النص والخطاب واللغة المقدسة

يوسف محمد بناصر
7/24/2017

النص والخطاب واللغة المقدسة

 بين الإسلام  والمسيحية وعلاقتهما بالتجربة الإنسانية

 يوسف محمد بناصر

باحث في النقد الثقافي وقضايا التجديد في الفكر الاسلامي- المغرب

يتكشف المعنى في الخطاب الاسلامي من خلال مدافعته بالوقائع التي تقع خارج النص، وانتظام ذلك الكشف  يتطلب عقلا منفتحا يمتلك الجرأة والمنهج، عقلا مركزا على معطيات مختلفة، فيتتبع ويجمع كل المعاني الأصلية والتبعية؛ التي يغفل عنها الدارسون باعتبارها هامشية في علاقتها بالمعنى الكلي.

إن الخطاب القرآني تتزاحم فيه المعاني بين ثنايا آياته وسوره، وعندما يقع احتكاكه بالعقل تتكشف تلك المعاني شيئا فشيئا، لذلك فأغلب عمليات حصر المعنى لا تحصل بالقدر الذي يحصل به الارتواء الايماني، ربما لأن القلب الانساني  يهفو نحو الصفاء بدون كثير مقدمات عكس العقل.

إن آليات العقل ومناهجه لا تبقى صامدة أمام كثافة ما يحويه النص من مواضيع لاختلافها وتنوعها، إلا اذا كانت عملية التعقل  أو الفهم قد حددت مسبقا هدفا وموضوعا يتم في  ضوء النص وتوجيهه المقصدي للوصول اليه، فيستنطق النص ليستنبط الحكم أو على الأقل توضح رؤية النص الخاصة لموضوع البحث أو النازلة. ونجاح عملية الاجتهاد عموما تعني الوصول لفهم معين عن طريق النظر العقلي والمنهج النظري بطرق أصولية لغوية ومعرفية مركبة..، ثم إن عملية الاجتهاد والنظر في النص الإسلامي تتطلبان جرد النصوص وحصرها؛ ليحاصر المعنى ويحاصر معه الحكم المبحوث عنه والمحتمل تصديقه للنازلة، لتأتي بعد ذلك عملية الصياغة بعد الترجيح ليقوم الحكم مستقلا بذاته وقد يكون قاعدة أو قانونا مرجعيا ينظم عمليات أخرى متعلقة بنوازل مشابهة وربما يتجاوزها لغيرها.

تداخلات في مفهوم النص  وجب الإشارة إليها:

تبنى بعض العلماء هذا المصطلح "النص الشرعي"، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني والجويني، كذلك القاضي أبو بكر في أصل وضع اللغة، وقيل النص معناه الظهور[1]، وبعض العلماء  -كما الشافعي- فقد أطلقوا النص على خطاب القرآن الكريم أو السنة النبوية بالتحديد؛ إلا أن ثمة اتجاها آخر بدأ بالظهور عند الإمام  الغزالي حيث أطلق النص على ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا، وقد يطلق عنده على معان أخرى[2].

ورجحت الباحثة رقية طه جابر العلواني؛ أن تكون أول المراحل التي مر بها مصطلح النص قد ابتدأ مع الامام الشافعي رحمه الله، وحسب قولها فإنه استعمل مصطلح النص وأطلقه على نصوص القرآن الكريم والسنة، وجعله في مقابل الاستنباط حيث يقول:"ما أبانه الله لخلقه نصا، مثل جملة فرائض في أن عليهم صلاة وزكاة وحج وصوم، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم والخنزير وبين لهم كيف فرض الوضوء مع غير ذلك مما بين نصا"[3]. 

مفهوم النص والكلمة بين المسلمين والنصارى

ينص الكتاب المقدس في المسيحية على مايلي:"كلمة الله انسانا كي يصير الانسان إلها"[4]، في البدء كان الكلمة والكلمة كانت من عند الله وكان الكلمة الله "[5]، والكلمة صارت جسدا وحل  بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الأب مملوء أنعمه وحقا"[6]، " وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه فقال هو ذا حمل الله الذي يوقع خطية العالم"[7]، أما  الاسلام فكانت كلمة الله قرآنا يوحى، وهو آية محمد عليه الصلاة و السلام الوحيدة والفريدة، تحدى بها العرب ومعهم الانس والجن:"قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا"[8]،"وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين"[9].

لقد وقع نزاع قديم وعميق حول فهم الخطاب، خطاب الله للمكلفين، فكان التحدي الذي يطرح نفسه هو: هل يمتلك أي أحد – وخاصة في هذا الزمان-القدرة على فهم مراد الله الفعلي ومقصد النص..؟ ووقوع الخلاف كان حول الخطاب باعتباره  إنما يتأسس من فهم "الكلمة"  أو "الآية" فالله سبحانه وتعالى بعث إلى النصارى المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، واعتبره آية من آياته، ليخرجهم به من ظلمات  الضلال والمادية المتوحشة التي مردوا عليها، والتي أسسها السامري بديلا لشريعة موسى، وأيضا جاء المسيح عليه السلام ليخفف عنهم الاغلال والإصر ويحل بعض ماحرم عليهم كما سيكون الأمر مع الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام، فالذين اتبعوا المسيح عليه السلام جعلوا كل منطوق الله يتجسد في جسد انسان، وهو جسد يسوع المسيح، فجعلوه مطلقا بإطلاقية الاله، فبحسب فهمهم فقد تجلى في الجسد واحتضن كل آياته وأقواله وصفاته…فكان جسد المسيح جسد الإله، فكانت الكلمة عند الله وكانت الكلمة الله، بالتعبير الانجيلي، فلخص الاتباع كل معاني الرسالة المسيحية فيما تحمله الجسد الذي قدس لأن الإله حل به، فتم انزال الله قصرا من عليائه ليحضن في الناسوت البشري، فأصبح المعنى موحدا واللغة منطوقا واحدا والكلمة مجسدة في جسد انسان مؤله.

فاتصل الالهي بالبشري  في شخصية يسوع وألغي النص الانجيلي؛ أو على الأقل همش لأنه عرضي، لا يمثل حقيقة المقدس وجوهره كما نزل، ولا ينقل المعنى كما ينقله  الجسد المؤله الذي يمثله المسيح، وطبعا لا معنى للعرضي الذي هو  مظنون النص المكتوب أو المجموع أمام وجود الأصل الجوهري بينهم؛ الذي هو المسيح بعينه، ظاهرا غير متخفي، قادرا على التفسير والتأويل، متحدثا غير صامت عكس النص...الذي هو احتمالي وظني، ومن هذا المنطلق المعاكس للمنطلق الإسلامي، كان الفصل بين التجربة الإسلامية والتجربة المسيحية، فاختلف الفهم والتطبيق والتجربة الايمانية، ففي التجربة النبوية الأولى، كانت الكلمة آية وسورة ونصا قرآنيا لها مركزيتها، والنبي الإنسان والرسول كان مجرد مبلغ للنص "كان يبلغ كلام الله" واسطة غير ايجابية ولا سلبية غير موثرة في/على بينة النص، إنه ينقل "آيات الله"، ولكل الناس أن  يسمعوها ويعقلوها ويدخلوا في تجربة  معها؛ أي مع الكلام الالهي فيتدبروا الخطاب الملقى إليهم ويحسنوا فهمه، لأنه موجه إليهم بصفتهم ذوات مؤمنة أو حتى كافرة، ومعنيين – بشكل أو آخر- بقضية الايمان أو تفسير الوجود.

إن الذات النبوية هي ذات انسانية قد دخلت –أيضا- في تجربة مع النص ولها تلقياتها "كان خلقه القرآن"، والذات النبوية الشريفة ليست بدعا من الناس في مسألة التأثير والتأثر بالخطاب الإلهي، فمثلا كان خلقه القرآن كما يمكن أن يكون خلق أي أحد، أي أن علاقته بالقرآن وبالكلام الإلهي وصل إلى درجة في تفاعله معه، درجة  الشهادة؛"إنك على خلق عظيم"[10]، لأنه عليه السلام يتحرى خلق القرآن ويحسن تلقي الكلام الالهي لينزله، إنه يتدبر ويتلقى كما يحسن البلاغ والبيان للناس، وهذه خصوصيته كذات، إنه ذات متفاعلة مع ما ألقي إليه من ربه المتعالي، وذاته البشرية لا تجسد الإلهي ولا يتنزل الإلهي فيها، لأن الجسد الناسوتي لايحتمل أن يكون نقيض ما عليه، إنما يصلح فقط لأن يتفاعل مع الذات المتعالية بأن يستمد منها طاقتها وجمالها وصفاءها ومعانيها.

إن الذوات البشرية يمكن أن يكون خلقها القرآن، إن أحسنت التلقي؛ لأن الأصل في الخطاب القرآني أنه مستقل عن  الذوات الانسانية لذلك له إمتداده في الزمان، وله القدرة على أن ينور القدرات ويوجه الطاقات مهما كانت مشتتة أو ضعيفة،"وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"[11]،"واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا"[12]، فكما أن الذات الانسانية مركزية، كذلك النص مركزي مستقل له مقصدية مطلقة وممتدة، وهو غير متحيز لذات على أخرى حتى ولو كانت نبوية مبلغة، عكس ما في الثقافة النصية والدينية المسيحية التي اختلط فيها الجسد الإنساني بالذات الالهية ثم بالنص المقدس، فتتطورت تلك المعادلة لتسقط الرسالة المسيحية وتجعل النص المقدس في هامشية، ليبدأ بحث الانسان المسيحي/ الغربي عن موت الإله ليتحلل من كل ارتباط ديني ويفك علاقته المزعجة بالمتعالي المحضون بين طيات الإنساني، بل ليكتفي في الأخير بمركزية الإنسان المطلقة ويثبتها على رماد جسد الإله، ليبدأ البحث بعد ذلك عن تفسيرات لظواهر الغيب والطبيعة والإنسان في فضاءات أخرى، وقد تشكلت أغلب المعارف الغربية دون توجيهات من "الميتافيزيقي الأخرق" الذي يبتلع المعرفة الحقة والمنطقية، بحسب زعم بعضهم المتطرف، إنه يؤسس غالبا  للخرافة والكهنوت الاستغلالي، وهذا الموقف الحدي المتبنى له خلفية تاريخية ومعرفية وسوسيولوجية، ترجع إلى المعاناة التي شهدها المومنون كما الفلاسفة والتنويريون في القرون الوسطى.

اللغة وبعض حدود الفهم وآلياته:

يقول المستشرق جولد تسهير: كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنسية الحديثة "بيير فير نفلس":" كل امرء يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس"[13]، وكل امرئ يجد عموما احتمالات  ومداخل للتأويل والفهم، وقد تتقاطع هذه الأخيرة – النصوص- مع الخلفيات الإدراكية لكل عقل يحاول التعامل مع الخطاب بفهمه أو حتى باسقاطه على خلفياته المعرفية والثقافية والأيديولوجية، فالنص  يعطي الشرعية  لكل تلك الخلفيات ويعطيها القوة ويمدها بروح وثوقية، لتقف بلغتها محاججة وداحضة لمنطق الخصوم ومواقفهم، كما أن "القرآن لا ينطق إنما ينطق به الرجال" وهي مقولة منسوبة للإمام علي؛ وجدت في التاريخ الاسلامي لتكاد تزكي بشكل أو آخر بأن منطوق "النص" إنما هو في الأخير مقالات وفهوم البشر، وإن كانت فيها جوانب من الصوابية أو الحقيقة فهذا لايعني أن هناك مساحة متغيرة بين ما يبتغي للعقل تأسيسه وبين ما يبرهن عليه أو بين ما  ينطق به النص، الذي يكون في الأخير "حمالا ذو أوجه" له مقصديته الذاتية هو الآخر ورؤيته التي تتعالى عن الخلفيات  والنزعات النسبية التي يتورط فيها العقل والنفس البشريين .

يمكن القول أن هنالك فرقا بين الخطاب وبين الطريقة الموظفة لفهمه، حسب ما يذهب إليه الكاتب والباحث يحيى محمد، فالطريقة لا تنقل الخطاب كما هو، بل  تتصور بحسب قواعد ومسلمات قبلية وتشكل محور النشاط في الفهم وإنتاج المعرفة، والفارق بين الخطاب وبين طريقة فهمه هو كالفارق بين الطبيعة وعلمها، فمثلها أن هذا العلم يتصور الطبيعة ضمن اعتبارات وقواعد تؤدي الى عدم المحاكاة والمطابقة بينها كذلك الحال في علاقة الطريقة المعرفية بالخطاب، حيث إن ما تحمله من اعتبارات قبلية من الممكن أن تجعل آلية الفهم التي تؤسسها لا تطابق حقيقة ما عليه الخطاب؛ لهذا فان اختلاف الطرق والقنوات المعرفية غالبا ما تفضي إلى تباين طبيعة الصورة المرسومة للخطاب والفهم المنتزع[14].

 ويمكن اعتبار انفتاح العقل على لغة "النص الشرعي" وكل ما ينتج عن ذلك من تفاعلات ومقالات واستنباطات معرفية أو فقهية أو لغوية، إنما هي من بعض الحقائق التي تكشفت بين ثنايا النص وتقبلها العقل بقبول حسن، فحاجتنا للحقيقة هي حاجة إنسانية وجودية، وقد التزم هذا الكائن المكرم منذ الأزل بالبحث عنها والتنقيب عن مصادرها وامتلاك الوسائل التي تودي إليها، ذلك الالتزام والحاجة تجعلنا كل يوم مطوقين بأسئلة تبحث معاني كل شيء، كما تورطنا في فضولية الاكتشاف والاختراع والمحاكاة.

وكل الحقائق كما هي قضية بحث ووجود فهي قضية نظام لغوي ومعرفي  مركب، فنستعير من فوكو قولته التي يعتبر فيها:"أن الحقيقة ليست خاصية خطاب أو نتيجة قضية واستدلالات بل إنها نظام وجود"[15]، فالنظام أساسي يساهم في ترتيب استنتاجاتنا وتركيب تحليلاتنا وأيضا فرز افتراضاتنا، فتشكل بذلك الوعي الإنساني، الذي هو في الأخير حافز سنني في الترتيب والبناء والخروج بخلاصات ثم الاكتشافات أو الاختراعات، وفي النهاية التأسيس للثقافة والمعرفة والفعل الحضاري المتجدد، فالتأريخ  الانساني لا يقوم  دون قيام العمران وتأسيس أخلاقيات جديدة، بحيث تنبثق منهما سيرورة حضارية تتراكم، لتستمر في بناء ثقافات جديدة، وامداد الانسان بما يساهم في تنمية وعيه وفعله الإبداعي والحضاري.



[1] - ينظر : البرهان في أصول الفقه، الجيويني، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، مطبعة الوفاء مصر، الطبعة4،سنة1418 هـ.

[2] - ينظر: المستصفى، الغزالي أبو حامد، الجزء2، الصفحة196 .

[3] - ينظر: أثر العرف في فهم النصوص ، قضايا المرأة أنموذجا رقية طه جابر العلواني، طبعة الفكر، 2003م،الصفحة 33، وينظر كذلك في "مسألة النص" كتاب: الرسالة ، الشافعي، تحقيق احمد شاكر، بدون تاريخ، دار الفكر الصفحة 32.

-          انجيل يوحنا، الاصحاح1/01[4]

[5] - الاصحاح الاول/14.

[6] - الاصحاح الأول /29.

[7] - الاصحاح الاول /29.

[8] -سورة الاسراء الاية:88

[9] -سورة البقرة الاية :24.

[10] -سورة القلم الآية:04.

[11] -سورة ال عمران الاية :144.

[12] -سورة ال عمران الآية :103.

[13] -ينظر: مذاهب التفسير الاسلامي، جولد تسهير، ترجمة:محمد يوسف وآخرون،دار الكتب الحديثة بمصر، الطبعة 2ص:03.

[14] -ينظر: مدخل إلى فهم الإسلام الفكر الاسلامي-نظمه ادواته أصوله، يحيى محمد-الانتشار العربي، الطبعة1، 1999.

[15] -الانفصال، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال،2007م، ص43.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة