حوار مركز نماء مع الدكتور صلاح عبد الرزاق حول(3)

11/25/2012

يخصص الدكتور صلاح عبد الرزاق الجزء الثالث من حواره لدراسة مساهمة المتحولين إلى الإسلام ودورهم في تطوير الفكر الإسلامي ومده بنظريات جديدة لاسيما ما يتعلق بنقد بعض الأفكار التراثية التي لم تعد واقعية أو قابلة للتطبيق، وكذلك نقد أسس الفلسفة الغربية وكشف تناقضاتها وأعطابها من الداخل.

مساهمات المتحولين في الفكر الإسلامي

أي دور للمتحولين من الغربيين للإسلام في تجديد الفكر الإسلامي المعاصر، وإعادة تعميق الرؤية الحضارية الإسلامية في أبعادها الكونية والإنسانية؟

قدّم المفكرون الغربيون المسلمون مساهمات ملحوظة في إثراء الفكر الإسلامي عموماً، وتشكيل الإسلام الأوربي على الخصوص. لقد بذلوا جهوداً في تطوير أفكار إسلامية جديدة وإعادة تفسير لنصوص إسلامية، وتقديم رؤى جديدة للفقه الإسلامي. كما أنهم يقدمون الإسلام كبديل جديد يتمثل في منظومة فكرية وعقائدية وثقافية إلى الغربيين. ومن خلال نظرتهم الفكرية المتميزة، يقدمون فهماً معيناً للإسلام ينسجم مع البيئة الأوربية والثقافة الغربية. كما ينتجون أدباً إسلامياً جديداً يمكن تصنيفه كأدب إسلامي غربي.

إن أهم مساهمات معتنقي الإسلام هي:

1- في الفكر السياسي الإسلامي، قدم المفكر النمساوي محمد أسد (1900-1992) نظرية إسلامية رصينة جديدة في الدولة الإسلامية، اعتمد فيها على نصوص إسلامية وقواعد فقهية ومبررات سياسية فكرية وقانونية عميقة. وقام بصياغة دستور إسلامي عصري يصلح لدولة إسلامية حديثة. لقد رفض في وقت مبكر (منتصف خمسينات القرن العشرين) الفكرة الإسلامية القديمة التي تقسّم العالم إلى (دار إسلام) و (دار حرب). واستعان بمفهوم الشورى لتأسيس أرضية برلمان إسلامي (مجلس الشورى). لقد أكد على أهمية انتخاب نواب الشعب في انتخابات عامة، رافضاً أسلوب التعيين الذي ما زال سائداً، كلياً أو جزئياً، في بعض البلدان الإسلامية. وأن تشارك النساء المسلمات إلى جانب الرجال في التصويت في الانتخابات التشريعية. لقد قام محمد أسد بالتأصيل الفقهي والقانوني لتشكيل أحزاب سياسية في الدولة الإسلامية سواء ضمن الحكومة أو في المعارضة. ودعا إلى تأسيس مؤسسات دستورية مثل المحكمة العليا التي تبت في النزاعات التي قد تحدث بين رئيس الدولة والبرلمان أو الحكومة، أو بروز أزمة دستورية، أو اختلاف في تفسير الدستور. كما دعا إلى تقنين الشريعة على شكل مواد قانونية سهلة الفهم والتطبيق في المحاكم الإسلامية. ودعا إلى إنصاف المذاهب الإسلامية الأخرى وإعطائها دوراً في الدولة الإسلامية، وعدم الاقتصار على المذهب الرئيسي في البلد في التوجه الفقهي والشرعي والقضائي.

تعتبر نظرية أسد من نتاج خبراته السياسية والفكرية الغربية، بالإضافة إلى درايته الواسعة في الفقه الإسلامي وعلوم الحديث وتفسير القرآن وإجادته اللغة العربية. لقد قام بصياغة نظريته في الدولة الإسلامية منطلقاً من أرضية إسلامية متينة، ثم شيد البناء الفوقي لها من مفردات ومفاهيم سياسية وقانونية مستلهمة من النظام الديمقراطي الغربي. وساعد بذلك على تعزيز قبول الأفكار السياسية الغربية والديمقراطية في العالم الإسلامي. لذلك يمكن اعتبار نظريته إنجازاً كبيراً للفكر الإسلامي.

2- يقدم بعضهم تفسيرات اجتماعية وتبريرات تاريخية جديدة لبعض الأحكام والمفاهيم الإسلامية. فمثلاً فيما يتعلق بمسألة ارتداء الحجاب الإسلامي، يعزو المفكر الألماني مراد هوفمان هذا الحكم إلى ظروف مناخية ترتبط بالبيئة العربية الصحراوية. إذ يشير إلى أن الدعوة إلى تغطية الصدر تبدو منطقية، لأن العرب اعتادوا على تغطية رؤوسهم، رجالاً ونساءً، لحماية أنفسهم من الغبار والرياح، كما يفعل سكان اليونان والبرتغال وأسبانيا اليوم. إن القرآن يدعو النساء المسلمات إلى تغطية صدورهن وليس رؤوسهن. ثم يضيف: منذ آلاف السنين اعتادت النساء في الغرب على إبراز شعورهن علناً. والرجل الغربي لا يعتبر ظهور شعر المرأة مثيراً جنسياً. فلو كان مثيراً في بعض المجتمعات، فيجب تغطينه.

وتعزو الكاتبة الهولندية ساجد عبد الستار ارتداء الحجاب الإسلامي إلى سبب آخر هو انبهار الفاتحين العرب بالحضارات التي خضعت لهم، وأخذت نساؤهم من الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمعات الجديدة. إذ ترى أنه  عادة انتقلت من التقاليد البيزنطية والفارسية إلى العرب. إذ أخذت الزوجات المسلمات اللائي رافقن أزواجهن بعد فتح العراق وسوريا ومصر، هذه العادة من تلك المجتمعات التي أقمن فيها. لقد جاءت النساء العربيات من الصحراء إلى مدن متحضرة عظيمة. وكانت لديهن نزعة تعلم وقبول أشكال ثقافية جديدة كثيرة. وقد تقبلن عادة تغطية الرؤوس وعزل النساء، وهي أعراف بيزنطية. وتضيف: لقد استخدمت هذه العادة كشكل من الاستجابة للآيات القرآنية. إنها عادة دخيلة ومقبولة وليست أصلية في الإسلام.

3- إن تطور وتعقد الحياة المعاصرة يواجه مختلف المشاكل التي لا يمكن معالجتها إلا بفتاوى جديدة. إذ يجب أن يأخذ الفقهاء المسلمون بنظر الاعتبار كافة التغيرات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية في حياة المجتمعات البشرية، عندما يفكرون بإيجاد حلول لمشاكل المسلمين.

من هذا الفهم، يدافع المفكرون الغربيون المسلمون عن ممارسة الاجتهاد، ويدعون إليه. إذ ينتقد المفكر الفرنسي روجيه غارودي المسلمين الذي يمارسون التقليد الأعمى لأسلافهم بدلاً من التفكير الجدي التي توجههم الآن. ويرى أن الاجتهاد هو الشرط الأساسي لانبعاث الإسلام من جديد، وتأسيس حضارة إسلامية راقية. ويُعرب مراد هوفمان عن قلقه بسبب استمرار إغلاق باب الاجتهاد. وينتقد العلماء المسلمين الذين ما زالوا يرفضون فتح باب الاجتهاد، لأنهم يخشون أن يؤدي ذلك إلى إيجاد البدع. ثم يستنتج: هؤلاء العلماء ساعدوا، بحسن نية، على وصول العالم الإسلامي إلى العقلية المتحجرة المعاصرة. إن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى بروز مفكرين إسلاميين من خارج العالم الإسلامي، يساهمون في تجديد الإسلام.

4- ينتقد المفكرون الغربيون المسلمون مختلف القضايا التي يعاني منها الفكر الإسلامي. مثلاً يناقش هوفمان أن مساهمات العلماء المسلمين في الميدان السياسي ليست بمستوى أو ذي فائدة، مقارنة بما يقدمونه في ميدان الاقتصاد. ويضيف: "إن مناقشة جدية للديمقراطية قد تمثل مجازفة في الكثير من البلدان المسلمة، ولكن مناقشة جدية للاقتصاد الإسلامي قد يُعتبر قضية مثالية يمكن إقصاؤها". إن هوفمان يدعو العلماء المسلمين للتفكير جدياً بالمسائل الاقتصادية، وإيجاد حلول عملية لكثير من المشاكل والقضايا الاقتصادية والتجارية والمالية.

ويرفض هوفمان بشدة فكرة الخلافة الإسلامية، التي ينادي بها بعض المسلمين والحركات الإسلامية، لأنه توجد اليوم أكثر من أربعين دولة مسلمة، وتعيين خليفة واحد لها ليست واقعية. في مثل هذه الحالة -أي لو تم انتخاب خليفة- فلن تكون له أية سلطة سياسية، وسيقتصر دوره على ما يشابه دور البابا ولكن للمسلمين.

5- من خلال الاستفادة من خلفيتهم الثقافية وخبرتهم التعليمية في المدارس والجامعات الغربية، يشير المفكرون الغربيون المسلمون إلى القضايا التالية:

أ- غالباً ما يستخدمون مناهج غربية و مبادئ ديمقراطية في صياغة أفكارهم، وفي تطوير أطروحات إسلامية تتناول السياسة، الاقتصاد، الحياة الاجتماعية، القضايا الثقافية، العلاقة بين الرجل والمرأة ومساواة النساء بالرجال. إذ توجد الكثير من المفردات الغربية في مناقشاتهم ونظرياتهم وتفسيراتهم.

ب- من أجل المحافظة على الهوية الإسلامية، يحذّرون المسلمين من إدراك طبيعة العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي. يقول أسد "يجب أن لا نتردد في دراسة العلوم على أسس غربية، ولكن يجب أن لا نستدرج إلى فلسفتهم في أي جزء من تعليم الشباب المسلم". ويشترط غارودي شرطين، بدونها لا تتحقق نهضة الإسلام هما: عدم تقليد الغرب وعدم تقليد الماضي الإسلامي.

6- يبذل المفكرون الغربيون المسلمون جهوداً ملحوظة في الدفاع عن العقيدة والمبادئ والشعائر الإسلامية. ويسعون لتفنيد الاتهامات التي توجه ضد الإسلام. وعبر استخدامهم مختلف الأساليب والحجج التاريخية والعلمية والفكرية، يحاولون إثبات أن الأحكام والقواعد الإسلامية تفوق كل التشريعات الوضعية الأخرى. وهم لا يترددون في نقد الثقافة الغربية والديانة المسيحية بهدف توضيح أنها تعاني من نقاط ضعف وتناقضات كثيرة. وقد تقدم هذه الانتقادات خدمة، إلى حد ما، إلى الدعوة الإسلامية، وتزويدها بمعلومات ومواد يمكن استخدامها في المناقشات مع المبشرين المسيحيين أو العلمانيين.

نقد الفلسفة الغربية

أين يتجلى نقد الأسس العلمية والفلسفية والمرتكزات المعرفية للإلحاد في سير المتحولين الغربيين؟

تشكل الفلسفة الغربية البناء التحتي Infrastructure للحضارة الغربية لأنها تزودها بتبريرات فكرية ومنطقية لمبادئها ومفاهيمها. ولذلك يهتم المفكرون المسلمون بنقد الفلسفة الغربية لأنهم يعتقدون أن انهيار هذا الأساس، سيؤدي حتماً إلى انهيار البناء الفوقي Upper-structure. إذ يركّز الناقدون المسلمون على الجوانب المادية في الفلسفة الغربية التي تنكر وجود الله أو دوره، الوحي الإلهي، الأنبياء، الأخلاق والروحيات. وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير الذي يوليه المفكرون والمثقفون المسلمون بنقد الفلسفة الغربية ورموزها، من ديكارت إلى فوكوياما.

كفيلسوف وزعيم ماركسي سابق وأستاذ جامعي للفلسفة، يكرّس المفكر الفرنسي المسلم روجيه غارودي جانباً من نقده للحضارة الغربية لنقد الفلسفات والفلاسفة الغربيين. إذ يجعل من قناعاته الماركسية السابقة منطلقاً لنقد الحضارة الغربية. فهو ينتقد الفلسفة الغربية المعاصرة بسخرية حين يصف "الفلسفة في العالم المعاصر هي من ألعاب التسلية للمتخصصين المتميزين، هي الألعاب البهلوانية اللغوية. فالمفكرون بعيدون عن المشكلات الحياتية اليومية، وعن حركات الشعوب، بقدر بعدهم عن الأزياء الراقية أو لعبة بنك الحظ Monopoly".(62) كما ينتقد غارودي غياب معنى الحضارة الغربية باحثاً عن الأخلاق والقيم في ظل العلاقات المادية التي صار "كل شيء فيها له ثمن وحتى الدين والحقيقة". ويبقى يتساءل: ما هي رسالة الفلسفة؟ كيف يمكن للفلسفة أن تجعل الناس أكثر سعادة؟ هذا ما جعله يتفق مع بعض الفلاسفة الغربيين أمثال موريس بونديل Maurice Bondel (1861-1949) الذي قدم بحثاً عام 1893 بعنوان (الفعل: محاولة لنقد الحياة والعلم التطبيقي) وطرح سؤالاً أساسياً: ما الذي يجب أن نبتغيه لنصير أكثر إنسانية؟ ويرى غارودي أن جاستون بيرجيه Gasten Berger (1896-1960) قد أكمل عمل بونديل، و كان رائدأ في علوم المستقبل، عندما رأى أن المشكلة بالنسبة لبرجيه لم تكن كيف سيكون العالم في ظرف الخمسين سنة الآتية، ولكن المشكلة هي: ما الذي سيترتب في الخمسين سنة القادمة على ما نتخذه اليوم من القرارات؟ ويؤيد غارودي الفيلسوف جاستون بلاشير Gaston Bleacher الذي له الفضل في تبني إبستمولوجيا، معرفية غير ديكارتية تميل إلى أن تجعل من البحث العلمي ومن فرضياته المؤسسة له (التحقق التجريبي) حالة من الإبداع الشعري، وذلك عن طريق تفكيره العميق حول تاريخ العلم في القرن العشرين، وموازاته بتأملاته حول الخيال الشعري. ثم يستنتج غارودي: "باستثناء هؤلاء المفكرين الثلاثة الذين كانوا أكثر المفكرين تجديداً في القرن العشرين ومواصلة الرسالة الأولى للحكمة، ظلت الفلسفة التي تُدرس في الجامعة (فيما عدا بلاشير) في كل الأحوال مستخفة برسالة الفلسفة، وغريبة عن هدفها الحيوي"(63).

يوجه غارودي انتقاده لبعض الفلاسفة الغربيين بسبب مواقفهم وآراءهم. إذ ينتقد الحرية التي دعا إليها الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر Sartre (1905-1980) فيقول " إن الحرية التي يؤسسها سارتر لا تستطيع أن تكون إلا حرية سلبية: إنها القدرة على أن تقول (لا) دون أن تكون لديك القدرة على الإبداع. والخلاصة لديه كانت واضحة: 0الحياة نوع من الشغف غير المجدي)، كما كتب في الصفحات الأخيرة من (الوجود والعدم)". (64) ويروي غارودي مجاهرته برأيه بفلسفة سارتر أمامه حيث يقول "وكثيراً ما كنت أتسبب في غضب سارتر أثناء محادثاتي الودية معه. فقد قلت له مرة: إنني لم أجد شيئاً إيجابياً في فلسفتك لم أكن قد قرأته من قبل عند فيخته Fichte (1762-1814). والفارق بينكما أن فيخته كان قد قطع علاقته بالوجود وبادر لوضع فلسفة للفعل، فهو يعرف ضرورة مسلماته واستحالة البرهنة عليها في نفس الوقت"(65).

ينتقد غارودي الفيلسوف الألماني الوجودي هيدجر (1889-1976) الذي "جعل من نفسه راعياً للوجود، واستمر في غزل (الوجود والزمان) في مكتبه الرئاسي الآمن في المقاطعة، بمأمن من الوجود الواقعي الذي كان هتلرياً في ذلك الحين، ومن الزمن الواقعي زمن معسكرات الموت في وقت الحرب"(66).

وينتقد أيضاً الفيلسوف الفرنسي الماركسي ألتوسير Althusser (1918-1990) الذي "يعرض الماركسية وهي الفكر الأكثر حيوية في قلوب الجماهير، دون أن يصل إلى جذور هذه الفلسفة. فهو لا يتجاوز في فلسفته حدود شارع (الألما) في باريس، وحدود دائرة مريديه في الحي اللاتيني. و لا يعني هذا الانتقاص من موهبة ألتوسير الشخصية والمهنية، ولكن لأنه يعكس روحاً يائساً من الزمن، ويطبّق بنيوية جافة، قاد تلاميذه إلى الظن بأن (الإنسان هو عروس خشبية متحركة تتحكم فيها الأبنية)(67).

ويمضي غارودي في نقده للفلاسفة الذين لا يلتزمون بما يدعون إليه ولا يجسدون المبادئ والفلسفات التي ينادون بها، وأنهم بعيدون ومنعزلون عن نبض الشارع الإنساني. وربما يقدمون الفلسفة كتبرير للسياسة المتوحشة في العالم. ينتقد غارودي الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucaut (1926-1984) لأنه يصل إلى نتيجة هي "موت الإنسان". ثم يوجه غارودي نقده للفلاسفة الذين يلقون محاضراتهم (في الفصول والمدرجات الجامعية، ويعزلون طلابهم عن ضجيج الشارع وعن زلازل الشعوب، حيث يبدو الفكر الأحادي (أي غياب التفكير النابع مما هو صحيح سياسياً) متجاهلاً النظريات الرامية إلى الحفاظ على الوضع العالمي على ما هو عليه. فأصحاب الأيديولوجيات في البنتاغون مثل [الفيلسوف الأمريكي] فرانسيس فوكوياما، يرون "نهاية التاريخ" في الانتصار العالمي لما لا يجترئ على ذكر اسمه، ويختفي خلف كل العلاقات الاجتماعية، ألا هو (وحدانية السوق)"(68).

كما يوجه غارودي نقده إلى "باحث أقل تفاؤلاً، وأقل شهرة هو صموئيل هانتجنتون، الذي يريد هو أيضاً تكريس التاريخ في مواجهة أبدية بين حضارة يهودية-مسيحية وبين تحالف إسلامي-كونفوشي". يستنتج غارودي: "إن الفلسفة بالمعنى الصحيح، أي التفكر في الغايات وفي معنى الحياة، والمشاركة في الفعل لتحقيق هذه الغايات وهذا المعنى، قد خانت رسالتها في الغرب: شرقه وغربه على السواء"(69).

في الوقت الذي يركّز غارودي على أن الفلسفة الغربية قد خانت رسالتها، وأنها صارت بعيدة جداً عن واقع الناس، فإن المفكرة الأمريكية المسلمة مريم جميلة Maryam Jameelah (1934-)(70) تتفق معه على ذلك، لكنها تناقش المصادر الفلسفية للمادية الغربية. فهي تعتقد أن الفصل بين لاهوت الكنيسة والفلسفة الغربية قد حدث عصر النهضة. وتشير إلى الحركة الإصلاحية التي قام بها الراهب الألماني مارتن لوثر (1483-1546) بسبب عدم رضاه عن انصلاح حال سلطة الكنيسة الفاسدة، وأدى إلى نشوء المذهب البروتستاني المستقل تماماً عن الكنيسة. وتضيف جميلة "لم يكن هذا الانشقاق عن الكنيسة الرومانية راجعاً فقط إلى مساوئ وفساد الكنيسة، ولكنه كان راجعاً أيضاً إلى تزايد تعقيدات الحياة الاقتصادية وتعاظم ثرواتها.. حيث تزايدت معها كراهية رجال الأعمال والصناعة الألمان لمفهوم الرهبنة الكنسية ولفظوا سيطرة روما الدينية. فقاموا بدلاً من ذلك بتمجيد "الرخاء المادي" و"تعظيم النجاح" كعلامات محسوسة من نعم الله. ونظروا للفقر كعقاب إلهي، وللعزلة على أنها تمركز حول الذات وأنانية، وللتأمل على أنه تقاعس وكسل"(71).

وتمضي جميلة في تتبع مسار النزعة المادية في الفلسفة الغربية فتقول "منذ ذلك الوقت أخذ الفلاسفة الغربيون يبدون ميلاً أكثر نحو قبول المادية، وميلاً أقل نحو اللاهوت والغيب. وقام رينيه ديكارت Descartes (1596-1650) بتطوير المنهج التجريبي، في حين بدأ فرانسيس بيكون Francis Bacon (1561-1626) في الإطاحة بفلسفة أرسطو وفلسفة العصور الوسطى المنهجية، ونحت لنفسه أسلوباً لكشف الحقائق الجديدة بدلاً من البرهنة على ما هو معلوم"(72).

وتعترف جميلة بأهمية الاكتشافات العلمية التي قدمها العلماء الغربيون، ومدى تأثيرها وفائدتها لكل البشرية، لكنها تجادل بأن العلماء الغربيين بدأوا يقبلون بنظرة مادية ضيقة ودوغماتية. "فبعد نيكولاي كوبرنيكس Copernicus (1473-1543)، أصبح عالم الفلك الغربي ينظر للإنسان فقط كذرة تافهة Puny speck على كوكب ضئيل يدور حول نجم يكبره بعشرة أضعاف. وهذا لنجم الضخم يسبح شارداً في محيط كوني لا متناه... ولأنه لم ير في تليسكوباته أي إله أو ملائكة أو شياطين، خلص إلى أن الإنسان يعيش منفرداً تماماً في آلة كونية باردة معقدة... فقد كان خلقه من قبيل المصادفة فقط أو مجرد خطأ لا أكثر"(73).

ثم تستنتج جميلة: "فكان أن هجر الإنسان الغربي البحث عن المعنى النهائي من الحياة والهدف الأسمى منها، باعتبار أن ذلك عقيم لا طائل منه. وبعد أن شعر أنه غريب في هذا الكون دون عثوره على أي دليل مادي ملموس لوجود أي إله وراء هذه النعم... وبدأ ينظر للطبيعة كعدو يجب قهره والانتصار عليه، وسلبه كل ما لديه بإخضاعه للوسائل الميكانيكية من أجل زيادة رفاهيته. لم تكن الطبيعة بنظر علماء غربيين أمثال ديكارت سوى ماكينة تخلو من أي معنى روحاني..فكل الكائنات الحية عندهم، بما فيها الإنسان، ليست سوى محصلة تفاعلات كيميائية تلقائية... فقد كان ديكارت يتبجح بقوله (أعطوني العناصر وسأصنع لكم الكون)".

وتستمر جميلة في نقدها لرواد عصر التنوير أو النهضة الذين صاروا يشجعون على التحلل من العقائد الدينية، إذ تقول "وأخذ مؤيدو ما يسمونه (عصر التنوير) يُفهمون الناس أنه لابد وأن تُنبذ كافة المعتقدات التي تخالف التجربة والملاحظة البشرية، متأثرين بسموم نظرية الفيزيائي الإنكليزي إسحاق نيوتن Isaac Newton (1643-1727) التي تقول أن الكون كله تحكمه قوانين حسابية ثابتة. فالمعجزات الدينية والنبؤات والوحي والطقوس الدينية والعبادات لا مكان لها عندهم إلا الاستهزاء، فهم يعتبرونها معتقدات خرافية"(74).

وتضرب أمثلة من فلاسفة وأدباء تلك الفترة حيث تقول "وها هو فولتير Voltaire (1694-1778) يقول أن الله خلق الكون، تماماً مثلما يقوم الساعاتي بتجميع أجزاء الساعة.. وبعد أن يقوم بصنعها لا تكون له بعد ذلك أي علاقة بها... وها هو الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم David Hume (1711-1776) يرفض كافة المعتقدات الدينية على أساس أنها لم تثبت بالتجارب العلمية بل أنه هاجم حتى "إلوهية الله" لفولتير معلناً أننا رأينا الساعات يصنعها الساعاتي، ولم نر الكون يصنعه الله". يرفض جدل هيوم الحياة الآخرة عندما يقول "لا يوجد لدينا مبرر كي نستنتج من الحياة، التي لا يكون فيها الثواب العقاب ملائماً لاستحقاقات الإنسان، أنه ستكون هناك حياة آخرة يأخذ فيها الناس ما يستحقونه"(75).

تستمر جميلة بنقدها فلاسفة غربيين آخرين أمثال وليم جيمس William James (1842-1910) الذي تساءل عن قيمة التمسك بالمفهوم الملموس للعقل، الذي يعتبره مجرد حالة من الشعور تنشأ من محصلة تفاعلات كيميائية في الجهاز العصبي بفعل مثيرات خارجية. فقام أطباء نفسيّون أمثال الفسيولوجي الروسي إيفان بافلوف (1849-1936) بالاتجاه إلى دراسة دوافع السلوك البشري بإجراء التجارب على الكلاب والقرود وإنسان الغاب. وأدى ما يقال عن اكتشاف سيجموند فرويد Sigmund Freud (1856-1939) لرغبات اللاشعور المكبوتة في العقل الباطن المترسبة عبر مراحل الطفولة المبكرة بأنها مصدر السلوك غير العاقل... بالفلاسفة المعاصرين إلى اقتناء سلاح آخر ضد الدين. فقد كان فرويد يقول أن الطفل الصغير يُسقِط صورة والديه -اللذين وهباه الحياة، وقاما بحمايته من الأذى، وعلّماه النظام والعقاب والثواب- على الإيمان الديني في حياته الراشدة. فكان مفهوم فرويد بذلك، أن الدين شيء بشري من صنع الإنسان تماماً...وأن الأخلاق بالتالي نسبية وغير مطلقة. ولقي هذا المفهوم صدى كبيراً لدى طلبة ودارسي الأنثروبولوجي (علم دراسة الإنسان). فوافق العالم الأنثروبولوجي رالف لينتون على أن عقيدة التوحيد الجامدة في الإسلام، قد نشأت في النظام الأبوي الصارم للقبائل السامية(76).

ينفي فرويد الأصل الإلهي للدين وينفي تبرير وجوده على أساس إلهي، حيث يقول: "يبدو أنه من غير الحقيقي وجود قوة في الكون تسهر على خير كل إنسان وتراقبه بعناية أبوية.. وتعمل على حشد النعم له ليصل في نهاية المطاف إلى خاتمة سعيدة..بل على العكس لا تتوافق مصائر البشر مع أي مبدأ من مبادئ عدالة الكون. فالزلازل والفيضانات والحرائق لا تميز بين الإنسان الطيب المتدين، والإنسان الشرير الكافر، بل ولو تركنا حتى هذه الطبيعة التي لا تعي، ونظرنا إلى قدر الإنسان في علاقته فقط مع أبناء جنسه، لتبيّنا على الفور غياب (قانون إثابة الخير ومعاقبة الشر). فكثيراً ما نجد الشقي والنصاب وعديم الضمير هو الذي يستحوذ على نعم هذه الدنيا، ويخرج منها التقي الصالح صفر اليدين. فالواضح هنا أن القوى الشريرة، غير الرحيمة التي ينتفي عنها الحب، هي التي تحدد قدر الإنسان. ومن ثم يبدو أنه لا وجود لفكرة العدل الإلهي التي يتحدث عنها الدين، أنها تحكم الدنيا. فلا يمكن لأي محاولة تستهدف التقليل من سيادة العلم، أن تغيّر من الحقيقة التي تقر باعتمادنا على العالم الخارجي الواقعي. فالدين ليس إلا وهم طفولي يستمد قوته من حقيقة أنه "يتماشى مع رغباتنا الغريزية(77).

ويضخم الفيلسوف الإنكليزي برتراند رسل Bertrand Russel (1872-1970) هذه الفلسفة المادية الملحدة في كتاباته فيقول: الإنسان محصلة أسباب لا نملك الضمان على ما ستؤول إليه من نتيجة آخر الأمر. فأصل الإنسان ونشأته ونموه وآماله ومخاوفه وميوله ومعتقداته ليست سوى نتاج لتجمعات نظامية عارضة من الذرات. فليس بمقدور أي قدر من البطولة، أو عمق التفكير أو قوة الشعور، الإبقاء على حياة المرء بعد الممات. فكل كنه العصور، وكل التقوى والورع، وكل الهامات العبقرية البشرية مقدّر لها الموت داخل الفناء الشاسع للمجموعة الشمسية..فعند انهيار تلك المجموعة الشمسية سيدفن حتماً المعبد الكامل لحضارة الإنسان تحت حطام الكون وركامه(78).

ثم يأتي الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer (1788-1860) فيدفع هذه الفلسفة المادية البحتة إلى منتهاها المنطقي، حينما ينظر لجوهر الحياة باعتباره طاقة شاردة ونشاط متملل وقوة لا عقلانية، فيقول: بما أن أساس كل الرغبات هو الحاجة والنقصان والألم، ترتدّ الطبيعة البهيمية الوحشية أيضاً إلى أساسها وجوهرها، أي تخضع للألم. فلذلك إذا ما حرمت من موضوع رغباتها عن طريق إشباع تلك الرغبات بسهولة ويسر، عندئذ سيمتلئ القلب بفراغ، وتملل رهيب للدرجة التي يصبح عندها الوجود حملاً لا يطاق ولا يحتمل، تارة من الملل وتارة نحو الألم. والحياة مثل البحر مليئة بالصخور والدوامات، يسعى الإنسان لتفاديها بكل جهده بالرغم من علمه انه إذا ما نجح في اجتيازها مستخدما كل قواه الجسمانية والعقلية، سيكون قد اقترب من كافة الاتجاهات المؤدية إلى الحطام الذي لا مفر منه، حطام سفينة الحياة. فكل إنسان بمشواره في الحياة لا يعدو أن يكون إلا حلم آخر قصير في روح الطبيعة اللامتناهية. فالإرادة التي تصر على الحياة، ليست سوى صورة أخرى من الزوال الذي ترسمه الطبيعة دون عناية على صفحاتها اللامحدودة، فتسمح لها بالبقاء لفترة قصيرة جداً ثم تزول إلى العدم، وتتلاشى لتفسح المكان لغيرها(79).

بعد أن تتابع جميلة أصول الفلسفة المادية الغربية التي اعتبرت الحياة والقيم الأخلاقية عبث لا معنى له، تقارن هذه النظرة الغربية المتشائمة بنظرة الإسلام فتقول : "الإنسان الذي ننظر إليه نحن المسلمون على أنه خليفة الله في الأرض، بروح لا تموت، وكمخلوق مفضل على سائر الكائنات، متدين وروحاني وذي أخلاق ومسؤول مباشرة عن أعماله في الحياة أمام خالقه، انتقصوا من تكريم الله له، وأنزلوه لمستوى الحيوان الذي لا يكون مسؤولاً عن شيء في الحياة إلا إشباع حاجاته الجسمانية والاجتماعية فقط. لذلك ليس من الغريب أن تجد أيديولوجيات مثل الفاشية والنازية والشيوعية والبراغماتية والصهيونية تزدهر إزدهاراً كبيراً في تلك التربة الغربية الملحدة... إنهم جميعاً يتفقون مع فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1844-1900) في "أن الله قد مات"(80).

يتابع المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان مسيرة الإيمان والإلحاد في الفلسفة الأوربية، والانحسار التدريجي لفكرة (الله) وتعزيز فكرة (الإنسان) كمحور للكون، حيث يقول: "لا نستطيع أن ننفي عن آباء التنوير المسؤولية غير المباشرة عن هذا الفشل الفريد لفكرة عظيمة، هي سيطرة العقل على أفراد مستقلين وعلى تصرفاتهم. فمفكرون من أمثال ديفيد هيوم، فولتير ، فريدريك الكبير (1712-1786)، ليسنج (1729-1781)، غوته (1749-1832)، ومن قبلهم مونتاني (1533-1592) وديكارت (1596-1650) ولوك (1632-1704)، وكذلك ليبنتس (1646-1716)، هؤلاء جميعاً لم يكونوا ناكرين لوجود إله، ولكنهم كانوا مؤمنين بإله كعلة أولى، ناكرين للوحي، مؤمنين بإله واحد بعيد وليس بصورة الثالوث الإلهي الذي تتبناه الكنيسة المسيحية. اعتمد إيمانهم على ملاحظة الطبيعة وتأملها والتفكير فيها،وليس على التسليم بالوحي. لم يرغب هؤلاء في إلغاء فكرة عقيدة أو ديانة، ولكن اتجهت جهودهم إلى القضاء على سيطرة الكنيسة على معتقدات البشر وعلى نفوذ الكهنوت(81).

ويمضي هوفمان متناولاً بالتحليل أفكار الفيلسوف كانط فيقول: "أما بالنسبة لأعمال الفيلسوف عمانوئيل كانط Immanuel Kant (1724-1804) النقدية، فلم تكن ضد الدين بقدر ما كانت موجهة ضد الكنيسة. فلم يدلل كانط –ولم يرغب أصلاً في التدليل- على عدم وجود الله في كتابه (نقد العقل) الصادر عام 1781، ولكنه أراد نفي إمكانية الاعتماد على تصورات ميتافيزيقية تتعدى نقد المعرفة، وبالتالي تتحول حتماً إلى لعب بالألفاظ كما كان سيقول فيتجنشتين. لقد لجأ كانط في عمله التالي (نقد العقل العملي) عام 1788 إلى أن المسلّمة (الفرضية المسلّمة) "الله" ضرورة لمسيرة المجتمع، ولكن بالرغم من ذلك أدى التحرر من سيطرة الكنيسة على البشر كنتيجة لعملية التنوير، إلى تهميش دور الدين. لقد احتل الإنسان الفرد مكانة الله بحسبان أنه هو الإنسان الفرد مقياس ومعيار كل شيء. لقد تمادى الإنسان في تقدير ذاته وقدراته حتى أصبح الوثن الجيد لهذا العصر"(82).

يلاحظ هوفمان تأثير الموقف المتأرجح للفلاسفة على المجتمع فيقول: "لم يكن بمقدور غالبية الناس التعايش مع ما يمثله كانط من موقف اللاأدرية إزاء المعرفة واللامعرفة، بمعنى أن يتأرجح ما يتعلق بالموقف الفلسفي والديني، أي أن يحيا وكأن الله موجود دون أن يملك دليلاً علمياً على هذا الوجود. ولذا كان الفرد العادي في القرن الثامن عشر يميل إلى الأخذ بفرضية الفيلسوف الفرنسي باسكال Blaise Pascal )1623-1662) التي تقول: (إذا ما أخذ المرء بمبدأ الإيمان بالله، فإذا تبين أن ذلك حق، فاز حينئذ بكل شيء، وإذا تبين خلافه فإنه لن يخسر شيئاً). ولكن من البديهي، بل من الضروري، أن يؤدي القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر، قرن الإلحاد، وممثليه الأساسيين لودفيج فويرباخ (1804-1872) وتشارلز داروين (1809-1882) و كارل ماركس (1818-1883) وسيجموند فرويد (1856-1939).

وفي اللحظة التي أصبح فيها الله مجرد إسقاط لرغبات البشر، أصبح المجال مهيأ لتأليه الإنسان في صوره المختلفة، سواء كان ذلك بتأليه الجماعة في الدولة (الماركسية، الاشتراكية، الفاشية) أو تأليه الفرد (الفردانية، الليبرالية، الرأسمالية، النزعة النفسية)(83).

ثم يستطرد هوفمان "منذ تلك اللحظة عاشت الإنسانية ما لم تره من قبل وما لا مثيل له: فالحضارة الغربية هي الحضارة الأولى من نوعها التي تظن أن بإمكانها الحياة بدون الإيمان بكل ما هو مقدس، بدون إله وبون غيبيات، وذلك عن طريق سلوكيات تتسم بالإلحاد، حتى وأن لم تؤمن نظرياً بالإلحاد".

يناقش هوفمان فلسفات ونظريات ما بعد الحداثة Post-modernism السائدة في أوربا حيث يقول: "الملمح المتميز لما بعد الحداثة في الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا هو نبذ المنظمات الكبيرة والنظريات الشاملة العامة. فبدلاً من الشرح، يحتل الوصف مكان الصدارة، ويتم تفكيك علاقات فكرية إلى مجرد طرق محادثة. فالعلم يتم (تدويره) وتحريكه كالمال في اتجاه ما بعد الحداثة. فالنص آخر الأمر هو نتاج ما يفعله القارئ به، أي القارئ مؤلفاً!(84).

وينتقد هوفمان نتائج ما بعد الحداثة في المجتمعات الغربية فيقول: يتمثل رد فعل ما بعد الحداثة على حالة الفقر الفكري والروحي للحداثة في مظاهر العصر الجديد، مثل: كشف الغيب، علوم إعادة التجسيم، الطوائف المسيحية الجديدة الملفقة، الدين المدني، نظريات البيئة وأساطير الطبيعة، وغيرها الكثير مما نجده في السوبرماركت الديني المعاصر(85).

ويستشعر الناس اليوم الخوف من كل ما يتّسم بالنظام والقواعد. ففي عصر ما بعد الحداثة يبتعد الناس عن (الموضوعية) كهدف وإمكانية، لدرجة أن الكثيرين ينفون عن العلوم الطبيعية مسألة المعيارية. فالجوهر الأساسي للأسئلة الفلسفية القديمة مثل: ماذا أستطيع أن أعرف؟ ماذا عليّ أن أفعل؟ ما الذي أستطيع أن آمله؟ كل هذه الأسئلة تطرحها ما بعد الحداثة كتساؤلات، ولكنها لا تبغي من روائها إجابات. ولكن إذا أصبحت كل مقولة مجرد مادة تأملية، فسيصبح عن قريب من الفضائل ألا يكون للمرء رأي ثابت (no view)، وكذلك لا يحدد لنفسه هدفاً ((no goal وستصبح كل حماسة دينية وانتماء عقائدي تطرفاً، هذه النسبية في القيم ستؤدي بطبيعة الحال إلى عدم اتخاذ مواقف، وليس للتسامح وتقبّل الآخر. والنقيض هو الصحيح: تقبّل الآخر والحق في وجود أشياء مطلقة متلازمان.

إن مرحلة ما بعد الحداثة تتمسك بالانجازات الرئيسية للحداثة، وهي: فصل الدولة عن الكنيسة، التعدد الفكري، رؤية تاريخية خطية مستقيمة، ميتافيزيقيا ملحدة، رسالة التبشير بالإنسان محور الكون(86).

ويمضي هوفمان في تحليله على اعتبار أن مرحلة ما بعد الحداثة هي نتيجة طبيعية للحداثة فيقول: مرحلة ما بعد الحداثة إحدى النتائج المتأخرة للحداثة والتي تتحمل مسؤولية انتشار الإلحاد، والعلمانية، وفقدان القيم والمعايير، وفقدان الأشياء لمعانيها ومضامينها. إنها رد فعل مأزوم على عالم مرعب لا يمكن –على أقل تقدير منذ الحرب العالمية الثانية- بأي حال السيطرة عليه، لا من خلال مثل وقيم التنوير ولا حتى بقوة ردع السلاح. ولذلك لا ينبغي لأحد أن تصيبه الدهشة إذا ما رفض العالم الإسلامي أن يشارك في مسألة اللامبالاة بالمعتقدات، لأن المخاطر الناجمة عن هذا لا يغفلها العقل. إن هذا بمثابة كابوس سيؤدي بالعالم إلى طريق مسدود، سيعمل على أن تفقد الأشياء معانيها وقيمتها، سيفقد العالم الأمان، التراث والتقوى(87).


62.  روجيه غارودي (2001)، كيف نصنع المستقبل؟ ، ص 226

63.  المصدر السابق، ص 233

64.  المصدر السابق، ص 227

65.  المصدر السابق ، ص 227

66.  المصدر السابق ، ص 228

67.  المصدر السابق ، ص 228

68.  المصدر السابق ، ص 229

69.  المصدر السابق ، ص 232

70.  اسمها السابق (مارغريت ماركوس) وهي أمريكية من عائلة يهودية، اعتنقت الإسلام عام 1959. تأثرت بكتابي محمد أسد (الطريق إلى الإسلام) و(الإسلام على مفترق الطرق).  في عام 1962 دعاها الداعية أبو الأعلى المودودي إلى الهجرة إلى الباكستان والعيش هناك كفرد من أفراد أسرته. قبلت مريم الدعوة وبعدها بسنة واحدة تزوجت محمد يوسف خان الأمير النشيط للجماعة الإسلامية، والذي أصبح فيما بعد الناشر لكل مؤلفاتها.صارت مريم أماً لأربعة أطفال تعيش مع زوجة أخرى لزوجها في منزل كبير مع الأهل. ترتدي مريم النقاب على نحو صارم. لها إصدارات عديدة في مختلف الشؤون الفكرية مثل (الإسلام في مواجهة الغرب) و(الإمبريالية الغربية تتوعد المسلمين) و (تحذير إلى المرأة المسلمة، اليوم وغداً) و (شهداء الحركة الإسلامية في العصر الحديث) و (الرسائل المتبادلة بين أبو الأعلى المودودي ومريم جميلة عن الدعوة وهموم المسلمين). 

71.  مريم جميلة (1992)، الإسلام في مواجهة الغرب، ص 23-24

72.  المصدر السابق، ص 27

73.  المصدر السابق، ص 28

74.  المصدر السابق، ص 28-29

75.  المصدر السابق، ص 30

76.  المصدر السابق، ص 31-32

77.  المصدر السابق، ص 34

78.  المصدر السابق، ص 35

79.  المصدر السابق، ص 37-38

80.  المصدر السابق، ص 38-39

81.  مراد هوفمان (2001)، الإسلام في الألفية الثالثة، ص 21

82.  المصدر السابق، ص 22

83.  المصدر السابق، ص 23

84.  المصدر السابق، ص 179

85.  المصدر السابق، ص 180

86.  المصدر السابق، ص 180

87.  المصدر السابق، ص 181

|1|2|3|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة