المَنْطِقُ التَّعَدُّدِي وَالتَّوْظِيْفُ الحَدَاثِيْ: إِطلَالَةٌ فَلسَفِية

د. عبد الله الدعجاني
7/18/2017

المَنْطِقُ التَّعَدُّدِي وَالتَّوْظِيْفُ الحَدَاثِيْ: إِطلَالَةٌ فَلسَفِية

د. عبد الله بن نافع الدعجاني

 

من بِنْيَة "العقل البشري" تتألَّف "أَوْليَّاته الفطرية"، وفي عمق "النَّفس الإنسانية" تتكوَّن ـ ابتداءً ـ "مبادئها الأولية"، وعَبْر ممارساتٍ وتراكماتٍ طويلة للمعرفة البشرية تشكَّلت ضرورتها، واكتسبت معنى معياريَّتها للعقل، لم يكن "أرسطو" ـ حين صاغ تلك القوانين ذات الطابع الإنساني ـ منشئًا أو مخترعًا لها، أو معبّرًا عن رؤيته الذاتية، بل إنه الإحساس بعمق وصدق يقينها، الذي لا ينفكّ عن خاصية "الوعي الإنساني"، وطبيعة "العقل البشري"، ولا عن شواهد الزمان والمكان، فكانت بذلك من "المشترك الإنساني الفطري" الذي فرض قَبْليَّتها وضرورتها على العقول، بحيث يستحيل تصوُّر نقيضها، وكُلّيتها المنطبقة على كل شيء، وفي كل زمان ومكان.

 

تتمحور تلك القوانين بأنواعها الثلاثة ـ "مبدأ الهوية"، و"مبدأ عدم التناقض"، و"مبدأ الثالث المرفوع" ـ حول ثنائيَّة "الصدق ـ الكذب"، تلك الثنائية التي ازدادت رسوخًا في وعي البشرية باختلاف أزمانها وأماكنها وأديانها وفلسفاتها وثقافاتها، ففرَّعت عليها ثنائيات متعددة، كثنائيَّة "الحق والباطل"، و"الخير والشر"، و"النور والظلمة"، و"الإيمان والكفر".

 

ظلَّت تلك الثنائية متحكّمة في "العقل البشري" حتى بعد تطوُّر "المنطق الأرسطي" القديم، وتنقيته من رواسب "الُّلغة العاديَّة" كما يدَّعيه المناطقة المحدثون في بناء منطقهم الرَّمزي الكلاسيكي، أمثال: "فريجه" و"رسل" و"فتجنشتين"، إذ كان سقف هدفهم لا يتجاوز التمييز الدقيق المتناهي بالمنطق الرياضي بين ما هو صادق وما هو كاذب.

 

لكن لمَّا بدأت الثورة الشكية تتنامى في العقل الغربي، وتتعاظم في بنيته، انعكس ثورانها على تياراته الفلسفية، واتّجاهاته المنطقية، حتى انفكَّ عن مركزيَّته، وتجرَّد من ثوابته: الدينية والعقلية، ووقع بذلك في دوامة الصيرورة، وعَثَر في فخ العَبَثيَّة والفوضى، حينها أخذت أسئلته الفلسفيَّة التشكيكيَّة تَسْتَشري، من مثل: هل يمتلك "العقل البشري" القدرة على تجاوز الجزئيات وإدراك الكُليَّات، والإفلات من قبضة الصيرورة؟! كيف يُتصور وجود معرفة يقينية بالعالم الخارجي، وهو في حالة حركة دائبة وتغيُّر مستمر؟!.

 

بادر "المذهب التجريبي الحسي" بإيقاد الشرارة الأولى لتلك الثورة الشكيَّة، محاولًا هدم ضرورة المبادئ الأولية للعقل، بدءًا من الفيلسوف "جون لوك"، ومرورًا بـ "ديفيد هيوم"، و"جون ستيوارت مل" وانتهاءً بفيلسوف العبثية "نيتشه".

 

تَاهَت "الفلسفة الغربية" في هذه المرحلة، وجَرَّت معها منظومتها المنطقية، فأغرقتها في دوامتها الفوضوية العبثية، في هذا المناخ ترعرع "المنطق متعدّد القيم"، وخطا خطواته الأولى بـ "المنطق ثلاثي القيمة"، ثم هرول راكضًا في عَرَاء الفوضى، وبيداء العبث، فكان "المنطق لانهائي القيمة"، وكلاهما يطمحان إلى إنشاء أنساق منطقيَّة جديدة تتجاوز قيمتي ثنائية "الصدق والكذب"، وتجوِّز القول بقيم أخرى للصدق، إما متناهية، وإما لا متناهية، تهدم بها قوانين العقل ومبادئه الفطرية، فمن الممكن ـ في رأي هذا المنطق ـ الحكم على الشيء بالوجود والعدم في جهة ولحظة واحدة، ولا يستحيل "الثالث المرفوع" بأن يكون الشيء لا موجود ولا معدوم!!.

 

لم يكن ذلك المناخ هو العامل الوحيد لظهور "المنطق الرَّمزي ذي القيم المتعدّدة"، بل تضافرت على تهيئة خروجه انبثاق نظريات رياضيَّة وعلميَّة، في مقدّمتها نظريتان:

 

الأولى: نظريات الفيلسوف الرياضي "كيرت غودل"، المتسبِّب بقوانينه الرّياضية ـ قوانين عدم الاكتمال ـ في انهيار تماسك النَّسق اليقيني للرياضيات، الذي كان مستند "المنطق الرَّمزي الحديث".

 

الثانية: نظريات الفيزيائي "هيزنبرج" الذي أسَّسَ مبدأ الَّلايقين أو اللاحتميَّة في الوقائع الفيزيائيَّة الذَّريَّة، وبهذا أصبحت مبادئ المنطق التقليدي ـ ثنائي القيمة ـ لا تتناسب مع غموض الواقع الفيزيائي، مما دفع المناطقة المحدثين إلى تطويره، بحيث يتناسب مع صيرورة الواقع الفيزيائي الجديد الذي لا يقبل حتميَّة مبادئ المنطق القديم، وضرورة المبدأ السببي.

 

الغموض والمنطق ذو القيم المتعددة:

رفع الغموض عن المعرفة البشرية وقضياها هو الدافع والهدف "الإبستمولوجي" لهذا النوع من المنطق، ولذلك كان من ارهاصات بعثه تحويلُ "الُّلغة العادية" التي يكتنفها غموض التَّصور إلى "لغة مثالية"، بصورة رياضية رمزية، مجردة من المعاني والدّلالات، فَدخل "المنطق" بذلك في مرحلة الصورية الغالية المتطرفة.

 

ظهر هذا المشروع - أول الأمر - على يد أكابر فلاسفة التحليل، مثل: "برتراند رسل" و"فتجنشتين"، لكنهما ـ بعد تحمسهما واندفاعهما فيه ـ اعترفا بإخفاقهما في تعميم تلك اللغة على الفلسفة عامة، والعودة إلى "اللغة العادية" الواقعية، ذلك لأن "الغموض" ازداد شراسة في اللغة المثالية!.(1)

 

ومع ذلك فقد حققت تلك اللغة الرمزية أغراض ثورة "المنطق الرَّمزي" على "المنطق الأرسطي" القديم، لكنَّها لم تكن ثورة على لغته فحسب، بل تجاوز طوفانها لتضرب أُسسه المتمثلة في "مبادئه الأولية"، فأسفرت ثورة المنطق الجديد عن ولادة "المنطق ثلاثي القيمة"، الذي أضاف قيمة "الَّلامعنى" إلى قيمتي "الصدق والكذب"، افتتح ذلك الطور الجديد "سوران هالدن"، في مقالة له بعنوان "منطق الهُرَاء(2)، ليرفع بهذا المنطق قيمتي الصدق والكذب عن الكلمات العشوائية غير المنظومة ويعطيها قيمة ثالثة، هي: قيمة "الَّلامعنى"، أَيَّد "فتجنشتين" تلك القيمة الثالثة، وطبَّقها على العبارات الميتافيزيقية، وتابعته على ذلك "الوضعية المنطقية"، وتلقَّفها الدكتور زكي نجيب محمود مُشيدًا بها.(3)

 

ما يزال المنطق ـ في تلك المرحلة ـ متماسكًا، لثبات معاييره بقيمٍ ثلاث، لكن بدأ تماسكه يتمزَّق، حتى غدا منطقًا ذا سيولة لا متناهية من القيم، في بداية هذا التحول الخطير تردَّد العقل المنطقي في ذلك، حتى أن "تشارلز بيرس" قال هَازِئًا من فعله ـ بعد محاولته تجاوز مبدأ الثالث المرفوع ـ : "كل هذا لا يعدو أن يكون هُرَاء".(4 )

 

وعلى الرغم من مساهمة تلك المشاريع التطويرية للمنطق في جعل الجاهز الرَّمزي للبشر أكثرَ دقة وتعبيرًا عن المعرفة، إلا أنه فَتَّت التَّماسك المنطقي، ولم يستطع الوصول إلى هدفه في رفع الغموض المعرفي، ذلك لأنَّه وقع في غموض أكثرَ قتامةً بسبب اعتزاله التَّام عن الواقع الطبيعي، والسّباحة بعيدًا في فضاء الرياضيات الصوري، على غرار شعار "فتجنشتين": "حدود لغتي هي حدود عالمي"، وما العالَم ـ عندهم ـ إلا مجرد علاقات منطقية. (5)

 

لم يستطع "المنطق متعدّد القيم" رَدْم الهُوة، وتجاوز الفجوة بين "اللغة العادية" الطبيعية الحاضنة الأولى للمعرفة الإنسانية، وبين الواقع الذي لا ينفكّ عن قَدْرٍ من الغموض، ومما زاد الغموض خفاء محاولة شرح اللغة العادية باللغة المثالية الرمزية، فتراكم بذلك الغموض، وتفشَّت متاهاته، باعتراف "برتراند رسل" في مقالة له بعنوان "الغموض"!. (6)

 

قوانين الفكر الفطرية والغموض:

تنحصر علاقة تلك القوانين الفطرية بالَّلغة في تأكيد صدق أو كذب وقائع "زمكانية" محدَّدة، فلا شأن لها بمشكلة "الغموض"، وإنما يأتي "الغموض" من المعرفة بواقع القضية التي تخبرنا بالحالة "الزمانية ـ المكانية" لشيء ما، وإن كان هناك قدر من الإبهام والخفاء في اللغة فما هو إلا انعكاس طبيعي لغموض الرؤية المعرفية لدينا، وسأضرب على ذلك بمثال من واقع الحس المشترك، وآخر من الواقع العلمي:

 

الأول: ما يضربه بعض المناطقة المحدثين لإثبات قيم متوسطة بين "الصدق والكذب"، كقولهم: "زيد مراهق"، فإن هناك لحظة بعينها ينتقل بها "زيد" من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النّضج مرورًا بالمراهقة، لكن تفتقد تلك المراحل إلى تحديد زمن دقيق، ومن ثَمَّ لا نعرف ـ تحديدًا ـ متى أصبح زيد مراهقًا؟!.

 

تلقي تلك المراحل الانتقالية بظلالٍ من الشك على مبادئ العقل الثلاثة، لأن محمول القضية ـ وهو "زيد" ـ في نموٍ وتغيُّر مستمر، يحول دون ثبات قيمة "الصدق" للقضية، فإن التغيُّر يعني إمكانية التحوُّل من "الصدق" إلى "الكذب" والعكس، فليست ثمة هوية مطلقة لواقع موضوع القضية، فتوارد الأحكام المتناقضة على "زيد" ممكن بناء على صيرورته.(7)

 

لكن الغموض الذي بسببه طُعن في صدق تلك المبادئ، لم يكن له سبب إلا معرفتنا القاصرة التي عبَّرنا عنها بتلك اللغة، ولم يكن مردُّه إلى قوانين العقل ومبادئه، فالجهل بالحد الفاصل بين "مرحلة المراهقة" وغيرها أوقعهم في اللبس وفتح لهم أبواب التشكيك في صدق المبادئ العقلية، لكن تظل القضية صادقة أو كاذبة في واقعها الخارجي، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه.

 

الثاني: مبدأ "الَّلايقين" أو "الَّلاتحدد"، الخاص بمسار "الجزيء" في الفيزياء الذَّرية، فقد رتب عليه المناطقة المحدثون حتمية تجاوز صدق قوانين الفكر الثلاثة ونفي ضرورة مبدأ السببية القبلي.

 

لكن مما يُضْعف هذا الافتراض غموض الواقع الفيزيائي، لا سيَّما المتعلق بعالم ما وراء الميكروسكوبي المتأثر ـ سلبًا أو إيجابًا ـ بقدرة المقاييس والأدوات العلمية قوة وضعفًا، فمازالت تلك النظريات تعالج أنواعًا من القصور العلمي في فهم ذلك الواقع الفيزيائي، بحيث أبقى الباب مفتوحًا لتطور النظريات العلمية في كشف غموضه، فما أكثر أسئلته المعلقة بلا جواب؟!.

 

فالتسليم النّهائي بنتائج علوم لم تكتمل ـ بل لربَّما هي في أول طريقها تحبو ـ غير دقيق في ميزان البرهنة العلمية والفلسفية، لا سيما إذا عارضت مثل تلك الضرورات! فلا يصح توظيفها ـ بانتهازيةٍ غير بريئة ـ للطعن في الضرورات الفطرية لدى العقول البشرية!.

 

فالحاصل: أن "الغموض" ظاهرة "إبستيمولوجية" معرفية، مردُّها إلى قصور الذات العارفة، وضعف إمكانياتها الإدراكية، ونقصان وسائلها العلمية وأدواتها التجريبية في إزالة غموض الواقع، ولا يبدد هذا الغموض الشكُّ في ضرورة قوانين الفكر، وإنما الذي يسهم في رفعه الحوار المتواصل بين الإنسان والطبيعة، والعلاقة الجدلية بين الإدراك والوجود.

 

سيلان المعنى وأوهام الحداثة:

بعد انفراط المنظومة الحداثية وسقوطها في وحل الشك والعبثية، أصبحت "فلسفةً لا مركزية"، تعادي ـ في أعظم تجلياتها ـ فكرة الثبات والنّظام سواء أكان ثباتًا ونظامًا دينيًا أم إنسانيًا، فأضحى العالم ـ في نظرها ـ نسقًا سائلًا بلا يقين أو معنى أو غاية أو هوية!.

 

بتلك الرؤية دشَّن الفكر الغربي مرحلة "ما بعد الحداثة"، وستحاكيه الحداثة العربية الزائفة حذو القذة بالقذة، لكن مع فارق التحدي، الذي سيضطرُّها إلى ارتطام رأسها بصلابة النظام الإسلامي.

في مناخ العبثية والفوضى الحداثية تحضر مفاهيم "المنطق متعدد القيم" فقد هرع إليها مفكرو "ما بعد الحداثة" ليصنعوا من مفاهيمه معاول هدم لأسس النظام الإسلامي، فها هو الدكتور "محمد أركون" ينادي ـ في سياق تقويضه أسس نظام العقائد الإسلامية ـ بتطبيق معايير "المنطق التعدُّدي" في نقد التراث، وتجاوز ثنائياته المتناقضة، كـ "العقل والإيمان" و"الحقيقة والضلال" و"الصواب والخطأ" و"الخير والشر"... (8)

 

وعلى خطوات المشروع العبثي التقويضي نفسه يسير الدكتور "علي حرب"، وباللغة نفسها يرفض ما يسميه بـ "خداع التصنيفات والثنائيات"، فلا حدود ـ في رأيه بين "العقل واللاعقل" و"الحقيقة والوهم" و"الصدق والكذب" و"الإيمان والكفر"... (9)

 

إن محاولة تجاوز تلك الثنائيات نتيجة حتمية لسفسطة "ما بعد الحداثة"، إذ ليس ثمة - في رؤيتها - هوية واحدة، ولا صورة واحدة للحقيقة، ولا نموذج فكري أو حضاري واحد يمكن الدفاع عنه أو التبشير به، ولذلك كان تفكيك مفهوم الوحدة، وتقويض مفهوم الكلية، وهدم عقيدة الَّلاهوت القائلة بالأصل والوحدة المطلقة، هدفًا لهذا المشروع العبثي الفوضوي.(10)

 

وفي تلك السيولة الفكرية ترعرعت "القراءة المفتوحة للنص"، بمرجعية "فوكو" و "دريدا"، كما مارسها بعض نقاد الفكر والتراث الإسلامي من المحدثين العرب، فـ "أركون" يؤسّس من خلالها لما يسميه بـ "الإسلاميَّات التطبيقية"، و"حرب" ينتهي بواسطتها إلى أن الوحي مجرد حدث مقالي وأُفُق دلالي (11)

 

وتتسرب تلك السيولة المنطقية إلى بعض أصحاب المشاريع التكاملية، كالمشروع الحجاجي التداولي عند الدكتور "طه عبد الرحمن"، الذي أقام فلسفته النقدية على فكرة "التداول"، أو المجال التداولي المستلزم "النسبيَّة الزمكانية" و "الجانب العملي"، وبعيني تلك الفكرة التأسيسية ينظر إلى حقيقة الدين والعقل، وكلتاهما حقيقتان نسبيَّتان لأنهما نتيجة للمجال التداولي "الزمكاني" النسبي.

 

بتلك الروح النسبية يصبح "العقل" نفسه ـ المسؤول عن إثبات الحقائق ـ متغيرًا متجددًا، أو ـ بالمصطلح الذي سكَّه الدكتور طه ـ "متكوثرًا"، ومن هنا جاء نقده لـ "المنطق ثنائي القيمة"، ودعوته إلى تجديد "علم الكلام" بإعادة بنائه على مفاهيم "المنطق التعددي"، بدلًا من بنائه التقليدي على ثنائية "المنطق القديم"، "الحق والباطل" أو "الصدق والكذب" (12).

 

ومن مسوّغات إقامة "علم الكلام الجديد" على قيم منطقية متعددة ـ في نظر الدكتور ـ تحقُّقُ خرق "علم الكلام القديم" مبدأ الثالث المرفوع ومبدأ عدم التناقض، ومع أن إبطال ضرورة هذين المبدأين سيؤدي إلى انهيار منظومة "علم الكلام" إلا أن الدكتور يرى وقوع تجاوز وخرق ضرورة المبدأين من قبل المتكلّمين أنفسهم.

 

ويدلّل على ذلك بمباحث، منها: علاقة الصفات بالذات، وبمسألة الأحوال، فالمتكلَّمون ـ في نظره ـ خرقوا مبدأ الثالث المرفوع بتقريرهم أن: "الصفات لا هي عين الذات ولا هي غير الذات"، فليست مماثلة للذات وليست مباينة لها !.

 

لا ريب من أن "الوَهْم" قد تلبَّس بفهم الدكتور لتلك التقريرات الكلاميَّة، ومَكْمَن الغلط يظهر في عدم تفريقه بين "الثبوت" ـ وهو أمر ذهني ـ وبين "الوجود" ـ وهو أمر خارجي ـ فالصفات عند هؤلاء النظار من المتكلّمين ليست هي الذَّات باعتبار الوجود الذهني، ولا هي غير الذَّات باعتبار الوجود الخارجي، فانفكاك جهة الحكم، يرفع ذلك "الوهم" الذي وقع فيه الدكتور، وقد اعتنى "التفتازاني" برفع هذا الَّلبس (13) وكذا الشأن في مسألة "الأحوال" كما بيَّنه "الشهرستاني"(14).

 

الهوامش:

(1) انظر: في فلسفة اللغة، محمود فهمي زيدان، ص 14، "دراسات في الفلسفة المعاصرة، زكريا إبراهيم، ص 255 ـ 256.

(2)  انظر: المنطق متعدد القيم بين درجات الصدق وحدود المعرفة، صلاح عثمان، منشأة المعارف، الاسكندرية، 2002م، ص 48 ـ 56.

(3)  انظر: موقف من الميتافيزيقا، زكي نجيب محمود، دار الشروق، ط الثانية 1983، ص1.

(4) انظر: المنطق متعدد القيم: ص46.

(5) انظر: فتجنشتين وفلسفة التحليل، عزمي إسلام، مجلة دار الفكر،العدد الرابع، ص 1170، 1186.

(6) انظر المنطق متعدد القيم، ص 120ـ 123.

(7) انظر: علم المنطق، الكسندر غيتمانوفا، موسكو، 1989م، ص 148.

(8) انظر: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، محمد أركون، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، ط: الثانية، 1996م، ص 24 ـ 25.

(9) انظر: أوهام الحداثة: قراءة في المشروع الأركوني، علي حرب، مجلة الاجتهاد، العدد: 21، 1993م، ص 89، 92ـ93.

(10) انظر: "النقد المزدوج"، عبدالكبير الخطيبي، منشورات عكاظ، الرباط، 1990م، ص5.

(11) انظر: مداخلات، علي حرب، بيروت ط الأولى، ص 53.

(12) انظر: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، طه عبدالرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط الثانية 2000م، ص133.

(13) انظر: شرح العقائد النسفية، سعد الدين التفتازاني، مكتبة البشرى، باكستان، ص 137 ـ 146.

(14) انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام، عبدالكريم الشهرستاني، حرره وصححه/ ألفريد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية، ط: الأولى، 2009م، ص144 ـ 145.





التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة