المعرفة بوصفها سياسة بوسائل أخرى

9/30/2016

برزَ وائل حلّاق، على مدار العقود الثلاثة الماضية، كواحدٍ من المختصّين البارزين بالشريعة الإسلاميّة في الأكاديميا الغربيّة. قدّم حلّاق مساهماتٍ رائدة ليس وحسب في دراسة نظريّة وممارسة الشريعة الإسلاميّة، وإنّما أيضًا في تطوير المنهجيّة التي كان العلماء المسلمون عن طريقها قادرين على مجابهة التحدّيات التي تواجه الشريعة الإسلاميّة. وبالتالي، فإنّ حلّاق مؤهل، بصورةٍ فريدة، لمعالجة أسئلة واسعة متعلّقة بالأسس الأخلاقيّة والمعرفيّة للمشاريع الحديثة المنافِسة. ويكشف حلّاق، وذلك بأحدث كتبه، كتاب الدّولة المستحيلة (The Impossible State)............


المعرفة بوصفها سياسة بوسائل أخرى

مقابلة مع وائل حلّاق

أجرى المقابلة: حسن أزَد[1]

ترجمة: كريم محمد

برزَ وائل حلّاق، على مدار العقود الثلاثة الماضية، كواحدٍ من المختصّين البارزين بالشريعة الإسلاميّة في الأكاديميا الغربيّة. قدّم حلّاق مساهماتٍ رائدة ليس وحسب في دراسة نظريّة وممارسة الشريعة الإسلاميّة، وإنّما أيضًا في تطوير المنهجيّة التي كان العلماء المسلمون عن طريقها قادرين على مجابهة التحدّيات التي تواجه الشريعة الإسلاميّة. وبالتالي، فإنّ حلّاق مؤهل، بصورةٍ فريدة، لمعالجة أسئلة واسعة متعلّقة بالأسس الأخلاقيّة والمعرفيّة للمشاريع الحديثة المنافِسة. ويكشف حلّاق، وذلك بأحدث كتبه، كتاب الدّولة المستحيلة (The Impossible State)، عن ديناميّات السّلطة والسيرورات السياسيّة في جذْر الظواهر التي تُمتحَن في كثيرٍ من الأحيان أيضًا ببساطةٍ عبر عدسة ما هو قانونيّ. وفي هذه المقابلة، وهي الجزء الأوّل من حزئين معه، يوسّع حلّاق بعضًا من مقتضيات تلك الحجج والتحدّيات التي تطرحها على مستقبل الاشتباكات الفكريّة عبر تقاليد شتّى. وبوجه خاصّ، يعالجُ حلّاق إخفاق المثقفين الغربيين في الاشتباك مع العلماء في المجتمعات الإسلاميّة ناهيكَ عن التحدّيات الفكريّة والبنيويّة التي تجابه العلماء المسلمين. وينقدُ حلّاق أيضًا المشروع الهيمنيّ التحتانيّ لليبراليّة الغربيّة وتبنّيه الأعمى من قبل بعض المفكّرين المسلمين.

حسن أزد: تعلّق أحد النّقاشات المستعرة في هذه الأيام حول التجاهل الذي يلقاه المثقفون المسلمون في الغرب. ويمكن للمرء أن يقول، مع استثناءات قليلة نسبيًّا، إنّ الحضور الإسلاميّ الحديث في، أو المساهمة الإسلاميّة الحديثة في، عالَم الغرب الفكريّ هو صفر تقريبًا. وقد أشرتَ، في الصفحات الختاميّة لكتاب الدّولة المستحيلة، إلى أنّ الاشتباك الفكريّ الصّلب بين المفكّرين المسلمين ونظرائهم الغربيين أمرٌ جوهريّ، ليس من أجل فهم غربيّ أفضل للإسلام فحسب، وإنّما أيضًا من أجل توسيع مدى الإمكانات الفكريّة في أوساط الفكر الأورو-أمريكيّ. تهدفُ حجّتك، كما أعتقدُ، إلى إيصال الفكرة القائلة إنّ هناك الشيء الكثير الذي يمكن للتراث الإسلاميّ وللرؤيّة الإسلاميّة للعالَم أن تقدمّه تجاه إثراء تفكّراتنا حول المشروع الحديث، في الغرب كما في الشّرق. فما هي هذه المساهمة؟ ولمَ لا تحدث؟ وما العوائق التي تعترضُها؟

 

وائل حلّاق: يُعدّ الحديث حول الإسهامات الممكنة للإسلام في نقد وإعادة بَنْينة المشروع الحديث أمرًا بالغ الصعوبة، وهو الأمر الذي ينبغي أن يأتي تباعًا لتشخيص الشّرط الحديث الحالي وقضاياه. وإنّ العوائق التي أشرتَ إليها هي عوائق عديدة ومتعددة المستويات، وتتولّد في كلا جانبيْ الانقسام. وإذا كانت هناك أيّة عيوب -وهناك العديد فعلًا - فلا يُمكن موقعتها على أحد الجانبين وحده.

يتمثّل العائق الأوّل، والأكثر جلاءً بالطّبع، في العائق اللغويّ، وهي الوسيلة الوحيدة في توصيل الأفكار. وعلى كلّ حال، رأى الغربُ (الذي أعني به ههنا أوروبّا، وعصر أنوارها، ومؤسّساتها وثقافتها الحديثة بشكلٍ مميّز وامتداد كلّ ذلك إلى أمريكا الشماليّة بشكل أساسيّ) ذلك كافيًا للاعتبار إلى لغتين أو ثلاث رئيسة كلغات كونيّة حتى لا يعتني بتعلّم لغاتٍ أخرى تمامًا. حتى إنّ الاستشراق، كحقلٍ أكاديميّ، لم يكن ناجحًا في توليد تضلُّعٍ دائم باللغات الإسلاميّة، رغم حقيقة أنّه أنتجَ أفرادًا كان تمكّنهم اللغويّ حتى في أكثر من لغة إسلاميّة واحدة لا يقلّ براعة. ومع ذلك، لا يزال الحالُ أنّ هؤلاء الذين بإمكانهم أن يتبحّروا في لغةٍ أو نصّ إسلاميّ أقليّة صغيرة في المجتمعات الغربيّة - وضئيلة في واقع الأمر-.

إلّا أنّ هناك معنى أكبرَ بالاستشراق المعنيّ ههنا. فبنواحٍ عدّة، تُحيطُ طبقة خارجيّة وواسعة للغاية بحقل الاستشراق؛ أي، عددٌ لا يُحصى من الأصوات المؤثّرة التي لم تكلّف، حقًّا، نفسها عناء القيام بأيّ عملٍ من الأعمال الفكريّة الشاقّة والفيلولوجيّة حول الإسلام بتاتًا؛ بل تشعرُ هذه الأصوات بمبرّر تمامًا وثقة للحديث حول "الشّرق"؛ سواء ضمن صفوف الأكاديميا أو ما يُدعون بـ"الخبراء" في وسائل الإعلام. وعادةً ما يهربُ هذا الاستشراق "الخارجي" (peripheral) من تعاريفنا الشائعة لهذا الحقل، بيد أنّه يُشكّل الجزء الأكبر من المعرفة الغربيّة الشائعة والمشتركة حول بقيّة العالم، لا سيّما الإسلام. وعلى أيّة حال، فهذا هو العائق اللغويّ تقريبًا.

حسن أزد: هل أردتَ أن تقول إنّ هذا عائقٌ تقنيّ، أي عائق لوجستيّ وموضع من المواضع اللغويّة-البيداغوجيّة المتغلِّبة لنقل الأفكار؟

وائل حلّاق: قد يبدأ الأمر كإشكال تقنيّ بطبيعة الحال، لكنّه يفوق ذلك بكثير في واقع الأمر. إذ إنّ النّفاذ إلى ثقافة أخرى عن طريق اللغة هو خيار، وهو خيارٌ قامت به القوى الغربيّة ونخبُها الفكريّة بشدّة في مرحلة من المراحل لخدمة قضاياها الكولونياليّة. وههنا، لم يشكّل النّفاذ إلى اللغة الإسلاميّة صعوبةً كبرى، ناهيكَ عن صعوبة تقنيّة. فالكولونياليّة تطلّبت إنتاج الاستشراق الكلاسيكيّ، لأنّ الكولونياليّة دون الاستشراق الكلاسيكيّ لم تكن لتأتي إلى حيّز الوجود بالطريقة وبالشكل الذي اكتسبته بنهاية الأمر ولا تزال تنمّيه. وفي السّياق نفسه، يُعدّ الإخفاق في النّفاذ إلى لغةٍ ما مسألة كينونيّة (substantive) بالأساس، لا مسألة تقنيّة تمامًا. على سبيل المثال، إنّ قراري بالكتابة باللغة الإنجليزيّة لا باللغة الهنديّة أو الصينيّة -إذا كان هذا قراري أصلًا- هو مسألة كينونيّة معقّدة ترتبطُ مباشرة بالعلاقة بين السّلطة والمعرفة، بين خلفيّتي كذات مُستعمَرة وصانعي هذا التاريخ الكولونياليّ. ولا شيء أكثر تعبيرًا عن التعقّد الكينونيّ لمشكل اللغة من الأستاذ الجامعيّ الغربيّ الذي يُعيد إنتاج "الإسلام" دون الشعور بالحاجة إلى فهم "الإسلام" عن طريق دراسة دقيقة نصانيّة وسوسيولوجيّة، أو أنثربولوجيّة -من بين أمور أخرى- لهذه الظاهرة. إذ تتطلّب جميع هذه المساعي الأكاديميّة، كي تكون مشتبكةً بصدق، تضلّعًا لائقًا بلغةٍ إسلاميّة أو بأخرى، حتى تتحدّثها وتعيشها. فخيارُ هذا الأستاذ الجامعيّ بعدم بذل عناء  بأيّ من هذه المُتطلَّبات (التي يبدو أنّها أمر بديهيّ في أيّ سياقٍ آخر تقريبًا) هو مسألة ذات علاقة بتشكّل وببنية السّلطة، لا بمحض عجز شخصيّ بإتقان لغة ما.  

حسن أزد: ماذا قد يكون العائق المركزيّ الآخر برأيك؟

وائل حلّاق: العائق الآخر شديد الأهميّة هو أنّ المفكّرين المسلمين، مع استثناءات نادرة، يستهلّون بمقدّمات مختلفة من أساسها عن تلك التي يبدأ منها المفكّرون الغربيّون، غير أنّ كثيرًا منهم يُقلّد، بوعيٍ أو بغير وعيٍ، الفكر الغربيّ والكتابة الفلسفيّة. حتى إنّ "النّفعيين" أو "أشباه النفعيين" في القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين -مثل محمد عبده وبالأخصّ محمد رشيد رضا- يفكّرون في إطارٍ افترضَ أمرين كنقطةٍ انطلاق: أ) سياق دينيّ يُمكِنهم الحديث منه، والذي يُحدّد حدود سرديّاتهم، إن لم يكن يُشكّلها؛ ب) سياق تاريخيّ، أو على نحو أكثر دقّة، إطار كينونيّ للتاريخ الذي يواصل كونه مصدرًا للسّلطة لشرْعنة أشكال الحياة الحديثة. وعندما أقول "التاريخ" أو "التاريخيّ" ههنا، فإنّني أعني اشتباكًا تاريخيًّا ملتزمًا إلى حدّ ما يستدعي قرونًا عدّة ماضية باعتبارها مصدرًا للمعرفة والإرشاد، محاولًا أن يسترجع من هذا التاريخ، أو من خلاله، تأويلًا يتكيّف مع العيش في العالَم الحديث (وقد انطوى ذلك بطبيعة الحال على مشاكل جسيمة آملُ أن أتمكّن من معالجتها لاحقًا). أو يمكن للمرء أن يصوغ ذلك بصورة مختلفة ويقول إنّ الشيء القليل بطرق الاشتباك مع ما هو حديث يمكن أن يُنجَز دون استجلاب هذا التاريخ وتلك النّصوص الدينيّة للتأثير على تأويل معيّن -معيّن جدًّا-، أي، التأويل الحديث بشكلٍ خاصّ. وقد وقفَ هذان الالتزامان المترابطان -لا سيّما الدينيّ منهما- ولا يزال يقف في وجه مبدإ مقدَّسٍ في الوسط الفكريّ الغربيّ الحديث (وأنا أستخدم "مقدّس" عمدًا). فلكي تُحمَل على محمل الجدّ في هذا الوسط الفكريّ بأيّامنا، لا يمكنك أن تفترضَ ميتافيزيقا تقليديّة -كمقدّمة تأسيسيّة لك-، مع أنّها يمكن أن تكون ميتافيزيقا رفيعة فكريًّا، وذلك بغضّ النّظر عن المدى الذي إليه توافق به على العقائد والممارسات الليبراليّة (وهذا سيورّطك في مشاكل مضاعفة، إنْ وُجدت). وحتّى لو حاولت جاهدًا (كما حاول البعض بلا شكّ)، فلن تجد حجّتك آذانًا صاغية ما لم تُخضَع بجدّيةٍ إلى مصطلحات خطابيّة للسرديّة "العقلانيّة-العلمانيّة". والمدافعون عن القانون الطبيعيّ (natural law) هم حالة ممتازة في هذه النّقطة، لكن يواجه هذا القدْر المحدّد عوائق جوهريّة أقلّ نسبيًّا من العوائق التي يواجهها نظراؤهم المسلمون.

ثانيًا، إنّ المفهوم الأنواريّ للتاريخ (الذي لا نزال نحيا به اليوم)، ورغم أنّه لا يزال هو نفسه مفهومًا تاريخيًّا بعمق، يرفضُ جوانب بعينها من التاريخ بصورة متناقضة. مثلًا، هناك تناقض قائم في صلب نظريّة التقدّم الغربيّة نفسها -التوسّل بصنفٍ من التاريخ بينما يتبارى هو نفسه ضدّ، إن لم يكن يقوّض، ما نسمّيه اليوم بالتاريخ التقليديّ (الذي أنشأه عصرُ التنوير ونظريّة التقدّم الخاصّة به في المقام الأوّل!) في آن واحد. لذلك، كان التاريخ دائمًا قضيّة إشكاليّة في الحداثة التي تصرّ على التبنّي البراديغميّ لنظريّة التقدّم. من ناحية أخرى، بدأت النخبة الفكريّة المسلمة بالآونة الأخيرة فقط في الاتّصال بالدلالات العميقة لهذه الرؤية للعالَم، الأمر الذي لم يكن -بالطريقة المعيّنة التي تمّ بها- خطوة مرحّبًا بها، برأيي. ومفهوم التقدّم نفسه هو مفهوم إشكاليّ بعمق، والمفكّرون المسلمون والمؤرّخون على حدّ سواء لم يكونوا قادرين، حتى الآن، على تشريح بناه الأيديولوجيّة الداخليّة. ويمكننا أن نرى آثار ذلك الإخفاق في أحد المجالات المهمّة على الأقل. إذ ظهرت نزعةٌ جديدة، خلال العقدين أو الثلاثة الماضية، في العالم الإسلاميّ تنزعُ إلى إدانة التاريخ الإسلاميّ باعتباره "ظلاميًّا وفاسدًا"، مُكرِّرةً بالضبط تقريبًا السرديّة الأوروبيّة لإدانة انتهاكات الكنيسة الكاثوليكيّة والاستبداديّة المَلَكيّة. فقد بدأت النّزعة (الجاهلة جهلًا تامًّا تقريبًا بتاريخها وتراثها الفكريّ) في الظهور بصورة خافتة في بواكير القرن العشرين، إلّا أنّها لم تكتسب زخمًا حتى بعد مرور أكثر من نصف القرن. فقد استغرقت بعض الوقت، مثلها مثل كثيرٍ من العقائد والقيم الليبراليّة، التي التأمت بها نظريّة التقدّم عضويًّا، في استدخالها فيما أصبح "خطابًا أصلانيًّا" (native discourse). وعلى الرّغم من أنّ العوالم التاريخيّة للإسلام وأوروبا المتنوّعين والمتشعّبين قد لا تكون أكثر اختلافًا، فإنّ "التاريخ الإسلاميّ" يبدأ تدريجيًّا كأنّه مثل العصور المظلمة الأوروبيّة. وباعتبارها تواريخ للاضطهاد وللتعسُّف السياسيّ و"القانونيّ"، فإنّها تبدو، بما لا يُثير الدهشة، كهويّة قريبة. وربّما سأشرح قليلًا لاحقًا كيف يتجلّى هذا الأمر فيما يتعلّق بموضوع اهتمامنا.

ومع ذلك، لا يزال الإصرار على السرديّات التاريخيّة والدينيّة باعتبارها تُشكّل تقليدًا مُشرْعَنًا ومُشرعِنًا (legitimized and legitimizing) هو السمة الرئيسة التي لا تزال تَفصل وتُفرّق المفكّرين الغربيين-الأنواريين عن نظرائهم المسلمين (ناهيك عن الصعوبات الإبستمولوجيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة المعروفة التي أفضت إليها هذه السّمة). فالمفكّرون الغربيّون يعلنون "العقل" المجرّد (المُدرَك) كأداة للإرشاد البشريّ بلا منازع، في حين أنّ المفكّرين المسلمين، حتى الأكثر ليبراليّة منهم، يتمسّكون بهذه السرديّة التاريخيّة-الدينيّة في كلّ دور تقريبًا، حتى عندما يدينونها. انظر فقط إلى أمثال محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وعلي حرب، وحسن حنفي، ومحمد شحرور، وحتى المسيحيّ جورج طرابيشي، وآخرين كُثر من العوالم الإيرانيّة والملايانيّة والهنديّة شبه القاريّة (فهؤلاء وأمثالهم هم الذين يشكّلون معظم الفئة التي أشير إليها كمفكّرين مسلمين). إذ بنهاية الأمر، لا يقدرون على فعل شيء من غير القرآن، على أقلّ تقدير. وهو أيضًا القول بأنّ هؤلاء الكتّاب لا يمكنهم مناشدة التقليد العلمانيّ اللا إنجيليّ (non-scripturalist) كتقليد للفكر الغربيّ/الأنواريّ السّائد.

حسن أزد: يبدو لي، انطلاقًا من بعض محاضراتك، أنّ ما قلتَه أنت حول الأسس الإنجيليّة هو مجرّد غيض من فيض. هل بالإمكان أن تُسهب قليلًا على هذا الموضوع؟

وائل حلّاق: بكلّ تأكيد. يجب عليّ أيضًا أن أشير إلى أنّه من غير المرجّح أنّ النّسق الخطابيّ الذي مفصَل فيه المفكّرون المسلمون المعاصرون والذي لا زالوا يمفصلون به أنفسهم  يلفت انتباه -وبالتالي اشتباك- كلّ من الأكاديميا الغربيّة أو الفكر الغربيّ بأسره. واسمح لي أن أشرح السبب في ذلك. بشكل عامّ (عامّ جدًّا)، هناك معسكران أو نزعتان في الفكر الإسلاميّ الحديث والإسلامويّ (و"إسلاميّ" و"إسلامويّ" ليسا متميّزين عن بعضهما البعض، بالنسبة إلى غرضي المحدّد ههنا). تمثّل النّزعة الأولى الأكثريّة الكبيرة التي كانت لفترة طويلة تدعو إلى مشروعٍ خاسر، داخليًّا وخارجيًّا على حدّ سواء؛ وهو مشروع عقلنة الإسلام (في كلّ جوانبه تقريبًا) بمصطلحات فلسفة ليبراليّة ومقولات ليبراليّة للفكر. وإنّ فهمًا معمّقًا لهذا المشروع سيكشف عن الأسباب الرئيسة لفشله الحتميّ، ولكنّ ذلك ليس موضع همّي الآن. إذ أودّ، على النقيض من ذلك، التشديد على أنّ الليبراليّة، كنسقٍ للتفكير والممارسة، لم تُهضَم بعدُ من قبل مفكّري العالَم الإسلاميّ البارزين -اللهمّ إلّا استثناءات نادرة لذلك جديرة بالذكر.

إن الإخفاق في الفهم هو إخفاق مزدوج في واقع الأمر: فلم يفهم المفكّرون المسلمون ولم يقدّروا بعدُ النّقد الحادّ -والراديكاليّ أحيانًا- لليبراليّة من داخل التقليد الأورو-أمريكيّ نفسه، سواءً أكان ليبراليًّا أو غير ذلك. (وهنا وبمواطن أخرى، تشتمل "الأورو-أمريكيّ" على الاستراليّ، من بين أماكن أخرى، باعتبار أنّ هذه الأماكن قد قدّمت بعض المساهمات المهمّة في هذا الصّدد).

والنّزعة الأخرى أو المعسكر الآخر في الفكر الإسلاميّ الحديث هي نزعة ضاوية، وتبزغ رويدًا رويدًا لكن بثباتٍ وجديّة كما نأمل. هذه هي المدرسة النّقديّة الإسلاميّة التي يقودها فيلسوف اللغة والأخلاق والمنطق المغربيّ طه عبد الرحمن، الذي لم يستسلم إلى الأنساق الأنواريّة للتفكير. حيث تشيرُ مقاربته البنائيّة-النقديّة إلى بداية واعدة ومبتكرة يمكن أن يبدأ منها مسار جديد للتفكير وإعادة المفصلة (re-articulation).

والآن، ما أشير إليه هو هذا: على الأرجح أنه لا معسكر في المدى القصير يجذب انتباه المفكّرين الغربيين جزئيًّا لأنّ "المسلمين الليبراليين" (الذين هم أكثريّة ساحقة) قد يعتبرهم نظراؤهم الغربيون بمثابة مثقفي درجة ثانية، إن لم تكن درجة ثالثة، ومقلّدين للطّرق الفكريّة. ولا شيء بتاتًا في تفكير أو ممارسة هؤلاء الليبراليين المسلمين له القيمة في النّقاش الفعّال حول الليبراليّة المستعر في الغرب (ومع ذلك قد يكون إشكاليًّا ومُستغرَقًا ذاتيًّا). وإذا كان من شيء، فإنّ الموقف الجماعيّ يمثّل فعليًّا إقرارًا بالمزاعم والقيم الليبراليّة، وهي واقعة لها أثرٌ محتوم، أولًا، في تعزيز تلك المزاعم وجعلها مَرنة في وجه النّقد، وثانيًا في إعطاء مبّرر للدول الغربيّة لأن تواصل انتهاك الدّول الإسلاميّة دون ندامة. أضِف إلى ذلك، إنّ مصير هؤلاء المقلّدين سيشبه حتمًا الازدراء الذي نظر به المجتهدون وأشباه المجتهدين المسلمون قبل الحديثين إلى المقلّدين. وبهذا، لا ينبغي لأحدٍ أن يلقي اللوم على عاتق المفكّرين الغربيين. فالتقليدُ، كمسألة ممارسة أخلاقيّة - قانونيّة، قد يكون ذا قيمة إن لم يكن ضرورويًّا، لكن في مجال التفكير والتحليل النّقديين، لا يمكن له أن ينال أيّ احترام. إذ المقلّد هو مجرّد شخص لا شيء لديه ليقوله، لكنّه/ها قد يكون كثير الثرثرة.

أمّا المعسكر الثاني، فلن يحقّق شيئًا أفضل، على الأقلّ في الأمد القصير أو المنظور. ومع ذلك، فإنّني أراهنُ الكثير على جاذبيّة هذا المعسكر على المدى الطويل، لأنّني أنظرُ إليه باعتباره أحد التعبيرات عن التغيير الواعد. وأجدُ أن المعارضات بين المسار العامّ للإنتلجانسيا الغربيّة ومثل هذه المقاربات كمقاربات طه عبد الرحمن شيء عظيم للغاية (مع أنّ في حالة هذا الفيلسوف، يتوجّب على المرء أن يجد ذلك شيئًا ذا مغزى في أنّ عبد الرّحمن وصلَ إلى نسق تفكيره الخاصّ بعدما هضمَ كثيرًا من التراث الفلسفيّ الأوروبيّ). لذلك حتى لو كان الفكرُ الغربيّ السائد عاملًا على الاهتمام أو النّفاذ إلى أعمال الفيلسوف المغربيّ وأضرابه، فإنّني لست واثقًا من أنّه سيعلم ما عليه أن يقوم به مع هذه الأعمال. وسواء أكان العائق في الحواجز اللغويّة أو غيرها، فالتحديات التي يضعها هذا المعسكرُ تحدّيات هائلة بكلّ المقاييس. فربّما ستُختزل هذه الأعمال  إلى رفّ الموضوعات "الشّرقيّة" اللافتة، كما فُعل مع كثيرٍ من الظواهر الإسلاميّة. كما إنّ التحدّي الأخلاقيّ العميق لطه عبد الرحمن تحدّ عسير الهضم من قبل التيّار الغربيّ الحالي.

حسن أزد: يبدو الأمر وكأنّه طريق مسدود. فأين نمضي منه؟

وائل حلّاق: حتى الآن، كان طريقًا مسدودًا، لكن فقط بمعنى أنّ المعسكرين لم يلتقيا بعد حتى الآن. فلم يحدث الاشتباك بعدُ، وبالتالي يمكننا أن ننظر إنْ كان سيحدث المأزق الفعليّ. لكن حتى الآن، لا بداية للتبادل آخذة في الحدوث حتى. فلا أرى، مثلًا، مايكل ساندل، أو ألسادير ماكنتير، أو تشارلز تايلر، أو أيّ أحد في منزلتهم أو توجّههم يتحاور مع طه عبد الرّحمن أو أيّ شخص آخر فيما يتعلّق بهذه المسألة. فعلى الأغلب، لم يسمع هؤلاء الفلاسفة به قطّ، وبصراحة أشكّ أنّه حتى أمثال تشارلز تايلر سيخرجون خارج اهتماماتهم وعوالمهم الفكريّة المباشرة ليقدّم مثل هذا الجهد. وإذا كان من غير المرجّح أن تشتبك جماعة الفلاسة هذه في الحوار، فهناك أملٌ ضئيل إذن لانضمام المجموعات الأخرى. لقد حاولتُ، في كتابي الدولة المستحيلة، أن أؤطّر بعضًا من الأسئلة التي يتعامل معها العالمُ الإسلاميّ بطريقةٍ - كما آمل - يستوعبها المثقفُ الغربيّ. ودعوتُ أيضًا -في نهاية الكتاب - المثقفين المسلمين لأن يحاولوا المضيّ خطوةً واحدة إلى الأمام على الأقلّ بهدف صياغة إشكالاتهم بطريقة يمكن للجمهور الغربيّ، أو المثقفين الغربيين، أن يتصّلوا بها.

بيد أنّ ذلك ليس كافيًا بحدّ ذاته. وكما قلتُ سابقًا، يجبُ أن يكون ثمّة هيكلٌ نقديّ ومختلف نوعيًّا للتفكير، حاملًا على ظهره ما يكفي لجعْل المثقّفين الغربيّين يستمعون. التحدّي هائل. ونحن الأكاديميين والمثقفيين نفعل أيّ شيءٍ بوسعنا لنسمو بصورة المعرفة كمسعى نبيل، إلّا أنّ ذلك هو إحدى الأساطير الحديثة الكبرى التي نعيشها. فأنا أفهم وأقبل بصحّة هذه الصورة في سياقٍ تُطارَدُ فيه المعرفة للغايات الأخلاقيّة، أي، للإيتيقا الممارسيّة، على طريقة الإيتيقا الغزاليّة [نسبة إلى أبي حامد الغزاليّ - م] أو الألاكوينيّة [نسبة إلى توماس ألاكويني - م] التي بُنيت وفُسّرت في بيئتها الخاصّة. لكنّ التحولات في العالم الحديث، والتعقّد الذي لا مثيل له بين المعرفة والسّلطة (التي اتّضح أنّها في النهاية سلطة السياسيّ الشيمّتيّة [نسبةً إلى كارل شيمت - م]) صنع هذه الأسطورة التي أراها. فإذا كانت السياسةُ هي الحربُ بوسائل أخرى، وهي كذلك بلا ريب، فإذن المعرفة - بما فيها الأكاديميا - هي السياسة مضافًا إليها الحرب بوسائل أخرى. إذ إنّ ظهور شكل المعرفة كتجارة للأساتذة ذوي الأيدي الناعمة والعلماء القدامى الملتحين، مع طلّاب متحمّسين "ساعين للمعرفة"، ينبغي ألّا يخفي أو يغيّر هذه الحقيقة الواقعة أبدًا. إنّها، حقًّا، إحدى الخدع الحديثة الكبرى. حيث لم يستوعب المثقفون المسلمون وعدد لا حصر له لآخرين كثر سلطة هذه الاستعارة الساحقة فيزيائيًّا بعدُ.

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة