حوار مركز نماء مع: فضيلة الدكتور فتحي حسن ملكاوي(1/3)

12/11/2012

يتميز هذا الحوار بقدر كبير من الجرأة النقدية لخطابات الإسلاميين بعد الربيع العربي، كما يتميز بقدر كبير من الإنصاف والموضوعية،  إذ يضع الدكتور فتحي ملكاوي - أحد أبرز القيادات المنظرة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي ورئيس مكتب الأردن لهذه المؤسسة-  يده على  الملفات الساخة، ويطرح الأسئلة الحارقة ويخضع كل الأفكار والمفاهيم التي تم الاعتيارد على اعتبارها مسلمات على أرضية التشريح العلمي المخبري،  ويجه العقل المسلم إلى العناوين الكبرى للمرحلة وألأولويات التي ينبغي الاشتغال عليها، ويدعو إلى الانتقال إلى  مرحلة الخيارات والبرامج والمشاريع، ويؤكد على مركزية قيمة الحرية في المرحلة القادمة وضرورة أن تحظى بقدر كبير من العناية من لدن الإسلاميين.

- الجزء الأول

مع الثورات، دخلت المنطقة العربية في مسار من التحولات الكبرى  السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن رياح هذه التحولات مست حتى الجانب المعرفي والعلمي، إلى درجة أن بعض المتخصصين في العلوم الاجتماعية تحدثوا عن صدمة في محاولة تفسيرهم للأحداث. في تقديركم ما هي أبرز التحولات التي طرأت على الفكر الإسلامي بعد  الثورات وبعد وصول الأسلاميين أو اقترابهم من الوصول إلى السلطة؟

لا أدري هل التحولات التي تقصدونها في سؤالكم، قد حدثت بالفعل أم أنّ المنطقة العربية لا زالت في طريقها إلى التحول. فالحقبة الزمنية التي مرت حتى الآن، منذ انطلاقة الثورات العربية، حقبة قصيرة، قرابة سنة وبضعة شهور، والتغير في الفكر لا يتم بسرعة تتوافق مع سرعة وقوع الأحداث، فأنا لست متأكدا من أن ثمة تحولات حصلت في الفكر الإسلامي، لكن يمكن القول بأنه قد برزت أولويات تشير إلى ضرورة الاهتمام بقضايا فكرية أكثر من غيرها. لقد برزت حالات تستدعي إعطاء أولوية لأنماط من التفكير أكثر مما كان يتاح لها، أو صارت أكثر راهنية مما كانت عليه في المرحلة السابقة.

وعلى العموم، لا ألمح تحولاً بارزاً يمكن الإشارة إليه، ومع ذلك، فإنه يمكن القول، بأنَّ قدراً من الوعي على قضايا محددة في التفكير الإسلامي قد أخذ بالظهور. مع تزايد الاحتمالات في أن يدخل الإسلاميون، مرحلة إدارة الشأن العام، وتدبير قضايا السلطة والحكم. والإسلاميون  الذين أخذوا مواقع في السلطة يشعرون بأنّ تغيراً فكرياً لا بد أن  يحصل، وأنّ حتمية هذا التغيّر مرتبطة بالانتقال من موقع الدعوة إلى موقع الدولة، أو مرتبطة بتغير موقع الحركات والأحزاب الإسلامية من دور المعارضة إلى السلطة، أو مرتبطة بحصول تحول من واقع التهميش والإقصاء في الإعلام والوظائف إلى تحمل المسؤوليات... هذا التغير لا بد من أن يحصل، وما من شك في أنه قد بدأ يحصل، لكن مظاهره لم تأخذ تمثلاتها العملية بعد، لتصبح هدفاً للملاحظة والدراسة، على المستوي الفكري والمنهجي، رغم طوفان المماحكات الإعلامية التي تبحث عن مظاهر العجز دون غيرها. ما حدث في المغرب حتى الآن يصلح أن يكون منطلقاً لتتبع اتجاهات التغير والتطور، لكن تتبع ما يحدث حتى الآن في البلدان الأخرى أكثر صعوبة، حيث لا يزال مخاض التغيرات لم يأذن بالاستقرار بعد.

وتقدير ما حدث وما يمكن أن يحدث من تغير في أنماط التفكير وفي الصياغات الفكرية المنشودة يختلف وفق المكان الذي ينظر منه الناظر، فالناظر من خارج دائرة الإسلاميين يجزم بأن الواقع الجديد الذي ينتظره الإسلاميون أو ينتظر الإسلاميين، سيفرض عليهم تغييراً لا محالة في منهجية التفكير في القضايا المطروحة، والتحرر من قيود النمطية التي سادت في السابق، التي كانت تقيد حركة التغيير والتطوير. أما الذي ينظر من الداخل، فسوف يجد أنَّ أمر التغيير ليس سهلاً، لأنَّه يطال قناعات فكرية متجذِّرة، ومقولات عزيزة على النفس، استقرَّت لفترات زمنية متطاولة، وأصبحت الهوية المميزة لأفراد وحركات وتنظيمات، يخشى أن يؤدي التغيير فيها إلى فقدان المصداقية والمرجعية.

هل يمكن أن نذكر مثالاً توضيحياً على قضية فكرية حدث فيها التغيير أو ينتظر أن يحدث؟

يمكن أن نذكر أمثلة تتصل بالبنية التنظيمية للحركات الإسلامية والتأطير السياسي العملي لها، وطبيعة الخطاب الإسلامي. مثلاً لا خلاف على ضرورة الانتقال من خطاب الدعوة إلى خطاب الدولة. لكن هذا الشعار العام، يتضمن تفاصيل لا تتيسر متطلباتها فور الإحساس بهذه الضرورة والاقتناع بها. فالتمييز بين خصائص الخطاب الدعوي التنظيري، وخصائص الخطاب السياسي التنفيذي قضية فكرية تحتاج عناصرها بعض الوقت حتى تنضج الآراء فيها، ويحصل قدر من التوافق حولها، وتتراكم الخبرة والتجربة في ممارساتها.

بعض الحركات الإسلامية مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، ليست أحزاباً سياسية بالمعنى الدقيق، إن الانتقال في البنية التنظيمية من حركة إسلامية شاملة إلى حزب سياسي يشتغل بأدوات الأحزاب السياسية المعروفة ضمن القوانين والأعراف الرسمية، أو بقاء البنية التنظيمية للحركة مع بنية تنظيميه جديدة أخرى للحزب جنباً إلى جنب، مع ما يحصل من تداخل في المرجعيات؛ هذا الانتقال يمثل تحدِّياً نفسياً وإدارياً وقانونياً. والتأطير الفكري لعملية التحول وتعديل الأوضاع لا بد أن يرافقه تطوير أفكار جديدة في السياسات الداخلية والعلاقات التنظيمية وعمليات اتخاذ القرار، وسوف تمر عملية التحول بكثير من تنازع الصلاحيات وتعدد الاجتهادات، قبل أن تستقر الأمور على ما تفرضه متطلبات الواقع العملي الذي لا تحدده الحركات والأحزاب وحدها، وإنما يشارك في تحديده التشريعات والقوانين النافذة من جهة، وضغوط الجماعات السياسية والتيارات الفكرية الأخرى في المجتمع من جهة أخرى.

إنَّ التغيير في بنية التنظيمات والحركات الإسلامية يقتضي بالضرورة تغيراً في ألوان الخطاب السياسي الذي تقدمه هذه التنظيمات، إضافة إلى التسويغ اللازم لهذا التغيير. وللاقتراب من الألوان الجديدة للخطاب التي تفرضه الوقائع من الخارج على هذه التنظيمات، وتقتضيه توقعاتهم وخططهم لأنفسهم من الداخل، ربما يتطلب حواراً داخلياً وخارجياً، تشارك في تنظيمه إدارات ومؤسسات، وتقام له ندوات ومؤتمرات، وحلقات بحث، لتوليد الأفكار والاجتهاد في صياغتها، والموازنة بين البدائل والاختيارات. وكل ذلك يقتضي تحولاً في موقع القيادات الفكرية التقليدية، التي يكون فيها الاعتداد بالعلم الشرعي، والبعد الفقهي، والسبق التنظيمي، والتاريخ النضالي، وقوة الشخصية، باتجاه تقاليد جديدة تضيف إلى كل ذلك طرقاً أخرى في توظيف الخبرات، واتخاذ القرارات، والموازنة بين الأولويات.

ولنضرب مثلاً آخر على التغيير المتوقع في الخطاب الإسلامي.

يردد العاملون في الحقل السياسي مقولة: "لا تخاطبني بالمقدس أو بالنصوص، الذي بينى وبينك خاطبني بشأنه ببرامج سياسية، أما الذي بينك وبين الله فهو لك." وكثيراً ما تستخدم الفئات العلمانية هذه المقولة بطريقة استفزازية، تنتهي بصور من المنازعة تجعل الأطراف المتنازعة لا ترى إلا ما تريد رؤيته، فمع أن الإسلاميين يمكن أن يقدموا فعلاً برامج سياسية عملية، لكن لغة الخطاب وما قد يصاحبها من ظلال دينية هي ما يكون موضع النظر، ومن ثم الاعتراض عند العلمانيين. وكذلك يفعل الإسلاميون عندما ينظرون إلى برامج غيرهم، ويلاحظون أن مرجعية البرنامج خبرات أجنبية، أو شخصيات ليس موضع ثقة بحكم تاريخها في العهود السابقة. وموطن الملاحظة في هذا المقام هي الثقة المفقودة بين الطرفين، التي كان يغذيها البعد والجفاء وتجارب الإقصاء بينهما. ورغم متطلبات التعاون والعمل المشترك الذي لا يُحتمل فيه تفرد طرف في الشأن العام وإقصاء الطرف الآخر، فإنَّ هواجس سوء الظن، سوف تبقى تفعل فعلها، إلى أن تتراكم خبرات التقارب والتعاون والعمل المشترك، بصورة تؤدي إلى بناء جسور الثقة الكافية للتوقف من الشعور بالحساسية من المفردات الدينية عند العلمانيين، والتوقف من الشعور بالتوجس من توظيف خبرة الخبراء وكفاءاتهم فيما يخدم المصلحة العامة، عند الإسلاميين.

لقد ألِف الإسلاميون أن تكون مقولاتهم وبرامجهم مستمدة من منطلقات عقائدية ومرجعيات إيمانية، ولذلك تأتي هذه المقولات والبرامج، حتى لو كانت سياسية بحته، محملة بلون من الخطاب الديني المشحون بالقطع واليقين. وألِفوا كذلك أن تأتي برامج الفئات الأخرى بصورة "وضعية، وجافة" تقوم على الحساب والإحصاء والاحتمال. ومع أن التحول بدأ بالفعل، لكننا لم نلمسه بعد، لأن مجموع الخطابات التي نسمعها الآن لا تزال مثقلة ببنية الخطاب الديني بالمعنى الداخلي الدعوي الوعظي المبني على آمال وتطلعات. في الواقع ما نراه اليوم من خلال تتبع مجموع الخطابات، يؤشر على أن هناك رغبة في التغيير وليس بناء خطة التغيير وتحويل خططه إلى برامج، وبطبيعة الحال فإن الإسلاميين في البلدان المختلفة ليسوا كلهم سواء في هذه المسألة، وإنما يتفاوت الأمر عندهم من بلد إلى آخر، وفق التحديات التي تواجههم والخبرات التي يواجهون بها هذه التحديات.

ولذلك، فالحاجة اليوم أصبحت ماسة إلى إنشاء مؤسسات تضطلع بدور تطوير الخطاب السياسي مثل الأحزاب السياسية التي تؤسس على قوانين وضعية يشترك فيها الإسلاميون مع غيرهم، بينما كان الإسلاميون في مرحلة الدعوة يستمدون مبادئهم من منطلقاتهم العقدية ومرجعيتهم المطلقة. فيما يتعلق بلون الخطاب السياسي، جرت عادة الأحزاب المعارضة أن تكشف عورات وسوءات الحزب الحاكم، لكن من المؤكد أن هذه الأحزاب المعارضة عندما تصل إلى الحكومة سيكشف غيرُها عوراتِها. ثم إنها في المعارضة سائلة غير مسؤولة، بينما هي في السلطة مسؤولة أما القوى والأحزاب الأخرى، ومسؤولة كذلك أمام الشعب، يحاسبها بكافة أطيافه: الفقراء قبل الأغنياء، وعامة الناس قبل خاصتهم. وهذا التبدل من موقف المعارضة إلى موقف المسؤولية، يتطلب تغييرات ليست قليلة في لهجة الخطاب، وفي موضوعات الخطاب، وفي مناهج التعامل مع الرأي الآخر، والقوى الأخرى التي ربما تكون في موقع المعارضة لها، والتحدي لبرامجها، والزخم الإعلامي المعارض الذي يبحث عن جوانب الخلل والقصور في الأداء ويقوم بتضخيمها.

لقد شكلت ممارسات الظلم والفساد والاستبداد التي عاشتها معظم الدول، عوامل ضغط ثقيلة الوطء على نفوس الناس عامة والإسلاميين خاصة، جعلتهم ينظرون باليأس من احتمالات التغيير في المستقبل وصعوبة توفير إمكاناته، فهم لا يتوقعون أن يقوم الأشخاص الفاسدون بأي تغيير نحو الأفضل، ولا يتخيلون كيف سينتهي عهد الفساد والاستبداد، أو كيف يصل الصالحون إلى مواقع السلطة والتمكين. بعد انتهاء هذه المرحلة، والدخول في مرحلة جديدة، لعل من ألزم اللوازم التخلص من آثار الروح المتشائمة التي كانت تعتمل في خطاب الحركة الإسلامية، وتطوير روح متفائلة، تزرع الأمل، فهي لا تستطيع إقناع الناس بتوجهاتها وبرامجها إن لم يكن لديها هذا الشعور بالتفاؤل والأمل.

ونظراً لسيادة تلك الروح المتشائمة، واليأس من إمكانية إصلاح الواقع الخارجي، فقد امتلأ الخطاب الإسلامي في تلك المرحلة بالتركيز على أضعف الإيمان، أن تنكر المنكر بقلبك، وتكره ظروفه وأوضاعه وقوانينه، حتى لو اضطررت إلى تنفيذها مكرها، ومن ثم يأتي الوعظ بضرورة القيام بما نقدر عليه، وهو إصلاح النفوس وتغيير دواخلها، ومن أجل ذلك تحشد الشواهد من نصوص القرآن والحديث لتسويغ هذا اللون من الخطاب، فالله سبحانه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعليكم أنفسكم، لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم. وربما يتجاهل من يستشهدون بهذه النصوص التصويب الذي قدمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في فهمها.

وكما نعلم، فإن غالبية أفراد المجتمعات العربية، كانت مقصاة من الحياة السياسية، ومن المشاركة في العملية الديمقراطية. الآن تغير الأمر، فالجماهير هي التي غيرت الأمور، ورغم أن غالبية هذه الجماهير غير مؤطرة في تنظيمات تقود حركتها، فإنها أصبحت في الظروف الجديدة قادرة على الحركة ورفع الصوت بالاحتجاج، وستجد من أجهزة الإعلام من ينفخ في مطالبها واجتجاجاتها، ولذلك سيكون على القيادات الجديدة أياً كانت هذه القيادات أن تطوراً خطاباً يقنع هذه الجماهير، والخطاب المطلوب هو البرامج التي يمكن أن تلمس الجماهير أثرها المباشر. ولا شك في قيمة برامج التوجيه والتوعية والإعلام التي تولد قدراً من الحشد والزخم للأوضاع الجديدة، لكن ذلك لا قيمة له إذا لم تطرح برامج تنموية واقتصادية تتولى تحسين الأوضاع المعيشية للناس، فهذا في الأساس ما تنتظره شرائح شعبية واسعة عانت طويلاً من البطالة والتهميش والفقر.

هل يمكن الحديث عن تشابه التجارب الإسلامية في الدول العربية؟ أم أن الاختلاف والتباين هو السمة الغالبة؟

في تقديري، أنَّ التشابه في التجارب سيكون قليلا، والسبب في ذلك أنَّ كل فئة من فئات الإسلاميين ستكون متأثرة بسياقاتها وظروفها المحلية، وبالتحديد بما كان من هذه الظروف وليس بما يجب أن يكون. فمثلا، هناك فرق كبير بين تونس ومصر: فالحركة الإسلامية في تونس كانت مقصاة نهائيا عن الحضور في الشارع، وقياداتها كانت منفية في الخارج، أما في الداخل، فالأمر كان جد صعب بالنسبة لأبناء هذه الحركات.

في مصر، كان الإسلاميون في الشارع، وقياداتهم كانت معروفة، هذا لا يعني أنهم لم يكونوا محاربين ومقصيين من الإعلام والوظائف وغيرها من المرافق العامة للدولة، لكن رغم كل ذلك،  فإن الحركة الإسلامية كانت حاضرة في المجتمع ومؤثرة وفاعلة بقوة، رغم أن النظام رتب أنظمته وطبقها بصورة بلغت الحد الأقصى من الظلم، محاولاً إبقاءها في الهامش، والحد من حضورها وفعاليتها، لإلغاء أثرها في الواقع. إلا أنه رغم كل هذا التضييق والخناق، فإن الحركة الإسلامية كانت لها خدمات، والناس تشعر بها، لذلك فلا غرابة في أن يكون لها قدر من التأييد الشعبي ليس بقدر ما ناضلت وضحت ونالت من العناء وحسب، وإنما بقدر ما كانت تقدم للناس من الخدمات.

أما في المغرب، فالحركة الإسلامية، كانت موجودة، ولها دعوة وحركة وحزب سياسي، ولها حضور في الشارع، ولها مؤسساتها القائمة، ولها خدماتها ولها أطرها وكوادرها، لكن طبيعة النظام السياسي وتشريعاته لم يكن يعطيها الفرصة لتجريب برامجها. والظروف الجديدة في المنطقة قادت إلى إصلاحات في التشريعات بدأها النظام بنفسه بإجراء تعديلات دستورية أعطت وزناً أكبر لحرية الاختيار عند الجمهور، فاستفادت منها الحركة الإسلامية وأتيحت لها فرصة لتطوير برامجها ووضعها موضع التنفيذ. عادة في الأنظمة الملكية، يحرص رأس النظام على الاستقرار، ولا يغامر باستقرار المجتمع، بل تكون له إرادة لإعطاء الحرية للناس ما دام الجميع له رغبة في الإصلاح بصورة لا تهدد النظام. حرصه على الاستقرار قد يدفعه أحيانا للتضحية حتى ببعض  امتيازاته، وهذا الذي حصل في المغرب، وحصل جزء قريب منه في الأردن.

ما يمكن أن نخلص إليه، هو أن هذه التجارب ستكون مفيدة للباحثين والمفكرين حتى يستخلصوا منها نماذج للتفكير، ربما تكون تجربة تونس نوعية، حينما قررت حركة النهضة اقتسام السلطة والمشاركة مع القوى الأخرى. وقد عدت هذه الخطوة عند كثير من المحللين تعبيراً عن قدر من النضج والحنكة السياسية التي تتميز به هذه الحركة.

وكان يتوقع أن تكون اجتهاد الحركة الإسلامية في مصر مشابهاً، وقد كانت خطواتها في البداية تؤشر على هذا الاتجاه، لكن طبيعة الظروف، ونوعية التحديات، وحجم النظام السابق وتغلله في جميع مستويات السلطة والإدارة المركزية والمحلية، وبقاء معظم عناصره في السلطة رغم تغيير رأس النظام جعل الحركة الإسلامية تتخذ مساراً مختلفاً، تجتهد فيه لتعزيز استمرار وهج الثورة ومواصلة جهود الإصلاح، حتى لا ترتد القوى التي خسرت مواقعها إلى ثورة مضادة، تعيد إقصاء الحركة الإسلامية من جديد. وقد تعرضت الحركة الإسلامية في مصر نتيجة لذلك لحملات إعلامية مكثفة وشديدة العداوة، فضلاً عن تحالف معظم القوى التي تسمى بالعلمانية والليبرالية واليسارية، في مواجهة الحركة الإسلامية في صورة مظاهرات حاشدة واعتصامات ومصادمات، فضلاً عن عمليات التعويق والتعطيل التي قامت بها القيادات العسكرية والقضائية، ومعها في ذلك كثير من بقايا الحزب الحاكم السابق.

يمكن أن نخلص إلى أن تجارب الحركات الإسلامية التي تبلورت مع الربيع العربي، ستكون مختلفة بقدر اختلاف الوقائع التي صاحبت التغيير وطبيعة الحكم فيه وتركيبة القوى الأخرى في كل بلد.

|1|2|3|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة