على تخوم الكلمات : "من أقاليم اللغة إلى أقانيم الهوية"

خباب النعمان
7/24/2017

على تخوم الكلمات : "من أقاليم اللغة إلى أقانيم الهوية"

الباحث : خباب النعمان 

توطئة :

إن من فضول الكلام وفوائض المعنى أن يقال أن اللغة تقف على ناصية الاهتمام الأكاديمي والمعرفي في راهننا المعاصر إذ يكفي أن تيارات كبرى كالاتجاهات الوضعية و المدارس التحليلية جعلت من اللغة مجالاً أوحداً للبحث والإستقصاء, ومع التحولات العظمى التي شهدها الغرب وتداعت لها سائر الأمم تفاعلاً ومناجزة, غدت اللغة في قلب السجال النظري والمعرفي بل أصبحت إحدى مداراته المحورية التي يدور معها وجوداً وعدماً. ولعل واحدة من المفارقات التي دشنت الدرس اللغوي وأسهمت في صوغ مقارباته وأسئلته ومناهجه أن دي سوسور الألسني الأشهر على مجرى التاريخ والذي أستلهم الأجواء الثورية التي انتظمت مساقات العلم وضروب المعرفة كان يعاني من إحدى إضطرابات اللغة على مستوى الكتابة والتصنيف.  وبما أن كتابه الشهير الذي صنع الفرق وأسس للحظة مفصلية في مسار اللغة نتج عن عمل تجميعي لمحاضراته بعد وفاته على يد رهط من تلامذته النجباء. فإن هذه السمة ظلت حاضرة في العمل اللغوي الحديث في منعرجاته المتعددة ([1]). ولامندوحة أن الأفكار المؤثرة في حقول المعرفة اللغوية بقيت واستمرت وتطورت ضمن السياق العام للبحث اللغوي الذي بدا متماسكاً منذ عهد بانيني وحتى مشارف الألفية الثالثة. ([2]) لولا بعض الأفكار التي شذت عن الإجماع وأتت على غير منوال مع ما هو قائم وغائر في بنية التنظير اللغوي الحديث.

لقد تجاوزت اللغة الأفق الذي حده من قبل أبن جني في خصائصه بوصفها مجموعة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وتقوم على التوفيق في الدلالة بين الصوت الملفوظ والمعاني القائمة بالفكر.([3]) بيد أنها غدت بفضل الدراسات المتلاحقة متجاوزة لأوعية الوعي والأفكار وأكبر من مجرد واسطة لنقل المعاني, فهي حسب جاك لاكان " تتكلمنا عوض أن نتكلمها"([4]) وحسب مارتن هايدجر تمثل "الحد الأوسط بين الكينونة والكائن وهي بيت الكائن ومكمن نوازعه وأسراره"([5]) وهي في منظور رولان بارت "نمط حاذق متجاوز للوظيفة التعبيرية, متماسك, عميق, حافل بالأسرار"([6]). أما فيتغنشتاين فيرى أن الخطاب الذي نتفوه به "يمثل سلسلة من الألعاب اللغوية غير قابلة للترجمة تبادلياً"([7]).

هذه الآراء وغيرها ألقت بظلال كثيفة على الراهن اللغوي, تجلت في شتى مساربه وارتباطاته, وبإطلالة عابرة من نافذة التاريخ يتبين لنا أن اللغة ظلت تشكّل الفاعليين الحقيقيين أو الذات الفاعلة بالتاريخ وفق تعبير هيجل ربما بصورة أكثر من الأمراء والدول والنظم الاقتصادية فبالاضافة إلى كونها رايات ورموز للاجتماع الانساني فإن اللغات أيضاً حوافظ للذكريات والتاريخ الشفاهي عبر القصص والحكايات والأساطير, قد تكّرس أمثولاتها لمنجزات مذهلة على نطاق اللغات التالدة كالسومرية ولغات الشرق الأوسط القديم, والحيوية التي اتسمت بها اللغة الصينية حين أستعادت ذاتها من جديد خلال عشرين قرن من الغزوات, وتقدم اللغة السنسكريتية من شمال الهند باتجاه جاوا واليابان, والقيمة الثقافية التي أضافتها اللغة الإغريقية حين حملت أثقال من المعارف والعلوم, والصراعات التي كونت لغات أوروبا الحديثة, وفي المقابل قد تشيح بوجوه متعددة للفشل الذريع, كالتخلف الذي تم رصده للغة الألمانية برغم انتصارها على الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس, أو الانهيار الذي حدث للغة المصرية القديمة التي صمدت طيلة ثلاثة آلاف عام من الغزوات وذبولها مع تدفق اللغة العربية عقب فتح مصر. وكيف أن الهولندية لم تُعرف في أندونيسيا الحديثة رغم أنها حكمت جزر الهند الشرقية فترة تعادل حكم بريطانيا للهند. وما بين هذا وذاك تتطرد المفارقات الساخرة لتطور اللغات وتقهقرها, فاللاتينية التي لم تجد طريقها إلى ألسنة سكان شرقي البحر الأبيض المتوسط الذين كانوا يتحدثون الإغريقية والآرامية وجدت في بلاد الغال وأسبانيا عقلاً فارغاً فتمكنت لينطلق في نطاقها كل لسان مبين, وفي الأمريكتين حين أبطأ المبشرون الكاثوليك إنتشار الإسبانية على مدى قرون مع قصدٍ ورصد. قام نظراؤهم البروتستانت بدور رئيس في إعاقة نشر اللغة الانجليزية في آسيا جزاءً وفاقاً. ([8])

ومع غروب شمس امبراطوريات الكلمة وبزوغ فجر نظام اللغة العالمي, لاحت في الأفق تحديات مغايرة للمسألة اللغوية المعاصرة تجلت على أكثر من مستوى, حيث بات أكثر من 6 بلايين نسمة موزعون في نحو 200 دولة يتحدثون نحو 6 آلاف لغة, هذه الوفرة التي تلامس حدود الفوضى اللغوية أفرزت واقعاً وثيق الترابط بفضل من يتحدثون أكثر من لغة, لقد أقامت التعددية اللغوية شبكة اتصال فعالة عناصرها الأساسية مجموعات كوكبية متناسقة ولكنها متنافسة أيضاً. هذان الحدان أعني التناسق والتنافس يعكسان وجهتي نظر علمي الاجتماع السياسي والاقتصاد السياسي, الأول الذي يسلط الضوء على بنية النظام اللغوي وعلاقاته ويعنى بشكل خاص بما يسمى بالغيرة اللغوية بين الجماعات واحتكار النخبة للغة الرسمية وإقصاء غير المتعلمين وإيلاء أهمية لدور اللغة في الحراك الاجتماعي الصاعد., أما الثاني, فيتصدى لتحليل تعظيم الفرص الذي تنطوي عليه عملية الاتصال والمعضلات التي قد تعترض طريقهم لدرجة يضطرون معها إلى التخلي عن لغاتهم الوطنية واكتساب لغات أخرى, وما يجري عادة في علاقات التبادل غير المتكافيء بين المجموعات اللغوية الصغيرة والكبيرة كتبني المهزومين للغة غُزاتهم أو التبادل التجاري بين شعوب فقيرة وشعوب غنية وإنما يتم تعلم اللغات عادة في اتجاه تصاعدي من اللغات الصغرى إلى الكبرى ومن الأمم التابعة إلى الأمم المتبوعة ومن الشعوب الفقيرة إلى الشعوب الغنية. وليس ثمة مراء في أن مناهج علمي الاجتماع السياسي والاقتصاد السياسي شكلا معاً إطاراً نظرياً ساعد على تفسير كثير من الوقائع المتباينة في أصقاع شاسعة من الجغرافيا اللسانية. ([9])

تثير المسألة اللغوية في الهند نقعاً كثيفاً يتجاوز حدودها إلى ما يحيط بها من بلدان كباكستان وبنغلاديش ونيبال وسريلانكا, وعبر شبه القارة الهندية يشكل أكثر من بليون نسمة مجموعة لغوية يتجاذبها قطبان الانجليزية والهندية بتنوعاتها وتفرعاتها المتعددة التي تصل إلى نحو 800 لغة يتحدثها الناس في الهند تحديداً يوجد منها 18 لغة مثبتة في الجدول الملحق بالدستور والتي تمثل كل منها لغة رسمية لواحدة أو أكثر من الولايات المكونة للاتحاد الهندي, وحسب الإحصاءات فإن 96% من الهنود يتكلمون واحدة من هذه اللغات المذكورة في الجدول كلغة أم ويتكلم ثلاثة أرباع السكان بست لغات هي البنغالية, الهندية, الماراثية, التاميلية, الأوردية, ولغة التيلوغو كلغات أم. وتظل الهندية هي الأكبر إذ يتحدث بها نحو 337 مليون نسمة أي ما يعادل 40% من السكان تليها التاميلية التي تستحوذ على أكثر من 8% من ألسنة الهنود تليها لغة التيلوغو التي يتداولها أقل من 8% من السكان. ورغم أن أطياف اللغات المذكورة آنفاً مُسخّرة في السلك التعليمي الأساس وتلقى دعماً من أجهزة الحكم في الولايات المعنية إلا أنها ما زالت قاصرة جداً عن بلوغ مصاف اللغة الانجليزية والهندية التي تمسك بخطام الاتصالات الحديثة وفضاءات الاعلام والسينما والمسارح والنظم التجارية والادارية والقانونية ووسائل النقل والمواصلات.([10]) وبعد نصف قرن من الزمان بات الأمل في لغة محلية موحدة تمثلها الهندية متضائلاً إن لم يكن متلاشياً, لدرجة صار يقال معها لقد خسرت الهندية معركتها بفعل إلتباس السياسة اللغوية المركزية وأعتناء الأقاليم غير الناطقة بالهندية باللغة الإنجليزية كخيار إضافي للغة ولايتهم, بيد أن التعويل على هذا الإفتراض كحقيقة لا يتطرق إليها النقض يتجاهل القوة الكامنة في مفاصل اللغة الهندية بوصفها لغة الثقافة الجماهيرية بلا منازع.

وفي إفريقيا, يوجد أكبر أمثولة للتنوع اللغوي تضم في طياتها آلاف اللغات عمدت السياسة الاستعمارية إلى تعميق أوجه الخلاف بين تخومها الثقافية لتدعيم سلطانها وفق الآلية الشهيرة "فرّق تسد", فمنذ قرابة ألف عام كانت العربية ودرجاتها العامية الدارجة هي لغة التخاطب والشعائر الدينية من المغرب ومصر إلى الجانب الجنوبي للصحراء الكبرى وعلى ساحلها الشرقي حيث كانت أيضا لغةً للمعاملات التجارية التي احترفها باكراً نخبة من الأعاريب, مثّلت لاحقاً الحقبة الاستعمارية فاصلاً حضارياً أعاق تطور العربية وسيادتها المستحقة. فبالإضافة الى اللغات التي تم جلبها على يد التجار الأفارقة من أبناء البلاد الأصليين كالهوسا والإيجبو والسوننكي والسواحيلية وُجد عدد من اللغات المحلية في جنوب الصحراء تقدر بالمئات ويقدر متداولوها ببضعة آلاف وهي معظمها لغات شفاهية لم تمأسس في أجهزة الحكم ونظم التعليم ويصح أن توصف بلغات الذاكرة حيث تتموضع في نطاق هامش النظام اللغوي الكوني, لقد دعم الاستعمار إنتشار اللغات العامية الدارجة التي يضرب بعضها بجذور غائرة في القدم مثل اللغة السواحيلية في الكنغو "زائير" والتي اسهمت بدورها في تشكيل لهجات مهجنة مثلت نواة اللغات المحلية مثل لغة كيكونجو واللغة اللنغالية. و تمثل التغييرات التي أدخلها على انماط الحياة الاجتماعية من إطالة متعمدة لسلاسل التبادل الاتكالي بين القرى والمناطق بعد أن كانت مستقلة ذاتيا قبيل الاستعمار هي السبب القريب المباشر في زيادة عدد اللغات. ولأن لغات المستعمر كانت أوسع نفوذاً وأفشى من غيرها بقيت هي اللغة الأولى في معظم البلدان, حتى البلدان التي يتكلم سوداها الأعظم لغة واحدة كروانده, فرغم أن 75% من سكانها التوتسي والهوتو يتحدثون لغة (كنيار وانده) كانت الفرنسية حتى وقت قريب هي اللغة الرسمية في البلاد, ينطبق هذا الأمر على بتسوانا أيضاً التي يتحدث 80% من أهلها اللغة التسيوانية الأصلية ومع ذلك بقيت الانجليزية هي اللغة الرسمية. ويمتد ليشمل السنغال التي يتحدث 75% من سكانها اللغة الولوفية ومع ذلك بقيت الفرنسية لغتهم الرسمية, أما في تنزانيا التي يتحدث 90% من سكانها السواحيلية كلغة محلية وهي اللغة الأم لأقلية صغيرة فقد بقيت لغة رسمية مع الانجليزية برغم هيمنة الأخيرة. ([11]) تختلف اللغات في أفريقيا عن آسيا في نقطة فارقة هي انتشار الأمية في إفريقيا والتي تعيق فرص تعلم لغة المستعمر, ويتم تعلمها في المدارس والمعاهد الخاصة وتحتكرها النخب المثقفة دون غيرها من العوام والدهماء, أمر آخر نلحظه بكثافة عالية وهو الغيرة اللغوية التي تجعل بعض الأقليات ترفض لغات محلية منافسة وترجح لغة المستعمر لتقطع الطريق أمام سيطرتها. وعلى المدى البعيد يؤدي هذا إلى هجرة الناس إلى لغات ذات نفوذ وهجرانها للغاتها الأصلية مما يسلمها للاندثار والتقهقر, ليست الغيرة اللغوية دائما تعبير غير عقلاني لكوامن الحقد والعداء ولكنها في أصفى صيغها تمثل تنافساً محموماً على مصادر القوة والنفاذ. ومن منظور فردي فإن الشخص الذي يتعلم لغة أعلى لن يخسر كثيراً وهو يهمل لغته الأصلية, لكنه يخصم بلا مراء من رصيد التوجه الجمعي لثقافته المعنية أو بحسب وصف لايتين "يدمّر مصلحة عامة في سبيل مصلحة فردية". ([12]) يتجاوز نفاذ اللغات الاستعمارية في البلدان الأفريقية حدود الغيرة اللغوية إلى رغبة النخب الإدارية والبيروقراطية فالاستئثار بالفرنسية كلغة رسمية في رواندا مثلاً, يمنح متحدثيها ميزة مطلقة في اعتلاء أريكة المجد الوظيفي في بلد يتلقى ما نسبته 1% من سكانه التعليم الابتدائي, لذا نجد أن اللغة الفرنسية تقدم ميزة كبيرة لمن أكمل المرحلة الثانوية أما الذين تقاصروا عن تلك المرتبة فدونهم خشاش الوظائف وهوامش الأعمال. لقد انقلب النظام التعليمي من رافعة إرتقاء وتنوير إلى آلية فصل واقصاء.

  لقد حاول كثير من المحللين أن يوجدوا تفسيرات منطقية لبقاء اللغات الاستعمارية وهيمنتها في بلاد مثل رواندا وبورندي وليسوتو برغم تجانسها اللغوي, ويرى كاتسي ([13]) أن اللغات الأجنبية أداة خادمة للسلطة ومعززة للطبقة المسيطرة وهي في أعلى مراتبها تمثل رصيداً جارياً ورأسمال رمزي يكرس لمكانتها في أعلى ذرى التقسيم الاجتماعي. وبقدر استعصامها بالبعد عن العامة واستغلاقها على مداركهم تبقى مفاتح للمجد والسلطة والثروة لخواص الخواص. وبهذه الطريقة تتحول اللغة من وسيلة اتصال إلى وسيلة إقصاء بالتواطوء مع من تم إقصاؤهم.

إن النظام اللغوي العالمي الراهن يمثل مراحل متقدمة من تطور اللغات البشرية التي استغرقت أكثر من ألف عام والتي ساهمت وسائل الاتصال المتطورة وتزايد وتيرة الأسفار والتجارة الخارجية في بلورته وانتاجه, كما ساهم تمركز اللغة الانجليزية في قلب النظام وارتباطها باللغات المحورية عبر آلية التعدد اللغوي والتراجم في تماسكه واستقراره ([14]), ولم تعد هناك لغات منعزلة مع حجم الاتصال الهائل لبني البشر الذين يتفاعلون من خلال سياسات القوة والعلاقات التجارية والهجرة والتبادل الثقافي ويمتطون في كل ذلك سوابح اللغة وأجنحة الكلمات. ويجسد النظام اللغوي ذو الشكل الهرمي المركب أساساً لعلم الاجتماع اللغوي السياسي الذي يؤكد في نهاية المطاف البحثي أن اللغة محدد أساسي للهوية وإحدى دعائم رأسمالها الثقافي الجمعي, وهو في المقابل يجسد أيضاً أساساً لعلم الاقتصاد اللغوي الذي يقوم على مفاهيم معامل الفائدة اللغوية والقيمة الإتصالية للغة كمؤشرات ومؤثرات لإنتشار اللغة (بمعنى كم من الناس يتحدثها على نطاقها الجغرافي) وكدليل على مركزيتها (بمعنى كم من متعددي اللغات يتعامل بها) ([15]).  

يرجح لويس كالفي فرضية مغايرة لما سقناه آنفاً تقوم على حرب اللغات بسبب التوتر الدائم بين ما هو منحصر وما هو منتشر بين لغة المنزل ولغة الغذاء بين اللغة المركزية القابضة بمفاصل السلطة ولغة الأقليات الجانحة لإثبات الذات والانعتاق من إسار القهر الثقافي, هذا التوتر الجدلي يمثل عنده أحد محركات التاريخ ([16]), لقد كتب كلود حجاج ذات نص " إذا نجح رجل الدولة في الإشراف على مسار اللغة في إحدى مراحلها الحاسمة فإنه يضيف إلى سلطته سلطة أخرى, سلطة مجهولة فاعلة, لأن أي سياسة لغوية هي خدمة للسلطة بقصد أو بغير قصد ". ([17]) الصراعات اللغوية إذن تشكل الجانب اللغوي من تاريخ المجتمعات وهي إحدى وجوه الصراعات الاجتماعية والإمبرياليات اللغوية علامة لإمبرياليات أخرى, ووراء حروب اللغة تكمن حروباً إقتصادية أو ثقافية وليس العكس بالضرورة صحيحاً كما في النموذج الياباني الذي يغرق الأسواق بمنتجاته الاقتصادية دون اللغوية. لا يعني هذا – بحسب رأي كالفي – أن يترك الأمر للسلطة بل على العكس " فإذا كانت الحرب هي السياسة بطريقة أخرى فإن السياسة اللغوية هي الوجه المدني لحرب اللغات, فحين تسقط أوهام المسالمة لا يبقى أمام اللساني في ممارسته لمهنته إلا أن يتصرف كمواطن يمارس رقابة ديموقراطية في كل لحظة". ([18])

خُلاصة:

ومما سبق يتبين حجم التعقيد الغائر في بنية التقعيد النظري للمسألة اللغوية المعاصرة, وكيف أنه من فرط رحابته وسع مقاربات متعددة تقف على أقصى تفاصيل النقيض من بعضها البعض, ما بين مقاربة نيقولاس أوستلر عن إمبراطوريات الكلمة في تاريخ اللغات التي تعيد إنتاج اللغة كفاعل محوري له إسهام مباشر في صنع الأحداث, ومقاربة أبرام دوسوان حول منظومة اللغات الكونية المعاصرة وكيف أن التعدد اللغوي أنتج ترابطاً وثيقاً بين الأمم, ومقاربة لويس كالفي في حرب اللغات والسياسات اللغوية التي رصدت ظلال الفعل اللغوي في الأسرة والأسواق والمجتمعات, والتي فتحت بدورها إحتمالات التأثيرات اللغوية إلى أقصى حدودها الممكنة لتترواح بين النقيض والنقيض ما بين عُنف ولُطف, وصراع وتعاون, وقهر وإسماح, وتوتر واستقرار. ويبدو المشهد اللغوي الراهن مهيأ لمثل هذه النتيجة المتسقة مع طبيعته وتكوينه.  

 

 

   



[1]  راجع المقدمة التي سطرها كل من جارلس بالي وألبرت سيكاهي في : فردينان دي سوسور , علم اللغة العام , ت . يوئيل يوسف عزيز , بغداد , آفاق عربية , 1985م  , ص : 5-7.

[2]  للإلمام بتاريخ تشكل الدراسات اللغوية راجع السرد المطول الذي يرصد دور اللغة في الفكر الانساني على مدار التاريخ , روي هاريس و تولبت ج تيلر , أعلام الفكر اللغوي التقليد الغربي من سقراط إلى سوسير , ت . أحمد شاكر الكلابي , بيروت , دار الكتاب الجديد المتحدة . وبتركيز أخص على الفصل الثاني عشر (223-241) والفصل الرابع عشر (255-275).

[3]   أبي الفتح عثمان بن جني ,الخصائص , الجزء الأول , تحقيق محمد علي النجار , القاهرة , دار الكتب المصرية , ط 2000م , ص:33.

[4]  جان جاك لوسيركل , عنف اللغة , ت.ت. محمد بدوي , بيروت , المنظمة العربية للترجمة , شباط / فبراير 2005م . ص: 7-9.

[5]  إبراهيم أحمد , أنطولوجيا اللغة عند مارتن هيدجر , بيروت , الدار العربية للعلوم ناشرون , ط1 2008م . ص:10.

[6]  رولان بارت , الكتابة في درجة الصفر , ت. محمد نديم خفشة , مركز الإنماء الحضاري , ط1 2002م . ص: 15-17.

[7]  لودفيك فتغنشتاين , تحقيقات فلسفية , ت. عبد الرازق بنّور , بيروت , المنظمة العربية للترجمة , ط1 نيسان ابريل 2007م . ص: 46-47.

[8]  على كثرة ما كتب في تاريخ اللغات فإن كتاب إمبراطوريات الكلمة "تاريخ للغات في العالم" يمثل أحد أهم الدراسات المعاصرة في هذا المجال إذ يرصد صاحبه نيقولاس أوستلر أهم المحطات التي جعلت من اللغة ذاتاً فاعلة بالتاريخ , حيث يركز على شرح طبيعة تاريخ اللغات حين يجترح تقسيماً فريداً لما يسميه بلغات اليابسة ولغات البحر , وينتهي إلى راهن اللغات وآفاق مستقبلها وفق ثلاثة معايير : الحرية والنفوذ وقابلية التعلم للمزيد أنظر :

           نيقولاس أوستلر , إمبراطوريات الكلمة تاريخ للغات في العالم , ترجمة محمد توفيق البجيرمي , بيروت , دار الكتاب العربي , ط. أولى 2011م. (ص: 20- 24.)

[9]  أبرام دو سوان , كلمات العالم "منظومة اللغات الكونية" , ت . صديق محمد جوهر , أبوظبي , هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث "كلمة" , 2011م , ص : 11-63.

[10]  عمد الباحث إلى تلخيص الأفكار الرئيسة الواردة في شرح مطوّل واستطراد يفيض عن المراد والتي يجدها القاريء في ذات المصدر , ص: 131-171.

[11]  ذات المصدر , ص 201-218.

[12]  ورد هذا الإقتباس في ذات المصدر , ص :212.

[13]  ورد الاقتباس في ذات المصدر . (ص:217-218).

[14]  سكوت موننتغمري , هل يحتاج العلم إلى لغة عالمية "الانجليزية ومستقبل البحث العلمي" , ت . فؤاد عبد المطلب , الكويت , سلسلة عالم المعرفة , ديسمبر 2014. العدد 419. ص:57-60.

[15]  راجع الخلاصات المهمة التي توصل إليها أبرام دو سوان في خواتيم بحثه (كلمات العالم , مصدر مشار إليه , 369-417).

[16]  لويس كالفي , حرب اللغات والسياسات اللغوية , ترجمة حسن حمزة , بيروت , المنظمة العربية للترجمة , أغسطس 2008 م . راجع حول موضوع الحصر والنشر (ص:123-139) وحول موضوع السوق وإدارة التنوع اللغوي (ص:177-180).

[17]  كلود حجاج , إنسان الكلام مساهمة لسانية في العلوم الانسانية , ترجمة رضوان ظاظا , بيروت , المنظمة العربية للترجمة , 2003م . ص:2016.

[18]  لويس كالفي , حرب اللغات والسياسات اللغوية , تم الاشارة إليه , ص: 393.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة