التحول نحو القيم حوار نماء مع الخبير الدولي في مجال التربية والتعليم الدكتور خالد الصمدي

8/8/2012

حاوره: مركز نماء للبحوث والدراسات

بين يدي الحوار..

في هذا الحوار يفتح الخبير الدولي في مجال التربية والتعليم الدكتور خالد الصمدي صدره لأسئلة موقع نماء، لمدارسة دور المنظومة التربوية في بناء المفاهيم الإسلامية وتحصين المتعلمين من القيم العلمانية أو الإلحادية المادية،  ويوضح الصمدي في هذا الحوار أن الصراع حول القيم إنما هو في المفاهيم، وأن المرجعيات هي التي تحدد هذه  المفاهيم، وأن مجال التدافع على مستوى المفاهيم التي تضفى على القيم، إنما يجد عمقه أكثر في الأحكام والقوانين من حيث كونها آليات ووسائل لتحقيق القيم المتفق عليها مشددا على ضرورة الاجتهاد في إبداع أفضل الوسائل التي يمكن أن تخدم قضية القيم الإسلامية وتحاصر القيم العلمانية والقيم المادية الإلحادية. هذا ويعرض الدكتور خالد الصمدي في الشق الثاني من الحوار لقضية بناء المفاهيم في لمنظومة التربوية، والطرق العلمية والديداكتيكية التي تضمن تحول المادة العلمية إلى مادة تعليمية، وكذا مصفوفة القيم ومنهجية الانتقال بالمتعلم من التفاعل مع القيم الإسلامية إلى الدفاع عنها وحملها على نقلها إلى فضاءات أوسع، كل ذلك في إطار تخصصي علمي يقدم فائدة علمية للمشتغلين بمجال التربية والتعليم.

 

مجال التربية والتعليم هو مجال بناء المفاهيم، والقدرات، وهو مجال صناعة السلوك أيضا، وهو مجال التدافع بامتياز بين المرجعيتين الدينية والعلمانية، أو اللادينية، لنبدأ أولا بتحديد المفهوم. فهناك اليوم من يرى أن التهديد الحقيقي الذي يواجه المجتمعات الإسلامية هو اللادينية، وأن هناك إمكانية للتعايش مع العلمانية، وهناك من يرى أن العلمانية نفسها هي تهديد حقيقي للمجتمعات الإسلامية؟ كيف ينظر خالد الصمدي لهذا الإشكال؟

الصراع الذي تعيشه المجتمعات العربية في الساحة الفكرية خاصة في الدول التي عرفت الحراك العربي ، يرتبط بشكل كبير جداً بطبيعة المفاهيم السائدة، ومجمل الحراك الفكري الموجود على المستوى السياسي والثقافي والإعلامي ينبني على صراع المفاهيم والتأويل الذي يحاول كل طرف أن يضفيه على القيم التي يتبناها ، ولذلك ينبغي التأكيد هنا على أن تحديد المفاهيم يعتبر المدخل الطبيعي لأي حوار، وفي المقابل، أي اختلاط أو لبس في المفاهيم هو أكبر عائق في مواصلة الحوار. لكن للأسف ما نلاحظ اليوم، هو الخلط في المفاهيم التي تضفى على مصطلحات كالعلمانية، والتنوير، والحداثة والانفتاح والتسامح، وغيرها من المفاهيم السائدة اليوم في الخطاب الإعلامي والثقافي والسياسي. الآن من يستقرئ كيفية تحديد مفهوم العلمانية في المجتمع الفرنسي مثلا،  يجد أن القانون واضح في تحديد هذا المفهوم،  فهي لا تعادي الدين،  بل تحترمه وتقدس جميع الديانات،  وتضمن لها ( على الأقل نظريا ) حرية إبراز طقوسها وممارسة شعائرها. لكن على المستوى العملي الأمر مختلف،  إذ تجد جملة من المضايقات التي يتعرض لها المتدينون، وهو  ما يكشف تناقض الإطار النظري مع واقع العمل. والدليل على ذلك قضية الحجاب المعروفة. وإذا انتقلنا إلى تركيا،  مثلا نجد أن العسكر في تجارب سابقة كانوا يرسخون مفهوماً معيناً للعلمانية،  يقصد إقصاء كل مظاهر التدين في المجتمع،  مع العلم أن العلمانية في مفهومها الأصلي لا تعادي الدين،  لكنها تدعو إلى مفهوم معين للدين. فالمشكلة كما يبدو هي في التأويل الذي يعطى للمفهوم، وفي كيفية تنزيله على الأرض. فالعبرة بالواقع كما يقال . القرآن نفسه يحكي قضية اضطراب المفاهيم وما ينتج عنها من خلل في الرؤية وفي الممارسة،  إذ يحكي قصة فرعون. في قوله تعالى:  (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين  فالقرآن الكريم يعتبر فرعون مفسداً بينما حكى القرآن الكريم نفسه على لسان فرعون قوله عن موسى عليه السلام  وهو يخاطب الملأ: (إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد  ففرعون يعتبر موسى مفسداً. وموسى عليه السلام يرى أن موسى ينشر في الأرض الفساد، ومصطلح الفساد كما ترى واحد من حيث اللفظ لكن التحديدات العملية في خريطة المفاهيم عند كل من موسى وفرعون مختلفة. والتدافع من أجل ترسيخه في الواقع يكمن على الأرض،  وذلك بإثبات آليات محددة تعطي للفساد مفهوما معينا. وهذا ما نجح فيه موسى عليه السلام وأخفق فيه فرعون. فصحح موسى للناس مفاهيمهم،  وبين لهم حقيقة الفساد،  واستطاع أن يخوض بهم البحر في نهاية المطاف،  إذن فالأمر يتعلق بتدافع في المفاهيم.

وعلاقة بسؤالكم، يجب أن نميز بين أمرين: الدعوة إلى تبني خيار العلمانية كبديل فكري وثقافي في تجلياته الليبرالية الاقتصادية والسياسية،  وبين اللادينية. والذي نتعامل معه الآن في الساحة الفكرية اليوم ليس العلمانية بمفهومها الفكري النظري، بل نتعامل بشكل كبير مع  الخيار الثاني: خيار اللادينية الذي يتميز بطابع الإقصاء والتخوف وبمحاولة فرض نمط معين في الحياة اختارته وتتبناه وتدافع عنه  فئة معينة تميل إلى الانسلاخ عن كل القيم والمبادئ الكونية لصالح ''حياة حرة'' متهورة لا تقديس فيها إلا للمادة. أنا أعتقد أن هذا طرح ثان،  وهذا للأسف هو الخيار الذي يراد له أن يسود مجتمعاتنا مدعوما بسلطة الإعلام والشهوة والمال،  ونحن نفضل أن نناقش في الساحة الفكرية النموذج الأول، فالحوار معه يمكن أن يؤدي إلى الوصول إلى ( الكلمة السواء )، أما الحوار مع من لا مبدأ له ممن يعيش الفراغ أو مع من ليس له هم سوى الطعن في الثوابت والقيم.، فهذا مضيعة للوقت وخوض فيما لا فائدة فيه.

التدافع الفكري بين التيار العلماني والإسلامي احتد في الآونة الأخيرة وبدأ يأخذ أكثر من بعد، من داخل حقل اشتغالكم، ما هي الأبعاد التي يمكن أن يصل إليها هذا التدافع خاصة وأن الرؤى على مستوى التربية والتعليم تتباعد؟

ما يخشى على المجتمعات الإسلامية اليوم هو التيار اللاديني كما قلت سابقا ،  وهذا التيار هو الذي يرى في الدين والتدين نقيضا طبيعيا لمشروعه. فتجده يجاهر بالدعوة إلى إقصاء الدين وفصله عن حركية المجتمع في مختلف المجالات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية على اعتبار أن الدين هو شأن شخصي ،  كما يتبنى حذف كل ما يتعلق بمفاهيم الدين من مناهج التعليم لأن ذلك هو المدخل الطبيعي الذي يسمح ببناء رؤية وتصورات ( حداثية ) للكون والحياة ،  كما يدعو إلى مراجعات من أجل تجاوز العمق التاريخي والحضاري للمجتمعات الإسلامية والانطلاق من نقطة الصفر باعتبارنا نعيش عصر العولمة والانفتاح،  أنا أعتقد أن مثل هذا الخطاب لا يمكن بحال من الأحوال أن ينسب إلى العلمانية،  بل ينبغي أن ينسب إلى العدمية واللادينية، أما فيما يتعلق بالحوار والتدافع مع الاتجاه العلماني،  فلا بد أن  نؤسس لمنهجية في الحوار الفكري نميز فيها بين ثلاثة مستويات أساسية: الأول مستوى القيم والثاني المرجعية وما يرتبط بها من تشريعات وأحكام ، و الثالث التاريخ والتراث .

فعلى مستوى القيم لا يمكن أن يكون هناك اختلاف،  لأن القيم واحدة لا ينكرها أحد، فكل الناس يحبون  الحرية والعدل والإنصاف والمساواة،  وكل الناس يحبون الكرم والرحمة،  لا فرق في ذلك بين علماني وإسلامي،  ولا بين نصراني أو يهودي أو مسلم. هذه قيم إنسانية مشتركة  فطر الله الناس عليها ،  لذلك فالحوار في مجال ترسيخ القيم ممكن مع جميع التيارات،  ويمكن لنا أن نتوصل فيه إلى قواسم مشتركة مهمة جداً. فنحن نحب أن يسود العدل بيننا في المجتمع ونكره الظلم،  إذا تناقشنا في هذا المستوى وحققنا نجاحاً،  فهذا بالطبع سيكون جيداً،  تبقى الزاوية الثانية: وهي المرجعية وما يرتبط بها من الأحكام والقوانين والتشريعات، وهذه الأحكام والقوانين والتشريعات هي وسيلة لتحقيق القيم وترسيخها في الواقع وليست مقصودة لذاتها، وهذا يتوافق مع المنظور الإسلامي نفسه فالله تعالى حينما أمر بإقامة الصلاة  فقد ربطها بنتيجة  واضحة وهي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وحينما أمر بالصيام فقد ربطه بترك قول الزور والعمل به وإلا لا حاجة لله في أن يترك المرء طعامه وشرابه ، وحين أمر بالحج فقد ربط صحته بتجنب الرفث والفسق ... وهكذا،

كما أن كل النظم مهما اختلفت مرجعياتها حينما تسن قوانين وتشريعات فإنما ترنو إلى تحقيق نفس الهدف وهو حماية منظومة القيم وتعزيزها وترسيخها وتحصينها.  ويبقى الحوار بعد ذلك منصبا على إيجاد الإجابة عن السؤال الآتي : أي المرجعيات أقدر على سن قوانين  تحقق هذا الهدف عمليا أكثر من المرجعيات الأخرى ؟ وهذا هو مجال الجدال والتدافع . فهل يستطيع أصحاب المرجعية الإسلامية أن يقنعوا العلمانيين بجدوى المرجعية الإسلامية وما يرتبط بها التشريعات في ترسيخ القيم ؟ نحن مقتنعون أن المرجعية الإسلامية  تعطي للإنسان شحنة قوية حتى يسير في اتجاه ترسيخ القيم. فالإنسان المسلم يحترم العدل لأنه في مرجعيته استجابة لأمر العادل ( الله ) ، ويقدس الأمانة لأن في ذلك تأس بالأمين ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهذه الأبعاد أعمق من مجرد تحقيق أهداف (العاجلة ) . ومن هنا نحن مقتنعون أن أفضل خطاب يمكن أن يؤدي إلى احترام القيم في المجتمع المسلم هو الخطاب الشرعي، فهل نملك آليات عملية واقعية تقنع العلمانيين بصواب هذه الرؤية ؟

إن هذا المجال هو مجال جدال كما قلنا.

أما الجانب الثالث: فهو التاريخ والتراث بما يحمله من إيجابيات وسلبيات ، بنجاحات وإخفاقات نتيجة القرب أو البعد عن التأسيس النظري الذي تحدثنا عنه في الرجعية ، وهنا نؤكد أن هذا المجال مفتوح للأخذ والرد و والقبول والنقد ، فنحن لا نقدس تاريخنا ولا نتعصب له بل نعتز بإيجابيات تراثنا في الوقت الذي ننتقد سلبياته وأحياناً بكل شدة،  وليس هناك ما يدعونا لتقديسه ولا للتوقف عنده. تراثنا ورصيدنا التاريخي نتخذه مادة للاعتبار والنظر.  وندعو غيرنا ممن يتنبون المرجعيات المخالفة أن تسود لديهم نفس القناعة وهم يعرضون تاريخهم وتراثهم دون تعصب لأن التاريخ رصيد بشري وتجارب إنسانية تحتمل الخطأ والصواب وبذلك  يكون النقاش في هذا المجال  مفتوحا بين كلا الفريقين في ضوء احترام المنهج العلمي.

هذه فيما أعتقد هي المستويات الثلاث التي يتوزع الفكر عليها ومن خلالها نعرف أين يمكننا أن نتقارب،  وأين يمكن لنا أن نتدافع،  وأين من الممكن أن نتقارب ونتدافع في الوقت نفسه.

من خلال هذا التقسيم المنهجي ما هو في نظركم المجال الذي يمكن أن يكون أكثر من غيره موضوعا للتدافع؟

يبدو لي أن أخطر مجال يمكن أن يكون مجالا للتدافع هو مجال المرجعيات وما يتأسس عليها من مفاهيم تتحول عمليا إلى قوانين تشريعات ، ويتجلى ذلك في واقعنا عمليا في التدافع  الحاصل بين المرجعيات المختلفة في مجال ترسيخ الحريات العامة،  وقضايا الأسرة، والاتفاقيات الدولية خاصة منها ذات الطابع الحقوقي، ثم ملف التربية والتعليم على اعتبار أن صناعة الإنسان وتشكيل مفاهيمه وشخصيته إنما تتم عبر معلومة تنقل إليه من خلال  كتاب مدرسي يستند في تأليفه إلى مرجعية تربوية محددة تترجم إلى مفاهيم ولغة الخطاب، فإذا أردنا أن نتحدث عن ''الوسطية'' و''الاعتدال'' و''التوازن'' و''العلمية'' و''الشمولية'' كخصائص للتصور الإسلامي مثلا ، فإننا سننقل هذه المفاهيم إلى التلميذ  من خلال القرآن الكريم و الحديث النبوي،  لكن غيرنا ممن لا يقاسمنا نفس المرجعية  قد ينظر إلى أن هذه المفاهيم لا تشكل وسطية ولا اعتدالا ولا توازنا ولا عالمية ولا شمولا ،  لأنه يرى أن الحديث عن الإسلام لا يعني العالمية بقدر ما يعني خصوصية معينة،  وأن الإسلام هو مجرد سلوكات فردية ولا شأن له بتدبير الفضاء العام ، والاعتدال والتوازن كما يدعو إليه الإسلام لا يعدو في نظره أن يكون حرمانا للنفس من المتع والحريات وهكذا تختلف زوايا النظر باختلاف الرجعيات . ومعلوم أن اختلاف المفاهيم والدلالات الناتج عن عدم تعدد المرجعيات  تجد آثاره  جلية على مستوى القوانين والأحكام  ، وإليك بعض الأمثلة حتى يتضح المقصود. قرأت مقالات صحفية يزعم أصحابها إن كتب التربية الإسلامية تدعو إلى قتل تارك الصلاة،  وترسخ التمييز بين الذكر والأنثى،  و تدعو إلى تطبيق الحدود، وكل هذا غير مقبول في عالم يدعو إلى التسامح والمساواة وحماية الحق في الحياة ،  وهنا نقول : إن هذه كلها أحكام مرتبطة بمرجعية . ولا يمكن أن تفهم إلا في إطارها فإذا خرجت عن هذا الإطار نظر إليها نظرة نقص وازدراء ، وإذا نظر إليها من خلال منظومتها المرجعية قد تفهم فهما صحيحا تتجلى فيه أسمى قيم التسامح والمساواة وحماية الحق في الحياة.

وإذا تقررت هذه القاعدة ، فإن الخلل في تقديرنا لا يكمن في تدريس هذه الأحكام من حيث المبدأ بقدر ما نجده في منهجية وطريقة تدريسها، ولتوضيح هذا اللبس الذي قد يقع لدى المخالفين للمرجعية الإسلامية بشأن تدريس الأحكام الشرعية في منهج التعليم الإسلامية نؤكد على أننا نفرق في ذلك بين المادة العلمية المعرفية. فإذا ناقشنا هذه القضايا من الناحية الفقهية العلمية فينبغي أن يستند النقاش إلى المستندات الشرعية وفي فضاء علمي ، أما إذا تناولنا هذه القضايا كمادة تعليمية وفي فضاء تعليمي فلا بد  أن نخضع في ذلك إلى القواعد التربوية في بناء المفاهيم فلا يمكن مثلا أن نتحدث لطفل في مراحل التعليم الأولى عن الأحكام الشرعية المرتبطة بالصلاة بقدر ما ينبغي أن نحدثه عن مفهومها  والغاية منها ، على أن نحدثه بعد ذلك في مراحل عمرية مناسبة عن أحكامها ، ثم في مراحل متقدمة عن عقوبة تاركها ، ثم في مرحلة متقدمة عن أسرارها ومقاصدها. الأمر نفسه يقال بالنسبة للزكاة والحج،  فالمفاهيم ينبغي أن تتطور في أذهان المتعلمين بشكل لولبي تصاعدي ابتداء من التعريف ،  وتحديد الغاية والمقصد ثم بعض الأحكام والشروط. ليكتمل المفهوم بشكل كلي في مراحل متقدمة من التعليم.

لكن مناهج تعليمنا اليوم في كثير من الوطن العربي لا تراعي في الغالب هذا التدرج في بناء المفاهيم الشرعية لدى الناشئة؟

حقيقة يمكن الاعتراف بأن مناهج تعليمنا التقليدية كانت تعاني من إشكالات خطيرة،  إذ كانت تهتم بعرض المادة العلمية فقط دون أن تراعي مسألة بناء المفهوم. ولهذا فلا نستغرب لطفل في مراحل تعليمه الأولى يتعلم أحكام الحج كاملة. فمناهجنا القديمة لم تستطع أن تجتهد وتستثمر هذه المادة العلمية،  وتقدمها كمادة تعليمية تراعي بناء المفهوم بالتدريج. أنا أعتقد أننا حين نتحدث للطالب في سلك الباكالوريا عن عقوبة تارك الصلاة،  ويكون عنده المفهوم مبنيا في مراحل تعلمه،  يكون هذا المفهوم الكلي عنده مقبولا،  لأنه يقرأ إلى جانب عقوبة تارك الصلاة عقوبة السرقة والاغتصاب والخيانة،  فيفهم أنه لكي يحافظ على نسيج المجتمع وسلامته ووحدته،  لا بد من روادع قانونية وزجرية. و المرجعية الإسلامية واضحة في ذلك ،  لكن كيفية تصريفها على مستوى بناء القيم وتنمية المهارات والكفايات وبناء المفاهيم فهذا شيء يحتاج إلى اجتهاد وحسن تنزيل.

لوعدنا إلى قضية القيم، في نظركم كيف يمكن على المستوى النظري بناء منظومة القيم لدى المتعلمين استنادا إلى المرجعية الإسلامية ؟

أعتقد أنه من المناسب أن نتجاوز الطرح التقليدي في عملية نقل القيم وبنائها لدى المتعلم في جميع مراحل تكوينه، وأن ننتقل إلى  بناء مشروع علمي، يقدم قراءة علمية لمنظومة القيم في شمولها وتفاصيلها، ويجتهد في تصنيفها بحسب المركزي فيها والفرعي وذلك في مراعاة كاملة للسياق الزمني واعتبار حال المتعلم، فالقيم قد تكون مركزية في مواقف وظروف معينة، وقد تكون فرعية في مواقف وظروف أخرى. ولذلك، من الضروري في هذا الصدد أن يتم تحكيم المعايير الفكرية التي يفرضها التأصيل النظري والتنـزيل العملي، وكذا حاجات الناشئة والآثار والانعكاسات الإيجابية المتوقعة على الحياة في المستقبل، لأن من شأن ذلك أن يساعد على تحديد القيم المركزية وتضييق شُقَّة الخلاف فيها. وقد استندت في خلاصة أبحاثي إلى كثير من المفكرين المسلمين وزعماء الحركات الإصلاحية، والتي انتهت إلى إمكانية حصر القيم المركزية في ثلاثة هي : التوحيد والتزكية والعمران. وجوابا على سؤالكم، يمكن القول بأن بناء مصفوفة القيم في المناهج التعليمية يستند بالأساس إِلى تحديد القيم المركزية وفق الإطار النظري (التوحيد، والتزكية، والعمران)، وتحديد معظم القيم الفرعية المرتبطة بها، وتحديد مؤشرات دالة قابلة للملاحظة والرصد على كل قيمة فرعية، وتنويع هذه المؤشرات إلى قولية وحسية وحركية وانفعالية، وترتيب هذه المؤشرات حسب الفئات العمرية (من 5 إلى 9) ومن (9 إلى 13) ومن (13إلى 16)، وذلك تبعاً لتطور القدرات العقلية والنفسية للمتعلمين. وتكمن فائدة اعتماد مصفوفة القيم وفق هذه الخطوات في تمكين المشتغلين ببناء المناهج من برمجة مشروع التربية على القيم وفق أهداف جزئية محددة، وكذا وفق خطوات متدرجة بتدرج المؤشرات التي تشتمل عليها المصفوفة من البسيط إلى المركب، ومجالات القيم التي تأخذ بعين الاعتبار الفئات العمرية للمتعلمين وتطور مستواهم العقلي والنفسي، وتطوير المؤشرات المعرفية والمهارية والوجدانية لدى المتعلمين، من خلال أنشطة تعليمية في مختلف المواد الدراسية وفي الأنشطة اللاصفية.

من الصعوبات  التي تعترض المشتغلين بالتربية على القيم  الخلط بين القيم والسلوكات ، فما الفرق بينهما ؟ وما أثر ذلك في بناء مشروع التربية على القيم ؟

ينبغي التمييز بين القيمة والسلوك، وتجاوز الخلط بينهما، فالقيمة هي بالفعل معيار مطلق  وقناعة داخلية تستند في مفهومها إلى مرجعية محددة، في حين أنَّ السلوك هو التجلي العملي القولي أو الفعلي أو الانفعالي ، الدال على مستوى وجود القيمة أو غيابها في وجدان المتعلمين ، وبناء على هذا التحديد، يمكن أن نقول بأن السلوك بمختلف تجلياته السالفة الذكر يُعد مؤشراً للتقويم، فهي لإذن مؤشرات خارجية متكررة تظهر في سلوك الفرد في وضعيات حياتية مختلفة ، وفي هذا الصدد يمكن أن نستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدل على إمكانية  رصد مدى تطور القيمة في الوجدان من خلال مؤشرات خارجية دالة ، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان." فكثرة الاعتياد على المساجد يعتبر حسب نص الحديث مؤشرا خارجيا يمكن أن يعتمد لقياس قيمة وجدانية. كالإيمان بالله تعالى.

انتقدتم في كتابكم القيم في المنظومة التربوية الخلط بين الأهداف الوجدانية وبين التربية على القيم كيف توضحون موقفكم بهذا الخصوص؟

مشكلة المقاربات التي تختزل القيم في تحقيق الأهداف الوجدانية أنها تركز على بعد واحد في العملية التعليمية وتغفل بقية الأبعاد، في حين إن التربية على القيم تتجاوز ما هو وجداني انفعالي  إلى المجال المعرفي والمهاري أيضاً؛ إذ يستهدف المشروع تمكين المتعلمين من تصورات ومفاهيم معرفية حول القيم، في مختلف أبعادها المادية والمعنوية، وتدريبه على التعبير عنها (الجانب المهاري) بمختلف صيغ ووسائل التواصل الممكنة، وفي وضعيات مختلفة. بالإضافة إلى تنمية قناعاتهم الوجدانية بها بما يضمن ترقيهم فيها ، فالمتعلم في حاجة إلى تحديد مفهوم للحرية كقيمة يستند إلى مرجعيته الحضارية ، وهذا هو البعد المعرفي في القيمة ، ثم هو في حاجة إلى ممارستها في مواقف حياتية مختلفة وفق تلكم المرجعية وهذا هو البعد المهاري السلوكي في القيمة ، ثم تتحول هذه القيمة إلى قناعة متجذرة في وجدانه تختلط بأحاسيسه ومشاعره وهذا هو البعد الوجداني في القيمة ، ودون مراعاة تطور هذه الجوانب الثلاثة تبقى مشاريع التربية على القيم في منتصف الطريق ولا تحقق أهدافها .

دائما تطرح مسألة علاقة التربية على القيم بمناهج التعليم في مختلف المواد الدراسية ، في تقديركم كيف يمكن بناء منظومة القيم بشكل يسهل إدماجها في مختلف المواد الدراسية حتى تكون أكثر تأثيرا في سلوك المتعلم؟

المطلوب أن نبدأ أولا من إعداد مصفوفات عملية للقيم على جميع المستويات العمرية للمتعلمين، بدءاً بالقيمة المركزية الأولى: التوحيد، مع ذكر ما يرتبط بها من قيم فرعية: الإيمان، والإخلاص، والتواضع، والأمانة، والتوكل على الله، والطاعة، وحب العلم...، وتحديد المؤشرات الدالة على وجود القيمة حسب الفئات العمرية، وهكذا دواليك مع القيمة المركزية الثانية: التزكية، ثم مع القيمة المركزية الثالثة: العمران.على نحو فصلته في كتاب ' القيم الإسلامية في المنظومة التربوية الصادر عن منظمة الإيسسكو سنة 2008 )

على أن يتم تنزيل ذلك وفق مقاربة اندماجية تعتمد إدماج القيم في سياق المواد الحاملة، ففي اعتقادي، تعتبر هذه المقاربة أكثر غنى وتعدداً من حيث الإمكانات التي تتيحها لاستيعاب متجدد للقيم والمفاهيم، بالقياس إلى المقاربة التي تصرف إدماج القيم عبر تخصيص مادة مستقلة إلى المواد المكونة للمنهاج التربوي. أو تربط القيم بمادة واحدة هي مادة التربية الإسلامية وفق مقاربة اختزالية قاصرة يمكن أن تؤدي إلى تنائج عكسية .

والمهم أن تراعي هذه الإستراتيجية الخطوات التراتبية بدءا بتحديد مقاصد الإدماج في المجال المعرفي والمهاريِّ وفي مجال الاتجاهات والقيم، ومرورا بتحديد مرجعيات الإدماج ومنطلقاته، وبناء شبكة القيم المراد إدماجها وتصميم خطة الإدماج، وتأليف الكتاب المدرسي بإدماج القيم الإسلامية فيه، وانتهاء باستراتيجية البناء التقويم التي تُعْنَى بضبط مؤشرات التقويم، وضبط مراحل تطور القيمة في وجدان المتعلم، وتحديد فضاءات التقويم، واستثمار المعينات والوسائل المساعدة في التربية على القيم  سواء في الأنشطة التعليمية الصفية أو اللاصفية .

من الصعوبات  التي تعترض المشتغلين بالتربية على القيم  صعوبة تقويم مدى تطورها لدى المتعلمين باعتبارها قناعات داخلية وجدانية  ؟

هذه القضية  هي الأخرى لا ينبغي أن نتناولها بمعزل عن المقاربة العلمية، فهناك مراحل يتم بها تقويم مدى تطور القيمة لدى المتعلمين ، عبر سلم يضم ست درجات وضحتها بتفصيل في الكتاب الذي أشرتم إليه وهي : الانتباه إلى القيمة  والاهتمام بها والتفاعل معها والاقتناع  بها والدفاع عنها والدعوة إليها ، ولكل مرحلة مؤشرات معرفية ومهارية وانفعالية يمكن رصدها حتى يتم الانتقال بأمان إلى المرحلة الموالية ، ومن كل تلكم المؤشرات تنبني شبكة تقويم القيم ،

ففي مرحلة  الانتباه، يشعر المتعلم بشيء جديد يُعرَضُ عليه: إما في شكل صورة، أو قصة، أو مشهد سمعي بصري، أو أرقام إحصائية وبيانية تثير انتباهه إلى قيمة معينة ، ثم تأتي مرحلة الاهتمام بالقيمة، وهي المرحلة التي ينتقل فيها المتعلم بمساعدة المدرس ومشاركة زملائه في الصف إلى الإسهام في بلورة معطيات جديدة حول القيمة، في شكل تساؤلات وتعليقات واستفسارات وإضافات يستحضرها من مخزونه الفكري ومن خبراته المهارية في الحيات ، ومباشرة بعد عملية الاهتمام، يمر المتعلم إلى مرحلة التفاعل مع القيمة، إذ تظهر في هذه المرحلة مؤشرات جديدة أرقى من سابقتها، وتتعلق بالانخراط في تحليل القيمة ومناقشتها وتفسيرها، وتجلياتها في الواقع إيجاباً وسلبا، وهنا تعرض عليه نصوص وأمثلة ونماذج دالة عليها ومبرزة لأهميتها في حياة الإنسان ،  على أن الرهان ينبغي أن يكون على المرحلة الرابعة، أي مرحلة الاقتناع بالقيمة إذ في هذه المرحلة تظهر مؤشرات دالة على التوجهات والاختيارات والمواقف والقناعات، ويتجلى ذلك من خلال تبني المتعلم لموقف معين من القيمة بناء على معطيات وحجج. فإذا ظهرت مختلف المؤشرات المعرفية والمهارية والانفعالية المتعلقة بهذه الرحلة ، ينتقل  المربي والمدرس بالمتعلمين إلى المرحلة الخامسة وهي مرحلة الدفاع عن القيمة، بحيث تختبر في هذه المرحلة مدى قدرة المتعلمين على توظيف المعارف والمهارات والأدوات المنهجية التي اكتسبها في المراحل السابقة في الدفاع عن القيمة ، ويتأكد المدرس من ذلك من خلال وضع المتعلمين في وضعيات مناقضة لقيمهم من خلل عرض أفكار مخالفة ومواقف مناهضة ( مؤثرات خارجية ) ، في حين ينتقل المتعلم في المرحلة السادسة – مرحلة نقل القيمة – إلى المبادرة إلى نشر القيمة ونقلها إلى غيره دون الحاجة إلى مؤثر خارجي من خلال فسح الفرصة أمام المتعلمين لإبراز قدراتهم وإبداعاتهم المختلفة في نشر القيمة ( تعبيرية / كتابية / فنية / تكنولوجية ...) مع تشجيع كل المبادرات المفيدة والخلاقة

ونعمل بتوفيق الله من خلال الدورات التدريبية التي عقدناها ونعقدها في بلدان إسلامية مختلفة لفائدة للمربين والمدرسين المهتمين بمشروع التربية على القيم على تنمية قدراتهم على بناء مشروع المؤسسة للتربية على القيم حسب خصوصيات مؤسساتهم التعليمية ، وذلك وفق المرجعية الإسلامية باستثمار أحدث النظريات التربوية الحديثة في التواصل مع مرافقتهم في كل خطواته التنفيذية مما أسفر عمليا عن نتائج جيدة ومشجعة بحمد الله .

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة