الذات واللغة وجدل الانتماء

محمّد فاضل المشلب
7/24/2017

الذات واللغة وجدل الانتماء

عبر رواية (مصابيح أورشليم) لعليّ بدر

 

محمّد فاضل المشلب

باحث أكاديمي من العراق

 

أذكرُ مرة قبيل عامٍ في الجامعة التي أعملُ بها، أنني كتبتُ لطلبتي على السبورة مقطعاً من قصيدة الراحل محمود درويش الباذخة (جدارية)، سألتُ الطلبة هل أحببتم المقطع أجابوا كلّهم بنعم، لكنّها الإجابة التي لا توحي بفهم، فبادرتُ لتساؤل ثان، لمَ إذاً لا نقرأ هذه النصوص، لماذا لم تعد لغتنا هي بيتنا الذي نسكن فيه أو كما عبّر (هيدغر) عن علاقة اللغة بالوجود وكون اللغة هي بيت الإنسان. لماذا صرنا نبحث عن الأدب المحلي أو غير الفصيح بنهمٍ، لماذا لم تعد أذننا تستسيغ النص الفصيح، فيما تزهو المنابر الشعرية بعديد الشعراء العاميين من أشباه المثقفين، وجمهورهم من مختلف طبقات المجتمع.

كانت من بين الإجابات عن هذه التساؤلات أننا نواجه ازدواجاً لغوياً يمكن تفسيره بوصفنا نفكّرُ بلغة (المحلية) ونكتبُ بلغة (الفصحى)، فيحدث انشطاراً ذهنياً ونفسياً له مردوداته السلبية على كلّ شخص. وسائل التواصل الإلكترونية زاخرة بالمفردات الغريبة (الغربية) والتي أحيانا هي منحوتة دون أصل لغوي عربي، صارت هي المهيمنة في حوارات أغلب الشباب، وإذا ما تفحصّنا المسلسلات المستوردة من تركيا وغيرها، تدبلجُ بلهجاتٍ محلية (شامية على الأكثر وبعضها عراقية ومصرية) بعد أن كانت تصلنا بالفصحى لاسيما أيّام المسلسلات المكسيكية في تسعينيات القرن العشرين، وهكذا نلحظُ مدى الاستهانة باللغة العربية، التي وصل إليها القائمون على استيراد هكذا مواد تلفازية، فلم تعد هناك رقابة حكومية أو هيئية تُعنى وتهتم بسلامة لغة الضاد، والحفاظ عليها من ملمّات الزمن الرديء هذا ومخلّفاته([1]).

وحتى نناقشُ هذه المسألة نقاشاً علمياً سأنطلقُ من بؤرة اللغة الوّهاجة ألا وهي بؤرة الأدب وتحديداً الرواية ، سأنتخبُ عينةً من رواية (مصابيح أورشليم) للكاتب عليّ بدر([2])، كونها حفلت في قسمها الأولى المعنون بـ(تقرير أولي)، حفلت بشخصية تعاني من مرض ازدواجية اللغة، هي شخصية (علاء خليل) المثقف العراقي والجندي الذي إشترك بحرب الخليج الأولى، ذو الهاجس المزمن بتأليف كتبٍ، بلغةٍ أخرى أجنبية والتخلّص من لغته الأم (العربية) التي يحسّ إزاءها إنه يحملُ أثقالاً تجثمُ على صدره ولا يستطيع إزاحتها إلا بلغة أجنبية مُستجلبة من (الآخر)، فـ(علاء) منغمسُ إلى حدٍ كبير بالغربِ وثقافته على الرغم من عدم إمكانية سفره إلى خارج العراق.

فهو فردٌ لا مجتمعي، مُنهمك في وعيهِ الخاص خارج إطار الوعي الجمعي، الذي يعاني الاغتراب الذي يحمل معنى الانفصال عن مجتمعه، أو كما يطلق عليه مصطلح اغتراب العزلة المخصوص باغترابية المثقف، فهذا المصطلح ((يستعمل في وصف وتحليل دور المفكر أو المثقف الذي يغلب عليه الشعور بالتجرد وعدم الاندماج النفسي والفكري في المجتمع . فالأشخاص الذين يحيون حياة عزلة واغتراب لا يرون قيمة كبيرة لكثير من الأهداف والمفاهيم التي يثمنها أفراد المجتمع . كذلك يبرز في أوضاع التمرد التي تدفع الأفراد إلى البحث عن بديل للقيم التي يعتمد عليها البناء الاجتماعي لمجتمعهم))([3])، وهذا الانفصال يتمظهر في اتجاهين: الأول اغتراب إبداعي والآخر اغتراب مكاني.

فالإبداعي يتمظهر من خلاله شغفه بقراءة الكتب بلغة أخرى غير اللغة الأم، يقول السّارد المشارك: (لقد اتجه حديثنا مباشرة ولا أدري لما نحو الأدبين الإنكليزي والأمريكي بشكل خاص، وما زاد دهشتي ذلك اليوم هو جهله التام بالأدب العربي، فقد كان شخصاً على معرفة هائلة بالثقافة العربية ولا يعير اهتماماً لأي ثقافة أخرى سواها)([4])، فوجوده وتحقيق ذاته يتمثّل من خلال فاعلية اللغة الإنجليزية وطاقتها في تحريك مكمن الإبداع عند (علاء) الذي يفتش عن زاوية ما كي يؤلف كتابه الأول وينشره بدار غربية مرموقة ويصبح من الكتّاب الذين سيعدّون أيقونةً بالمستقبل القريب آنذاك.

فهكذا أنموذج يحملُ نزعةً للنفور من لغته الأم وركنها واختزالها في نطاقٍ ضيق للتواصل فقط مع محيطه البيئي، فيما كانت الإنجليزية اللغة المحققة لطموحاته وآماله الكبرى، والنمو الكامل لذهنيته وذاته من خلالها، ((كان جل طموحه هو الكتابة باللغة الإنكليزية أو بأي لغة أخرى والاندماج كلياً بالمجتمع الغربي ، وقد منعه من تحقيق هذا الأمر هو منع السفر أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، وتحوله إلى جندي في جبهات القتال))([5])، إذا ساهمت الأنظمة الشرق-أوسطية إلى جانب السيطرة الكولونيالية أو الاستعمار الثقافي في تعزيز خيبة الفرد العربي، لاسيما المثقف وجعلته يغامر خارج حلقات وطنه ولغته التي أصبحَ فيها كائناً منفياً، وغير متأقلم مع مجتمعه.

ومن ثمّ نرى الانقطاع بين المثقف واللغة الأم، وانقطاعه في التواصل مع المجتمع كلّ منهما قادَ إلى الآخر، وكلاهما قاد إلى أيقونة الاغتراب، فأمّا أن تكون اللغة مصدراً للانغلاق وصعوبة الفهم ومن ثمّ تعسّر التواصل مع الآخر أو أنها تكون مصدر الانفتاح والتعدد والتشييد الثقافي والحضاري([6])، وهذا ما يحصل مع أغلب فئات المجتمع العربي، إذ نجده غير مبهور باللغة العربية، بل أصبح التحدّث بالفصحى مقتصراً على أمسيات الشعراء وندوات النقاد الأكادميين المختصين، وهم أنفسهم هؤلاء يخرجون من عباءة الفصحى بُعيد انتهاءهم من كرنفالات الفصحى واللغة العليا غير الواضحة لبقية أفراد المجتمع.

وكي يتمم (علاء خليل) ملف اغترابه مع لغة مجتمعه، قام بوضع حمولة الأدب العربي المعرفيّة والفكريّة في ركن مظلم ويزدريه، ولا يجد فيه ما يفيد مسار المجتمع وتقويمه والنهوض به، لهذا عدّ هذا الأدب ((أدباً منحطاً ، والثقافة العربية ثقافة بالية ، واللغة العربية لغة تحريم وتوقيف ولا يمكن كتابة أدب بها مطلقاً ، فقد كان يحمل أكثر الأفكار الاستشراقية شيوعاً عن الثقافة العربية : جمود الفكر العربي ، إيمان العربي بالغيبيات ، التواكلية ، عدم وجود حرية الفرد ، أو الإحساس بالحرية الشخصية ، كان يرى المحيطين به مثل القطعان))([7]).

فيما تمظهر الاغترب المكاني بالأماكن التي كانت ملتقى للأنتلجينسيا العراقية آنذاك مثل مقهى "الشاهبندر" و"حسن عجمي" وغيرهما من مقاهي وحانات بغداد، ينظرُ إليها (علاء خليل) أمكنةً معاديةً، غريبةً عنه ولا يمكن تحوّلها إلى أمكنة أليفة إلا في حالة تواجد كاتب غربي يزور العراق، إذ يكتسب المكان عند (علاء خليل) حميمته من المختلف الغربي لا من المؤتلف الشرقي: ((حيث لا يجد علاء في هذه الأماكن متعة ولا يصلها مطلقاً ، إلا عندما يتصل الأمر بحضور كاتب أجنبي إلى بغداد ، حضور ألان روب غرييه الذي كان يزور بغداد دائماً وبصورة متكررة في الثمانينيات مثلاً ، فقد كان علاء خليل يلاحقه من مكان إلى مكان [...] فما إن يسمع بكاتب أوربي أو أمريكي يصل هناك حتى تجده في اليوم الآخر أمام فندقه))([8])، وهذه الملاحقة للوجود الغربي ما هي سوى محاولة تحقيق حلمه الواهم بالسّفر والاندماج مع المجتمع الغربي وصناعة الشهرة الأدبية الكبيرة له.

وبذا يمكن نعدّ شخصية (علاء خليل) مثقفاً لا يعير أهمية أو خشية ومهابة لمجتمعه أو لفرد مشابه بذاته يحيط به، ومن ثمّ تنامي هذه النظرة أدّتْ بالمثقف إلى أنْ ينسحب شيئاً فشيئاً إلى مرتعه الإنعزالي، ويفهرس أيامه باللغة الأجنبية قراءة وكتابةً، ويبني من غرفته الخاصة يتوبياه الأثيرة التي يلجأ إليها، ((وهكذا ولكي يؤكد انفصاله خلق من حجرته عالمه الأثير ، هي عالمه الذي يحبه ، وما إن يدخلها حتى ينفصل كلياً عن العالم المحيط به))([9])، ولأنّه لم يغادر بلده مطلقاً ومن العسير السفر لأوربا وأمريكا؛ بسبب ظروف الحرب آنذاك؛ غاص مُنبهراً في سِير أدباء أوربا ورحلاتهم ومغامراتهم، وهكذا عَرف مدن أوربا بشكل جيد عن طريق كتب الأدباء الأوربيين وروايتهم وسيرهم المخزّنة في ذاكرته: ((فهو يعيش في منطقة لا يعترف مطلقاً بمستقبلها ، ولم يكن معنياً بتاريخها ولا بآدابها ، يعيش فيها وهو مغترب عنها))([10]). فحالة المثقف المبتلى بالاغتراب والاستلاب تشعر على الدوّام ((بالحنين إلى زمن ما أو مكان ما أو حدث ما يتماهى معه . إنه يحلم بفردوس مفقود أو ينتظر الخلاص في يوم موعود))([11]).

إنّ وجود أو تهيئ لغة أخرى بجانب اللغة الأم سَاهم إلى حدّ بعيد في تعزيز مكانة المكان الأوربي معرفياً عند (علاء خليل)، إذ ظلّ يردّد: ((نعم سأصبح كاتباً ولكن باللغة الإنكليزية لا بالعربية البغيضة))([12])، وهذا يبيّن رغبة دفينة منه للثأر من جوانب عدة، المجتمع وقيمه القروسطية، والأنظمة الشمولية التي جاهدت لتخريب بنية العقل المجتمع والحد من تطوّره عبر فسح المجال لبعض المرتزقة من المثقفين وأشباههم فضلاً عن قمع وتضيق الخناق على النزيهين من المنتمين لجهة الوعي لا السلطة، التي لم تعد تؤمن بأنّ اعتماد الثقافة وصاحبها السبيل لتطوّر المجتمع.

ولتوضيح مسار شخصية (علاء خليل) ختاماً، نستعينُ بخلاصة على شكل الخطاطة الآتية :



([1]) للاستزادة ينظر: اللغة والهوية والانتماء، وليد محمد السراقبي، مجلة دواة، المجلد 1، العدد 6، السنة الثانية، تشرين الثاني 2015، ص 53.

([2]) روائي عراقي، مواليد بغداد 1964 م صدر له ما يقارب الثلاث عشرة رواية ، حازت روايته الأولى (بابا سارتر) على العديد من الجوائز، وترجمت معظم أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية.

([3]) الاغتراب في الأدب العبري المعاصر، أحمد حمّاد، مجلة عالم الفكر، المجلد الرابع والعشرون، العدد الثالث، يناير - مارس 1996، ص 39.

([4]) مصابيح أورشليم، عليّ بدر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ط2، 2009، ص 33.

([5]) م  ن، ص 33، 34.

([6]) ينظر: لسان آدم، عبد الفتاح كيليطو، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء ط2، 2001، ص 15 وما بعدها.

([7]) مصابيح أورشليم، ص 37.

([8]) م ن، ص 36.

([9]) م ن، ص 40.

([10]) م ن، ص 39.

([11]) أوهام النخبة أو نقد المثقف، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت ط3، 2004، ص 73، 74.

([12]) مصابيح أورشليم، ص 41.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة