رحلة البحث عن المدينة الفاضلة

د. محمد سيد أحمد متولي
6/23/2017

رحلة البحث عن المدينة الفاضلة

قراءة في «ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ

د. محمد سيد أحمد متولي

يحلو لبعض المشتغلين بالأدب والنقد، والدين، والفكر الإنساني بعامة، أن يعزوا حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب إلى أسباب تتعلق بالخوض في محاذير دينية وعَقَدِيَّة، ويحاولون البرهنة على زعمهم هذا بكل سبيل. طافت هذه القضية بعقلي بعد أن قضيت شوطا صالحا من القراءة في «ملحمة الحرافيش»، وما زالت تساورني حتى فرغت من القراءة الآسرة، التي كنت أتقلَّب فيها بين صنوف شتى من المتعة والجذب والتشويق، بدا لي مصدرُها مزيجًا من أهمية الفكرة التي تطرحها الرواية، وروعةِ التعبير عن هذه الفكرة في بناء طريف من الصنعة السردية المُحْكَمة. تدبَّرت هذا كله فقلت: ألا تكفي ملحمة الحرافيش هذه وحدها، لأن يحصل نجيب محفوظ على أعظم الجوائز وأن يُرفع إلى أعلى الدرجات؟!

في قالب من الرمز الشفيف، وعلى مدار عشر حكايات متتالية، يَتَخَلَّقُ بعضها في رَحِمِ بعض ثم تتوالد في قالب شديد الإحكام، يعالج نجيب محفوظ في روايته الخالدة «ملحمة الحرافيش» فكرة كبيرة نلمسها ونعيشها جميعا هي قضية السلطة والعدل الاجتماعي، أو العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومصائر الفقراء والمهمشين الذين يرزحون تحت وطأة القهر، ورد فعلهم تجاه الظلم والطغيان. وما تُفْطر عليه النفس الإنسانية أحيانا من الميل إلى الخير والمثالية وما يتلبسها كذلك من روح الغواية والميل إلى الترف والسلطة والجاه والجنس والانغماس في مُتَع الحياة، وعدم الاكتراث بمعاناة الآخرين. يبحث نجيب محفوظ في الحرافيش عن كيفية تحقيق العدالة في المجتمع الإنساني، ويحاول أن يجيب عن تساؤل طالما شغل الإنسانية: كيف يمكن أن تقوم المدينة الفاضلة التي ينعم فيها البشر جميعا بالخير والعدل والسلام.

ملحمة الحرافيش رواية طويلة، عدد صفحاتها يناهز 600 صفحة، وهو طول قد يُشْعر لأول وهلة بمللٍ كالذي عبَّر عنه لويس عوض عند قراءة أجزاء الثلاثية، وأكد أنه لم يتم قراءتها، وكذلك يحيى حقي الذي رأى أن العناية الفائقة بالتفاصيل الصغيرة في الثلاثية تدفع إلى الغيط والملل في كثير من الأحيان، غير أنك لا تجد شيئا من ذلك في الخرافيش؛ فإنك ما إن تشرع في قراءتها حتى تجد نفسك تنهب الصفحات نهبا، وتلتهمها التهاما، في حرص شديد على المتابعة. وذلك أن الثلاثية إذا كانت تتناول قطاعا عرضيا في حياة الأجيال، ويغلب عليها الرصد الدقيق لكل تفاصيل الحياة بكل ملامحها وقضاياها الاجتماعية والسياسية والفكرية، فإن ملحمة الحرافيش تتناول قطاعا طوليا في حياة الأجيال التي تعرض لها، تركز على قضية واحدة، تعالجها بدقة وحرفية عالية، ولا تغيب هذه الفكرة عن ذهن المؤلف على مدى الصفحات لحظة واحدة.

يتخذ نجيب محفوظ من الحارة، التي يستخدمها رمزا للعالم، أو للمجتمع الإنساني كله، مسرحا لأحداث روايته، يصور طبيعة العلاقة فيها بين الفتوات والحرافيش، بين أصحاب السلطة وأبناء الشعب من المواطنين البسطاء، ويلقي الضوء كثيفا على مصائر الشعوب والحكام، وكيف تتقلب بهم الأيام والأحوال.

تبدأ الرواية بقصة البطل الأول «عاشورالناجي» رمز العدالة التي يبحث عنها نجيب محفوظ، طفل لقيط عثر عليه الشيخ عفرة زيدان وهو في طريقه لصلاة الفجر، في تلك اللحظة الباكرة من النهار، التي ربما ترمز لفجر الإنسانية بعامة، وقد صبغ نجيب محفوظ هذه اللحظة في تصويره لها بصبغة كونية صوفية باهرة؛ إذ يستهل الرواية بقوله: »في ظلمة الفجر العاشقة، في الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد البهيجة الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا«. ومجيء الطفل لقيطا، لا يُعلم شيءٌ عن أصله، يكشف عن وعي نجيب محفوظ بضرورة اطراح مسألة الوراثة في الطبيعة البشرية فيما يتعلق بتأصل الخير أو الشر في النفوس. وهو ما يسمح بتبدل أحوال الفتوات الذي يأتون من بعد، وتنقلهم بين الخير والشر على نحو ما ستكشف الرواية.

يكبر عاشور ويشتد عوده، فيصبح فتوة للحارة، أخد الفتونة بقوة روحه وبعمق اتصاله بالتكية ذات الأغاني والأناشيد ومصدر السمو والإلهام، كما أخذها بقوة جسمه وقدرته، على كسر رقاب الذين يعترضون عليه أو يتعرضون لمكانته. وقد كان عاشور فتوة عادلا، «تَفَتَّحَ قلبه أول ما تفتح للبهجة والنور والأناشيد، ونما نموا هائلا مثل بوابة التكية، طوله فارع، عرضه منبسط، ساعده حجر من أحجار السور العتيق، ساقه جذع شجرة توت، رأسه ضخم نبيل، قسماته وافية التقطيع غليظة مترعة بماء الحياة. تبدت قوته في تفانيه في العمل، وتحمله لمشاقه، ومواصلته بلا ملل أو كلل، وفي تمام من الرضى والتوثب، وأكثر من مرة قال له الشيخ: لتكن قوتك في خدمة الناس، لا في خدمة الشيطان»[1]. وقد استطاع عاشور بفضل ما أوتي من القوة ومن الصفات النبيلة، أن يخلق المدينة الفاضلة، وأن يمنع الفوضى والظلم بقوة ساعده، ودعا الناس جميعا إلى أن يعلموا وأن يعرقوا في ميدان الكدح، ولم يستأثر لنفسه بشيء قط، بل كان مثلهم يأكل من كده وكدحه. حتى إن نجيب محفوظ ليرسم صورة الحارة في عهده فيقول:

«وجد عاشور الناجي نفسه فتوة للحارة دون منازع، وكما توقع الحرافيش أقام فتونته على أصول لم تُعرف من قبل، رجع إلى عمله الأول ولزم مسكنه تحت الأرض، كما ألزم كل تابع من أتباعه بعمل يرتزق منه، وبذلك محق البلطجة محقا، ولم يفرض إتاوة إلا على الأعيان والقادرين لينفقها على الفقراء والعاجزين .. وانتصر على فتوات الحارات المجاورة فأضفى على حارتنا مهابة لم تحظ بها من قبل، فحف بها الإجلال خارج الميدان، كما سعدت في داخلها بالعدل والكرامة والطمأنينة. وكان يسهر ليله في الساحة أمام التكية، يطرب للألحان، ثم يبسط راحتيه داعيا: اللهم صن لي قوتي، وزدني منها، لأجعلها في خدمة عبادك الطيبين» (ص90).

عاشت الحارة تنعم بالعدل والأمان في كنف عاشور، «في ظل العدالة الحنون تُطوى آلام كثيرة في زوايا النسيان. تزدهر القلوب بالثقة وتمتلئ برحيق التوت، ويسعد بالألحان من لا يفقه لها معنى، ولكن هل يتوارى الضياء والسماء صافية؟» (ص92) نعم هذا ما حدث! هذا ما كانت تُخَبِّئُه الأقدار، لقد توارى الضياء بعد أن بلغت السماء الغاية في الصفاء. لقد اختفى البطل عاشور الناجي.. اختفى فجأة فلا يُعرف أين ذهب، وجَدَّ أبناء الحارة في البحث عنه، والكشف عن سر اختفائه دون جدوى. «ومضت الأيام لا تحمل بصيصا من أمل. تسير بطيئة ثقيلة مسربلة بالكآبة. ويئس كل قلب من أن يرى من جديد عاشور الناجي، وهو يمضي بهيكله العملاق، يكبح المتجبرين ويرعى الكادحين وينشر التقوى والإيمان» (ص98). اختفى عاشور البطل فبدأت أمور الحارة تضطرب يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل، واختل ميزان العدل فيها، وظهر على نحو تدريجي فتوات لا يرقبون في الناس إلا ولا ذمة، يحرصون على سعادتهم ومصالحهم الخاصة، ولا يحفلون بشأن الحرافيش، فانهارت المدينة الفاضلة التي أقامها عاشور بقوته وعدله، وعادت الحارة إلى سيرتها الأولى يمزقها الظلم، والتفرقة بين الناس وطغيان الفتوات.

اختل ميزان العدل بعد عاشور شيئا فشيئا؛ فرغم ما عانى ابنه شمس الدين من انحرافات شخصية فإنه حافظ على نقاء فتونته للحارة، ظل يعمل سواق كارو رغم سطوته وتقدمه في العمر، ورعى الحرافيش بالرحمة والعدل والحب، وعرف بالتقوى والعبادة وصدق الإيمان، وتناسى الناس أخطاءه. لكننا ما إن نصل إلى ولده سليمان الناجي في الحكاية الثالثة (الحب والقضبان) حتى نراه ينزع إلى الجمع بين الفتونة والوجاهة، فيتزوج من ابنة السمري أحد الوجهاء والأعيان وراح يرفل في النعيم، وبالرغم من أن سليمان أعلن أنه لن يتغير، لكن الحياة جادت بمذاقات مغرية جديدة! لقد حافظ سليمان على مظهره المتواضع الذي ورثه عن أبيه شمس الدين وجده عاشور، ولكنه راح ينفق على نفسه وعلى أتباعه خلسة من مال الإتاوات، مخالفا بذلك عن نهج الفتوات العظام، وقد كانت هذه هي الخطوة الأولى في طريق الانحدار، وما لبث أن اجتمعت عليه الأمراض وأيقن أنه لا كرامة لعاجز، فحل محله فتوة آخر بالغ في زجر الحرافيش وتأديبهم.

وأخذ أولاد الناجي، في أجيالهم المتعاقبة على مدار حكايات الرواية، يركنون إلى الدنيا وملذاتها، ويسعون إلى إظهار السلطة وقوة المال، وغابت عنهم روح عاشورالأول، الجد المثالي، وتكاثرت أخطاؤهم في حق الحارة والحرافيش حتى عادت الفتونة إلى سابق عهدها قبل عاشور الناجي ظلما وبلطجة وانتهاكا، «فتونة على الحارة لا لها» (ص181)، «الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا» (ص516) بل إن الأحوال قد تردت بأبناء الناجي حتى سُلبوا الفتونة، وصاروا وهم أهلها الأصلاء يدفعون الإتاوة إلى فتوات آخرين من غيرهم، بغوا بدورهم على الحرافيش وساموهم سوء العذاب.

لماذا انهار الحلم الجميل؟ لماذا سقطت مدينة عاشور الفاضلة؟ إن السبب الرئيس الذي يشير إليه نجيب محفوظ في هذا الانهيار هو أن عاشور أقام مدينته على أساس قوته الخاصة، على ذاته هو، فارتبط وجودها بوجوده، ولم يجعل للعدل نظاما مستقرا لا يتأثر بوجوده أو غيابه، ولذلك عندما غاب عاشور انهارت مدينته، وحب الخير لا ضمان لدوامه إن اعتمد على الفرد، ولا بد لكي يستمر من أن يستمد قوته من إرادة الجماعة[2].

تستمر أحداث الرواية وتتابع فصولها، وتصبح المدينة الفاضلة حلما في الضمائر بعد أن كانت حقيقة واقعة، ويمر الحرافيش بعصور عديدة من الظلم، وألوان لا حصر لها من الحرمان والبؤس، إلى أن نصل إلى الحكاية العاشرة وهي الحكاية الأخيرة في الحرافيش[3]، وهنا يظهر بطل جديد اسمه عاشور هو حفيد عاشور الأول، يجيء عاشور الأصغر جامعا بين القوة والحق، بين الفتوة وحب الخير، جاء وقد أدرك الخطأ الذي وقع في المدينة التي أقامها جده، فلم يعتمد في إقامة العدل على نفسه، وإنما أقامه على أكتاف الحرافيش جميعا، وبذلك يضمن له أن يبقى، فقد قام العدل على القوة الدائمة؛ قوة الشعب وقوة الحرافيش، لا على القوة الزائلة، قوة الفتوة الحاكم الفرد. «ووقعت الواقعة. رسبت الهمسات في أعماق الحرافيش فتحولت إلى قوة مدمرة. اجتاح الحارة طوفان لم تعرفه من قبل» (ص532). وتطلع الناس إلى العدل. عمرت قلوب الحرافيش بالأمل . فامتلأت الحارة على يد عاشور الجديد عدلا كما كانت أول مرة في عهد جده الأول، وبهذا يصبح المعنى الأساسي للرواية هو عجز البطولة الفردية عن الانتصار الطويل للخير والعدل. وضرورة الاعتماد على البطولة الجماعية، التي تترجَم في كل عصر طبقا لنظمه وآلياته[4].

بناء ملحمة الحرافيش:

ملحمة الحرافيش طراز فريد في بنائها، فهي رواية أجيال كثيرة، تتضمن عشر حكايات يتناسل بعضها من بعض: (عاشور الناجي، شمس الدين، الحب والقضبان، المطارد، قرة عيني، شهد الملكة، جلال صاحب الجلالة، الأشباح، سارق النغمة، التوت والنبوت)، تستغرق الرواية امتداد زمنيا طويلا يربو على عشرة أجيال، أي قرابة أربعة قرون من الزمان، نجد في كل حكاية من الحكايات العشر جيلا يسلّم حكايته إلى الجيل الذي يليه. يتنقل نجيب محفوظ بنا بين الوقائع والأحداث بحرفية عالية، فلا هو يسرف في السرد والوصف حد الإملال، ولا هو يسرع السرعة التي تحول دون تمام التشبع بالشخصيات وإدراك مجريات الأحداث، وإنما يظل السرد دائما في منزلة بين المنزلتين، تلك المنزلة التي تبعث في القارئ الشوق الدائم وتقتل الملل وتحثه على المتابعة، وتمكن الراوي من الوقوف على الأحداث الجوهرية فحسب، تلك الأحداث التي تخدم الهدف الرئيسي للرواية، حتى لتبدو الرواية من هذه الناحية وكأنها فيلم سينمائي شائق أحكم صنع مونتاجه، فلا تكاد تقف على مشهد إلا وله مغزى. وقد ساعده على ذلك اتكاؤه على نظام اللوحات السردية المرقمة، التي مكنته من التنقل بين حنايا القصة بخفة ورشاقة ومرونة وبمسوغ مقبول في كل مرة. وما كان نجيب محفوظ ليستطيع ذلك لو أنه لجأ إلى السرد الخطي المطرد المتنامي بلا فواصل.

ورغم الامتداد الزمني الكبير للرواية، وتنوع الأحداث وكثرة الشخصيات في الحكايات نجد أن نجيب محفوظ قد برع في إحكام نسج شبكة العلاقات بين شخصيات الراوية، في هندسة لا نظير لها، لا يغير الشخصيات ولا ينتقل من حكاية إلى حكاية جديدة قبل أن يهبك جرعة صالحة من الأحداث، تدخلك في جو مؤنس من الحكي والعيش مع الشخصيات، تشعر معه بالامتلاء والحرص على المتابعة؛ لأنه يسد لديك مسام الشغف ويشبع الحواس المتعطشة لآيات الفن.

هذا فضلا عن أن أحداث الرواية بعامة يسري فيها الحس الملحمي وروح المغامرة بين الفتوات من ناحية، وبينهم وبين الحرافيش من ناحية أخرى. وتتتوع مصائر الشخصيات في كل حكاية بين الموت والقتل والخطف والاختفاء المفزع، وكل ذلك يسهم في تشويق القارئ وحثه على المضي في القراءة دون ملل.

تتكون كل حكاية في الحرافيش من عدد من الفصول تترواح بين الطول والقصر، وتتكون كل حكاية منها في المتوسط من خمسين فصلا. يبذر نجيب محفوظ بذور الحكاية التالية في طيات الحكاية الحالية ولا تنفد حيله في تنويع الشخوص وتعديد الأصوات، بل يتجلى في كل فصل مظهر جديد من اقتدار الروائي، يكسر حدة الرتابة، ويكشف جانبا جديدا من الصورة الكلية للرواية.

تسير الحكايات في شكل دائري، يبدأ فيها العدل قويا فتيا، ثم يتقهقر ويتدهور تدريجيا حتى يصل إلى منحدر سحق، ثم يأخذ في الانتعاش مرة أخرى حتى يصل إلى الذورة. وهو ما يُمَكِّنُ القارئ من استخلاص العبرة، عَبْرَ مشاهد واقعية يعايشها ويراها رأي العين، فيصل إليه الهدف من الرواية أو المغزى قويا جليا ماثلا بين عينيه. فبعد أن غلب التشاؤم واليأس على حياة الحرافيش، وانتشرت رائحة الموت في صفحات الرواية، وتنوعت مصائر الشخصيات بين القتل والطرد والموت والاختفاء المفزع، نجد الناس «يموتون كل يوم ومع ذلك راضون!» (ص433) يستدرك نجيب محفوظ في لحظة يقظة أن هذا الموت المنتشر ليس إلا موت الحق والقوة والعدل، «لا تحزن على مخلوق سرعان ما انهزم. لم يحفظ العهد. لم يحترم الحب. لم يتمسك بالحياة. فتح صدره للموت. إننا نعيش ونموت بإرادتنا. ما أقبح الضحايا! دعاة الهزيمة. الهاتفون بأن الموت نهاية كل حي. وبأنه الحق. إنه من صنع ضعفهم وأوهامهم، نحن خالدون ولا نموت إلا بالخيانة والضعف» (ص427 -428) وفي ذلك دعوة صريحة إلى الانتصار للعدل والحرية بكل سبيل!

تنطوي الحرافيش على إضافة فنية بارزة تتجلى في محاولتها المزج بين عناصر البناء الملحمي والبناء الروائي، وتستلهم استراتيجيات القصص الشعبي، كما أنها تتنكر لجزئية الدلالة وتستعصي عليها، وتكسبها طبيعة بنائها دلالة كلية مطلقة، ويتجلى ذلك في عدم تحديد المكان والزمان فيها. فأحداثها تجري في مصر المحروسة، في مكان على مشارف الصحراء، مما يلي «الدرَّاسة» ويتاخم «الجيوشي»، ويقرب من «العطوف»، ولكنها تقع في فراغ زماني رهيب لا ينجح المكان في انتشاله من هوة التجريد، لا حكام ولا عهود ولا مراحل تاريخية خاصة، فهل كانت مصر حينئذ عثمانية أم مملوكية أم خديوية؟ .... لا سبيل أمامنا لموقعة ملحمة الحرافيش تاريخيا؛ لأنها تنفض عن كاهلها، مسئولية التاريخ، لتتفرغ إلى ما وراءه من دلالات وجودية وإنسانية[5].

ومن إحكام صنعة هذه الرواية اختيار عنوانها، وانسجام دلالته مع محتواها، «ملحمة الحرافيش». فالملحمة هي السيرة المليئة بالبطولات، والمواقع العظيمة القتل، وفيها من الحركة والاضطراب والصراع والكر والفر شيء كثير، وهو ما يشي بالحركة الموارة التي تعتمل في نفوس شخوص الرواية على طولها، وكذلك كلمة «الحرافيش» نجد أنها تخدم المعنى ذاته، فعلى الرغم من أنها كلمة مصرية تعني جمهرة أبناء الشعب من البسطاء، فإن جذور الكلمة العربية تحمل كذلك معنى الصراع والغضب والاقتتال، جاء في مادة (حرفش) احرنفش الرجل إذا تهيأ للقتال والغضب والشر... واحرنفشت الرجال إذا صرع بعضهم بعضا وهو ما يشي بفعالية تلك الجماعة وإيجابيتها الواقعة أو المأمولة، وهو ما يتسق مع جدل الصراع الذي تعج به الرواية.

ومن آيات الإحكام في بناء الحرافيش لغة نجيب محفوظ فيها. فقد استخدم لغة شعرية مشحونة بطاقات تعبيرية لا نظير لها. مخالفا بذلك عن نهجه في كثير من رواياته الأولى التي غلبت عليها النثرية المفرطة. ولا تظهر شعرية اللغة في الحرافيش في التعبيرات المجازية فحسب، وإنما تظهر كذلك في التعبير اللغوي المباشر، الذي تتجلى أولى مظاهره في الاكتناز والتكثيف وقوة الإيحاء في آن معا، ويظهر ذلك في مطالع الفصول بخاصة، وفي اللوحات القصيرة التي تقدم تعقيبا على الأحداث. مثل قوله:

«ماذا يحدث بحارتنا؟

ليس اليوم كالأمس. لا كان الأمس كأول أمس. أمر خطير طرأ. من السماء هبط أم من جحيم الأرض انفجر؟ وهل تجري هذه الشئون بمحض المصادفة؟ ومع ذلك فالشمس ما زالت تشرق وتقوم برحلتها اليومية، والليل يتبع النهار، والناس يذهبون ويجيئون والحناجر تشدو بالأناشيد الغامضة» (ص54).

ومن مظاهر إحكام الصنعة اللغوية كذلك تلك الحكم التي تسري في الرواية، يصوغها نجيب محفوظ بحرفية وسلاسة، ويسوقها على ألسنة أبطاله، أو على لسانه هو في التعقيب على الأحداث، وجميعها من ذلك النوع السهل الممتع الذي لا يؤتاه إلا أولو العزم من الكتاب. وهي تأتي في موضعها كل مرة ملتحمة بسياق الأحداث، تلخصها بدقة، ومن ذلك مثلا قوله: «البراءة فريسة الأوغاد» (ص٣٢٢) «إنْ قَدَرَ الخوف على أن ينفذ من مسام الجدران فالنجاة عبث» (ص44).«بذرة الكراهية تلفظ ثمرتها السامة» (ص٣٢٦)، «الغضب مجنون والكبرياء عربيدة والتمادي مرض» (ص٣٣٠) «الجمال سيد الأكوان» (ص٣٦٨) «على الحياة أن تغير وجهها.. كل دقيقة تمر بلا تغيير انتصار للذل والتعاسة» (ص٣٥٤)، «ليس أتعس من الحظ السيء سوى الرضا به» (ص353)، «أنصحك ألا تتزوج من امرأة تحبها، وألا تحب امرأة تزوجتها. اقنع بالمعاشرة والمودة واحذر الحب فإنه مكيدة» (ص415) «حرافيش أم وجهاء لا يهم، ستدرك الإهانة دائما من يتقبلها». (ص549). كما تشيع في الرواية التعبيرات المجازية المحكمة مثل قوله: «خيل إليه أن القدر يقتحم حصنه» (ص٣٧٤) «شعر بأنه يقتلع من جذوره وأن الشمس لم تعد تشرق» (ص133).

ملحمة الحرافيش هي الدنيا في كتاب! لكنها الدنيا في قالب شائق جميل، على ما فيها من وحشية صبغها بها الفن، وأحكمتها صنعة الفنان الحاذق. الغنى والفقر، الذل والقهر واليأس والقتل والرحمة والشعور النبيل، ... تبدل الأحوال وضياع الأموال، والثراء بعد رقة الحال، والسلب بعد العطاء، والعزة بعد الذل والذل بعد العزة، والضعف والقوة، والعجز، والحب والجنس والشهوة، والجهل، والعلم، والخير والشر، كل ذلك وغيره منصهر في سبيكة نقية أحكم نجيب محفوظ صنعها، وأتقن تنقيتها من كل ما يشوبها مما لا يخدم غرضه الذي يرمي إليه، وهو ألا يتنظر الناس مخلصا يأتيهم من الغيب ينقذهم من معاناتهم وآلامهم، وإنما عليهم أن يتجاسروا، وأن يتكاتفوا، وأن يثوروا ليحققوا العدل ويقتنصوا سعادتهم بأيديهم.



[1] نجيب محفوظ، الحرافيش، دار الشروق، ص 14 - 15. وسأثبت أرقام صفحات الاقتباسات التالية في متن الدراسة من هذه الطبعة ذاتها.

[2] ينظر: صلاح فضل، عوالم نجيب محفوظ، الدار المصرية اللبنانية، 2011، ص 38.

[3] ينظر: رجاء النقاش، في حب نجيب محفوظ، دار الشروق، 1991، ص 157.

[4] صلاح فضل، عوالم نجيب محفوظ، ص 39.

[5] صلاح فضل، عوالم نجيب محفوظ، ص 32.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة