ما بعد الربيع العربي: في شروط النهضة وممكناتها في الوطن العربي(2/2)

9/20/2012

مع الدكتور مقلاتي صحراوي- الجزائر

بين يدي الحوار:

كيف تفسرون التحولات التي تجري الآن في العالم العربي، وهل هي فعل واعي يستطيع أن يحقق التراكم الثوري المطلوب ويحقق بذلك تطلعات الثورة وأهدافها؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون رد فعل عن أوضاع استبدادية، لا يلبث أن يفقد البوصلة ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها ببعض الاختلاف في الصور والأشكال؟

التحولات التي تحدث في العالم العربي بالمعيار السياسي هي تحولات نوعية لا شك في ذلك، ولكن بالمعيار الحضاري هي بداية تحولات ولا يمكن أن نرصد آثارها في اللحظة الراهنة، لأن الحل الحضاري الذي يعيد صياغة الإنسان وظروفه المحيطة يحتاج إلى وقت طويل، أو لمدى متوسط على الأقل لا يقل عن عشرين سنة. ففي المرحل الأولى سيحاول التغلب على العوائق، وهي كثيرة، كما هو مطالب بالحفاظ على اطراده ومراحله وتراكم إنجازاته، حتى يصل إلى بعض أهدافه هذا على فرض وجود قوى مضادة ضعيفة وليست قوية ساحقة ،أما ردة الفعل، فلا تخل منها أية ثورة، والثورة نفسها ردة فعل ولكن تدخل قوى واعية في ترشيد مسارها هو ضمان نجاحها، لأن الثورة لا تقع فعلا كاملا ، وإنما هو فعل يتحول إلى مشروع يتوزع على رقعة زمانية، فيها أهداف مرحلية وأهداف نهائية تحتاج إلى تدبير حكيم من أجل تحقيقها. واعتقد أن الأقدر على إدارة الثورات في مصر وتونس واليمن هي الحركات الإسلامية ولكن ليست منفردة فلا بد من مشاركة لمختلف النخب حتى لا تتحول إلى ثورة مضادة بمساعدة الخارج المتربص.

ذهبت كثير من التحليلات إلى أن الثورات العربية كشفت ضعف القوى السياسية وهشاشة بنياتها، كما كشفت ضعف النخب الفكرية والإعلامية والفنية وارتهانها إلى السلطة السياسية، في نظركم هل تعني هذه الثورات نهاية النظريات التي تراهن على المثقفين في تشكيل الطليعة الرائدة في كل فعل جماهيري؟

هذا الكلام ربما ينطبق على الانتفاضات المطلبية والاحتجاجية. أما الثورات فهي أصلا انقلاب في الوعي وانتقال نوعي في الممارسة، وبالتالي فسينتج آليات لإدارة الدولة، بما في ذلك توظيف المثقفين، ولو في مراحل لاحقة رغم أن هذا لم يحدث بالنسبة للمثقفين الإسلاميين، أما المثقفون العلمانيون فقد تجاوزتهم الثورات وهم من بقايا الأنظمة السابقة، وبالتالي فهي المرتهنة لهذه السلطات وسيطالها التفكك وإعادة التوظيف في السياق الجديد إن عاجلا أم أجلا. وأما قوة النخبة فكذلك أمر نسبي، فالقوة المادية نعم هم ضعفاء ولكن القوة المعنوية والرمزية هم أقوياء وهل نفعت القوة المادية الجيوش؟ كما أن الثقافة قوة، ولكن قد تأتي بعض اللحظات يظهر وكأنها غير ذات جدوى وخاصة أثناء الصراعات المسلحة،لقد كنا نعزو طول الصراع في أفغانستان والصومال خاصة الداخلي بعد سقوط الدولة، إلى انعدام النخبة المثقفة نتيجة الحروب وهي الوحيدة التي تستطيع توجيه الشعوب والثورات إلى بر الأمان.

في نظركم ما هي أهم التحديات التي تواجه خطاب النهضة؟ وما هي التخوفات التي ترون أنها مشروعة بإزاء الخلافات الفكرية التي تمزق الأمة في هذه التي تعرفها المنطقة العربية؟ وما السبيل إلى مواجهة ذلك؟

التحديات التي تواجه خطاب النهضة هو الاستمرار في إنتاج أدبيات التكيف مع المراحل التي وصل إليها فلا بد له من حركة مصاحبة لتجديد آلياته في إدارة مراحل ما بعد الثورة سواء تعلق الأمر بالفقه السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ويجب عليه ألا يدخل في الخطاب الاستعدائي التهديدي خاصة للقوى المتربصة وإنما لابد من خطاب تصالحي مع الداخل والخارج، بالسواء لأن أولوياته المرحلية هو الاستجابة للحاجات الضرورية للشرائح المنهكة والتي رأت فيه ملاذا وخلاصا .

مع نجاح الثورات، وضع الخطاب النهضوي الإسلامي في المحك، ووضعت  المنهجية الأصولية أيضا في الاختبار، وصار التساؤل مشروعا عن  جدوى هذه  النظرية ومدى قدرتها إنتاج خطاب نهضوي قادر على إنتاج رؤى في تدبير الحكم والتعامل مع تعقد واشتباك المصالح والمفاسد وما يتطلبه الإصلاح من مواجهة لوبيات  الفساد واستيعاب النخب، في نظركم هل هذه هي لحظة الفكر المقاصدي؟ أم أن هذا الفكر استنفذ أغراضه ولم يستطع أن يحدث الانتقال من الحقل المعرفي إلى حقل الممارسة السياسية؟

الثورات  التي حكمت عليها بأنها نجحت هذا حكم مسبق إذا اعتبرنا أن الثورات هي مشاريع تغيير شاملة وسريعة وجذرية، ولكن هناك إكراهات في  الواقع، وهي كثيرة كما أن حضور البعد الإسلامي فيها جعل القوى الخارجية لا تقف معها ولا تساندها ، كما أن حملات التشويه للإسلاميين كبيرة جدا بالنظر حتى إلى تجربتهم الجديدة والمتواضعة في إدارة الشأن العام، وعليه فقدرتها على إنتاج خطاب نهضوي مصاحب لعملية التحول أمر مفروغ منه، ولكن يبقى الإشكال في عمق هذا الخطاب ومدى قدرته على تأطير وتوجيه التحول في طريقه الصحيح. وأعتقد أن ذلك يتوقف على مدي الوعي وإدراك الواقع من خلال اعتماد المقاربة العلمية في معالجة القضايا المطروحة وتمكين الباحثين ومراكز الأبحاث من المساهمة في حل المشكلات المستجدة وهنا يحضر "الفكر المقاصدي" بوصفه إطارا شرعيا يجعل تقديم الكلي على الجزئي حاضرا في فكرنا وتفكيرنا وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح في الممارسة عند التعارض والتزاحم وارتكاب أخف الضررين وغيرها من حفظ الكليات الخمس وسواها كالحرية والعدل.

في نظركم ما الإضافة التي يمكن أن تقدمها الحركة الإسلامية التي وصلت إلى السلطة لفكر الإصلاح والنهضة التي انطلق مع القرن التاسع عشر؟

الإضافة النوعية التي ستقدمها الحركة الإسلامية إذا جرت الأمور وفق المتوقع منها هي تخليق الممارسة السياسية وتقليص نسبة الفساد الإداري والسياسي والمالي والاجتماعي الذي أصبح كالسرطان في مجتمعاتنا. ووفق ابن خلدون، فإن الظلم مؤذن بخراب العمران. والظلم هنا هو كل أنواع الفساد وأشكاله الذي تفرع عن الاستبداد .كما أتوقع أن تنطلق الكفاءات في دورة من الإبداع الحضاري في مختلف المجالات.

عندما نحمي العلماء والمبدعين والمخترعين ونشد أزرهم في هذا الشأن خاصة وأن الحركات الإسلامية لها من الكوادر التي كونتها عبر عقود من الزمن في مختلف التخصصات والمجالات، والإضافة النوعية الأخيرة المتوقعة هو إطلاق العمل الخيري وحب التضحية من أجل الآخرين بسبب عودة الثقة بين الحاكم والمحكوم التي كانت غائبة منذ دخول الاستعمار إلى اليوم.

في تقديركم ما هي الأولويات التي يلزم أن يشتغل عليها الخطاب الإسلامي في المرحلة القادمة؟ وكيف تستشرفون مآلاته؟

الأولويات التي يلزم أن يشتغل بها الخطاب الإسلامي في المرحلة القادمة هي:

- العمل على ترشيد عملية التحول والوصول بها إلى بر الأمان

- توفير البيئة الإيجابية لعملية التحول وإحباط كل محاولات إجهاضها سواء من الثورات المضادة أو من الأعداء الخارجيين

- تطوير خطاب تعايشي غير استعدائي لجميع الأطياف المخالفة، تأمينا للمسيرة وتجسيدا لمبادئ الإسلام التي ينظمها مبدأ السماحة، مبينا للناس أننا نريد أن نعيش بديننا دون أن نشكل تهديدا لأحد بتديننا.

- توقي السقوط في المعارك الجزئية التي تستهلك وقتا وجهدا كثيرا بدون طائل.

ومن هنا يمكن أن نستشرف المستقبل وفق القاعدة الشرطية :إذاكان ....فإن:

- إذا استجابت الحركات الإسلامية للتحديات بشكل واعي وكاف واستطاعت أن تتجاوز العقبات ولم تسقط في متاهات فرعية وكانت عصية على التشرذم فإن التمكين سيكون ثمرة لجهودها وتتكلل بالنجاح مع العلم أن الغرب لن يبقى ساكتا مكتوف الأيدي وبالتالي إحداث نقطة التحول في العلاقات الدولية مستبعد على المدى المتوسط لأنه يتوقف على شروط اقتصادية وعسكرية، ولا اعتقد أن هذه الحركات الثورية تستطيع أن توفرها.

|1|2|

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة