الثورات العربية... وسؤال النهضة حوار مع الدكتور سمير أبوزيد (الجزء الثاني)

5/12/2012

الثورات العربية ... وسؤال النهضة حوار مع الدكتور سمير بوزيد الجزء الثاني

قام الفيلسوف التونسي"الشارني" في كتابه الأخير حول الثورات العربية بحفر فلسفي متعمق في مفهوم الثورة ودلالته في السياق التونسي والعربي. وعلى عكس ما سار عليه الباحثون في الدراسات الاجتماعية والسياسية بالتفسير البعدي للثورات العربية بكونها آثاراً متوقعة أزمات سياسية ومجتمعية خانقة، حيث يرى"الشارني" أن الثورة لا تكون أبداً منتظرة أو متوقعة، ولا تخضع لمبدأ السببية التاريخية، وإنما هي تحول جذري خارج التاريخ والعقل التعليلي والتخطيط الاستراتيجي. ما تقييمكم لذلك؟

أنا أتفق معه تماما في هذا، لأن الثورة بالمعنى العلمي هي حالة من حالات التغير اللاخطي غير المنتظم، والذي يسمى في الأدبيات العلمية بالأنظمة المعقدة "complex systems ". وهذه يقابلها في حالات الاستقرار المجتمعي الأنظمة الخطية "linear systems ".
في الحالة الأولى لا يمكن توقع الأحداث بشكل دقيق لأنها لا تخضع لمبدأ السببية كما يقول "الشارني".
أما في الحالة الثانية فتخضع التحولات المجتمعية لمبدأ السببية وإمكانية التوقع. ولكن في نفس الوقت ليست الأنظمة المعقدة خارج العلم تماما (وإن كانت محل جدل واسع في المجتمع العلمي حاليا) لذلك يقوم الدارسون بطرح نماذج عامة لهذه التغيرات ويستنتجون منها درجات من الاحتمال للتغير.
على هذا الأساس يستخلص الدارسون بعض القوانين العامة "الاحتمالية" للثورات (مثل قانون الثورة المضادة، وركوب الانتهازيين للموجة، الخ) من أجل محاولة إخضاعها والتعامل معها بأسلوب علمي. هذا على المستوى الصغري "micro " أي على مستوى التغير الاجتماعي، أما على المستوى الكبري "macro "، أي على مستوى التغير الحضاري، فتصبح الثورة على الرغم من عدم إمكان التنبؤ الدقيق بموعدها ومسارها حتمية بصورة من الصور (يمكن التحقق من ذلك من مراجعة تطور كافة الحضارات تقريبا، وكذلك من تصور توماس كون في بنية الثورات العلمية لأنه يعبر عن معنى حضاري أيضا). فالتغير الجذري "الثوري" يظهر متوقعا في المقاييس الكبيرة، ويكون غير ممكن توقعه في المقاييس الصغيرة من الزمن، وهذا يتوافق مع المفاهيم العلمية للأنظمة المعقدة.

هناك جدلية حادة وحلزونية في العلاقة بين النظرية والواقع، وعبر التنظير والتجريد والتجريب، يحاول الباحث تفسير تحولات الواقع، فبين اليومي والتاريخ، والواقع المُعاش وعالم الفكر تتولد المعاني. هل يمكن من منظور العلوم الاجتماعية امتلاك نموذج تفسيري كلي لفهم حالة الثورات العربية على مستوى العوامل والفاعلين وما يتعلق بتحدياتها ورهاناتها وآفاقها؟

الحالة بالنسبة للثورات العربية المعاصرة أكثر تعقيدا بكثير منها في حالة الثورات الأوروبية الحديثة منها والمعاصرة. فهي تقوم في ظل ضغوط غربية قوية جدا تؤثر بشكل كبير في مسار الثورة، كما أنها تقوم في ظل انقسام أو استقطاب داخلي لم يحل بعد بين دعاة الحداثة (أو التغريب) وبين دعاة التقليد (أو الاعتماد على التراث). لذلك يصبح امتلاك نموذج تفسيري من منظور العلوم الاجتماعية لكافة العوامل المؤثرة والفاعلة فيها بعيد المنال، خاصة في ظل تأخرنا الحالي في التحول إلى المرحلة العلمية، وفي ظل أنه لا يمكن فهم الظواهر الاجتماعية إلا في إطار سياقها الاجتماعي والثقافي، وهو هنا الإطار الحضاري العربي الإسلامي، وفي ظل أزمة العلوم الاجتماعية الحالية. ولكن، من وجهة نظري، المدخل الصحيح الذي يجب البناء عليه: هو البدء من التوصيف الصحيح للواقع. والواقع هو شيء أكثر من ثورة (أو ثورات). التوصيف الصحيح له هو دخول اللاوعي المجتمعي العربي (بما يحمله من نظرة متميزة إلى العالم) كفاعل أساسي وقوة جديدة مؤثرة في التغيرات المجتمعية، ليس فقط من خلال الثورة الشاملة على المدى القصير، وإنما أيضا من خلال استمرار الضغوط المجتمعية على المدى الطويل. وهذا التحول الجذري في معادلة القوى المجتمعية من شأنه أن يفرض تغيرات معينة سياسية واقتصادية واجتماعية، بل وفكرية أيضا كما سبق أن ذكرت. وهذه القوة الجديدة لا يصح وصفها "بالإسلامية" لأن ذلك يعني بشكل غير مباشر ترجيح أو سيادة التقليد على الحداثة، وهو أمر غير صحيح. ولكن هذه القوة تعبر عن مستوى اللاوعي عن نوع من الإبداع الجديد القادر على تخطي التقليد والحداثة معا في تعبير عن الذات المعاصرة. وأظن أن هذا التوصيف (أي ظهور قوة مجتمعية جديدة) يحمل قدرة تفسيرية جيدة ويمكن الاعتماد عليه في دراساتنا الاجتماعية للثورات الشعبية العربية. والدليل هو أنه يمكن استخدامه في الدول التي لم تقم فيها ثورات أصلا مثل السعودية ودول الخليج أو تلك التي تمر بمقدمات ثورات مثل الجزائر والمغرب والأردن لتفسير التغيرات المجتمعية المتوقعة في المرحلة القادمة.

هل تدخل الثورات العربية الحالية في نسق الثورة الفرنسية الفلسفي والقيمي والمعرفي، أم هي أقرب للثورات السياسية التي أطاحت بالأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية أم تشكل نموذج متفرد؟

كما يتضح من الإجابة السابقة الثورات العربية الحالية هي أكثر تعقيدا من كليهما، لأن الثورة الفرنسية (ومثلها باقي الثورات الأوروبية) كانت متحررة من الضغوط الحضارية، لأن الحضارة العربية الإسلامية كانت في مرحلة الانحطاط. أما الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، فلم تكن تبحث عن نظرة حضارية مستقلة عن الغرب كما هو الحال عندنا، فاستسلمت أغلبها للنموذج الليبرالي الغربي بدون محاولة تمييز الذات عن الغرب لأنها جزء منه. أما في الحالة العربية، فأظن أن المخاض سيكون طويلا وعسيرا، لأن هناك مقاومة شديدة للتغريب ورغبة مجتمعية في الحفاظ على الهوية، وفي نفس الوقت، هناك ضغط غربي شديد في إطار الصراع الحضاري بين الحضارتين مدعما بجزء من النخبة المثقفة. وأظن أن الخروج بنتيجة إيجابية من هذه الحالة مشروط، كما ذكرت أعلاه، بظهور نظرية "عربية" للحرية وما يرتبط بها من نظم إجرائية تضمن تحقيقها في الواقع. وهذه النظرية ستكون في جزء منها قائمة على ما أنتجته التجربة الغربية وفي جزء آخر قائمة على النظرة العربية/الإسلامية، وبالتالي ستشكل نموذج متفرد متواصل ومنفصل في نفس الوقت عن النسق القيمي الغربي.

أطلق الباحث السياسي الفرنسي "برتراند بادي" على الثورات العربية الأخيرة عبارة "الثورات ما بعد اللينينية". ويعني بهذه العبارة أنها ثورات غير إيديولوجية ولا طبقية، على عكس ثورات القرن العشرين التي ارتبطت بالنزعة الماركسية والشعارات الاشتراكية، بل إن هذه الثورات تزعزع منطق السياسة الحديثة في كل مرتكزاتها:النخبوية والسر(السلطة والمعلومة) والإقليم والحدود(الاحتجاجات والمجالات المهمشة والمركز والأطراف). ما رأيكم دكتور سمير أبوزيد؟

هذا صحيح تماما لسببين أساسيين: الأول: هو أن هذه الثورات تحدث الآن فيما يمكن أن نسميه عصر ما بعد الأيديولوجيا، وقد فصلت ذلك في كتاب "العلم وشروط النهضة". فالعالم قد دخل مرحلة الحداثة متعددة الثقافات التي يستبدل فيها الانحياز الأيديولوجي بالتصورات الموضوعية الواقعية (التي هي "علمية" بالمعنى العام الذي يربط العلم بالثقافة). والثاني هو أن العالم يدخل حاليا في مرحلة ما بعد الدولة القومية بمعناها الحداثي، أي بالمعنى الذي نشأت فيه طبقا لاتفاقية ويستفاليا والظروف المصاحبة لها في القرن السابع عشر الميلادي. وفي الصيغة "الجديدة" المعاصرة للدولة القومية هناك انفتاح للحدود والأفكار وللموارد الاقتصادية ومنظومات عولمية مشتركة ومعاهدات كونية ملزمة، الخ. فالثورات العربية مثلما جاءت معبرة عن مرحلة معينة للتطور الحضاري العربي، جاءت أيضا معبرة عن التطور الإنساني المعاصر. وهذا في الواقع ما دعاني إلى الربط بين الثورات العربية وبين مهمة صياغة تصور جديد معاصر للدولة العربية في كتابي القادم المعنون: "الثورات الشعبية العربية وتحديات إنشاء الدولة الحديثة". فالدولة العربية بعد الثورات المعاصرة لن تكون دولة قومية بالمعنى التقليدي، وإنما سوف تمزج ما بين سمات الصيغة الجديدة المعاصرة للدولة القومية، من جانب، وبين السمات الجوهرية للنظرة العربية إلى العالم، من جانب آخر. وهذا موضوع كبير وفيه كلام كثير، على أية حال.

شرع الفكر الاجتماعي الغربي يراجع بقوة في السنوات الأخيرة مبدأ الفصل الجذري بين العقدي الفردي والمجال العمومي في المجتمعات التي أطلق عليها "هابرماس" عبارة "المجتمعات ما بعد العلمانية". هل يعني هذا نهاية الفصل بين وعي المواطن الفردي وانتمائه للدائرة الجماعية المشتركة، ولا خطر من الوصل بين المجالين (العقدي الفردي أو/المجال العمومي) ما دامت التعددية العقدية والقيمية أصبحت واقعاً لا سبيل لتجاوزه؟

: الفكر الغربي المعاصر يمر حاليا بتحولات أساسية يمكن اختزالها في التحول من مبدأ الفصل بين الذات والموضوع (والفصل بين الجوانب الذاتية للفرد وبين المجال العمومي للمجتمع هو أحد تجلياته) إلى تصورات عديدة لم تتبلور بعد تعبر عن أنواع مختلفة من عدم الفصل بين الذات والموضوع . في المجال السياسي ظهر ذلك في صورة قبول درجات مختلفة من التعددية الثقافية (أي تعدد المرجعيات في المجتمع، ومنها المرجعية الدينية). كما تعددت الوسائل والآليات التي طرحت لتحقيق ذلك. عند هابرماس يتم ذلك من خلال ترجمة المواقف المرتكزة على مرجعية دينية إلى حجج مصاغة عقلانيا يمكن مناقشتها في المجال العام في المجتمع. كما ظهرت محاولات جون راولز لصياغة ما أسماه "الليبرالية السياسية" التي تعتمد على التوافق حول ما أسماه "المذاهب الشاملة المعقولة"، فهو يفرق بين مرجعيات شاملة (دينية) معقولة وأخرى غير معقولة. هذا إضافة إلى محاولات أخرى عديدة.
 وخلاصة الوضع الحالي هي أن المحاولات الجارية الآن تدور حول نوع من الفصل والوصل في نفس الوقت بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي. والاختلاف هو في الأداة والآلية التي تحقق النتيجة المطلوبة، وذلك كله بتأثير دخول الإنسانية مرحلة الحداثة متعددة الثقافات وخروجها من حالة الحداثة ذات المركزية الأوروبية.
ويمكن القول بثقة أن هذه القضية لم تحل بعد في الفكر السياسي الغربي، وأن كافة الحلول المطروحة حاليا تفضي في نهاية الأمر إلى صورة من صور مركزية نسق القيم الغربي الحديث، وتدعم وجهة النظر هذه العديد من الأدبيات السياسية الغربية المعاصرة نفسها.

هل يمكن القول بأن الثورات العربية الحالية تجاوزت المفاهيم التي أنتجها الفكر السياسي والفلسفي الغربي فيما يخص بالثورات وخاصة تلك التي كانت تشترط وجود طليعة وتنظيم سري وقيادة كاريزمية لقيام الثورات كما وقع في الثورة السوفيتية والثورة الإيرانية، ونستحضر هنا في سياق الفكر الغربي الحديث، كل من ثورة العقل (اسبينوزا) وثورة المفكرين الأحرار، ثورة النقد، ثورة العلم، ثورة المجتمع (الهيجليون الشبان)، وأيضا النقاش الذي صاحب قضايا العقل والثورة، وعلاقة الفلسفة والثورة عند ماركوز، وما سمي بثورة الجماهير(أورتيجا)، الثورة المغدورة (تروتسكي)؟

هي بالقطع، كما أرى، نوع جديد من الثورات، لأن القيادة هنا هي للاوعي المجتمع. وهي أقرب شبها بالثورة المفاجئة "اللاواعية" للشخص نتيجة لحدوث شيء بسيط أو تافه لكنه فجر العواطف المكبوتة في اللاوعي. والاختلاف هنا واضح بين الحالات المذكورة أعلاه التي هي "أيديولوجية" بطبيعتها (بما في ذلك الثورة الإيرانية لأنها اعتمدت على طبقة رجال الدين وأيديولوجية ولاية الفقيه) وبين الحالة العربية. فالثورة المرتكزة على الأيديولوجية تعكس الفكر الغربي "العقلاني" الواعي والذي يجب أن يتبلور أولا في فكرة ايديولوجية (قومية، طبقية، اقتصادية، الخ) ثم بعد ذلك في الحامل الاجتماعي لهذه الفكرة (جيش نظامي، تكتل نخبوي، طبقة اجتماعية، الخ). وذلك على خلاف الحالة العربية التي لم ترتكز على فكر أيديولوجي وبالتالي لم تعتمد على حامل اجتماعي لهذا الفكر. وإنما بدلا من ذلك اعتمدت الثورات العربية على المخزون الكامن في اللاوعي المجتمعي وعلى النظرة إلى العالم التي توحد هذا المجتمع من أجل التحرك بشكل مشترك "لاواعي" لإنجاز الثورة. وبهذا المعنى تكون قد تجاوزت المفاهيم التقليدية الغربية الخاصة بالثورات.

يتحدث البعض على أننا شهود على ثلاث ميزات: استعادة الشعوب ثقتها بنفسها عبر تخطي حاجز الخوف، واكتشاف طريق اللاعنف في التغيير، وولادة الإنسان العربي الجديد المحمل بغيوم الأمل الماطرة." لكن الإشكال المطروح هو هل ستنجح هذه الثورات في صنع التحولات؟ هل سيكون الأمر تتويجا لدورة حضارية جديدة في المنطقة العربية، تنعكس معها روح وقيم الثورة نحو تأسيس مشروع نهضوي عربي جديد؟

يجب أن نتجنب هنا "الحتمية التاريخية" فليس هناك حتمية في أن تنتج هذه الثورات شيئا معينا. وإنما هناك واجب على النخبة المثقفة في إدراك مغزى التحرك المجتمعي الكلي غير المؤدلج وغير المنظر من أجل الارتكاز عليه لإنجاز ما نأمله من دخول مرحلة جديدة من مراحل النهضة العربية.
فهذه الثورات تعطينا فقط الشروط أو الأرضية المناسبة التي تسمح لنا بتحقيق أهدافنا. ولكن بدون الاستعداد لبذل جهد كبير والوعي بأهمية هذه المرحلة الجديدة من قبل المثقفين لن نصل إلى شيء، فكما يقول الأمريكيون "ليس هناك غذاء مجاني".
المطلوب هو البناء، الانتقال من مرحلة نقد الذات ونقد الآخر إلى بناء تصورات موضوعية جديدة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية التجريبية تعبر عن مشاركتنا الفاعلة في الفكر الإنساني المعاصر. لذلك لا يجوز أن نطرح فكرا عربيا منقطعا ومستقلا عن الفكر الإنساني، وإنما يجب أن نطرحه في حالة تفاعل مع الأدبيات العالمية. ليس هناك فكرا عربيا أو إسلاميا وفقط، وإنما هناك فكر إنساني يهم الإنسانية جمعاء يتم بواسطة عرب أو مسلمون. هذا هو التحدي الكبير الذي تطرحه علينا كمثقفين هذه الثورات الرائعة.

ألا يفرض ما حصل على المثقف والفيلسوف والمفكر السياسي والعالم الشرعي مراجعة المفاهيم الفكرية والأطروحات التقليدية في فهم التحولات الاجتماعية والسياسية والحضارية، وأيضا تجديد المقولات سواء في الفكر السياسي أو في نظريات الإصلاح والتغيير أو في فهم جدل الفكر والواقع، وإعادة بناء مقولات جديدة أكثر تفسيرية، ونظريات جديدة في منهج التغيير والإصلاح تتجاوب مع هذه التحولات الكلية والتحديات الحضارية الراهنة، ويتم التعاطي النقدي التحليلي المجاوز لما أنتجه الفكر العربي المعاصر حول الثورة من مقولات، نستحضر على سبيل المثال: فلسفة الثورة (ناصر)، من العقيدة إلى

هذا حقيقي تماما، فهذه الثورات تفرض علينا مراجعة مفاهيمنا السابقة و"التعاطي النقدي التحليلي المجاوز لما أنتجه الفكر العربي المعاصر"، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة بناء التصورات الموضوعية التي ذكرتها أعلاه. والأمر يبدو لأول وهلة صعبا أو بعيد المنال، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك.
فلكي نحقق هذا التجاوز للمفاهيم التقليدية نحتاج لتحقيق ثلاثة شروط هي في متناول أيدينا تماما، ولا يعوقها سوى الشعور السائد غير المبرر باليأس، والرغبة في الحصول على النتائج بدون تضحيات وجهود كبيرة:
أولا: إعادة صياغة النظرة العربية (أو العربية الإسلامية) إلى العالم حتى يتحقق الاتساق بينها وبين الواقع المعاصر (وقد قدمنا محاولة في ذلك في أعمالنا المذكورة أعلاه، ولكن الأمر يحتاج إلى توفر جهد النخبة جميعها لكي نصل إلى الصيغة المطلوبة).
ثانيا: اعتماد مبدأ الفصل والوصل، لأن مبدأ الفصل بين الذاتي والموضوعي قد سقط في الغرب نفسه، ولأن هذا المبدأ (أي الفصل والوصل) يتوافق تماما مع التطور الفكري الإنساني المعاصر، وهو في نفس الوقت متوافق مع الفكر الإسلامي القديم ونظرته إلى العالم (وقد عالجنا الجوانب النظرية لهذا المبدأ بشكل تفصيلي في أعمالنا أعلاه أيضا).
ثالثاً: فهو طرح صورة أو نموذج للعالم بديلا للنموذج الميكانيكي الذي بدأ في الأفول في الغرب حاليا تكون متوافقة مع نظرتنا إلى العالم (وهذا ليس صعبا كما يبدو). فلا يمكننا، منطقيا، طرح تصورات مجتمعية متسقة مع اللاوعي المجتمعي العربي تأسيسا على تصور ميكانيكي للعالم، لأن هذا الأخير يتناقض مع نظرة هذا المجتمع إلى العالم. كما لا يمكننا، منطقيا أيضا، طرح مثل هذه التصورات المجتمعية بدون أن نمتلك صورة متماسكة أو نموذج واضح عن العالم. لذلك نحن ملزمون بطرح تصور أو نموذج بديل. وإذا تمكنا من طرح هذا النموذج البديل اللاميكانيكي للعالم فسوف يمكننا، ارتكازا على مبدأ الفصل والوصل ونظرتنا إلى العالم، من طرح تصورات جديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية تبني على ما وصلت إليه البشرية وتتسق مع حضارتنا وبالتالي تضمن النجاح في أرض الواقع. الأمر يحتاج إلى جهد نظري كبير، وإلى إنكار الذات، ولكنه ليس غير قابل للتحقق أو مستحيلا.

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة