حوار مركز نماء مع الدكتور صلاح عبد الرزاق حول(2)

11/14/2012

يستمر الدكتور صلاح عبد الرزاق في  الجزء الثاني من هذا الحوار في  رصد محددات وأسباب اعتناق الغربيين للإسلام، والدوافع التي تقف خلف إقبالهم عليه، ويسجل ملاحظاته النقدية على النظريات زالاتجاهات التي قتربت هذه الأسئلة، مركزا بالخصوص على إغفال هذه المقاربات للبعد الديني والفكري في التحول، والتركيز على العومال النفسية والاجتماعية المحيطة.

نظرة نقدية للدراسات المتعلقة بإعتناق الإسلام

ما هي في نظركم أهم أسباب اعتناق الغربيين للإسلام، خصوصا المفكرين والنخب منهم؟ وما هي دوافع إقبال العالم الغربي على الإطلاع على الإسلام؟

تعتبر النظريات والتفسيرات الآنفة الذكر جهوداً كبيرة لفهم ظاهرة التحول الديني. إن الباحثين في اعتناق الإسلام يستخدمون شتى النظريات التي تسعى لتفسير التغير الديني من أجل توضيح طبيعة هذه الظاهرة والعوامل المؤثرة فيها. وهم يتناولون مختلف الدوافع التي تؤدي إلى اعتناق الإسلام. وبهذا الصدد لدي مجموعة من الملاحظات:

1- إن اعتناق الإسلام مثل بقية التحولات الدينية إلى الديانات الأخرى، إذ يتضمن دوافع نفسية واجتماعية. وهذه الدوافع نوقشت من قبل مختلف النظريات التي قدمها علماء النفس والتحليل النفسي والإجتماع. وهذا يعني أن معتنقي الإسلام قد يعانون أيضاً من أزمة نفسية Psychological crisis أو مشكلة اجتماعية Social problem والتي بدورها تحتاج إلى حل روحي. وقد يوجد هذا الحل في الاسلام باعتباره خياراً دينياً، أو في علاقة مع مسلمين تقود إلى اعتناق الإسلام فيما بعد. إذن، قد يقدّم الدين الإسلامي حلاً مناسباً لمشاكل نفسية أو اجتماعية يعاني منها أشخاص مستعدون للإعتناق. واستناداً إلى البحوث الخاصة باعتناق الإسلام ، مقارنة مع اعتناق المسيحية ، يبدو أن تأثير الدوافع النفسية أو وجود شخصيات مضطربة أو خبرات غيبية قليل جداً.

2- معظم البحوث التي تعنى باعتناق الإسلام ، مع بعض الاستثناءات، لا تعير اهتماماً للأسباب الفكرية باعتبارها عوامل هامة في اعتناق الاسلام. إن نقد المعتنقين للمجتمع العلماني الغربي والثقافة الغربية تمثل قضية فكرية عميقة. إن رفض العلمنة والمنظور المادي للمجتمع يوضح عمق الأزمة الفكرية التي يواجهها الفرد الغربي المعاصر. هؤلاء الأفراد يرفضون العديد من النتائج التي أحدثتها عمليات العلمنة  Secularization، والتحديث Modernization ، والتمدّنUrbanization  في المجتمع الغربي المعاصر. فهم يجدون أن العلمانية تفتقد لنظام أخلاقي متماسك أو قيم جوهرية قادرة على إرضاء حاجات الإنسان الروحية. وبدلاً من الثقافة الغربية الحديثة التي تعجز عن إشباع حاجاتهم الفكرية، فهم يتطلعون إلى بدائل دينية أخرى تمنحهم ثقافة أخرى غير الثقافة الغربية التي لا يريدونها. إنهم يؤمنون بأن مشاكلهم المعرفية Cognitive problems وأسئلتهم المتعلقة بهدف ومعنى الحياة الإنسانية قد تم حلها عبر اعتناق الإسلام لأن "الإسلام قدم لهم فلسفة كاملة للحياة. إنه ينادي بمسؤولية المرء وبمستقبل الحياة"(24). إنهم بحاجة إلى نظرة جديدة للعالم تستطيع تفسير العلاقات المتبادلة بين الفرد والمجتمع والكون ،  وأن تأخذ بنظر الاعتبار العدالة الاجتماعية ومسؤولية الأفراد عن أفعالهم. وهذا ما يفسر الحقيقة التي تؤكد أن الذي يعتنقون الإسلام إنما يعتنقونه في سن متأخرة حيث يكون إدراكهم قد تطور ونضج بشكل يكون فيه قادراً على تقييم ومناقشة الأفكار والعقائد والخيارات بوعي كامل.

هناك العديد من الحالات التي يبدو فيها الأشخاص عاديين جداً ولديهم وضع مستقر ولا يبحثون عن أي خيار ديني آخر، ولكنهم وبالصدفة يلتقون بمسلمين أو يكونون عرضة لقراءة القرآن الكريم، فيكتشفون معرفة جديدة ، ثم تنشأ لديهم أسئلة حول دينهم وعقائدهم السابقة. هذه الأسئلة الفكرية والعقائدية لم يجدوا لها إجابات في دياناتهم السابقة. وهذا ما يقودهم إلى نقد دياناتهم ، ثم يبدأون تدريجياً بالاقتراب من الإسلام. وبهذا الصدد يمكن ذكر اعتناق المطرب الإنكليزي السابق كات ستيفنس الذي تحول إلى الداعية يوسف إسلام(25)، وأستاذ الرياضيات الأمريكي جيفري لانغ(26)، والطبيب الفرنسي موريس بوكاي(27)، باعتبارها أمثلة قوية على هذه الحالات. إن العامل الرئيسي في اعتناقهم الإسلام هو قراءة القرآن وتأثرهم العميق به. وهنا تطرح الأسئلة التالية: ما هو تأثير النص القرآني على هؤلاء الناس؟ أين يكون تأثير القرآن ؟ هل هو في خطابه للعقل البشري وفهم احتياجاته؟ أن أنه يمثل نداءً للتفكير المنطقي والواعي في البشرية والطبيعة والكون؟ وهل حقاً وجد هؤلاء الناس أن الإسلام يمثل الحقيقة التي يبحثون عنها؟

3- هناك اهتمام ضئيل جداً بالبعد العقائدي في التحول الديني. إذ يبدو أن الباحثين في ظاهرة الاعتناق والذين يناقشون قضية دينية لكنهم يتعمدون الإهمال الكامل للدوافع الدينية أو الأسباب العقائدية في هذه الظاهرة. وحتى عندما ينسبون التحول الديني إلى حاجات روحية بهدف التكيّف مع أزمة نفسية أو اجتماعية معينة، فهم لا يجيبون على السؤال التالي: إذا كان هؤلاء المعتنقون بحاجة إلى حياة دينية أو بديل روحي فلماذا يتحولون عن ديانة آبائهم؟ أو بطريقة أخرى: لماذا يتركون المسيحية ويعتنقون الإسلام؟ فمن الممكن أن يصبحوا أكثر تديناً من خلال دينهم نفسه ولا حاجة لتغييره بآخر. أعتقد أن الإجابة تكون من خلال الملاحظات التالية:

الأولى: هو فشل المسيحية في إعطائهم أجابات مقنعة لأسئلتهم. فهم يعتقدون أن المسيحية غير قادرة على تقديم الحياة الروحية التي يرغبون به لأن الكنيسة المسيحية مستعدة للتسوية مع متطلبات المجتمع العلماني، والتنازل عن قواعدها وعقائدها. إنهم يقولون أن المسيحية قد فقدت تأثيرها وسيطرتها على أتباعها. ويرى كثيرون منهم أن بعض العقائد المسيحية، كالتثليث والتجسد والتكفير عن الخطايا وأن المسيح ابن الله ووساطة رجال الكنيسة، سببت لهم الإرباك والغموض. إن مثل هذه العقائد تفتقد لقاعدة منطقية، أو بالكاد يمكن قبولها ، وأنها تشجع المستعدين للإعتناق على البحث عن خيار ديني آخر ذي إيمان مقنع ومتماسك.

الثانية: بهدف تفسير ظاهرة اعتناق الإسلام في الغرب، أعتقد أنه من الهام التركيز ليس على "الجانب المتأثر" أي الأفراد المعتنقين أنفسهم فقط، بل الاهتمام أيضاً بـ"الجانب المؤثر" أي الإسلام نفسه. يجب دراسة سبب انجذاب المعتنقين الغربيين بالإسلام؟ لماذا يجذبهم الإسلام بالذات؟ ماهي ميزات الإسلام الرئيسية التي تسهّل عملية اعتناق الإسلام؟ لماذا يقبلون الأحكام والقيود الإسلامية في حين تشن وسائل الإعلام الغربية الحملات الدعائية المضادة والمستمرة ضد الإسلام؟ ولماذا يقبلون على دين يوصف دائماً من قبل الإعلام الغربي بأنه عدواني ومتعصب ومتخلف وضد الحضارة الغربية؟ وما الذي وجده هؤلاء المعتنقون في الإسلام جعلهم يديرون ظهورهم لكل هذه الاتهامات ضد الإسلام؟

الثالثة: في رحلة البحث عن الحياة الروحية، فإن كثيرا من معتنقي الإسلام قد قاموا بتجريب عقائد وأديان أخرى مثل البوذية والهندوسية وهاريكريشنا ، لكنهم مع ذلك حافظوا على إيمانهم بالإسلام ولم ينتقلوا إلى غيره، رغم أنهم كانوا ينتقلون من دين إلى آخر بسهولة. فإذا كانت لديهم أزمة نفسية أو مشاكل إجتماعية، فلماذا لم يتمكنوا من حلها بنجاح من خلال اعتناقهم أديان أخرى غنية بالروحيات ووجدوا الحل في الإسلام فقط؟ فهل وجدوا توازناً بين الماديات والروحيات ، وبين الفرد والجتمع، وبين الإنسان والطبيعة؟ أم أنهم وجدوا في الإسلام نظاماً متماسكاً يضمن السلام والسعادة لكل البشرية لأن تعاليمه تسمو على التمييز القومي والعرقي والعنصري؟

4- من معالم اعتناق الإسلام أن عدداً كبيراً من المعتنقين الغربيين إنما دخلوا الإسلام من خلال الطرق الصوفية. "فالطرق الصوفية تتحمل حصة رئيسية في نشر الإسلام ، ولكنها ايضاً تلعب دوراً هاماً في تعزيز اعتناق الإسلام" (28).  إن 33% من الإنكليز الذين يعتنقون الإسلام يأتون إليه عبر الطرق الصوفية (29). إن الطرق الصوفية ما زالت تجذب الكثير من المعتنقين الغربيين من مختلف الطبقات الاجتماعية والأعمار والمستويات الدراسية، رجالاً ونساء. وهنا يمكن الإشارة إلى مجموعة من المفكرين الأوربيين أمثال الفيلسوف الفرنسي رينيه غينون، والصوفي الإنكليزي مارتن لنغز والفيلسوف السويسري فريتهوف شاون والمستشرق السويسري تيتوس برنكهارت. وأما الأسكوتلندي عبد القادر الصوفي فقد أسس فرقة صوفية أوربية تدعى "المرابطون". فهؤلاء المعتنقون يبحثون عن خبرات روحية وأخلاقية لأن المجتمعات الغربية ما تزال تسير نحو حياة لادينية ورفض الإيمان بالله. في هولندا مثلاً ، كانت نسبة الذين يؤمنون بالله هي 47% عام 1966. وخلال ثلاثين عاماً انخفضت النسبة إلى 24% عام 1996 (30). إن انجذاب الأوربيين إلى الطرق الصوفية قد يمثل رفضاَ للحياة المادية الغربية والثقافية والغربية وكذلك المسيحية.

5- من المعالم الملحوظة في اعتناق الإسلام المعاصر هي أن غالبية المعتنقين من الإناث. وفي الوقت الذي لا توجد معلومات إحصائية ، لكن توجد تقديرات عامة تؤكد ذلك. ويرى الباحثون في الاعتناق أن ارتفاع نسبة الإناث الغربيات في اعتناق الإسلام يعود إلى العلاقات العاطفية مع الرجال المسلمين، سواء قبل الزواج أو بعده. وهذا التفسير ربما يصدق على على معظم الحالات، ولكن توجد حالات أخرى كثيرة تكون فيها النساء الأوربيات قد اعتنقت الإسلام دون وجود علاقة عاطفية مع مسلمين. فهن لديهن دوافعهن الخاصة في البحث عن بديل ديني غير ما ذكر من قبل. على أية حال، تطرح هذه الظاهرةمجموعة أسئلة تتعلق بانجذاب النساء الغربيات إلى الإسلام :  لماذا تترك هؤلاء النساء الحرية والثقافة الغربية ويدخلن في نظام صارم مليء بالممنوعات والمحرمات وطاعة الرجال؟ لماذا يرتدين الحجاب الإسلامي الذي يعتبر بظر كثير من الغربيين مظهراً للإضطهاد وقمع المرأة المسلمة؟ إذا كانت وسائل الإعلام الغربية تقدم المرأة المسلمة بأنها عاجزة، أمية، وأقل من متاع يملكه الرجل، فلماذا تعتنق النساء الغربيات الإسلام؟

هذه القضية بحاجة إلى دراسة موسعة وتحليل عميق من اجل التوصل إلى تفسيرات مناسبة لفهم الدوافع الحقيقية التي تجعل هؤلاء الغربيات يعتنقن الإسلام. يعتقد الباحث الأمريكي لاري بوستون أن الصورة السلبية للإسلام في الغرب "تجد تأثيراً ضئيلاً في عيون المرأة الغربية المعاصرة. وكذلك المعايير الشرقية التقليدية في الملابس والتفاعل الإجتماعي لا تعتبر حكماً إجبارياً في البيئات الغربية" (31).

إعتناق المفكرين الغربيين للإسلام

إن اعتناق الإسلام عملية متعددة الجوانب، تراكمية، متفاعلة وتدريجية. فلكل معتنق دوافعه الذاتية وبيئته وظروفه. فلا يوجد عامل محدد واحد يكون المؤثر الحيوي في الاعتناق، بل هناك دوافع مختلفة في مراحل زمنية مختلفة. إن عاملاً معيناً قد يكون مؤثراً في مرحلة معينة من مراحل عملية الاعتناق، في حين يكون عامل يلعب دوراً هاماً في مرحلة أخرى.

ولتفسير ذلك أذكر مثالين: الأول، من أجل غرض علمي يقوم أحدهم بدراسة الإسلام، كبعض المستشرقين والمتخصصين بالإسلام، أو من خلال الفضول حين يقبل على قراءة القرآن. في هذه المرحلة، يجد هذا الشخص أن الإسلام والقرآن يزودانه بمعرفة جديدة ويجيبان على تساؤلاته الفكرية وأسئلته الدينية السابقة. وقد يبدأ هذا الشخص بالتفاعل مع هذا الدين الذي اكتشفه مؤخراً. وهذا التفاعل هو الذي يعبّد الطريق أمامه لاتخاذ قرار: اعتناق الإسلام. هنا تكون الدراسة والفضول عاملاً مؤثراً في الفترة الأولى، ولكن فيما بعد، تكون العوامل الفكرية والدينية هي المهيمنة على عملية الاعتناق.

والمثال الآخر، أنه في حالة علاقة الحب بين مسلم(ة) وشريك(ة) غير مسلم(ة). فالعوامل المؤثرة في الاعتناق قد تكون نفسية وإجتماعية. يقوم الشريك(ة) غير المسلم بالتحول إلى الإسلام من أجل الزواج أو الاحتفاظ بهذه العلاقة لوقت طويل. هنا تلعب العواطف دوراً هاماً في المرحلة الأولى، ولكنها بعد الاعتناق، فإن المعتنق الجديد قد يكتشف عالماً جديداً من الأفكار والعقائد والعلاقات في الإسلام. بعد ذلك، يصبح المسلم الجديد أكثر اهتماماً بالعقائد الإسلامية، ويبدأ بدراستها بجدية. ومن خلال نشطات فكرية مختلفة، قد يصبح مفكراً مسلماً. إن كثير من المعتنقين لم يكونوا مفكرين قبل اعتناقهم الإسلام، ولكنهم بواسطة دراستهم للإسلام وممارسة الدعوة الإسلامية ومناقشة غير المسلمين جعل منه داعية مشهوراً مثل يوسف إسلام، أو كاتباً معروفاً مثل مراد هوفمان وأحمد ثومبسون وعبد القادر الصوفي.

إن واحداً من العوامل التي تسهّل اعتناق الإسلام هو الاتصال بالمسلمين أو الأدب الإسلامي (نصوص إسلامية أو كتابات تتحدث عن الإسلام وتعاليمه). إذ من الصعب القبول بأن الإعتناق يحدث دون إتصال بالإسلام أو المسلمين. جميع المعتنقين لديهم مثل هذه الخبرة، سواء من خلال الاتصال الإجتماعي مع المسلمين أو التعامل مع الكتابات الإسلامية (قرآن، تاريخ الإسلام، تعاليم الإسلام...) بطريق الصدفة. وقد يكون الإتصال بالمسلمين عبر السفر إلى البلدان الإسلامية أو عبر العلاقات مع مسلمين يقيمون في الغرب.

ولكن هذه الحقيقة، بالطبع، لا تعني أن كل شخص لديه اتصال بالمسلمين سيعتنق الإسلام. فهناك أعداد كبيرة من المستشرقين والمتخصصين بالإسلام واللغة العربية والشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامي والمجتمعات الإسلامية، لكنهم لم يعتنقوا الإسلام. وأكثر من ذلك، فهناك الكثير من رجالات الدولة والكتاّب والصحفيين والمفكرين والفلاسفة والعلماء الغربيين الذين أعربوا عن إعجابهم بالإسلام والحضارة الإسلامية لكنهم لم يدخلوا في الإسلام أمثال الأمير البريطاني جارلس، رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، العالم توماس كارليل، الزعيم الهندي المهاتما غاندي والكاتب الفرنسي ألفونسو لامارتين(32).

دوافع المفكرين الغربيين لاعتناق الإسلام

إن المعتنق هو نتاج خلفيته وبيئته، فهو يتأثر بمختلف العوامل النفسية والاجتماعية والفكرية والسياسية والدينية والتي تقود الفرد لتغيير ديانته. والمفكرون الغربيون المسلمون ليسوا استثناء من ذلك، ولكن يتوقع منهم أن يكونوا أكثر عقلانية ويستخدمون طاقاتهم الفكرية في اتخاذ قرار تغيير دينهم. فهم أقدر من غيرهم على مناقشة الأمور بفكر ووعي.

وحسب مختلف تجارب المفكرين الغربيين المسلمين، وحسب نظريات التحول الديني فإن هناك دوافع مختلفة في مختلف الفترات والمراحل والتي تلعب دوراً في عملية اعتناقهم. ولعل هناك بضع عوامل تؤثر في نفس الوقت على الشخص المستعد للإعتناق، ويتغيّر تأثير كل عامل منها من مرحلة إلى أخرى طوال عملية الاعتناق التي تستغرق سنوات طويلة.

إن دوافع المفكرين الأوربيين التي تقودهم إلى اعتناق الإسلام يمكن تقسيمها كالتالي:

1- البحث عن نظرة جديدة للعالم Seeking a new worldview

الشخصيات المفكرة تبحث عن نظرة جديدة للعالم عندما تعجز ثقافتهم ومجتمعهم ودينهم عن الاستجابة لحاجاتهم الفكرية وتساؤلاتهم الفلسفية. فإذا ما وجدوا أن نظاماً فكرياً معيناً يمنحهم تفسيرات مقنعة وحلولاً مقبولة للتساؤلات التي تشغل أذهانهم، وتزودهم بنظرة عالمية كاملة، فسينهمكون به، وسوف يستجيبون له، ويتفاعلون مع هذا النظام الفكري. بعد ذلك، وإذا ما أصبحوا مقتنعين تماماً به، فلن يترددوا في اتباع قواعده ومبادئه حتى لو أدى ذلك إلى أن يقودهم إلى اعتناقه.

منذ عام 1933 انتمى روجيه غارودي للحزب الشيوعي الفرنسي لأنه كان يعتقد أن "الشيوعية كانت الاختيار الوحيد الذي يطرح بديلاً للخروج من أزمة الرأسمالية. كما كانت أفضل جبهة تقاوم هتلر والنازية في هذه الفترة.. وفي فرنسا -على سبيل المثال- كان معظم المشتغلين بالكتابة والفنون وأساتذة الجامعات ، وحائزي جائزة نوبل: إما أعضاء في الحزب الشيوعي أو أصدقاء للشيوعيين. وذلك بسبب الحالة السيئة التي نشأت عن أزمة الرأسمالية وتيار المقاومة لنازية هتلر"(33).

قبل اعتناقه الإسلام ، كان غارودي يناقش بعمق مسألة الحوار بين الحضارات. إذ كان يؤمن بأن الحضارة الغربية ستقود البشرية إلى مستقبل مدمّر ما لم تنسجم مع الحضارات الأخرى. لقد رأى أن "الحل لن يكون إقتصادياً ولا سياسياً. الحل أعمق من هذه الأبعاد". ثم يستنتج أن "سر النجاة يكمن في الديانات.. إنه نداء الإيمان: يمكنك أن تسميه الله أو أي إسم آخر ، لا مشكلة فيما تقوله حول الدين: أنا مسيحي، أنا مسلم أو ملحد. المهم أن هذا الإيمان يصنع حياتك، لأن الدين هو طريق للتفكير والاعتقاد. الإيمان هو الطريق للفعل"(34). وفي نفس الوقت كان غارودي يبحث عن نظام أخلاقي وعقائدي جديد قادر على جمع الديانات التوحيدية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام. وجد غارودي ذلك النظام في الإسلام، لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقبل بالديانتين الأخرتين.

كان غارودي قد اطّلع من قبل على الإسلام والمجتمع الإسلامي. ففي عام 1944 كتب أول مقالة له بعنوان (المساهمة التاريخية للحضارة الإسلامية العربية). وفي نفس العام، دعي إلى حضور مؤتمر فكري بمناسبة افتتاح جامعة جديدة في تونس. وكان المؤتمر مكرساً لمناقشة (الإسهام التاريخي للحضارة العربية الإسلامية في الثقافة العالمية)(35). في تلك المناسبة صرح غارودي أن "أكثر الفترات شؤماً في تاريخنا هي سنة 732، وهي السنة التي وقعت فيها معركة بواتييه (جنوب فرنسا) حيث تراجعت الحضارة العربية (في الأندلس) في هذا اليوم أمام البربرية الفرنسية". وكان قد اقتبس هذه العبارة من الروائي والناقد الفرنسي الشهير أناتول فرانس (1844-1924). وفي تلك الفترة كان غارودي يوجه النقد لإدارة الإستعمار الفرنسي بسبب ظلمها للمسلمين الجزائريين(36).

وكان محمد أسد ينتقد الحضارة الأوربية أيضاً. إذ كان يبحث عن حل لأزمة الثقافة الأوربية: "لم أكن أشعر بأي اندفاع نحو أي من الأهداف والمساعي التي غمرت الجو الفكري الأوربي في ذلك الحين ، وملأت أدبها وفنها وسياستها بدوّي من المحاورات الفعالة.. شعرت شعوراً قوياً، حتى في ذلك الحين، أن التقدم المادي وحده لم يستطع أن يوفر الحل"(37). لقد وجد أسد أن الثقافة والحياة الأوربيتين عاجزة عن الاستجابة للحاجات الإنسانية. وبعد أن اندمج في المجتمع المسلم (في الشرق الأوسط) لم يفتقد ثقافته الأوربية السابقة لأنه شعر بأنه لا ينتمي إليها. أثناء إقامته في الجزيرة العربية، سأل نفسه: لماذا لم تكن الحياة التي اخترتها بنفسي لا ترضيني تماماً؟ وما هو الذي كان ينقصني في هذه البيئة؟ ثم يجيب:  بالتأكيد لم تكن تنقصني الدوافع الفكرية الأوربية، لقد خلفتها ورائي، ولم أشعر مرة بأنها تنقصني"(38).

لقد احتلت العقائد الإسلامية فكر وعقل محمد أسد تدريجياً. إذ صار يقارن بين الأحكام والعقائد الإسلامية والآيات القرآنية بالأفكار الأوربية ومفاهيم الكتاب المقدس. لقد أعجب كثيراً بالمجتمع المسلم، إذ كتب عام 1934 قائلاً: "لقد رأيت نظاماً اجتماعياً ونظرة إلى الحياة تختلف اختلافاً أساسياً مما هي الحال في أوربا. ومنذ البداية نشأ في نفسي ميل إلى إدراك للحياة أكثر هدوءً –أو إذا شئت- أكثر إنسانية، إذا قيست تلك الحياة بطريقة الحياة الآلية العجلى في أوربا. ثم قادني هذا الميل إلى النظر في أسباب هذا الاختلاف. وهكذا أصبحت شديد الاهتمام بتعاليم الإسلام الدينية".  لقد انبهر أسد بالمجتمع المسلم كثيراً وخاصة السلام الداخلي والعلاقات الإنسانية التي يتمتع بها أفراده حيث يقول: "كان كافياً لأن يعرض أمامي رأياً جديداً في امكان تنظيم الحياة الانسانية مع أقل قدر ممكن من النزاع الداخلي وأكبر قدر ممكن من الشعور الأخوي الحقيقي".

لقد غيّر هذا الإيمان نظرة أسد إلى العالم، حيث بدأ يؤمن بأن الإسلام هو الحقيقة الوحيدة والحل الأمثل لمشاكل البشرية. كما أنه لم يفكر في وجود نقطة ضعف فيه : "الإسلام، على ما يبدو لي، تام الصنعة، وكل اجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضاً ويشد بعضها بعضاً. فليس هناك شيء لا حاجة إليه، وليس هناك نقص في شيء، فنتج عن ذلك كله ائتلاف متزن مرصوص. ولعل هذا الشعور من أن جميع ما في الإسلام من تعاليم وفرائض (قد وضعت مواضعها) هو الذي كان له أقوى الأثر في نفسي"(40).

2- الاعتناق العقلاني Rational Conversion

إن التحول الديني ليس عملية سهلة أو فجائية ولكنها عملية معقدة وتدريجية. وبحسب ما توصل إليه الباحث الأمريكي بوستون فإن عملية الاعتناق تستغرق 14 عاماً تقريباً(41)، أي من الوقت الذي يبدأ فيه الشخص برفض دينه السابق إلى أن يعتنق الإسلام. هذه الفترة الزمنية التي توصل إليها بوستون لا تسري على جميع المعتنقين، لكنها تشير إلى أن المعتنق يستغرق فترة ما، طويلة أو قصيرة، حتى يقتنع بالإسلام. وطوال هذه الفترة، يكون المعتنق مشغولاً بدراسة ومناقشة عقائد وشعائر وتعاليم الدين الجديد الذي يشغل اهتمامه. فهو يقرأ ويبحث في المصادر الإسلامية كالقرآن الكريم والتاريخ الإسلامي والكتابات التي تناقض المفاهيم والعقائد والأحكام الإسلامية من أجل تعميق معرفته بالإسلام. فهؤلاء المعتنقون يبحثون عن إجابات لأسئلتهم المتعلقة بشتى القضايا الإسلامية مثل النظام الاجتماعي، قانون الأسرة، حقوق الإنسان، الحرية الدينية، وضعية وحقوق المرأة، المشاكل الاقتصادية والسياسية ورأي الإسلام فيها.

إن اعتناق الإسلام يختلف عن اعتناق الديانات الأخرى، فالمستعد للإعتناق يركّز أكثر على دراسة الإسلام من خلال الرجوع إلى النصوص والأدبيات الإسلامية بهدف الوصول إلى فهم واعي للإسلام وعبر جهد فكري وعقلاني. يستنتج بوستون أن 75% من حالات اعتناق الإسلام بين الغربيين تعود إلى دراسة تعاليم الإسلام ثم الاقتناع بها(42). إذن إعتناق الإسلام هو اعتناق عقلاني أكثر منه عاطفي أو انفعالي أو علاقاتي.

هناك بعض الحالات التي يكون فيها المفكرون المعتنقون قد قبلوا الإيمان الإسلامي دون وعي، ولكن من خلال العواطف. وهناك بعض المعتنقين الذين قاموا وبوعي بمناقشة العقائد الإسلامية ثم بدأوا تدريجياً يعجبون بها، ثم صاروا يؤمنون بالإسلام قبل أن يشهروا إسلامهم عبر النطق بالشهادتين، التي تؤكد اعتناقهم الإسلام رسمياً. لقد فكّر محمد أسد بالعقائد الإسلامية ثم وجد نفسه ينسجم معها. وبدأ يتحقق من الحلول التي يعرضها الإسلام للمجتمع الإسلامي. واكتشف أن التعاليم الإسلامية ذات مستوى أعلى وأرقى من مستوى سلوك المسلمين. يقول أسد "لقد تحققت تماماً أن ثمة شبباً واحداً فقط للانحلال الاجتماعي والثقافي بين المسلمين، ذلك السبب يرجع إلى الحقيقة الدالة على أن المسلمين أخذوا شيئاً فشيئاً، يتركون إتباع روح التعاليم الإسلامية. فنتج من ذلك أن الإسلام ظل بعد ذلك موجوداً، ولكنه كان جسداً بلا روح.. وكنت كلما زدت فهماً لتعاليم الإسلام من ناحيتها الذاتية، وهضم ناحيتها العملية ازددت رغبة في التساؤل عما دفع المسلمين إلى هجر تطبيقها تطبيقاً تاماً على الحياة الحقيقية. لقد ناقشت هذه المشكلة مع كثير من المسلمين المفكرين...ثم زادت رغبتي في ذلك شدة حتى أني –وأنا غير المسلم- أصبحت أتكلم إلى المسلمين أنفسهم مشفقاً على الإسلام من إهمال المسلمين وتراخيهم"(43). واستمر تفاعل أسد مع الإسلام إلى درجة أنه آمن به دون أن يشعر، إذ انتبه إلى ذلك صدفة. فعندما كان في أفغانستان عام 1925 في لقاء له مع حاكم إداري شاب، بادره هذا الشاب قائلاً: "ولكنك مسلم ، غير أنك لا تعرف ذلك من نفسك". يعلّق أسد فيقول: لقد أثّرت فيّ هذه الكلمات ، غير أني بقيت صامتاً. ولكن لما عدت إلى أوربا مرة ثانية عام 1926 وجدت أن النتيجة المنطقية الوحيدة لميلي هذا هو أن أعتنق الإسلام.

هؤلاء المفكرون الغربيون قد يلتفتون إلى بعض الأفكار النقدية التي تشابه بعض المبادئ الإسلامية. ويرجع ذلك إلى أن الطبيعة البشرية التي يؤكد القرآن الكريم دائماً عليها. مثل هذه الأفكار والقيم المشتركة بين المفكرين تعود إلى مشاعرهم الإنسانية والتي ربما تطرح السؤال التالي: كيف يمكن إنقاذ البشرية من القمع والظلم؟

قبل اعتناقه الإسلام، كان مراد هوفمان يفكر ملياً بمحاضرة ألقاها مفكر مسلم جديد عهد بالإسلام هو الألماني محمد هوبوم M. Hobohm تناولت تعاليم الإسلام. وكان هوفمان نفسه مشغولاً بأفكار تبحث عن إجابات لتساؤلاته. فقد كتب رسالة قصيرة من 12 صفحة ، عبر فيها عن رؤيته الفلسفية لما يعتقد أنه فلسفي حقاً. كما أدرج فيها خبراته الشخصية التي اكتسبها طوال سنين، وأراد أن يقدمها كهدية لولده بمناسبة عيد ميلاده الثامن عشر. وأراد هوفمان أن يطبع هذه الرسالة فذهب بها إلى ناشر مصري في مدينة كولون وأعطاها إياه. وبعد أن قرأها قال له: إن كنت مقتنعاً بما استخلصته، فأنت مسلم! يقول هوفمان: لم يكن بوسعي آنذاك أن أدرك هذا.. ومع ذلك فقد أقنعني برغبته في نشر هذا النص ، عن طريق دار نشره، تحت عنوان "درب فلسفي إلى الإسلام"(44).

3- الرغبة بالارتباط بالغيب Desire for Transcendence

يعيش المعتنقون الغربيون في ثقافة تسمح بمكان صغير للدين والروحيات والأخلاق. فالعلمنة والمادية تهيمنان على مختلف أنواع النشاطات في المجتمعات الأوربية في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والاعلام وغيرها. وكثير من الناس يرغب بالارتباط بالله سبحانه وتعالى بشكل يغني حياتهم ويوسّع آفاق تفكيرهم وأذهانهم. وبالكاد يقبل علماء الاجتماع مثل هذه الدوافع الإيجابية كأسباب للإعتناق، بل يرونها عقلانيات لتعميق الدوافع التي (غالباً ما تكون مظاهر مرَضيّة) تختفي خلف أفكار دينية. ومهما كانت الحالة، فبعض الناس يعتنق ديناً آخر دون وجود أزمة صريحة(45).

كثيراً ما قام المعتنقون الأوربيون بنقد الثقافة الأوربية لأنها تحصر الدين في البعد الشخصي فقط، وأنه لا دور له أي دور أساسي في المجتمع. يقول محمد أسد: "إن المدنية الغربية لم تستطع حتى الآن أن تقيم توازناً بين حاجات الإنسان الجسمانية والاجتماعية وبين أشواقه الروحية. لقد تخلّت عن آدابها الدينية السابقة، دون أن تتمكن من أن تخرج من نفسها أي نظام أخلاقي آخر مهما كان نظرياً، يخضع نفسه للعقل"(46). وهذا يفسر لماذا ينتمي كثير من الغربيين إلى الطرق الصوفية أو يعتنقون الإسلام من خلال الجماعات الصوفية المسلمة. وليس لأنها تزودهم بحياة روحية غنية، بل لأنهم يرفضون الفصل التقليدي بين العلمانية والدين. فهم لديهم مفهوم واضح عن الله وكذلك عن مجموعة من المطالب الأخلاقية في نفس الوقت.

إن قسماً من المعتنقين يريدون حياة دينية عادية بحيث يحرزون بواسطتها توازناً بين الحاجات الروحية والجسدية. تتحدث المسلمة الهولندية ساجدة عبد الستار عن خبراتها الدينية فتقول: "منذ البداية، وحتى عندما كنت طفلة، كنت أبدي اهتماماً كبيراً بالدين. وكما تعلمت من الراهبات والقساوسة والمعلمين، انبهرت بجوهر الدين، أي دين. لم يكن أساسي في الإسلام فكرياً بدرجة رئيسية، ولكن كان روحياً... لقد تشكّلت المحاور الفكرية بطريقة مختلفة عن الخبرة الروحية والقناعات"(47). وحسب هؤلاء المعتنقين، فالإسلام يزودهم بسلام داخلي وقناعة وسعادة وطمأنينة قلبية وأخوة وإخلاص وعلاقات حميمة مع الآخرين.

4- فشل المسيحية Failure of Christianity

إن تغييب الدين في أوربا أدى إلى حدوث فراغ روحي. فالكنيسة المسيحية قد فشلت في ملء هذا الفراغ ، وعجزت عن الاستجابة للحاجات الروحية للفرد الأوربي. يؤكد محمد أسد أنه "بسبب فقدان المقاييس الأخلاقية الموثوق بها، لم يستطع أحد أن يقدم إلينا، نحن الشباب، أجوبة مرضية عن كثير من الأسئلة التي كانت تحيرنا"(48). يبدون أن الكنيسة المسيحية قد فشلت في تقديم أجوبة مقنعة على الأسئلة العقائدية والفكرية التي كانت تدور في أذهان أتباعها. وينتقد كثير من المعتنقين العقائد المسيحية مثل الخطيئة الأصلية التي تعتبر المرء خاطئاً وأنه يولد مع الخطيئة. تناقش ساجدة عبد الستار أن "المسيحية تحمل فكرة التثليث التي تجعل وحدانية الله غامضة. بلا شك في سياق العقيدة المسيحية، تحتل عقيدة ألوهية المسيح وظيفة ما. ولكن لو أخذتها من منظور أدبي وتاريخي، فإنك تمنح صفة الألوهية إلى رجل من لحم ودم، مدعياً أنه هو الله نفسه. كلا، لا يمكن القبول بذلك". وتشير السيدة ساجدة إلى موقف الكنيسة التي تقصي بقية الأديان، وتقارن هذا الموقف الإسلامي قائلة: "إن رجال الكنيسة يدعون أن عقيدتهم وحدها هي الصحيحة، وأن جميع الآخرين على خطأ. وعلى هذا الأساس فهم يرفضون بقية عقائد الناس الآخرين (غير المسيحيين). بينما نجد أن القرآن يقبل ويحترم جميع الأنبياء، وأن الله أنزل الوحي والأديان لجميع البشر في العالم"(49).

5- الأسباب الفكرية Intellectual reasons

المفكرون مشغولون عادة بأنواع الأفكار التي يمكنها أن تعطي أجوبة مقبولة على مختلف المشاكل السياسية والاقتصادية والفلسفية وغيرها. فإذا لم يجدوا أجوبة في ثقافتهم وديانتهم، فربما يتابعون البحث عنها في ثقافات أو منظومات فكرية أخرى. إن حصولهم على إجابات في نظام فكري آخر قد يقودهم إلى الاعجاب به ، والتفاعل معه ومع بقية مكوناته بما فيها الدينية. لقد امتلأ المفكر الهولندي المسلم عبد الواحد فان بومل إعجاباً بالإسلام عندما استمع إلى داعية مسلم يتحدث بالضبط عما كان يراود مخيلته من أفكار منذ وقت قصير: "إن أول خبرة حقيقية لي مع المعنى الداخلي للإسلام كانت خلال محاضرة ألقاها واعظ باكستاني في أمستردام. ففي مقدمته تحدث بعمق عن العلاقة بين الكبير Macro  والصغير Micro، ورؤية القرآن بصددها: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" (فصلت: 53). لقد أوضحها بشكل ولّد في نفسي إنطباعاً كبيراً. قبل تلك المحاضرة كنت أفكر مع نفسي في ماهية العلاقة بين الماكرو والميكرو. لقد كانت نوعاً من الصدمة لي أن أكتشف وجود شيء مثل هذه القضية في الإسلام، في حين كانت لدي أفكاراً مختلفة جداً عن الإسلام. لقد أخذت مني خمس سنوات حتى توصلت إلى استنتاج بأن الإسلام كان هو طريقي"(50).

وكان غارودي يبحث عن أيديولوجيا تمنح السلام والأمن للبشرية، وتمنح الانسجام بين الأخلاق والسياسة، بين الروح والمادة، بين الفرد والمجتمع، بين الثقافات الغربية وغير الغربية، بكلمة واحدة: أيديولوجيا عالمية تضم كل البشر...دين يسمو فوق القومية والوطن واللغة والمستوى الاقتصادي للحياة...دين يمنح الحياة الإنسانية معناها الحقيقي، الإسلام. لقد وجد في الإسلام النموذج لنوع من الحوار التوفيقي الذي كان مشغولاً به طوال ثلاثين عاماً.

أما هوفمان فقد كانت له تجربة ذات طبيعة جمالية ذات علاقة بالفن الإسلامي. كان في بداية حياته مولعاً بالفن الساكن كالرسم والنحت والعمارة والخط . وسرعان ما لفت انتباهه جمال الفن التشكيلي الذي يرى أنه يزداد إحساسنا به كلما زادت قدرته على الإيحاء بالحركة. وتطور هذا الاهتمام إلى انبهاره الشديد بعروض رقص الباليه، حتى صار ناقداً مرموقاً في الباليه يشرف على باب نقد الرقص في صحيفة ميونيخ المسائية عام 1955 . وعمل هوفمان بين 1954 و1980 ناقداً متخصصاً للباليه في صحف ألمانيا وبريطانيا وأمريكا. وعمل محاضراً لمادتي تاريخ وعلم جمال الباليه بمعهد كولونيا للباليه للفترة 1971-1973.

خلال وجوده في الجزائر كدبلوماسي عام 1961 لفتت انتباهه الأعمال المعمارية الإسلامية كالمساجد والمدارس والأبنية القديمة. يقول هوفمان : "ألهمتني أعمال معمارية، مثل قصر الحمراء في غرناطة والمسجد الكبير في قرطبة (بإسبانيا)، اليقين بأنها إفراز حضارة راقية رفيعة. واستوعبت جيداً ما كتبه راينر ريلكا بعد زيارته لكاتدرائية قرطبة ، إذ كتب (.. تملكني منذ زيارة قرطبة عداء وحشي للمسيحية. إنني أقرأ القرآن وهو يتجسد لي صوتاً يستوعبني بقوة طاغية، وأندفع بداخله كما تندفع الريح في الأرغن)". لقد انبهر هوفمان بالفن الإسلامي حتى فقد الإحساس تجاه الفنون الأخرى فيقول: "صار الفن الاسلامي وطناً جمالياً لي، مثلما كان الباليه الكلاسيكي من قبل. وأصبحت أرى الأعمال الفنية للعصور الإغريقية والرومانية والقوطية ولعصر النهضة مثيرة وعريقة بل وعبقرية، ولكنها لا تنفذ إلى داخلي، ولا تحرك عواطفي ولا مشاعري. إنني أدرك قوة جاذبية هذا الدين الآن أفضل من ذي قبل"(51).

دخلت الفتاة الإنكليزية هدى خطاب، سمانتا سابقاً، معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن لدراسة اللغة العربية: "حتى ذلك الوقت، كانت لدي فكرة مشوشة عن الإسلام. وحالما بدأت بدراسة اللغة العربية وجدت نفسي منجذبة إلى الطريق الإسلامي. كان أحد المشرفين عليّ مسلماً، وبدأت ألتقي بمسلمين ، وشاهدتهم كيف يعيشون حياتهم اليومية. لقد كنت أراقب حياة العائلة المسلمة. لقد انجذبت إلى أسلوب الحياة الإسلامية والقيم الأخلاقية وحجاب النساء أمام الرجال الأجانب". لقد كانت هدى خطاب تعاني من مشكلة نفسية تعود إلى طفولتها: "كنت أعاني من هيمنة رفاقي الإناث والذكور في المدرسة. ولذلك كنت أحب الفكرة التي لا تركّز على جسد المرأة"(52).

6- تجارب وخبرات شخصية Personal experiences

يشكل الاتصال بالمسلمين أرضية جيدة لغير المسلمين في الحصول على معلومات حول الإسلام. فبواسطة الزواج والعلاقات الاجتماعية مع المسلمين، توفرت للعديد من المعتنقين فرصة جيدة لتعميق معرفتهم بالدين الإسلامي. إن وجود الجاليات المسلمة في البلدان الغربية قد سهّل توفير هذه الفرص للغربيين الذين كثير منهم ربما لم يلتقوا بمسلم من قبل، سواء بسبب عدم وجود المسلمين في بلدانهم سابقاً أو عدم سفر هؤلاء الغربيين إلى بلدان إسلامية. إن وجود المسلمين إلى جانب الغربيين في الحي والشارع والعمل والمدرسة والمصنع جعل من المسلمين جزء ملحوظاً في المجتمعات الغربية. ولا تكاد وسائل الإعلام الغربية يوماً ما تخلو من خبر أو تقرير أو تعليق أو برنامج ذي علاقة بالإسلام والمسلمين. الأمر الذي يلفت إنتباه المجتمع الغربي إلى الإسلام والمسلمين، سلباً أو إيجاباً، وإن كانت صورة الإسلام سلبية في الغالب.  من جانب آخر قامت الأقليات المسلمة بتأسيس الكثير من المساجد والمراكز الإسلامية التي تقام فيها الشعائر الإسلامية وتلقى فيها الدروس والمحاضرات الإسلامية. وتقام العديد من الندوات والمؤتمرات والحوارات الدينية والاجتماعات حول الإسلام والمسلمين. وهذه كلها توفر أجواء جيدة في تعريف الغربيين بالإسلام.

إن الأنظمة الغربية الديمقراطية تضمن للجميع الحرية الدينية وحريات ممارسة الشعائر الدينية والدعوة إلى الدين وحرية التعبير. فمن حق كل مواطن في البلدان الغربية التفكير والاعتقاد وممارسة أي دين أو قناعة دينية. ولا يستطيع أحد التدخل في قناعاته وتصرفاته الشخصية. هذه الحرية الواسعة تزيل جميع العوائق أمام الإيمان بأديان أخرى غير المسيحية. إن البيئة الأوربية تمنح المستعدين للإعتناق خيارات عديدة لاختبار واختيار دين آخر دون مشاكل اجتماعية أو قانونية. هذا على العكس من البلدان الإسلامية حيث لا يحق للمسلم التحول إلى دين آخر، إذ يعتبر مرتداً، وقد يواجه عقوبات قانونية.

إن بعض المفكرين الغربيين قد التقى بالإسلام في البلدان الإسلامية. فقد سافر بعضهم أمثال محمد أسد إلى الشرق الأوسط وراقب المجتمعات المسلمة ودرسها عن قرب. ولكن بعض الحالات تشير إلى سفر المعتنقين إلى البلدان الإسلامية قد جاء صدفة ولأغراض أخرى ، ولم تكن لهم دوافع لدراسة الإسلام أو المجتمعات الإسلامية. على أية حال كانت يمكن أن لا يكون لإقامتهم لعدة سنوات في مجتمع مسلم أي تأثير على مجرى حياتهم لولا تجاربهم الشخصية والمواقف التي مروا بها أثناء حوادث معينة جلبت إنتباههم للإسلام باعتباره أرضية للسلوك الاجتماعي والنظام الأخلاقي الذي يشكله الإسلام.

غارودي وتجربة المعتقل الجزائري

لقد مر كل من غارودي وهوفمان بتجارب مماثلة في مجتمعات إسلامية، ومن الصدفة أن يكون نفس المجتمع المسلم وهو الجزائر مع فارق في الزمن يقدر بعشرين عاماً وفي ظروف مختلفة. ففي الحرب العالمية الثانية كان غارودي أحد الناشطين في المقاومة الفرنسية ضد النازية والجيش الألماني الذي احتل فرنسا. في أيلول 1940 تم اعتقاله من قبل قوات حكومة فيشي Vichi والقائد المارشال بيتيان Petian. ثم جرى تفسيره إلى الجزائر التي كانت آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي كي يقضي فترة سجنه في معسكر تابع للجيش الفرنسي في الصحراء الجزائرية في منطقة جلفا، حيث قضى هناك 33 شهراً. في أحد الأيام تزعم غارودي حركة تمرد في المعسكر ، ثم تم تقديمه إلى محاكمة ميدانية سريعة حكمت عليه بالإعدام. أعطى قائد المعسكر أوامره للجنود الجزائريين المسلمين المنضمين للفيلق الأجنبي Foreign Legion بإطلاق النار على غارودي لتنفيذ الحكم. يقول غارودي: "لقد اندهشت عندما رأيت الجنود يمتنعون عن إطلاق النار باتجاهي. لم أستطع فهم ما يجري أو سبب امتناعهم لأنني لا أعرف العربية، وهم لا يتكلمون الفرنسية. بعد ذلك أمر القائد بإعادتي إلى المعتقل، ثم استفسرت عن الأمر من أحد الجزائريين العاملين في الجيش الفرنسي، وكان يجيد الفرنسية فقال لي موضحاً: لم يكن امتناعهم عن إطلاق النار عليك لأنهم يحبونك، بل القضية تعود إلى الشرف والرجولة. فسألته: ماذا تعني؟ فقال: إن شرف المقاتل المسلم يمنعه من إطلاق النار على شخص أعزل. هذا هو العرف بين قبيلة (العبادات) التي ينتمي إليها أؤلئك الجنود. يضيف غارودي: لقد كانت هذه أول مرة أتعرف على الإسلام من خلال حادثة هامة جداً في حياتي(53).

هوفمان وسائق الإسعاف المسلم

بعد أن التحق هوفمان بوزارة الخارجية الألمانية جرى تنسيبه للعمل في الجزائر للفترة 1961-1962 بصفته ممثلاً للقنصلية الألمانية العامة. وكانت الجزائر آنذاك تعيش ذروة الجهاد ضد المحتلين، حيث كانت جبهة التحرير الجزائرية تقود مواجهة قوات الاحتلال و(منظمة الجيش السري) وهي منظمة إرهابية فرنسية تضم مستوطنين وجنوداً متمردين. يقول هوفمان : "كانت المعارك مستمرة ، ولم يكن يمر يوم دون أن يسقط عدد غير قليل من القتلى في شوارع الجزائر. وغالباً ما يقتلون رمياً بالرصاص في مؤخرة الرأس من مسافة قريبة. ولم يكن لذلك من سبب إلا كونهم عرباً، أو لأنهم مع استقلال الجزائر. لقد شكّلت تلك الأحداث المحزنة أرضية لأول اتصال قريب لي بالإسلام الحي"(54).

كان هوفمان يراقب سلوك مواقف الشعب الجزائري المسلم ، وأندهش بمواقفه الإنسانية. ولاحظ أنهم رغم آلامهم ومعاناتهم تحت الإحتلال لكنهم كانوا أقوياء يصومون رمضان ، ومتأكدون من النصر الحتمي على عدوهم. ثم صار يقارن بين ممارسات القوات الاستعمارية الفرنسية التي كانت ترتكب أفظع الجرائم وقتل أعداد هائلة من الناس وبضمنهم النساء، وبين الأخلاق العالية للجزائريين. ويصف هوفمان مشاعره بقوله: "لقد كنت أتساءل: ما الذي يجعلهم أقوياء هكذا؟ وما الذي يجعل هؤلاء السكان المحليين يتصرفون بهذا المستوى الراقي من التفكير والسلوك؟ ثم أدركت أن دينهم يلعب دوراً في كل شيء. ولكن أين يمكن أن توجد تعاليم هذا الدين؟ في كتابهم ، إنه القرآن. فاشتريت نسخة مترجمة إلى الفرنسية، فقرأتها طويلاً كي أتعرف أكثر على الإسلام. ومنذ ذلك التاريخ لم أتوقف عن قراءتها حتى الآن"(55).

مرت السيدة رقية وارث مقصود، مثقفة إنكليزية، بتجربة مماثلة عندما التقت مصادفة بالإسلام عبر مجموعة من الطلاب المسلمين الذين استأجروا غرفاً في مسكنها. وكانت قبل ذلك قد عرفت شيئاً عن الإسلام باعتبارها تدرس مادة الدين، لكنها تأثرت كثيراً بهؤلاء الطلاب المسلمين: "لقد أعجبت بهدوئهم وشعرت بالأمن تماماً معهم. إذ لم يكونوا يسرقون أو يقومون بأي عمل مؤذ. ومن خلال حديثي معهم، تعلمت الكثير عن الإسلام وقيم العائلة والشرف والنزاهة"(56).

7- دوافع نفسية-اجتماعية Psycho-social motives

مثل بقية المعتنقين، فإن المفكرين المسلمين الجدد يتأثرون بمختلف العوامل الاجتماعية والدوافع النفسية. وهذا يصدق عليهم سواء في المرحلة المبكرة من حياتهم، أي قبل أن يصبحوا مفكرين معروفين، أو بعد أن مضوا شوطاً في نشاطاتهم الفكرية. إن الدوافع النفسية والاجتماعية قد تلعب دوراً رئيسياً أو ثانوياً في مختلف مراحل عملية التحول الديني. من الصعب تحديد أي عامل بالضبط هو الذي يلعب دوراً هاماً في فترة معينة.

إن العلاقة مع الأب قد تشكل مشكلة حقيقية أثناء فترة الطفولة أو في مرحلة المراهقة. ففي دراسة حول المعتنقين الإنكليز ظهر أن ثلثهم كانت لديهم علاقات سيئة أو  متوترة مع آبائهم. وذكر 26% أم آباءهم كانوا غائبين عن المنزل، في حين ذكر 36% وصفوا آباءهم بأنهم كانوا منسحبين ومنعزلين عن الأسرة. وذكر 38% منهم أنهم كانت لديهم علاقات طبيعية مع آبائهم(57). وقد كان لبعض المفكرين الغربيين المسلمين علاقات متوترة مع آبائهم.

يروي محمد أسد طبيعة علاقته مع والده فيقول: "في أواخر عام 1914 ، بعد أن اشتعلت نيران الحرب العظمى (العالمية الأولى)، بدا لي أن الفرصة الكبرى لتحقيق أحلامي الصبيانية على قاب قوسين أو أدنى. كنت إذ ذاك في الرابعة عشرة من عمري، فهربت من المدرسة والتحقت بالجيش النمساوي بعد أن اتخذت لي اسماً مزوراً...بعد أسبوع نجح والدي المسكين في أن يتعقب آثاري بواسطة الشرطة، فأعادوني مخفوراً حقيراً إلى فيينا"(58). تبدو علاقة أسد بوالده قد استمرت غير مستقرة ومتوترة. ففي عام 1918 دخل أسد جامعة فيينا وعمره 18 عاماً، حيث درس تاريخ الفن والفلسفة، لكنه لم يكن منجذباً للمسلك  الأكاديمي. ففي المساء كان يقضي أوقاته في المقاهي منصتاً إلى المناقشات المثيرة بين رواد التحليل النفسي الأوائل أمثال الفريد إدلر (1870-1937) وسيغموند فرويد (1856-1939) وهيرمن ستاكل وأوتو جروس. يصف أسد تلك الفترة فيقول: "لقد نما قلقي وجعل من العسير عليّ جداً أن أتابع دروسي الجامعية. وأخيراً قررت أن أتركها نهائياً، وأن أجرب قلمي في الصحافة. ولكن أبي اعترض بشدة على ذلك، ودعم اعتراضه بتبريرات وجيهة لم أشأ أن أسلّم بها وقتئذ, منها أنني قبل أن أقرر اتخاذ الصحافة مهنة لي يجب على الأقل أن أثبت لنفسي أنني أستطيع الكتابة. ثم انتهى ، في ختام إحدى مناقشاتنا الحامية ، إلى القول: (وعلى كل، فإن شهادة الدكتوراه لم تمنع أحداً على الإطلاق حتى الآن من أن يصبح كاتباً ناجحاً). لقد كانت حجته سليمة ، ولكنني كنت صغير السن جداً ، مليئاً بالآمال لا يقرّ لي قرار. وعندما أدركت أنه لن يبدل فكره بدا لي أنه لم يبق إلا أن أبدأ حياتي بوسائلي الخاصة. وهكذا، دون أن أخبر أحداً بما عزمت عليه، ودعت فيينا في يوم من صيف عام 1920 وأخذت القطار إلى براغ"(59).

ويمر مثقف أوربي آخر بتجربة من نوع آخر، بعد حوالي نصف قرن ، وفي بلد يبعد آلاف الأميال من أوربا. فعندما بلغ الهولندي رفيق أحمد فريس من العمر 18 عاماً غادر هولندا لأنه كان يرغب بدراسة الفلسفة، لكن والده أصرّ عليه أن يدرس الهندسة، وإلا لن يدفع الوالد مصاريف الدراسة الجامعية. ولما كان القانون يجبره على الخدمة العسكرية لأنه لا يدرس، اضطر فريس إلى السفر إلى جنوب أفريقيا للعمل ودراسة الفلسفة في الوقت نفسه. حتى ذلك الوقت لم يكن قد قرأ شيئاً عن الإسلام أو القرآن. وهناك صاحب شاباً ألمانياً كان جده ألمانياً قد تزوج بإمرأة سوداء. وكان صديقه هذا يشعر بالإحباط والتعاسة ، وكان سكيراً طوال الوقت، رغم أنه كان عازفاً جيداً وناجحاً. في أحد المرات غادر فريس جنوب أفريقيا لمدة قصيرة، وعندما عاد إليها أصيب بصدمة عندما علم أن صديقه قد اعتنق الإسلام. وعندما زار فريس صديقه المسلم حديثاً لاحظ حصول تغيير طارئ وكبير في حياة صديقه وتصرفاته. فقد أصبح أكثر هدوءً ورزيناً ، ويتحدث عن الأخلاق والخبرات الدينية. بدأ فريس يتساءل: أي نوع من الديانة هذه التي استطاعت تغيير صديقه تماماً؟ كيف يمكن أن تكون للإسلام هكذا قوة على تغيير الناس؟ هذه الأسئلة وغيرها بدأت تراود فريس. الأمر الذي دعاه إلى يطلب من صديقه أن يعيره بعض الكتب التي تتحدث عن الإسلام. في تلك الفترة توفيت زوجة فريس الدانماركية ، فحزن عليها كثيراً لأنها تركته وحيداً. هذا الحادث جعله يفكر عميقاً بالموت وسببه ونهاية العالم والآخرة. كل هذه الخبرات الشخصية دفعت بفريس إلى اعتناق الإسلام، وليصبح اليوم واعظاً(60) وداعية وإمام مسجد في مدينة تلبورخ ، جنوب هولندا.

لعل أهم منعطف مر بحياة غارودي والتي شقت طريق مستقبله باتجاه آخر هي تركه الحزب الشيوعي الفرنسي. فقد انتقد غارودي قيادة الحزب لأنها سكتت مؤيدةً الغزو السوفييتي لبراغ في عام 1968. الأمر الذي ردت عليه القيادة بطرده من عضوية اللجنة المركزية للحزب في بداية عام 1970، ثم بعد أشهر قليلة من عضوية الحزب نفسه(61). لقد أدت هذه التطورات إلى حدوث تصدع راديكالي في حياته. ففي تلك المرحلة كان يعاني من موت اجتماعي وانهيار داخلي. هذا التغير الدراماتيكي قد مهّد الطريق أمام غارودي ليكمل مشروعه في الحوار. في عام 1974 قام بتأسيس "المعهد العالمي لحوار الحضارات" لتوضيح أهمية مساهمة الحضارات غير الغربية في الحضارة الإنسانية. ثم أخذ يفكر في مسألة الأيديولوجيا التي تضم الديانات السماوية الثلاث، أو ما سماه بالعقيدة الإبراهيمية التي تضم الديانات التوحيدية الثلاث. في عام 1982 أشهر غارودي إسلامه.


24.   Ali Köse (1996), p. 192

25.   كان شقيق يوسف إسلام في زيارة إلى إسرائيل ، وعند عودته جلب له معه نسخة من القرآن الكريم بالإنكليزية قرأها وتأثر بها. (كات ستيفنس (الإسلام ديني) / ص 5 ).

26.   قام بعض الأصدقاء السعوديين الدارسين في أمريكا بإهداء نسخة من القرآن الكريم مترجمة ( جيفري لانغ (الصراع من أجل الإيمان) / ص 24)

27.   درس موريس بوكاي القرآن الكريم كجزء من دراسة مقارنة بين الكتب المقدسة قام بها ثم أدت به إلى اعتناق الإسلام، نشرها بعنوان (الكتاب المقدس، القرآن والعلم الحديث)

28.   Levtzion (1979), p. 17

29.   Ali Köse (1996), p. 142

30.   G. Dekker, J. De Hart & J. Peters (1997), God in Nederland, p. 18

31.   Poston (1992), p. 164

32.   صرح الأمير جارلس أن "الإسلام أنتج للبشرية حضارة مزدهرة". وقال بلير "الإسلام دين التسامح والسلام". ويقول كارليل "إذا قرأت القرآن ستتأكد فوراً بأنه ليس من الأدب العادي. إن عمل فني يقفز من القلب سرعان ما يخترق القلوب الأخرى". ويؤكد غاندي "إذا كان الغرب يغط في الظلام، كان نجم الإسلام يسطع في الشرق ، جالباً معه النور والسلام والغوث للعالم الذي يقاسي". وكتب لامارتين "إن ديناً (أي الإسلام) حمل المسؤوليات الثقيلة التي نشرها إلى مسافات، وحافظ على قوته الكبيرة لفترة طويلة، لا يمكن أن يكون كذبة. إنه حقيقي ومقنع". (راجع موقع www.hizmetbooks.org)

33.   مصطفى حلمي (إسلام غارودي بين الحقيقة والافتراء) / ص 17

34.   غارودي (سيرة حياتي) / فصل من كتاب بالفرنسية لم ينشر بعد أعطانيه غارودي أثناء زيارتي له في باريس في 14 تموز 2001.

35.   غارودي (الإسلام والقرن الواحد والعشرين: شروط نهضة المسلمين) / ص 16. يذكر غارودي حادثتين لهما صلة بهذا البحث، الأولى أنه اعتقل في اليوم الثاني من المؤتمر من قبل البوليس الفرنسي لأن تونس كانت تحت الاحتلال الفرنسي. وقد وجهت له تهمة (الدعاية المضادة لفرنسا). كما وجه إليه اللوم لأنه صرح في عدة مناسبات أن (أكثر الفترات شؤماً في تاريخنا هي سنة 732، وهي السنة التي وقعت فيها معركة بواتييه (جنوب فرنسا) حيث تراجعت الحضارة العربية (في الأندلس) في هذا اليوم أمام البربرية الفرنسية. يقول غارودي: لقد ضحكت طويلاً من هذا الاتهام، لأن العبارة كان قد صرح بها أناتول فرانس (روائي فرنسي شهير). والحادثة الأخرى هي أن عبد الناصر استقبل غارودي عام 1969 في مصر، أي بعد صدور الكتاب بخمس وعشرين عاماً، وترجم إلى العربية، فقال له عبد الناصر: أتدري أنني بفضل هذا النص الصغير عرفتك منذ زمن طويل.

36.   كان غارودي يرأس تحرير صحيفة (الحرية) أثناء إقامته في الجزائر. ونشر مرة فضيحة قام بها المستوطنون الفرنسيون الذين كانوا يملمون مزارع العنب، والذين أخفوا تقارير الكيمائيين التي تشير إلى نسبة السولفات في منتجات العنب ، حيث تسبب في موت كثير من الأطفال، وذلك حتى يواصلوا بيعهم لهذه المنتجات. قام الجنرال كاترو الحاكم العام بسحب أوراق غارودي فاضطر لمغادرة الجزائر سراً.

37.   محمد أسد (الطريق إلى الإسلام) / ص 87

38.   محمد أسد (الطريق إلى الإسلام) / ص 61

39.   محمد أسد (الإسلام على مفترق الطرق) / ص 13

40.   محمد أسد (الإسلام على مفترق الطرق) / ص 15

41.   Poston (1992), p. 166

42.   Poston (1992), p. 176

43.   محمد أسد (الإسلام على مفترق الطرق) / ص 13-14

44.   مراد هوفمان (الطريق إلى مكة) / 29

45.   Rambo (1993), p. 51

46.   محمد أسد (الطريق إلى الإسلام) / ص 254

47.   مقابلة أجريتها مع ساجدة عبد الستار في روتردام بتاريخ 17/10/2001

48.   محمد أسد (الطريق إلى الإسلام) / ص 70

49.   مقابلة أجريتها مع ساجدة عبد الستار في روتردام بتاريخ 17/10/2001

50.   مقابلة أجريتها مع عبد الواحد فان بومل في هليفرسوم بهولندا بتاريخ 25/10/2001

51.   مراد هوفمان (الطريق إلى مكة) / ص 36

52.   إمام محمد إمام (المسلمون الجدد)، منشور في موقع صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن.

53.   مقابلة أجريتها مع روجيه غارودي في باريس في 14 تموز 2001

54.   مراد هوفمان (الطريق إلى مكة) / ص 30

55.   مقابلة أجريتها مع مراد هوفمان في اسطنبول بتاريخ 30 تموز 2001

56.   إمام محمد إمام (المسلمون الجدد)، منشور في موقع صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن.

57.   Ali Köse (1996), p. 34

58.   محمد أسد (الطريق إلى الإسلام) / ص 69

59.   محمد أسد (الطريق إلى الإسلام) / ص 73

60.   مقابلة أجريتها مع محمد رفيق فريس في تلبورخ بهولندا بتاريخ 5 /2/ 1999 .

61.   Gerholm (1988), p. 268

|1|2|3|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة