ما بعد الربيع العربي: في شروط النهضة وممكناتها في الوطن العربي(1/2)

9/10/2012

مع الدكتور مقلاتي صحراوي- الجزائر

بين يدي الحوار:

وضع فضيلة الدكتور مقلاتي صحراوي، الأستاذ والباحث في الفقه المقاصدي، في هذا الحوار الذي فتحناه لمناقشة الخطاب الإسلامي في مرحلة ما بعد الربيع العربي، يده على أصل الداء، وقدم رؤيته التشخيصية للإشكالات الحقيقية التي تعترض دول الربيع العربي، خصوصا  في استئناف مقومات الفكر النهضوي. فحسب الدكتور مقلاتي صحراوي، فإن التعامل مع التراث النهضوي الذي أنتج في القرن الماضي، يحتاج إلى قدر من التنسيب، وعدم التماهي مع خطاباته، لأن التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الثقافية، تقتضي استلهام أطر جديدة في التفكير، قائمة على التجاوز والإبداع.

يدعو، فضلية الدكتور في هذا الحوار، إلى تبني مقاربة تشاركية بين الهيئات والأحزاب والمنظمات الوطنية، لربح رهان التغيير، فالفكر الواحد ولى مع زمن الانغلاق الفكري.

لا يستكين الأستاذ مقلاتي للأطر الفكرية التي أنتجها خطاب النهضة، بل إنه يدعو إلى مزيد من الاجتهاد وبعد النظر في تفسير وتحليل الأوضاع العربية الراهنة، وسبل تطويرها مستقبلا، وفي هذا الصدد يراهن الأستاذ على الحركات الإسلامية، وعلى نوعية كوادرها التي تربت في أحضان هذه الحركة، لإطلاق دورة جديدة في حياة الشعوب والمنطقة.

قبل أن نباشر مضامين الحوار، نورد ورقة تعريفية بفضيلة الدكتور مقلاتي صحراوي، فهو من نخبة المفكرين الجزائريين، حاصل على دكتوراه في الشريعة الإسلامية من الجامعة الوطنية الماليزية. UKM 2004.

- درجة الماجستير في معارف الوحي والتراث 1995 من الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا.

- ليسانس  في الدعوة و الإعلام من كلية الدعوة و أصول الدين بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر1991.

- دبلوم في العلوم الإنسانية من الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا.

له مؤلف، حول "الاجتهاد الخاص و الفروض الحضارية"، 2004.

هذا بالإضافة إلى عشرات المقالات العلمية والمساهمات الأكاديمية، سواء داخل الجزائر أو خارجها.

 

في ظل التحولات التي يعيشها العالم العربي، وبعد تعثر - دام طويلا- عن التزام الطريق الصحيحة المؤدية للنهضة،  هل لا زالت كتابات رواد النهضة تحمل من الجدة والنجاعة ما يجعلها قادرة  على التنزيل على واقعنا الحالي؟، أم أن التحولات الكبرى التي طرأت على عدة مستويات لاسيما بعد عصر العولمة جعلت ذلك التراث مشروط بظرفيته الزمنية وغير قادر على محاورة الإشكالات الراهنة؟

اشكركم أخي الكريم على هذه الاستضافة الكريمة. إذا كنت تقصد أن التعثر كان على المستوى السياسي، فانا أوافقك الرأي، فقد عرف العالم العربي تعثرا دام طويلا ولكن هل هو على  مستوى الممارسة أم على مستوى التنظير، فهناك اجتهادات كثيرة ومقاربات متعددة في مجال محاولة بلورة نظرية سياسية في الحكم حتى إن حركات النهضة لم تصبح تخشى من تولي السلطة، بل أصبحت حريصة عليها أشد الحرص، وقد تولت الإجابة على معظم الأسئلة التي وجهت إليها من طرف الباحثين ،كما تولت الرد على جميع التهم التي وجهت إليها من طرف الخصوم والأعداء في الداخل والخارج ،هذا في المجال السياسي. أما في باقي المجالات، فإن الفكر الإسلامي النهضوي، عرف تحولات حقيقية، إذ مع الثورات والتحولات التي تشهدها الساحة اليوم، والتي تشكل ثمرة من ثمرات هذا الفكر، ولأنه كما نعلم أن  الفكر هو المحرك الأساس والحافز الكبير لكل تحول، لأنه يقوم بنقل الإنسان تصوريا وعقديا ومعرفيا ومنهجيا. وتأتي النقلة التاريخية تتويجا لذلك، وهذا محل اتفاق بين جميع منظري الفكر النهضوي، رغم أن هذا لا يمنع أن هناك بعض مكونات هذا الفكر مرتبطة ببعض المراحل التي مر بها بعض المنظرين أو الممارسين على حد سواء فمن القيادات المفكرة من تعرض للاضطهاد الشديد، وهذا يؤثر في أدبياته وطروحاته، ومنها من كان في داخل السلطة، وهذا أيضا يؤثر في مواقفه ومقارباته النظرية وسلوكه العملي وهكذا دواليك، أما متغير العولمة فلم يؤثر على فكر النهضة فقط وإنما أعاد صياغة، مواقف الدول والهيئات الدولية والرأي العام المحلي والدولي فهو قد أثر في مواقف الجميع وهذا يحتاج إلى رصد في سياق آخر وبأدوات مختلفة ليس هذا محل بسطها.

أولى العديد من المفكرين أهمية كبيرة للجانب الفكري والمنهجي ، فتم الاشتغال على إخراج تراث رواد النهضة، ثم نقد الفكرة العلمانية تأصيلا وخطابا، وصرف اهتمام كبير برفع  كثير من الشبهات عن المرجعية الإسلامية، فتم التأصيل في كتابات هؤلاء المفكرين للتعددية السياسية في الإسلام، و مدنية الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى العديد من الكتابات التي انتقدت بشكل علمي التيارات الفكرية المعاصرة. ما الذي يبرر توجه خطاب النهضة إلى هذا الاتجاه في الكتابة؟

كما سبقت الإشارة فإن الفكر الإسلامي مر بمراحل تشكل فيها بعوامل فرضتها المرحلة التنموية والسياسية، وفرضتها جملة من التحديات التي واجهت الأمة. فقد كان الفكر الإسلامي بوصفه استجابة لمعطيات معينة تحكمه محددات بحسب المرحلة. فمر في القرن الماضي بنزعة دفاعية طاغية على الهوية ومكوناتها أمام استهداف الأمة بشكل كلى وسافر، فكان غالبه ردة فعل على الفكر الكولونيالي أي أنه فكر مقاوم ونضالي يقارع الفكر الغربي، وإن كان بشكل سجالي، ثم جاءت مرحلة أخرى أصبح فيها مطالبا بصياغة البديل. فبدأ بالبدائل العامة على مستوى المنظورات التصورية ثم المنظورات الجزئية ثم مرحلة البدائل التفصيلية ،كما دخل في مرحلة المقاربات وتجاوز المقارنات ولم يدخل بعد مرحلة الإبداع والتجاوز، وهو المنتظر في الأجيال ما بعد الثورات عندما يكتشفون القصور العملي وليس القصور النظري فقط للفكر الغربي في مجالات متعددة بسبب قلة مصادر المعرفة عنده خاصة الوحي وهذا من طبيعة الأشياء، لأن الناس لا يمكن أن تفكر إلا من خلال نماذج جاهزة، ومن يستطيع  التمرد عليها يصنف في العباقرة، وهذا ليس هو الغالب الأعم، وبالتالي فمسألة التيارات الفكرية هي مسألة تصنيفية، فلم تعد هناك معايير ثابتة لتصنيف التيارات، فقد درست مادة الفكر الإسلامي، وكان من المفردات تيارات الفكر الإسلامي. فلما أتينا للتصنيف، وجدنا أن المعايير قد تصدق في مرحلة لكن غير مطردة زمانيا ولا مكانيا. فمثلا معيار المعاصر، فتقول وفقه هذه حركة معاصرة إذا كانت تأخذ بالديمقراطية، وتراثية إذا لم تأخذ بها وعند التطبيق يقفز إلى الذهن الحركة السلفية هي التراثية باعتبار أكثر منظريها يرون أن الديمقراطية غربية المنشأ، وهي ربما "كفر" نجد من الناحية العملية حركات سلفية تقبل بالتعددية الحزبية ومثال ذلك الكويت ومصر بعد الثورة فقد كانت السلفية علمية أي عكس السياسية ثم انخرطت في العمل السياسي بكل استحقاقاته ومن هنا لا يمكن تحليل التيارات إلا من خلال فكرة "الطيف" وليس "الثنائيات" أي النسبية المرتبطة بالخصوصية.

تعيش مصر وتونس وغيرها من البلدان التي عرفت الثورة، أو تعرف صحوة ديمقراطية قوية، على إيقاع النقاش حول  الدستور وهوية النظام السياسي والمرجعية العليا للدولة، والاختلاف حول علمانية الدولة أو إسلاميتها، في نظركم ما الذي يحسم في هذه القضايا :هل النقاش الفكري أم الفعل السياسي الذي يقوم على موازين القوة وتأثير القوة الوازنة؟ وما أولويات خطاب النهضة على هذا المستوى؟

القضايا لن تحسم وإنما كل قضية ستولد قضايا أخرى، لأن كل العدة الفكرية والنفسية والوجدانية والمادية ستوضع على المحك، وكل أصناف العاملين سيبتلون. وهذه سنة التغير في البشر عامة، وفي المسلمين بصفة خاصة"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب". ومن هنا، فإن كل الترسانة الفكرية ستتحول إلى رأسمال قابل للاستثمار وتبدأ الأرباح والخسائر حسب صلابة الثروة التي ستدخل بها عملية الاستثمار وتبدأ ثنائيات أخرى تتصارع بين المبدئي والمصلحي، بين الولاء الأيديولوجي والكفاءة، بين العلم النظري والمهارة العملية ،بين الدعوة والدولة ،بين الآليات الصارمة والتصرفات اللطيفة، بين الملفات والقضايا ،بين الآني والآجل ،بين التقوى والفجور ،بين القوة الهشة والقوة الصلبة وهكذا ،وبعض هذه الثنائيات مرحلية فقط قد تفرضها مرحلة التحول، ولكن بعد مدة من الزمن، ستظهر قضايا أخرى، ربما متغيرات أوسع وأكبر، وربما تحديات تكشف مدى العمق الفكري للحركات التي تحمل الفكر النهضوي في استمرار الدول وتتابع مراحل نموها الطبيعي والأخذ بأسباب القوة الحقيقية من خلال المؤسسات القائمة.

يثار نقاش كبير حول حدود الاتصال والانفصال بين الحركات الإسلامية والحركات الإصلاحية التي أسس لها رواد النهضة، كيف تقرؤون العلاقة بين هذه الحركات؟ هل تندرج في سياق الامتداد التاريخي أم القطيعة؟ وما الإضافات النوعية التي أضافتها الحركات الإسلامية؟ أو ما هي نقاط الاختلال التي جعلت الحركات الإسلامية تقصر عن الأفكار التي جاءت بها الحركات الإصلاحية؟

هذا التصنيف لم يمر علي سابقا ولا أرى ان هناك فرقا بينهما يمكن الاعتداد به علميا حتى نبني عليه نتيجة ومقتضيات، فإذا كنت تقصد بالإصلاحية حركات الأفغاني ورشيد رضا ومحمد عبدو لأنه لم يستغن أحد من الحركات الإسلامية -كما سميتها- على تفسير محمد عبده ورشيد رضا عن "المنار "كما أن البنا رحمه الله عزم على إكمال تفسير-المنار- لما وصل صاحبه إلى سورة يوسف ثم توفاه الله، وأما ما اصطنع من جفوة بين الأزهر والإخوان فله ظرف تاريخي مؤقت وقد مر ولا يلزم الحركات الإسلامية في جميع أقطار العالم الإسلامي التي تستخدم المصطلحين على سبيل التبادل، وهل الإسلام إلا إصلاح وهي وظيفة الأنبياء"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"كلهم قالوا هذا،ولكن من خلال ذيل السؤال يبدو أنك اعتمدت معيار التنظيم الحركي في التصنيف وهذا التقسيم كان في زمن من الأزمان في الثمانينيات، وهو تصنيف ساذج أيضا، ظهر حتى في الجزائر، وكان مغرضا، إذ كان القصد منه استقطاب الشباب والمزايدة على المخالفين. ولكن في ميزان العلم ليس له أي معنى.وأما التواصل الفكري فلم ينقطع البتة . فإذا لم تجد الاستشهادات بتفسير المنار عند فتحي يكن أو المودودي فهذا لا يعني انهم لا يستخدمونه في دروسهم اليومية في المساجد والجامعات. وأنا اعرف بعض الحركات الإسلامية في جنوب شرق آسيا يأخذون بآراء رشيد رضا في مسائل تتعلق بمعاملة غير المسلمين.

التعليقات

1 ) سليمان ثابت: تنبيهات 11/30/2012

الحوار على أهميته لم يتضمن محتوى العنوان الذي أعطي له، بل اكتفى بالوصف التاريخي لبعض حركات التغيير في المنطقة العربية الإسلامية وإشارات إلى العلاقة بين المؤسسين ومن بعدهم،ومن ثم وجب في نظري استكمال هذا الحوار والكشف فيه عن نظرة الدكتور صحراوي ومقاربته في شروط النهضة وممكناتها بعد الربيع العربي،وأظن أن الربيع العربي قد أربك كثيرا من المفكرين المهتمين بشأن التغيير الحضاري، وشكك البعض في أفكاره ومنطلقاته بما أحدثه من تحولات في الواقع يكاد العقل ألا يصدقها،وإن كنت شخصيا أعتقد أن ماحدث بفعل الربيع العربي يعتبر طفرة في عالم التغيير،لا يجب الإعتماد عليه كثيرا وإعطائه من الأوصاف ما لا يستحقه، كمن يذهب إلى وصف الشعوب العربية إلى أنها بلغت من الرشد أتمه ومن التحضر أوجه ،وما إلى ذلك، وتصديق هذا ما نراه بأم أعيننا هذه الأيام فيما يحدث في مصر وتونس- باعتبار أنهما تغيرتا سلميا نسبيا -، ومن ثم أنبه العاملين في حقل التغيير إلى عدم الركون إلى هذا التغيير الذي حدث بفعل الربيع العربي والإنبهار به عن احترام قواعد التغيير الحقيقية التي ترجع جميعها إلى أم القواعد التي حواها قول الله عزوجل : (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) والعمل على التغيير التدريجى بالإنتشار المتأني والتوسع الموزون -حلى حد تعبير أحمد الراشد- حتى يبلغ البنيان تمامه وتؤتي جهود المصلحين أكلها بإذن الله تعالى.(ويومئذ يفرح المومنون بصر الله...)

أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة