حوار مركز نماء مع الدكتور صلاح عبد الرزاق حول(1)

11/8/2012

- ظاهرة التحول الديني واعتناق الإسلام في الغرب

أضحت ظاهرة المتحولين إلى الإسلام في الغرب ملفتةً للنظر، فأعداد الغربيين الذين أسلموا ويسلمون باتت مدهشةً للغاية، ولم يعد الأمرُ مقصورًا على فئةٍ دون أخرى، بل إن المتحولين إلى الإسلام في الغرب ينتمون إلى الجنسين معًا، وإلى مختلف المستويات العلمية والأكاديمية، فلم يعد اعتناق الإسلام محصورا في الدوائر الضيقة من بعض الفئات الاجتماعية العادية بل أصبح يتغلغل داخل أوساط النخبة الغربية المثقفة أيضا؛ وتثير هذه الظاهرة الكثير من القضايا حول طبيعة نظرتهم هؤلاء إلى الإسلام والمرجعيات النقدية التي انطلقوا منها في تفكيك معتقداتهم الدينية  وأفكارهم العلمانية أو الإلحادية قبل إسلامهم، كما يعبر تزايد هذه الظاهرة على مأزق الفكر الإلحادي الفلسفي الغربي وأزمة القيم في المجتمع الغربي.

في هذا السياق يستضيف مركز نماء للبحوث والدراسات الدكتور صلاح عبد الزراق، الحاصل على ماجستير في الدراسات الإسلامية في موضوع "العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي وتأثيرها على القانون الدولي الإسلامي" من جامعة ليدن من هولندا،  كما نال درجة الدكتوراه من جامعة ليدن في موضوع:"المفكرون المسلمون الغربيون ومساهمتهم في الفكر الإسلامي وتشكيل الإسلام الأوربي"، الأمر الذي جعله أحد المتخصصين القلائل في دراسة طبيعة التفكير عند معتنقي الإسلام الجدد من النخب الغربية، وأصدر في ذلك كتب عديدة منها:"المفكرون الغربيون المسلمون (جزءان) / 2005 – الطبعة الأولى، دار الهادي،  بيروت: 2005"و" العالم الإسلامي والغرب: دراسة في القانون الدولي الاسلامي ، دار الإسلام، لندن: 2002"و"اعتناق الإسلام" و"الأقليات المسلمة في الغرب / الطبعة الأولى ، دار الهادي،  بيروت: 2007" ودراسات وأبحاث أخرى منشورة باللغة الهولندية والانجليزية تهم قضايا الإسلام والغرب وحرية التعبير وأسئلة اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية والهولندية على الخصوص.

 

ما هو مفهوم التحول الديني في نظركم؟

يعرّف التحول الديني Religious Conversion بأنه الانتقال من ايمان إلى آخر، أو هو "تبديل مجموعة من العقائد والشعائر الدينية بأخرى"(1). وتتضمن كلمة تحوّل conversion معاني واسعة تشمل التغييرات بين مختلف المذاهب الدينية ، كما تشمل التحول من العلمانية إلى الايمان الديني(2).

وهناك تعاريف كثيرة للاعتناق التي تستند إلى رؤى متنوعة. فعلماء الاجتماع وعلماء النفس والأنثروبولوجيون واللاهوتيون، كل لديهم تعريفهم الخاص بهم والذي يعكس تفسيرهم لهذه الظاهرة الاجتماعية. فبعضهم يرى الاعتناق مجرد حاجة اجتماعية أو أزمة نفسية أو اندماج ثقافي أو حل فكري.

إن الاعتناق هو عملية تحول ديني يحدث بقوة ديناميكية لدى الناس بسبب، أحداث، أيديولوجيات، مفاهيم، خبرات، توقعات وتوجيهات. وفيما عدا بعض الحالات، يستغرق الاعتناق زمناً، فلا يحدث بسبب حادثة واحدة. إن الاعتناق عملية ذات علاقة بالبيئة، لذلك فهو يؤثر ويتأثر بمجموعة من العلاقات والتوقعات والحالات. إن العوامل المؤثرة في الاعتناق تكون متعددة، متفاعلة ومتراكمة(3).

مقاربات لتفسير ظاهرة التحول الديني

ما هي أهم النماذج التفسيرية التي حاولت مقاربة هذا المفهوم؟

من خلال دراستي لنظريات الاعتناق لاحظت وجود مشاكل منهجية مثل:

أولاً: السؤال الذي يجب طرحه هو: إلى أي حد يكون الباحث متحرراً من عقيدته ودينه خلال معالجته لقضايا التحول إلى دين غير دينه؟ فإذا كان غير متديناً، فهل سيحافظ على موقف حيادي تجاه التدين؟ يعترف لويس رامبو بعدم إمكانية تفادي تأثير مذهب الباحث اثناء تقييمه أو تحليله للأبعاد المختلفة للتحول الديني. ويقر رامبو بأنه وبقية الباحثين المسيحيين الذين تربوا ونشأوا على العقائد المسيحية ، لايسعهم سوى اعتبار أن الخلاص لا يكون إلا من خلال الاستماع للإنجيل ، والاعتقاد بأن عيسى المسيح هو ابن الله، والقبول بمحاكمة الذات الشريرة، والاعتراف بالذنوب المرتكبة،  والتأكيد بأن إيماننا بالمسيح باعتباره هو المخلّص، والتعميد بالغمس التام(4).

إن الباحثين غير محصنين من الانحياز ، كما أن عقائدهم وقناعاتهم تبقى مؤثرة في تقييماتهم واستنتاجاتهم. فالباحثين العلمانيين، وبضمنهم المفكرين ، يستخدمون تفسيرات ذات علاقة بالحاجات النفسية والعوامل الاجتماعية والدوافع الاقتصادية والحرمان والاكراه أو الاغراء السياسي. إن التوجه العلماني لدى غالبية الأكاديميين الغربيين قد يجعل الاعتناق بنظرهم مجرد ظاهرة محيّرة. فهم يتساءلون: لماذا يتخلى المرء عن حريته واستقلاليته والنظرة العلمية والعلمانية للعالم لقاء حياة تتطلب الانضباط والطاعة والقيود؟ ولا يقتصر الانحياز على الباحثين العلمانيين بل يشمل اللاهوتيين والباحثين المتدينين أيضاً. فهم قد يصرّون على أن الشخص الذي يعتنق ديانة أخرى إنما يفعل ذلك بسبب قوى شريرة ، أو أن ذلك الشخص لم يجر افهامه بصورة جيدة عن عقيدته، أو أن دوافع عرضية وجاذبيات مؤقتة أضلّته ودفعته للقبول بديانة زائفة(5).

ثانياً: إن التحول الديني هو قضية تغيير عقيدة أو ايمان بدين بدلاً عن الدين السابق، ولكن معظم الدراسات تهمل الدوافع الدينية أو تكون العوامل الفكرية غائبة فيها. وقد يعود ذلك إلى أن الباحثين والسيكولوجيين والسوسيولوجيين الذين يبحثون في هذه المشاكل هم علمانيون ويقللون من شأن العامل الديني في عملية الاعتناق. فهم يقعون في اشكالية عندما يستخدمون فرضيات علمانية لدراسة ظواهر دينية. ولذلك يميلون إلى اعطاء اختصاصاتهم ونظرياتهم وزناً كبيراً في دراسة هذه الظاهرة الدينية، حتى عندما يكون العامل العقائدي أكثر تأثيراً من العوامل الأخرى. ومن المهم أن يجري احترام المنظور الديني إضافة إلى بقية العوامل الشخصية والاجتماعية والثقافية الأخرى المؤثرة في عملية الاعتناق.

ثالثاً: ما زال الاعتناق الديني يُدرَس من مختلف الباحثين من خلال رؤى مختلفة. فالسيكولوجيون يميلون إلى التركيز على الشخصية المنعزلة. فهم يركزون على الفرد، مشاعره وأفكاره وأفعاله التي تسيطر على سلوكه وردود أفعاله. وغالباً ما يفسرون الاعتناق من خلال الكآبة والاضطراب والصراع والذنب وبقية المصاعب النفسية. وينظر منظرو علم النفس للإعتناق من خلال مختلف التفسيرات النظرية مثل التحليل النفسي ، السلوكية، الانسانية، الاجتماعية، وسيكولوجيا الادراك.

ويركز المحللون النفسيون على ديناميكية الانفعالات الداخلية وخاصة تلك التي تعكس العلاقة بين الوالدين والطفل. أما السلوكيون فهم يركزون على المحاور الاجتماعية والمؤسساتية للأديان التي يحدث فيها الاعتناق. فهم يعتقدون أن الظروف الاجتماعية أثناء الاعتناق والعلاقات الهامة وصفات الجماعة الدينية التي لها علاقة بالشخص الذي لديه قابلية للتحول، كلها تلعب دوراً هاماً في عملية الاعتناق. ويركز السوسيولوجيون على التفاعل بين الأفراد والنسيج الاجتماعي الذي يحيط بهم، وكذلك على العلاقات بين الأفراد وتوقعاتهم من الجماعة التي سينتمون إليها.

أما الأنثروبولوجيون فهم يبحثون في الثقافة التي تبني الجو الفكري والأخلاقي والروحي للحياة. فهم يعتقدون أن الثقافة هي مظهر النشاط الانساني والقوة المؤثرة في تشكيل وتجديد الأفراد والجماعات والمجتمعات. فهم يدرسون الظواهر باعتبارها مجموعة من الطقوس والشعائر والأساطير والرموز التي تنسج نسيج الثقافة. كما يقومون بفحص الرموز والطرق في التغير الديني، الصدمة الثقافية للإعتناق، الطريقة التي تسهل بها الثقافة عملية التغير الديني، ومراحل تطور التوجه الديني الجديد في ثقافة معينة.

ويؤكد اللاهوتيون على أن هدف التحول الديني هو من أجل جلب الناس نحو العلاقة مع المقدس ومنح الحياة معنى. وهم يركزون على الجانب العقائدي والروحي باعتباره المحور الأساسي في الاعتناق، وأن العوامل الأخرى خاضعة له. إن اقصاء البعد الديني في الاعتناق يؤدي إلى الفشل في تفسير الظاهرة بشكل ينسجم مع خبرات المعتنق(6).

نظريات تفسير ظاهرة اعتناق الإسلام

في هذا السياق، هل هناك نظريات خاصة فسرت ظاهرة اعتناق الإسلام؟

استخدم الباحثون في اعتناق الإسلام في الغرب أمثال بوستون وكوزه ودوله وولرب وهوفمان وأليفي وسلطان، مختلف النظريات السيكولوجية والاجتماعية والأنثروبولوجية لتفسير الدوافع التي تقود الشخص إلى اعتناق الإسلام. وقام هؤلاء الباحثين بتطوير النظريات والتفسيرات التالية بصدد اعتناق الإسلام:

1- تحسين الوضع الاجتماعي Improvement of Social Status

خلال دراسته عن الاعتناق التاريخي للإسلام في منطقة الشرق الأوسط، يرى ريتشارد بوليه بأن "الفرد إنما يغيّر دينه من أجل مصلحة شخصية وتحسين حالته الاجتماعية". ويناقش بأنه "لا أحد يتحول من دين إلى آخر بشكل طوعي إذا كان ذلك يقلل من شأنه الاجتماعي"(7).  إن هذه النظرية تتناول فترة زمنية ومنطقة أخرى غير التي تتناولها هذه الدراسة. وعلاوة على ذلك فهي تتناول اعتناق جماعات من غير المسلمين تعيش في ظل حكم إسلامي. وهذه الحالة تختلف عن البيئة للمعتنقين المعاصرين في أوربا الغربية.

2- التحليل الوظيفي The Functional Analysis

ترى هذه النظرية أن الاعتناق في الغرب هام بنيوياً بسبب هيكله المزدوج: الدين والثقافة اللتين يتركهما المعتنقون، والاسلام كنظرة جديدة مختارة للعالم، بحيث لا يستطيعون مطابقتهما تماماً. فالتوفيقية Syncretism  والمعركة الرمزية Symbolic Battle تتميزان باعتبارهما أشكالاً لقبول الإسلام و لربط الهيكل الأصلي للعلاقة. وأنه "في حالات كثيرة يعزى قبول دين غريب عبر اعتناقه إلى مشاكل الاندماج أو الانفصال في البيئة الاجتماعية للمعتنق. وفرضيتي تقوم على أن الدين الغريب يصبح وسيلة للتمفصل ضمن البيئة الاجتماعية للفرد أو الابتعاد مسافة عنها و العلاقة الصراعية معها"(8). وعبر تحليل ثلاث حالات من بين 41 معتنق قابلتهم، حاولت الباحثة الاجابة على السؤال الذي طرحته: ما هي المشكلة التي تم حلها من خلال اعتناق الإسلام، ولماذا حُلّت باعتناق دين أجنبي؟

لقد ركزت الباحثة على البعد الاجتماعي لعملية الاعتناق، في حين توجد عوامل أخرى، ثقافية وسيكولوجية وكذلك دوافع فكرية وعقائدية لها تأثير في اتخاذ قرار التحول إلى دين آخر. وكما ذكرنا من قبل، فإن عملية التحول الديني هي عملية تراكمية وتفاعلية ومركبة. فهي ليست أحادية العامل، إذ لا يوجد عامل واحد فقط يؤدي إلى اعتناق دين آخر. كما أنها ليست عملية واحدة ، ولا تتم في مرحلة واحدة، وليس لها نتيجة واحدة فقط.

3- العوامل البيئية Contextual Factors

تنطلق من نظرة شاملة لهذه الظاهرة حيث أنها تأخذ في نظرالاعتبار كل العوامل المؤثرة من أجل الوصول إلى تفسير شامل. فهي توافق على أن الاعتناق عملية معقدة تتضمن مراحل مختلفة خلال التشكيل التدريجي للهوية الدينية. كما تؤكد على "مختلف العوامل التاريخية والثقافية والدينية التي تحيط بالشخص، إضافة إلى العوامل الفردية التي قد تخلق أنواعاً مختلفة من الاعتناق"(9).

وتبدي الباحثة اهتماماً أكبر بالبيئة التي يحدث فيها الاعتناق. فهي ترى بأن "السويد اليوم تشهد بداية نهضة دينية. فالعصر الجديد والوثنية الحديثة تنادي كثير من الناس. فقد تجدد الاهتمام بالجوانب الصوفية للديانات العالمية ، كما جذبت الفرق المحافظة والأصولية لهذه الديانات اهتماماً ملحوظاً". ولكن الباحثة تلاحظ بأنه ليس كل الأديان تشهد تيارات من الأتباع الجدد مثل كنيسة الدولة State Church أو الكنيسة السويدية الحرة Swedish Free Churchism. وتعزو هذه الظاهرة جزئياً إلى العلمنة Secularization في المجتمع وإلى الحقيقة التي تقول بأن "الناس يبحثون عن ديانات أخرى غير التي اعتادت عليها ثقافة الأغلبية السويدية". ولكن الباحثة لم تعط أي تفسير للسبب الذي يدعو السويديين إلى البحث عن ديانة غريبة عن ثقافتهم ومجتمعهم، ولماذا لا يعود "العلمانيون" إلى الديانة المسيحية أو الكنيسة اللوثرية السويدية بدلاً من الإسلام؟

في كتابه "الطريق إلى مكة" يكرس مراد هوفمان وهو ألماني اعتنق الإسلام، فصلاً ليسلط الضوء فيه على اعتناق الإسلام في ألمانيا. يوافق هوفمان على رأي باحثين قاموا بدراسة ظاهرة اعتناق الإسلام في الغرب ويرى أنه" لا توجد طرق بعينها تدفع الإنسان وتؤدي إلى الإسلام، وإنما هناك دروب شخصية عديدة لا حصر لها تدفع إليه"(10). ويضيف هوفمان: يظهر أن المسلمين الأوربيين يلبون اليوم نداء داخلياً كما حدث مع أسلافهم أمثال الشيخ رينيه غينو (1886-1951) ومحمد أسد (1900-1992) الذي فسّر اعتناقه الدين الإسلامي بأنه نتاج عملية نضج. ويرى هوفمان بأن "رحلة الوصول إلى الإسلام تمر أحياناً عبر طرق ودروب غير مباشرة. ليس هذا فحسب، بل وعبر طرق تثير الدهشة والعجب. فالإنضمام لعضوية جماعة إشتراكية، أو مغازلة البوذية، تعتبر إحدى الخطوات المعتادة، بل التقليدية، التي تصل بهؤلاء الناس عاجلاً أو آجلاً إلى المحطة النهائية.. إلى الإسلام"(11).

يقسّم هوفمان المسلمين الألمان إلى أربع فئات إجتماعية وهي:

1- الألمان الأجانب، وهم الألمان الذين يعملون في البلدان الإسلامية. وهؤلاء وجدوا طريقهم إلى الإسلام من خلال إقامتهم في هذه البلدان. وتضم هذه المجموعة مهندسين وفنيين وعمال صيانة وتركيب وخبراء في مختلف المجالات والتخصصات. ويشاركهم هذه الحال أعضاء السلك الدبلوماسي العاملون في السفارات الألمانية والملحقون العسكريون.

2- الأزواج، وهم الألمان الذين أحبوا مسلمات ولم يكن يجوز لهم الزواج منهن إلا بعد إسلامهم. ولقد قبل البعض منهم اعتناق الإسلام ليظفر بزوجته فقط لا غير. ولكن من يمد لله إصبعاً، فسيأخذ الله بيده إلى الطريق المسقيم.

3- الشباب، وهم الذين يعترضون على انحرافات المجتمع الصناعي الحديث، ويريد أن يهرب من هذا المجتمع، ويبحث بالتالي عن مخرج أيديولوجي. فهؤلاء يبحثون عن مجتمع عالمي أكثر عدلاً، تسوده أخلاقيات رفيعة.. مجتمع يخلو من تقسيمات وتدرجات هرمية معقدة.. مجتمع يبعث وينشر الدفء الإنساني.. مجتمع يوفر للإنسان السند، ويمنح الحياة معنى عميقاً.. تلك الحياة التي فقدت قيمتها وأهميتها. وينحاز (الخضر) ممن اعتنقوا الإسلام إلى الجماعة الإسلامية بألمانيا، ويميلون إليها، لأنهم يجدون فيها البيئة الدولية –خاصة مع أناس من العالم الثالث- التي يقدرونها كثيراً.

4- علماء الإسلام، وهم المتخصصون في الدراسات الإسلامية. ففي ألمانيا توجد 19 جامعة، تضم كل واحدة منها قسماً للدراسات الإسلامية. هؤلاء الطلبة يقدمون على دراسة الاستشراق لانجذابهم وشعورهم بميل للمنطقة العربية-الاسلامية. وما تلبث الدراسة أن تصبح أكثر من مجرد مواد تدرس، أو تصبح تلبية لنداء داخلي(12).

5- الإعتناق الواعي Conscious Conversion

في دراسته "الدعوة الإسلامية في الغرب" التي شملت 72 معتنقاً أمريكياً، يؤكد لاري بوستون Poston على أنه "في معظم الحالات لا توجد أية أزمة نفسية، أو معنى لليأس، أو شعور بالضياع أو اليأس يقود الأفراد إلى البحث عن حل ديني لمواجهة مصاعبهم"(13). ويرفض بوتسون ما يسميه كونوي Conway وسيغلمان Siegelman بالنهش طالما أنه لا توجد صراعات ذهنية عاطفية تبحث عن حلول مستعجلة. ويؤكد بوستون بثقة على أن "المعتنقين لم يتحولوا إلى بليدين أو أموات فاقدي القدرة على الكلام والحركة، يعزلون أنفسهم عن المجتمع". ويضيف "على العكس، أغلبهم من الشخصيات الحميمية والمنفتحة والواعية تماماً والمدركة ليس بمحيطهم المحلي فحسب، بل بالجوانب العالمية للدين الذي اعتنقوه. إن خبرات اعتناقهم هي نهاية نتجت من عملية بحث طويلة، وخيار متعمّد وصلوا إليه بعد تفكير وتمعّن في مختلف البدائل الأخرى". ثم يستنتج بوستون بأن "هذه نظرة عقلانية تخالف النظرة العاطفية للدين. ومثل هذا الموقف يعارض بوضوح توصيفات ستاربوك Starbuck للمسيحيين الذين درس حالاتهم والذين تميزوا بشدة إنفعالية عالية" . كما يرفض بوستون فكرة ستاربوك التي ترى بأن "الطبيعة الكلية للمعتنق تكون في حالة عالية من التوتر tension ، وأن الحواس تكون مرهفة جداً".

6- البحث عن نظرة جديدة للعالم Seeking a new worldview

في دراسته "سيكولوجيا التحول الديني" يتناول الباحث محمد دوله Muhammad Asin Dollah موضوع اعتناق الإسلام بشكل عرضي. وتتلخص نظرة دوله بأن الإنسان يبحث عن رؤية جديدة للعالم بحيث يمكن أن تقوده إلى اعتناق ديانة أخرى. ويرى أن "اعتناق الإسلام يعني الإنتقال أو القفز من نظرة عالمية إلى أخرى كنتيجة لعدم الاستقرار Instability أو الانفصام عن النظرة الموجودة. وتشمل النظرة الفردية أو الاجتماعية معاً"(14). بالإضافة إلى العوامل الاجتماعية والعاطفية التي تعود للزواج المختلط بين الأزواج الذين ينحدرون من خلفيات عرقية ودينية مختلفة، يؤكد دوله بأن عدم الرضا بالنظرة الموجودة للعالم قد تقود بعض الأفراد إلى التحول إلى دين آخر. فالاستياء قد يتولد من أسباب متنوعة مثلاً، فشل ديانة معينة بتزويد أتباعها بأجوبة أو حلول لمشاكل كبيرة في الحياة. وعلى سبيل المثال إن التغير السريع في الحياة الاجتماعية المعاصرة تولد أسئلة كثيرة حول الحياة:  مغزاها، جدواها، هدفها، وخاصة لدى بعض المتدينين. فإذا عجزت الديانة الحالية عن اعطاء أجوبة مقنعة، فالمؤمن يبقى يبحث عن الأجوبة في ديانة أخرى. وبينما يعترف دوله بأن "هناك أشخاصاً قليلين تحولوا إلى دين آخر بهذه الطريقة" لكنه يعتبرها واحدة من أهم العوامل الدافعة لإعتناق الإسلام. ويذكر على سبيل المثال اعتناق مريم جميلة (أمريكية من أصل يهودي اعتنقت الإسلام) والرسول بولص (مؤسس المسيحية، وكان يهودياً ثم اعتنق المسيحية).

ويشير دوله إلى أن النظرة العلمانية للعالم غير قادرة على اعطاء أجوبة لبعض القضايا كالموت والحياة الآخرة وخلق الكون. كما يرى دوله أن الخبرة الدينية للفرد قد تلعب دوراً حاسماً في تحوله إلى دين آخر. فقد تقوده إلى أن يصبح أكثر تديناً ثم ليبدأ بالتساؤل حول دين والديه. فهو يرى بأن "الفرد الذي عاش في بيئة دينية معينة يقبل الدين باعتباره جزء من نظرته للعالم. ولكنه في بعض الأحيان ينظر لهذا الدين بشكل أعمق من الآخرين. وقد تقوده عوامل عديدة إلى التفكير بالدين باعتباره أسمى مصدر للمعنى في الحياة. فإذا ما فكّر بذلك، فسيصبح أكثر تديناً كلما كان متضلعاً في ذلك الدين"(15).

7- الأسباب الدينية Religious Reasons

في دراسته القيمة "اعتناق الإسلام" التي أجراها حول المعتنقين البريطانيين، يناقش الباحث التركي علي كوسه Ali Köse النظريات الاجتماعية والسيكولوجية المتعلقة بتغيير الدين. ويرفض العوامل السيكولوجية والمراهقة العاطفية القلقة. ويذكر أن 70% من الأشخاص الذين أجرى دراسته عليهم لم يكن لديهم فترة مراهقة عاطفية قلقة Emotionally troubled adolecesnc(16)  ويؤكد على أن اعتناق الإسلام يحدث بعد فترة المراهقة. وأن التساؤل حول بعض عناصر الديانة السابقة يجعل معتنق المستقبل عرضة لمختلف الأفكار القريبة من الإسلام(17).

ويولي علي كوسه اهتماماً كبيراً بدور البيئة الغربية العلمانية وعملية العلمنة التي مرت بها المجتمعات الغربية في تشكيل العامل الرئيسي لاعتناق الأوربيين ديانة أخرى غير المسيحية، مثل:

1- إضمحلال الدين The decline of religion

جاء ذلك كنتيجة لتطور المجتمع العلماني. فالعلمنة صارت من أقوى معالم التحول الديني المعاصر في الغرب. ويرى بعض المراقبين الغربيين مثل ويلسون B. Welson ومارتن D. Martin بأن هناك "تقلصاً مستمراً في تأثير الدين على المجتمع وعلى حياة الناس كنتيجة لصعود دور العلم والتكنولوجيا، وإحلال حياة القرية بحياة المدينة بتحدي المكان ودور الدين في المجتمع"(18).

إن العلمنة تقود المعتنقين الغربيين إلى البحث عن خيارات دينية أخرى مثل الإسلام. "فهم يؤمنون بأن الإسلام يمنحهم الوسائل العملية للإقتراب من الله، والعيش حياة جيدة، واكتساب السلام في هذه البيئة العلمانية"(19). إن إعتناق الإسلام عند بعض المعتنقين يعني التحول من ثقافة علمانية إلى أخرى غير علمانية أو أقل علمانية. فهم بحاجة إلى دين يستطيع توجيه حياتهم اليومية.

2- فشل الكنيسة المسيحية The failure of the Christian Church

منذ مسيحية العصور الوسطى وصعود حركة التنوير، تشهد أوربا جواً أكثر علمانية. إن حركة الإصلاح فرضت على الأوربيين فصلاً بين المسيحية والثقافة. ويرى كوسه بأن ذلك قد أدى إلى تحلل أخلاقي تدريجي ، طالما أن المسيحية كانت تعتبر مصدر المعايير الأخلاقية. لقد فقدت الكنيسة دورها المؤثر على المجتمعات الأوربية. ففي بريطانيا هناك 10% فقط يقبل بالحقيقة المطلقة للكتاب المقدس ، و15% من البالغين مرتبطين بالكنيسة. أحد المعتنقين يؤمن بأن "واحداً من أسباب ضعف الكنيسة هو الاستعداد لتغيير أحكامها لتلائم التغييرات في المجتمع، وبالتالي فلم تعد الكنيسة عامل استقرار للمجتمع. فهي تسير وراء الحاجة العلمانية"(20).

وهناك بعض الانتقادات للكنيسة تركز على حالة النفاق عند الكنائس وعجزها عن قيادة الناس في القضايا الأخلاقية. فبعض المعتنقين يرى أن الكنيسة مستعدة لأية تسوية وحتى القبول بالشذوذ الجنسي. فالسؤال المطروح هو : هل ما زال الغرب يعتبر مسيحياً؟ وهل  الثقافة الغربية الحديثة مبنية على القيم المسيحية؟ الجواب هو أن الثقافة الحديثة تفقد تدريجياً معالم المسيحية ، و أن أوربا تعيش مرحلة ما بعد المسيحية Post-Christian stage.

3- الاتصال بالمسلمين Contact with Muslims

إن غالبية حالات اعتناق الإسلام تحدث من خلال وسائل عديدة للإتصال بالمسلمين. رغم أن 23% من الذين حاورهم كوسه Kose قد ذكروا أن أول إتصال لهم بالإسلام كان من خلال الأدب والكتابات التي تتحدث عن الإسلام، لكن من النادر أن تنشأ عملية اعتناق دون اتصال إنساني بين شخص مؤمن بذلك الدين وشخص معتنق له فيما بعد. إن المستعد للإعتناق بحاجة إلى مناقشة الكثير من الأمور المتعلقة بالعقائد والأحكام والشعائر الإسلامية. وقد يتأثر هؤلاء المستعدون للإعتناق potential converts بالمحيط ، ويقضون أوقات كثيرة بين المسلمين سواء كانوا أصدقائهم في الدراسة أو العمل أو عائلات مسلمة تسكن بجوارهم ، أو لقضائهم فترات زمنية معينة في بلدان إسلامية سواء للسياحة أو العمل أو القيام بأبحاث أو دراسات هناك. كما يوفر الحضور الإسلامي المتزايد في البلدان الغربية فرصاً كبيرة للأوربيين للإحتكاك بالمسلمين. كما يخلق إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية والمحاضرات والكتب الإسلامية باللغات الأوربية أجواء جديدة مفعمة بالأفكار والخبرات الروحية. يلاحظ أن معدل اعتناق الإسلام قد ارتفع مع زيادة نمو الجاليات المسلمة في البلدان الغربية. كما تؤدي حالات الزواج بين مسلمين وغير مسلمات إلى اهتمام الشركاء الغربيين بالعقائد والطقوس الإسلامية. لاحظ كوسه أن 20% من المعتنقين الانكليز قد كانوا متزوجين بمسلمين أثناء عملية اعتناق الإسلام(21). من الجدير بالذكر أن النساء تشكل الغالبية من الغربيين المعتنقين للإسلام ، وأكثريتهن متزوجات بمسلمين.

8- الاعتناق العلاقاتي والاعتناق العقلاني Relational and Rational Conversion

في كتابه (معتنقو الإسلام، المسلمون الأوربيون Les convertis à l 'Islam: Les nouvaux musulmans d' (Europe يقدم ستيفانو أليفي Stefano Allievi  تقسيماً نوعياً لاعتناق الإسلام بناءً على معلوماته الميدانية التي جمعها في دراسته. فهو يميّز بين نوعين من الاعتناق هما الاعتناق العلاقاتي Relational conversion والاعتناق العقلاني Rational conversion. ويعتبر النوع الأول أي العلاقاتي نتيجة علاقات اجتماعية تهيئ فرصاً تجعل الشخص المستعد يفكر بتغيير دينه. إذن هنام علاقات إجتماعية معينة تمنحه خبرات جديدة تقوده فيما بعد إلى إعتناق الإسلام. أما الاعتناق العقلاني فهو مسألة فردية بحتة يكون الشخص فيها باحثاً عن نظام جديد قادر على الاستجابة لمتطلباته الفكرية و حاجاته الدينية (الروحية-الصوفية)(22).

9- عوامل دافعة مختلفة Different Motivional Factors

في كتابه (الطريق إلى مكة) يكرس المفكر المسلم الألماني مراد هوفمان فصلاً يسلط فيه الضوء على اعتناق الاسلام في ألمانيا. يشير هوفمان إلى دراستين نشرتا بالألمانية هما (من دين إلى آخر) و(ألمان هداهم الله) ، ثم يؤيد ما توصل إليه مؤلفو هذين الكتابين من نتائج بأنه لا توجد "طرق بعينها تدفع الإنسان وتؤدي به إلى الإسلام،  وإنما هناك دروب شخصية عديدة لا حصر لها تدفع إليه". ثم يضيف هوفمان "يتبين أن المسلمين الأوربيين يلبون اليوم نداء داخلياً ، كما حدث مع أسلافهم العظام رينيه جينو (1886-1952) ومحمد أسد (1900-1992) الذي فسر اعتناقه للدين الإسلامي بأنه نتاج عملية نضج"(23).

 


1.      R. Stephen Humphreys (1995), Islamic History, p. 274

2.      Madeleine Sultan (1999), Choosing Islam: a Study of Swedish Converts, p. 226

3.      Lewis Rambo (1993), Understanding Religious Conversion. P. 5

4.      Lewis Rambo (1999), Theories of Conversion: Understanding and Interpreting Religious Change, p. xiii.

5.      Lewis Rambo (1999), Theories of Conversion: Understanding and Interpreting Religious Change, p. 261

6.      Lewis Rambo (1993), Understanding Religious Conversion. Pp. 8-10

7.      Bulliet (1979), p. 37

8.      Wohlrab-Sahr, M. (1999), Conversion to Islam: between Syncretism and Symbolic Battle, p. 352

9.      Sultan, M. (1999), Choosing Islam: A Study of Swedish Converts, p. 326

10.  مراد هوفمان (1998)، الطريق إلى مكة، ص 123

11.  مراد هوفمان (1998)، الطريق إلى مكة، ص 124

12.  مراد هوفمان (1998)، الطريق إلى مكة، ص 123-124

13.  Poston (1992), p. 169

14.  Muhammad Asin Dollah (1979), The Social Psychology of Religious Conversion, p. 103

15.  Dollah (1979), p. 121

16.  Ali Köse (1996), Conversion to Islam, p. 49

17.  Ali Köse (1996), p. 93

18.  Ali Köse (1996), p. 74

19.  Ali Köse (1996), p. 78

20.  Ali Köse (1996), p. 75

21.  Ali Köse (1996), p. 114

22.  Allievi (1998), p. 95

23.  مراد هوفمان (الطريق إلى مكة) / ص 123

|1|2|3|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة