، ومعهم في ذلك كثير من الناس، لكن كيف ومتى وأين؟

الآن إذا وصلوا إلى الحكم بالفعل، نحن في الشارع، سنقول لهم: أرونا كيف يكون الإسلام هو الحل، أرونا كيف تنظف الشوارع، خصوصا إذا كانت الميزانية المالية للبلديات مدينة أو فارغة، أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة فقدان أنبوبة الغاز في الأسواق! أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة البطالة! أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة انخفاض الرواتب بالقياس إلى ارتفاع متطلبات الحياة اليومية! أرونا كيف نحل مشكلة البنوك الربوية! أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة العلاقة مع اليهود!

لقد كانت عبارة الإسلام هو الحل شعارا تبشيرياً جميلاً، لا أقل ولا أكثر. أما اليوم، فإنا نريد برامج لحل المشكلات في المجال الاقتصادي، فهل يكفي القول بأن صندوق الزكاة وأموال الأوقاف وتجربة البنوك الإسلامية، هي البدائل الإسلامية في المجال الاقتصادي؟ وكلها بدائل لم تجرب عملياً على مستوى اقتصاد المجتمع والدولة. الاقتصاد العالمي اليوم اقتصاد رأسمالي يقوم أساساً على ملكية الأفراد والشركات، وتحصل التنمية فيه عن طريق القروض الاستثمارية والاستهلاكية، وكلها تقوم على احتساب نسبة الفائدة أو الربا، والربا في الحكم الشرعي حرام، على آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، فما البديل؟ الاقتصاد الاشتراكي يقوم على ملكية الدولة، والأصل أن لا يكون في معاملاته ربا، لكن الاقتصاد الاشتراكي كان أحد الأسباب الأساسية في انهيار النظم الاشتراكية، فليست هي البديل المتاح لدينا. والاقتصاد الرأسمالي يئن من وطأة المشكلات المتلاحقة، وقد ذاقت الشعوب منه الأمرين، ولولا أن العالم لم يجد له بديلاً حتى الآن، لانهار من زمن طويل، فمتى تتمكن الحركات الإسلامية التي تواجه المشكلة الاقتصادية من تطوير الفكر الاقتصادي الإسلامي وتفعيل فلسفته ونظامه من أجل تقديم البدائل العملية وتجريبها فعلاً في الواقع الاجتماعي، ليس لتقنع الجماهير التي تحكمها بأن الإسلام هو الحل، وحسب، وإنما لتسهم في تقديم هذا الحل إلى الشعوب والأمم الأخرى، التي طالما رأت الشعوب الإسلامية عالة على إنجازات الشعوب والأمم الأخرى؟

ولهذا يمكن القول أن مرحلة القطعيات واليقينيات التي صاحبت مرحلة الدعوة، وجب أن تتحول إلى مبادرات وإلى حلول عملية مسنودة بخبرات علمية، والعمل على تطوير مختلف التجارب، ليس في المجال الاقتصادي وحسب، وإنما في المجال كلها. ففي المجال السياسي نحتاج إلى تطوير الأفكار النظرية التقليدية وتحويلها إلى برامج عملية، فأيهما أقرب إلى تحقيق مقاصد الدين في تنظيم الشأن السياسي، هل هو النظام الرئاسي الذي يحكم فيه الرئيس؟ أم النظام المختلط الذي يتقاسم فيه الرئيس السطلة مع رئيس الوزراء؟ وما الصلاحيات التي يمكن أن تعطى للرئيس ورئيس الوزراء؟ وما إشكال تدبير العلاقة بين هذه السلطات؟ ما دور المجالس التشريعية الحالية في النظام السياسي الحالي، وأين تقع السلطة القضائية؟

في الأردن مثلاً، هناك نظام ملكي وراثي، وهناك مجلس منتخب للنواب ومجلس آخر معين للأعيان. وفي مصر هناك نظام جمهوري رئاسي ومجلس شعب منتخب ومجلس شورى متخب أيضاً، ما الأساس الذي يقبل به الإسلاميون النظام الملكي في بلدان معينة ويقبلون بالنظام الجمهوري في بلدان أخرى؟ وهذه وغيرها، أسئلة عملية وليست تنظيرية.

لا يزال الخطاب الإسلامي السياسي مشبعا بالتنظير والحديث عن المبادئ العامة؛ وحدة الأمة، والشورى، والعدالة ... إلخ، فوحدة الأمة في دلالتها الدينية غير وحدة الأمة بدلالتها السياسية القطرية، والشورى غير الديمقراطية، والممارسات الشورية أو الديمقراطية تنتهي بنتائج ملزمة أو معلمة أو مؤلمة! ويأتي مع الحديث عن العدالة والمساواة قضايا حقوق المواطنة، وموقع المرأة وموقع غير المسلمين في المجتمع... إلخ، وفي مسألة من هذه المسائل تفصيلات وجزئيات يدخل فيها شياطين الإنس من الداخل والخارج، للتشويه والتعويق والتعطيل والمواجهة. فالأمر إذن يقتضي جهداً مجهداً نستدرك فيه غياب الفكر الإسلامي عن ساحة الحكم زمناً طويلاً، ويقتضي الصبر والمصابرة على التعامل مع أصحاب الأفكار الأخرى، ويقتضي التعامل الحكيم مع القوى الدولية التي تعطي لنفسها حق التدخل لحماية الحريات والدفاع عن الأقليات، وتطبيق ما أنشأته المحافل الدولية من مقررات... كل ذلك مطلوب على المستوى العملي في المرحلة الحالية، ولا يكفي فيه تسجيل المواقف بالرفض أو الاعتراض. ربما يلزم اتخاذ بعض المواقف العملية الآن على المستوى المبدئي المترتبط بما يتوفر من خبرات تستند إلى التجارب "الديمقراطية" في الأنظمة المعاصرة، وقد تكون بعض المواقف مؤقتة مرحلية تمليها ظروف قائمة بانتظار ظروف أخرى، وقد يتطلب الأمر ابتداع أنماط جديدة من الممارسة السياسية، التي تختلف حولها الآراء كثيراً. وتتطلب إجراءات عملية في تدبير الاختلاف والمعارضة.

ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى فئة من الإسلاميين، ترفض الدخول في تحديد المواصفات التفصيلية للحلول الممكنة لمشكلات العصر. وتستبعد التبشير بحلول محددة يقوم بها الإسلاميون فيما لو وصلوا إلى الحكم. وقد تحدث المرحوم سيد قطب على هؤلاء الذين يضعون حلولاً إسلامية لمشكلات المجتمع غير الإسلامي الحالية، وسمّاهم "الأرأيتيين" الذين يقولون: أريت لو وصل الإسلاميون إلى الحكم، ثم يجيبون: إذن سيكون الحل هو كذا وكذا.. وقد نعى سيد قطب على هؤلاء بحجة أننا لا نريد وضع حلول إسلامية لمجتمعات غير إسلامية. بل نريد أن نقيم المجتمع الإسلامي، وسوف نحل المشكلات التي تطرأ في هذا المجتمع الذي نقيمه!

وقد كان لهذا اللون من التفكير أثره لدى قطاع من المفكرين والدعاة، وشعروا بأنهم غير معنيين بالتفكير في الأمور العملية لبناء الدولة، ومن ثمّ فهم يؤجلون بحث هذه القضايا إلى حين وصولهم إلى السلطة، وربما كان من أثر ذلك ضمور التفكير الاستراتيجي المستقبلي، وضعف البرامج العملية في مثل هذه القضايا. ولهذا، فالإسلاميون اليوم أمام امتحان، وربما يسرّع وضعهم الحالي من عملية الانتقال من التنظير إلى الممارسة.

وعلى كل حال فإن استجابات الاسلاميين في ربوع الوطن العربي لن تكون متشابهة، ستكون هناك اجتهادات مختلفة وهذا شيء لا بد منه، وهو على أي حال أمر جيد وإيجابي، وبالتأكيد ستكون هناك أخطاء في اجتراح الحلول والمقاربات والمواقف.

ليس أمام المفكرين في الحركات الإسلامية بديل غير أن يقطعوا مراحل طويلة في الانتقال من مسألة التنظير إلى بناء البدائل والحلول. ولا مانع من أن تتعدد التجارب، ومن المتوقع أن يكون هناك خطأ وصواب، لأن هذا ما سيحصل في الواقع، وتجربة الحكم في تونس لن تكون هي نفسها تجربة الحكم في المغرب أو في مصر وغيرها. وهذا التعدد في التجارب والتنوع في الممارسات هو نتيجة مباشرة لاختلاف البيئات المحلية وما تحمله من اختلاف في التحديات والإمكانات والمشكلات، ولكنه على أية حال سيكون مصدر غنى في التجارب، وسعة في الخبرات.

في نظركم ما هي العناوين والمفردات التي كانت سائدة في الخطابات الإسلامية قبل الثورة وتحتاج إلى مراجعة وما العناوين التي تقدرون أنها لا تزال صالحة للتداول، وما هي العناوين التي ترون أنا قد استنفذت أغراضها؟

إن عملية الانتقال من خطاب الدعوة إلى خطاب السياسي، يتطلب وعيا وتفكيرا وحنكة. لأن الأمر المطلوب أشبه بثورة، إذ يتطلب الأمر الانتقال من خطاب الفقه والأحكام، إلى خطاب الاختيارات  والبدائل، والانتقال من لغة الحلال والحرام، إلى خطاب المصالح والمفاسد، فكوننا حكمنا على أمر ما بأنه حرام في الأمس، لأنه كانت هناك ظروف اقتصادية ومشاكل اجتماعية ونفسية وأخلاقية، لا يجعلنا بالضرورة مشدودين لهذا النموذج في التفسير، لأننا اليوم نريد أن نقدم الحلول والبرامج والخطط للمشكلات القائمة اليوم، وليس للمشكلات التي كانت قائمة بالأمس.

لذلك، أنا أسمي هذه العملية بالانتقال من المنطق الفقهي إلى منطق البدائل، بعملية الانتقال إلى الخيارات المتاحة، حيث يكون الأصل فيها الحلّ وليس الحرمة. خصوصا أن التعامل مع فكرة الحلال والحرام فيها اجتهادات مختلفة إلى حد التناقض، فمثلا ثارت مؤخرا مسألة زيارة القدس الشريف، وهل هي حلال أم حرام؟ ومن حقنا في هذا المقام أن نتساءل هل الحكم الشرعي بالحل أو الحرمة في مسائل المواقف السياسية يدخل في قطعيات الدين، أم هو اجتهاد في تقدير المصالح والمفاسد، تحتاج إلى تحكيم خبرة الخبراء في فقه الواقع تنتهي بتفضيل اختيار من الاختيارات في ضوء ما يترجح من معطيات؟ وسوف يطرح سؤال جوهري كذلك هل يجوز التمييز بين مسائل الفتاوى الشرعية والمواقف السياسية، أم أن هذا التمييز يقع في دائرة فصل الدين عن السياسة ومن ثمة الدخول في دائرة العلمانية؟

المثال الثاني الذي يؤكد الحاجة إلى الانتقال من منطق الحلال والحرام إلى منطق البدائل والاختيارات، يبرز في مسألة القول بالحقيقة وامتلاكها، فالمتدينون عموماً والإسلاميون منهم على وجه الخصوص، متهمون بأنهم يحتكرون الحقيقة، حين يرون أنهم بحكم مرجعيتهم الدينية أقرب إلى الحقيقة، ولذلك فهم يعبرون عنها، بوصفها حقائق دينية، وليست فهماً في الدين وحسب. عندما كان الإسلاميون في المعارضة وكانوا محرومين حتى من حق الحرية في التعبير، كان أسمى ما يسعون لتحقيقه هو الحرية، أما وقد تحققت هذه الحرية وأوصلتهم إلى المسؤولية أو ستوصلهم إلى السلطة، فكيف سيتعامون مع غيرهم، ولا سيّما عندما يريد غيرهم أن يمارسوا حريتهم في التعبير والاعراض؟ وهل يعد رأي الآخرين ضلالاً وباطلاً؟ وهل تعد مواقفهم فتنة وعدواناً؟ مع العلم بأنه سيكون من هؤلاء الآخرين مخالفين في الفكر والإيديولوجيا، ومخالفين في الاختيارات السياسية، وربما يمارس بعض المخالفين الإضراب عن العمل، والاعتصام، والعصيان المدني، وربما ينتج عن ذلك الإضرار بالناس وتعطيل مصالحهم، وأكثر من ذلك ربما يمارسون بعض المخالفين استخدام القوة في رفض بقاء الإسلاميين في السلطة أو وصولهم إليها حتى لو كان وصول الإسلاميين إلى السلطة عن طريق الاختيار الشعبي الحر!

لعلّ من الحكمة أن يحرص الإسلاميون على الحريات حتى ولو أدى ذلك إلى فقدانهم مواقعهم. فالحرية هي المجال الذي يتنافس فيه ومن خلاله الناس، على مواقع السلطة والنفوذ، وأعتقد أن الحاجة بدأت تنضج إلى أهمية هذا البعد. الحرية هي المطلب، وقد كان يقول الإسلاميون بحق لا نريد إلا الحرية، لاقتناعهم بأن الشعب حين تتاح له حرية الاختيار لن يختار إلا الإسلاميين، وبالفعل تشير التجارب إلى أن الشعب يعطيهم أكثر مما يعطي للآخرين. والتحدي القائم أمام الإسلاميين فعلاً، هل سيحرصون أكثر من غيرهم على الحرية، أم أن نظرتهم سوف تتغير، وسيخشون أن لا تكون تجاربهم ناجحة، لا سيما والحرب التي تسلط عليهم تكون قوية وشديدة، والناس لا يصبرون حتى تتحقق النتائج والتجارب الجديدة، ومن ثم ينفض الناس من حولهم، ويقولون في أول مناسبة: لقد جربناهم، وأثبتوا فشلهم، وتأكد لنا أنهم كانوا يريدون الحرية لهم وليس لغيرهم.

الظن عندي أنّ الاسلاميين الآن يتجهون إلى الإعلاء من قيمة الحرية باعتبارها ليست مطلبا لهم، وإنما هي المطلب الذي يجتمع عليه الناس، وعليهم أن يقبلوا باختيار الناس حتى ولو كان اختيار الناس يتجه  إلى غيرهم.

هناك بعد آخر، ربما لم يبدأ التفكير فيه بشكل جيد، وهو أولوية الإصلاح السياسي والاقتصادي، وعدم إعطاء الأهمية للإصلاح الفكري والتربوي الأهمية التي يستحقها. ذلك أن القضايا المطروحة اليوم لا تحتمل التأجيل، والقضايا الفكرية والتربوية تحتاج إلى وقت، فهل نفكر بالتغيير التربوي أم بلقمة الخبز وفرص العمل، وممارسة مطالب الناس في الديمقراطية وبسط الحريات، وتحقيق نموذج سياسي متوازن؟

هناك قضايا مؤجلة ضمن الإصلاح الاجتماعي، كمشكلة الأسرة، والعنوسة وعدم الزواج، وذوبان الأسرة الممتدة، والتفكك الأسري وكثرة الطلاق، وحتى حالات كبار السن، من اللذين لا يجدون المعيل، ودور العجزة.. وغيرها من المعضلات الاجتماعية، التي لا تتطلب قرارات فقط، وإنما تتطلب إحداث تغييرات في نفسية الناس.

أما  مشاكل التعليم العالي في الجامعات، وحتى في المدارس والثانويات، فليس لها أول ولا آخر؛ إذ إن معظم خطط وبرامج التعليم ومناهجه مستوردة، ليس فيها شيء محلي إلا القليل، والحال أن هذه المجالات تحتاج إلى تجديد سواء في قضايا اللغة أو الدين أو التاريخ وما إلى ذلك. ويجب أن نفهم أن المناهج غير المستوردة تحتاج هي الأخرى إلى تجديد، لأنها متخلفة ونمطية إلى حد بعيد، وهي تحتاج إلى إصلاح، وهذا الاصلاح لا يتم بين عشية وضحاها.

بينما القضايا التي تشغل الجميع هي القضايا السياسية والاقتصادية، ويتم إهمال القضايا الفكرية والتربوية والاجتماعي، وتأجيل النظر فيها، وفي ذلك مخاطرة كبيرة، لأن معظم القضايا السياسية والاقتصادية، هي في الأساس نتائج عملية للمشكلات الفكرية والتربوية، ولهذا أرى أنه من اللازم أن ينفر نخبة من المفكرين الإسلاميين في الحركات الإسلامية، وفي غيرها، لبناء الخطط والبرامج التي تتعامل مع الأهداف على المستوى المتوسط والبعيد، في الوقت الذي ينشغل فيها المفكرون والممارسون جهودكم في تطوير الخطط والبدائل في المسائل العملية الملحة التي تحتاج إلى قرارات على المستوى الآني القريب.

أعتقد أنّ مسألة ترتيب الأولويات لا تقتصر على تقديم الـمُلِحِّ من الأمور على الأقل إلحاحاً، وإنما  يمكن توزيع هذه الأولويات على فئات من المعنيين بها لتصبح كل منها أولوية عند الفئة التي تتولاها، وعندها تأخذ مسائل الاصلاح الفكري والتربوي والاجتماعي، العناية بها منذ اللحظة، دون أيّ تسويف أو تأجيل، ودون التذرع بأن هذه القضايا تستغرق معالجتها وظهور نتائجها وقتا طويلا، أو أنها لا تدخل في أولوياتنا الملحة، أو أنها سوف تأخذ منا الشئ الكثير من الجهد على حساب أمور أخرى.

أما المجال الإعلامي، فهو بدوره يحتاج إلى وقفات حقيقية، فالإعلام من أكثر المجالات التي كان يشكو منها الإسلاميون، لأنَّ المتحكم فيه يحسم الأمر في التأثير على الجماهير، وبالتالي يمتد ذلك إلى الجانب التشريعي لينتقل إلى المجال التنفيذي، بل ويكون له أثر حتى على السلطة القضائية، فالإعلام صار هو الذي يقود التغيير، ولنا في الثورات العربية المثال الأبرز. ولأهمية الاعلام، مكنت السلطات العلمانية التي كانت تهيمن على مقدرات البلاد في الوطن العربي لمؤيديها من العلمانيين وغيرهم من منابر الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، كما حقنت معظم ما يعرض من برامج للتوجيه أو التثقيف أو الترفيه، بمضامين غير صديقة للدين والتدين، وعملت على تشكيل وعي الجماهير، وصياغة نماذج بشرية مستلبة، تهمش دور القيم الدينية، وتجعل من الدين عموماً والإسلام خصوصاً صورا نمطية، تنحو في الغالب وفي أحسن الحالات إلى تدين فردي، بدل أن يكون الدين عقيدة وفكراً ونظاماً وبرامج تقود الحياة في المجتمع.

كان الإسلاميون، ولا يزالون حتى في البلدان التي وصلوا فيها إلى شيء من السلطة، يقولون إن الإعلام يعمل ضدنا، وإنه لا يعمل في خدمة المجتمع، لا في التعبير عن حقائقه الوصفية ولا في توجيهه نحو الأهداف المعيارية. فكيف يمكن أن يصبح الإعلام اليوم بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة أداة في خدمة المجتمع؟ وصديقنا لبرامج التحول الإسلامي فيه؟ ولعل العملية الإصلاحية في هذا المجال من أعقد العمليات لأنها تحتاج إلى كوادر فنية، وإلى خطط وبرامج ورؤى وتصورات عملية، وإلى خبرات متمرسة، تنافس الإعلام القائم، وتقدم النموذج الإعلامي المتميز الذي يكسب قلوب الجماهير ويحدث التغيير المطلوب، والذي يتماشى مع التحولات الجارية في المنطقة. ولهذا فالرهان على الإصلاح الإعلامي يعد من أولى الأولويات.

|1|2|3|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة