نظرات في موسوعة البلاغة

الأستاذ الدكتور شفيع السيد
6/23/2017

نظرات في موسوعة البلاغة

بقلم الأستاذ الدكتور شفيع السيد

(أستاذ البلاغة العربية والنقد الأدبي والأدب المقارن

بكلية دار العلوم/جامعة القاهرة،

 وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة)

هي الموسوعة التي أصدرت جامعة أكسفورد طبعتها الأولى باللغة الإنجليزية في مطلع القرن الحالي، وبالتحديد في عام 2001م، وهي أضخم موسوعة عن البلاغة في العالم المعاصر. وقد اضطلع المركز القومي للترجمة والنشر بوزارة الثقافة بترجمتها إلى العربية، وإصدارها في العام الماضي 2016م في ثلاثة أجزاء كبيرة يشق على الإنسان حملها؛ إذ يناهز عدد صفحاتها خمس مئة وألفي صفحة، وهو عمل يُحمد للمركز والقائمين عليه، ويستوجب الثناءَ على الدكتور عماد عبد اللطيف الذي أشرف على الترجمة، وقام بمراجعة معظم مداخلها، كما يستوجب الدعاء بحسن المثوبة للراحل الكريم الدكتور مصطفى لبيب الذى شاركه عبء مراجعة الترجمة في عدد غير قليل من المداخل.

يستثير عنوان الموسوعة دلالة كلمة "البلاغة" في محيط الثقافة العربية، وهي فيما نرى تتراوح بين دلالتها على الصفة النفسية، أو الملكة التى يتمتع بها إنسان مّا فيتمكن بها من التعبير عما يريد التعبير عنه، في أى مقام من مقامات الكلام، تعبيرًا مؤثرًا أو مقنعًا أو محققًا لكليهما معًا؛ ودلالتها على العلم الذي يدرس تلك الوسائل والأدوات داخل النصوص اللغوية، والأدبية منها، في المقام الأول.

وإذا كنا نضيف أن البلاغة في التعبير لا تُكتسب بدراسة علوم البلاغة وحفظ قواعدها وأصولها، فإن محرر الموسوعة توماس سلوين Thomas O. Sloane قد فطن في مفتتح تقديمه لها إلى هذا المعنى، حين أشار إلى أن معلمي البلاغة في العصور الغابرة كانوا "يلحون على أن هوية البلاغة وطبيعتها يمكن تعلمها بأفضل شكل ممكن من خلال الممارسة، لا من خلال القراءة عنها"، ثم يقول: "ومع ذلك فإن نظريات البلاغة وإرشاداتها قصُرت عن بلوغ هدفها، وواصلت هذا التقصير على مدار خمسة وعشرين قرنًا من الزمان"، وعزز رأيه هذا بما قاله الشاعر الإنجليزي صمويل بتلر (ت 1680م) في عام 1663م من أن كل قواعد البلاغة لا تعلِّم شيئًا إلا أسماء الأدوات التى يستخدمونها (جـ1 ص 26).

ويُنبه المحرر إلى أنه جدير بالقراء ألا يتوقعوا أن يجدوا "بلاغة كاملة" بين دفتي الموسوعة، فالبلاغة – كما يقول – مخزن شائع للتكتيكات التواصلية: بعضها عتيق وبائد (مثل تعبير "مثلي غير متعود على مخاطبة الجمهور" الذى عرف في التراث البلاغى بأنه مجاز من مجازات الكلام)، وبعضها جديد للغاية بما يحول دون تشفيره (مثل مصطلح الأيقونات المعبرة عن المشاعر emotions في البريد الإلكتروني)، لكن معظمها مقيدٌ زمنيًّا استنادًا إلى الجمهور والمناسبة.

ولم يكن غريبًا لقدم البلاغة الضارب في عمق التاريخ، والتغيرات المفاجئة في الإبداعات – أو على حد تعبير المحرر – "الموضات الفكرية" أن تتعدد تعريفات البلاغة عبر القرون. ومما قيل في هذا الصدد أنها السفسطة، ملكة الفنون الليبرالية، الأقدم بين العلوم الإنسانية، الأسلوب، الخداع، التعليل الزائف، المنطق العملي، اللغة المشحونة بالانفعالات والنثر الأرجواني، ما يقوله أعدائي، الكلام بلا نهاية. وقد أُطلق عليها مؤخرًا اسم "التواصل الغرضي Purposive communication" وُوصِف هذا التعريف الأخير بأنه "تسمية حيادية بشكل مذهل" (جـ1 ص 27).

تمتد الفترة الزمنية التى تغطيها الموسوعة لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ويتوازى مع هذا الامتداد الزمني امتدادٌ آخر في المكان يشمل قارات العالم القديم والجديد، مع اختلاف في المساحات التى شغلها الحديث عن البلاغة في أقطار أوروبا والعالم الغربي عامة عن غيرها من الأقطار الأخرى، فقد جاء الحديث عند البلاغات العربية والصينية والهندية والسلافية والعبرية حديثًا مقتضيًا، في حين أفُردت مساحات شاسعة لبلاغتي اليونان واللاتين، بحيث يكاد الحديث عن هاتين البلاغتين يستغرق أكثر من ثلث صفحاتها، كذلك اختصت البلاغة الأوروبية في الألفية الثانية من الميلاد بمداخل مستقلة رُتِّبت بحسب الحقب التاريخية، فقد أفردت مداخل مستقلة لكل من البلاغة في العصور الوسطى، وعصر الإحياء، والقرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، والبلاغة الحديثة، والبلاغة فيما بعد الحداثة.

وقد عبر المحرر صراحة عن هذا التفاوت في المعالجة قائلاً: إن الموسوعة سوف تكون ملتصقة بالعوالم الأكاديمية في أوروبا وإنجلترا وشمال أمريكا، وعلل ذلك بأن "تلك الأماكن هي التى تلقَّت البلاغة فيها - لقرون - دراسة متخصصة، وهي، علاوة على ذلك، الأماكن التى اكتسب فيها الاهتمام البحثي بالموضوع قوة، وأصبح نشاطًا مؤسسيًّا دوليًّا على نحو كامل". ويؤكد قوله هذا بما يشهده البحث في البلاغة في أمريكا الشمالية في الوقت الحاضر من دعم قوى تمثل في خمس دوريات، وما يزيد على ألف من الطلاب الملتحقين ببرامج الدراسات العليا في البلاغة. ويستدرك المحرر في كلامه فيقول: "ومع هذا فإن الذى كتب المدخل الأساسي حول الأسلوب، وكل المداخل حول مجازات الكلام إنما هم متحدثون من غير أبنائها".

والواقع أن الاعتراف بمكانة هؤلاء المؤلفين لتلك المداخل من غير أبناء أمريكا الشمالية لا ينفي انحياز المحرر إلى العوالم الأكاديمية الغربية بعامة، وإغفاله للجهود البحثية الكثيرة التي لقيتها البلاغة خارج العالم الغربي ولم يعلم بها، أو لم تصل إليه أنباؤها، بل إن البلاغة العربية التى يسوغ لنا الحديث عنها في هذا المقام قد حظيت بعناية علماء العربية في اللغة والنحو والتفسير وعلم الكلام منذ أوائل القرن الثالث الهجري؛ لارتباطها أساسًا بالإعجاز البياني للقرآن الكريم معجزة الإسلام الخالدة، ولارتباطها أيضًا بالجيد من الكلام العربي شعرًا ونثرًا، ولا يزال هذا الاهتمام ممتدًّا إلى ما يزيد على ألف عام؛ ولهذا كان عماد عبد اللطيف على صواب فيما لاحظه من افتقاد عبارة المحرِّر إلى الدقة إلى حد كبير، مشيراً إلى أن العدد الكبير من المؤلفات عن البلاغة العربية على مدار أكثر من ألف ومئتي عام كفيل بنقد الحجة التى أوردها، وحسبي تعضيدًا لهذا الرأي أن أشير إلى ما اشتمل عليه معجم البلاغة العربية للدكتور بدوى طبانة الذي صدرت طبعته الأولى عام 1975م في جزئين ناهزت صفحاتهما الألف صفحة، وبلغ عدد مداخله ستة وعشرين وتسع مئة مدخلا تحدث فيها عن فنون البلاغة العربية ومصطلحاتها، كما أشير أيضا إلى ماجاء في "معجم المصطلحات البلاغية وتطورها" للدكتور أحمد مطلوب الذى صدر عن المجمع العلمي العراقي عام 1981م في ثلاثة أجزاء قاربت صفحاتها أربع مئة وألفا، واحتوى على ما يزيد على ألف وثمانين مصطلحًا بلاغيًّا.

فريق العمل في الموسوعة:

أسهم في كتابة الموسوعة نخبة من أبرز دارسي البلاغة في العالم المعاصر وأشهرهم قاطبة، وإن كانت الهيمنة للباحثين من أمريكا وأوروبا الغربية كما ذكرنا من قبل، في حين جاء اختيار بعض آخر أقرب إلى التمثيل الرمزي، كما يقول عماد عبد اللطيف، وعلى أية حال فقد حرص هؤلاء المؤلفون على إتاحة معلومات دقيقة وشاملة حول المداخل التى قاموا بتأليفها، وفي إطار ذلك ذيَّلوا كل مدخل بقائمة من المصادر والمراجع تتضمن تعليقات إرشادية موجزة لمحتوى كل منها وأهميته.

وقد بلغ عدد هؤلاء الذين قاموا بكتابة مداخل الموسوعة مائة وعشرين مؤلِّفًا، ينتمي أكثر من ثلاثة أرباعهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. في حين ينتمي بقية المؤلفين الذين كتبوا ما يقرب من نصف المداخل إلى أقطار أخرى، هي النمسا، وبلجيكا، وكندا، وجمهورية التشيك، وألمانيا، وهونج كونج، والهند، وهولندا، وأفريقيا الجنوبية، وإسبانيا، وسويسرا، والإمارات العربية، والمملكة المتحدة. والأقسام العلمية التى ينتسبون إليها هي أقسام التواصل في المرتبة الأولى، واللغة الإنجليزية في المرتبة الثانية. ثم تأتي أقسام الدراسات الكلاسيكية في المرتبة الثالثة، والبلاغة في المرتبة الرابعة، والفلسفة في المرتبة الخامسة. وإلى جانب ذلك هناك أقسام وتخصصات أخرى تشمل اللغة الفرنسية، واللغة الألمانية، والقانون، والأدب المقارن، والموسيقى، وفقه اللغة، والإلهيات، وعلم الاجتماع.

الشمول والامتداد في موضوعات البلاغة:

قامت خطة العمل في الموسوعة على أن تكون البلاغة بتقاليدها المشتركة بين الثقافات هي المحور الذى تدور حوله مداخلها، فمثلاً الأنماط الثلاثة للدليل، والجوانب الخمسة للبلاغة أو الفنون، والقوانين canons، والغايات التقليدية للبيان والإقناع هي البنية الأساسية لمشروعها، وهي في الوقت ذاته الأسس الأصيلة للبلاغة، غير أن معظم هذه الأمور – كما يقول المحرر – تتحرك في اتجاهات لم يتوقعها الأسلاف، كما هو الحال مثلا مع البيان والإقناع، فقد أصبح البيان مرتبطًا بجمال التلفظ، وهو موضوع قد يبدو للقراء المعاصرين متجاوزًا حدوده الكلاسيكية، وفي المقابل سرعان ما تجاوز حدوده، وارتمى في أحضان علماء الاجتماع المحدثين المتشوقين له. بل إنى أضيف أن البلاغة في العصر الحديث امتدت فيما جاء في الموسوعة إلى مجالات لم تكن لتخطر على بال أحد ممن تخصصوا في دراستها، وحسبنا أن صار للمثليّين مكان فيها، فاختصوا بمدخل من مداخلها تحت عنوان "بلاغة المثليين" (جـ3 ص 395).

خطة العمل في الموسوعة:

تمثلت المحاور الأساسية للموسوعة فيما أسمته "المقولات المفاهيمية العامة"، وهي ستة:

الأول: عناصر البلاغة.

الثاني: الخطاطة (هكذا!).

الثالث: المبادئ العامة.

الرابع: موضوعات وثيقة الصلة.

الخامس: الاستراتيجيات والمبادئ.

 السادس: تاريخ البلاغة.

المقولة الأولى: عناصر البلاغة:

جاء الحديث فيها عن أنماط الدليل، وعن "الإيتوس، والباتوس، واللوجوس"، وهي أسماء يونانية لأنواع من القول أو الحجج في الخطابة عند أرسطو التى سبق أن صنفها إلى خطابة استدلالية أو احتفائية، وقضائية، واستشارية. وتضم عناصر البلاغة أيضًا الجمهور، وقد قدمت الموسوعة مناقشة موسعة له بوصفه عنصرًا مؤسسًا وفاعلاً في الممارسة البلاغية، كما جاء فيها مقال عام عن نوعين من الجماهير: الجماهير الغفيرة، والجماهير الافتراضية.

المقولة الثانية: الخطاطة:

 وتعني النظر إلى عملية الإبداع البلاغي أو الفعل البلاغي بوصفه مؤلفًا من خمس ظواهر قد تسمى بالفنون أو المبادئ أو الأركان، وهي: الابتكار، الترتيب، الأسلوب، الحافظة (الذاكرة)، الإلقاء. والسؤال هل تشكل هذه الظواهر الخمس خطوات متتابعة لا بد من السير وفقاً لها، أو أنها بالأحرى خصائص حقل من النشاط لا يمكن التمييز بينها افتراضيًّا؟

المقولة الثالثة: المبادئ العامة:

وتشتمل على أمرين: أولهما: الغايات، والثاني: أنواع البلاغة. والمراد بالغايات غايات البلاغة، وهي تقسم عادة إلى مقولتين كبيرتين بغض النظر عما إذا كانت تنبع من البلاغي (المؤلِّف)، أو من الفعل البلاغي عمومًا. المقولة الثانية البيان أو اللياقة وتضم الأسلوب السامي أو الرفيع.

وفيما يتصل بأنواع البلاغة فقد قسمت إلى بلاغة تقليدية تندرج تحتها أنواع ثلاثة يرتبط كل منها باعتبارات الجمهور والمناسبة، ولكل منها غرض ضمني؛ وأنواع غير تقليدية، وهي أنواع من الممارسة البلاغية تعد سمات للثقافات والأحوال المجتمعية، ويمكن أن تكون مغايرة على نحو كبير للتشكلات الكلاسيكية، وتضم: الحملات الانتخابية، البلاغة الرسائلية، بلاغة العرض والإيضاح والصحافة، الأنواع الأدبية المهجنة النصوص المدمجة، الحركات الاجتماعية، الاتصال التقني.

المقولة الرابعة: موضوعات وثيقة الصلة:

وهي موضوعات كثيرة مرتبطة بالبلاغة، وعناصرها وغاياتها، ومخططاتها، وأنواعها: ومنها الفن، والبلاغة الأفرو أمريكية، والاحتيال الشرعي على القوانين، والتواصل، وأخيرًا البلاغة المقارنة وتشمل الموضوعات الفرعية الآتية: 1- البلاغة العربية 2- البلاغة الصينية 3- البلاغة العبرية 4- البلاغة الهندية 5- البلاغة السلافية، وموضوعات أخرى كثيرة يمكن الرجوع إليها في الجزء الثالث (ص 856 – 857).

المقولة الخامسة: الاستراتيجيات والمبادئ:

ويتضمن هذا القسم مجموعة من التكتيكات التى ارتبطت بالبلاغة على مر العصور، ومنها الغموض، اللون، كتب التصنيفات والأقوال المأثورة، الخطبة الإقناعية والجدلية، الأسلوب المتنوع، المحسنات البلاغية. ويناقش هذا المدخل، مثله مثل مدخل الأسلوب، المحسنات البلاغية الكبرى (المجازات والمخططات) التى كانت موضوعًا للدراسة في البلاغة والنحو. ومن بين هذه المحسنات الموضوعات المركزية الآتية، ويبلغ عددها ستة وأربعين موضوعًا، نذكر من بينها: الكتابة - الإطناب - تماثل النهاية والبداية - التكرار المغايرة - التعسف المجازي - الاستطراد - إيجاز الحذف - اللف والنشر - المجاز المرسل - المفارقة - الجناس - التشخيص - الزيادة الصوتية - التشبيه - تكرار البدء والنهاية - العبارة الجامعة - الاستعارة - الترصيع.

المقولة السادسة، وهي الأخيرة: تاريخ البلاغة:

وقد اشتمل على عدد من الموضوعات الرئيسة تتوالى تاريخيًّا، وتبدأ بالبلاغة في العصر الكلاسيكي، وهو أطول مداخل الموسوعة، ويندرج تحته عدة موضوعات فرعية، ثم يعقبه مدخل البلاغة في العصر الوسيط، والبلاغة في لغة عصر الإحياء وآدابه، والبلاغة في عصر الإصلاح والإصلاح المضاد، والبلاغة في القرن الثامن عشر، والبلاغة في القرن التاسع عشر، وبلاغة الحداثة، وبلاغة ما بعد الحداثة. (انظر جـ3 ص 860).

وتجدر الإشارة إلى شيء من التكرار الجزئى أو الكلى في عناوين بعض المداخل، على نحو ما نرى مثلاً في مدخل "التكرار"؛ فقد جاء في الجزء الأول بهذا الاسم (جـ2 ص 774)، وجاء بعد ذلك في الجزء نفسه باسم "التكرار التأكيدي" (ص 787)، ونراه بعد ذلك في الجزء الثالث بعنوان "التكرار البلاغي المتعاقب" (ص 760). ومثل ذلك نراه في مدخل "الإطناب" أو "الإسهاب"؛ فقد جاء عنوان المدخل في الجزء الأول باسم "الاستفاضة أو الإسهاب" (جـ1 ص 110)، وباسم "الإسهاب الإطنابي" (ص 268)، وجاء مدخلان له في الجزء الثالث أولهما في (ص 139) باسم "الإطناب (الإسهاب والحشو)" ، وفي المدخل الثاني باسم (الحشو / الإطناب) (ص 251).

ومما يتصل بذلك – وقد أشار إليه المحرر - وقوع كثير من التداخل بين المداخل، حتى ليمكن القول بأن كل مدخل تقريبًا يضيف جزءا إلى كلٍّ مُعَقَّد، وبذلك تتكامل المداخل بعضها مع بعض، وهكذا سوف يجد القارئ مثلا أن المدخل الذى يتناول البيان يقدم مناقشة للابتكار invention، فإذا نظرنا في المدخل الذى يتناول هذا الأخير سوف نجد تاريخًا موجزًا للغاية للبلاغة الكلاسيكية، حيث يبدو كل شيء منتميًا إليها أو مبتدئًا منها. أما المدخل الذي يتناول الإقناع - وهو الغاية التقليدية الأخرى للبلاغة - فهو يقود إلى مشاعر الجمهور، ومصداقية البلاغي، و "خصائص الرسالة" على الأقل نحو جزء من طريق العودة إلى الصيغ التقليدية للدليل، على الرغم من أنه مصحوب بظلال واهنة من البريق الحداثي للإقناع  (انظر جـ1 ص 30).

ومن هذا القبيل نجد أن مجازات الكلام التى تعد في نظر كثير من الدارسين من صميم الدرس البلاغي قد عولجت في مدخل طويل بهذا الاسم، ثم عولجت مرة ثانية في مدخل عن الأسلوب، ومرة ثالثة في مدخل عن الشعر، ثم منحت معالجة مستقلة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد تناثرت الإحالات لأشكال المجاز سواء بشكل فردى أم جماعي في صفحات الكتاب مشيرة إلى أهميتها على وجه اليقين، لكن أيضاً مشيرة إلى الطبيعة المتشابكة لأجزاء البلاغة. وباختصار فإن كل مدخل يمكن أن يحيل إلى أى مدخل آخر، بما فيها المدخل الأكثر حداثة.

وإذا كانت هناك بعض المقالات التى تعالج موضوعات تعد بائدة فإنه توجد موضوعات أخرى تنقل البلاغة بجلاء إلى ألفيتها الرابعة، ويتجلي فيها أن البلاغة سوف تستمر مفيدة في التحليل بقدر ما هي مفيدة في التكوين genesis أعنى مفيدة في تأويل الخطاب والظواهر بقدر إفادتها في إنشائها composition كذلك.

ومن خصائص الموسوعة أنها حرصت على تجريد البلاغة، بأقصى ما يمكن، من الارتباط بأشخاص بأعيانهم، أو بتخصص ما، وأيضاً من الارتباط بهذه أو تلك من النظريات أو الأزمنة أو الأماكن أو الثقافات، وإلى مواصلة البحث عن مبادئها.

مدخل "البلاغة العربية" في الموسوعة:

شغل هذا المدخل عشر صفحات بالإضافة إلى صفحتين لقائمة المصادر والمراجع. في مستهل الحديث ربط المؤلف مصطلح (بلاغة) بكلمات البلاغة، والبيان، والفصاحة، بما يعني اتفاقها بعامة في دلالتها المعجمية. ثم توقف عند الجذر اللغوى لكلمة بلاغة، وأشار إلى أنه يعني بلوغ الغاية والتأثير، وهو ما أشار إليه البلاغيون العرب من أمثال أبي هلال العسكري في كتابه "الصناعتين".

وتختلف البلاغة العربية في هذا عن البلاغة في الغرب، فنشأة هذا المصطلح هناك كما يقول صاحب المدخل "يرتبط بالمعاني السياسية للمناظرة والحوار". أمر آخر نوه إليه المدخل، وهو ارتباط تطور دلالة المصطلح في العربية "على نحو وثيق بالإسلام بوصفه ديانة وثقافة في سياق عربي على وجه الخصوص" (جـ1 ص 130).

تحدث المدخل عن دور الجاحظ في نشأة البلاغة والبيان، لكن حديثه كان مبتسرًا وبعيدًا عن السياق كما يعرفه المتخصصون في الدراسات البلاغية؛ إذ تحدث عن رأي فريق من المعتزلة القائلين بالصَّرفة، بمعني "أن لغة القرآن يمكن محاكاتها من قبل البشر، لكن الله صرفهم عن ذلك، في حين حاجج معتزلة آخرون بأن القرآن لا يمكن محاكاته بشكل مطلق. ولإحداث توازن بين هذه المواقف - كما يقول مؤلف المدخل - احتج بأنه إذا تعارض النص الظاهر مع العقل يكون دور التأويل هو تجاوز هذا التعارض لصالح الدليل العقلي، وذلك على نحو ما يؤكد الشريف المرتضي (ت 436هـ). ويضيف قائلاً: "وقد أصبحت هذه الموضوعات القوام الأصيل للنظرية العربية حول البلاغة والثقافة"، وهو كلام لا نستطيع أن نتبين مدى صوابه في مسار الدراسات البلاغية.

وفي سياق الحديث عن دور الجاحظ في نشأة علم البلاغة يقول: لكن الانشغال الدقيق بشروح القرآن لم يتطلب تأويلاً للأسلوب المجازى فحسب، بل تطلب أيضًا اهتمامًا بصناعة الكتاب لمقاومة التحريف، وإنعاش التراث، والحيلولة دون النسيان، والحفاظ على الهوية، وضمان الانتشار، ويذكر أن الجاحظ لخص هذا التحول إلى عملية الكتابة من خلال مدح الكتاب، لكونه متاحاً "بأن يكون مقروءًا في كل مكان، ومستذكَرًا دائمًا" مادام "قليل الثمن ويسهل الحصول عليه". وهذا الكلام مضطرب في جملته، وغريب في دلالته عما جاء في كلام الجاحظ، وإن شئت قلت: يُدخل في كلام الجاحظ ما ليس منه.

وجلية الأمر أن الجاحظ كان يتحدث في هذا السياق عن معني كلمة "البيان"، وأنه اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى حتى يفضي السامعُ إلى حقيقته، وأردف أن أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد (ضرب من الحساب يكون بأصابع اليدين)، ثم الخط، ثم الحال التى تسمى نصبة، وراح يشرح كل هذه الأنواع من البيان، وعند كلامه على الخط نوَّه بما جاء في القرآن الكريم من فضيلة الخط، والإنعام بمنافع الكتاب، كما في قوله تعالى: "اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم"، ومضي يبين ما للسان والقلم من مزايا، وأفضلية القلم في بيانه على اللسان. وهنا تأتي العبارة التى أوردناها من قبل، وهي مُحرَّفة على الرغم من وضعها بين علامتي تنصيص، بما يوحي بأنها منقولة بنصها، في حين أن نصها الصحيح هو: "والكتاب يُقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوزه إلى غيره"، وهذا النص يتسق مع ما سبقه من كلام الجاحظ الذى أشرنا إليه.

وتحت عنوان "التراث" بدأ المؤلف كلامه بحكم عام تضمنه قوله: "لقد ترك التقسيم الثنائي بين القدماء والمحدثين، أو الأدبي والعلمي بصمته على البلاغة العربية وتوجهاتها" (جـ1 ص 132). وإذا قبلنا تأثير التقسيم الثنائي بين القدماء والمحدثين على البلاغة العربية فإنا لا نرى وجها لأن تكون ثنائية الأدبي والعلمي هي الخيار البديل لكليهما، فيكون الأدبي مساويًا للقدماء، والعلمي مساويًا للمحدثين.

وفي تركيز شديد عن بيان مدى الاهتمام الكبير من جانب البلاغيين القدماء بالصياغة أو الأسلوب أورد عبارة الجاحظ الشهيرة: "والمعاني مطروحة في الطريق". ثم يقول: وعلى هذا الدرب سار أبو عبيدة (ت 209هـ - 824/825م) في كتابه "مجاز القرآن" الذى اتسع معنى المجاز عنده ليشمل كل انحراف عن المعيار، وتبعه ابن قتيبة (ت 276هـ - 889م) في كتابه "تأويل مشكل القرآن" الذى يربط قضية المجاز باللغة العربية، ويورد منه أنواعًا متعددة.

وفي هذا السياق أيضًا يعرج على إسهام ابن جني (ت 392هـ / 1002م) بمصطلح العدول الذى يعني الانحراف عن الحقيقي أو الحرفي، وهي مسألة استكملها – كما يقول مؤلف المدخل – الزمخشري (ت 538هـ / 1144م) لاحقًا في كتابه "الكشاف"، ويلمح في إشارة عابرة إلى معنى المجاز عند عبد القاهر (ت 471هـ / 1078م).

وفي عبارة غامضة أو غير مفهومة ذكر أنه حاجج إسحاق بن وهب (ت 335هـ / 946/947م) ضد مواجهة فائض من الكلمات في كتابه "البرهان في وجوه البيان" بأن العرب لجأوا إلى المجاز، ويذكر أنها فكرة تبناها ابن رشيق القيرواني (ت 456هـ / 1063م) أيضًا في كتابه "العمدة". وهكذا يمضي المدخل بأسلوب اللقطات الجزئية السريعة المتقطعة التى يكاد يتعذر على الدارس المتخصص متابعتها.

في هذا النطاق أيضًا نقرأ ما ساقه كاتب المدخل عن رأي الفارابي في التعبير بالمجاز؛ إذ يقول: "وفي القلب من مناقشات البلاغة دفع هذا الثراء المجازي المدهش الفيلسوف العربي الفارابي (ت 389هـ) للمحاجة بشأن المسألة مستخدمًا مفردات اجتماعية بنيوية"، ووثق هذه الفكرة بإيراد اقتباس بعد كلمة "بنيوية"، وضَعَه بين علامتي تنصيص هكذا: "إذا استقرت الألفاظ على المعاني التى جعلت علامات لها ... صار الناس بعد ذلك إلى النسخ والتجوز في العبارة بالألفاظ، فعبّر بالمعنى بغير اسمه الذى جُعل له أولاً " (جـ1 ص 133).

وأهم ما نلحظه فيما تقدم أن الفارابي وإن كان من فلاسفة المسلمين الأوائل الذين تأثروا بآراء فلاسفه الإغريق القدماء، وفي المقدمة منهم أرسطو، لا يجعل ذلك حديثه عن المجاز على النحو الذى رأينا "في القلب من مناقشة البلاغة"، كما ذكر مؤلف المدخل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مترجم المدخل (عماد عبد اللطيف) ذكر في تعليقه الذى أورده في هامش الصفحة (133) أن النص الوارد في الأصل الإنجليزي غير واضح في ترجمته (يعني من العربية إلى الإنجليزية، وأنه لهذا نقله عن حمادي صمود (194 ص 405)).

ومن الأفكار المتداولة في البلاغة العربية ظهور اتجاهين فيها منذ عصر الجاحظ وإلى عصر المتأخرين في القرن الثامن الهجري. وهذا ما تنبه إليه المؤلف، وعرضه بقوله: إن آراء الجاحظ أصبحت من المعرفة المشتركة بين التوجهين المتناميين في البلاغة والبيان: هذان التوجهان هما التوجه الأدبي الخالص، والآخر التوجه المدرسي أو (الاسكولائي)، والمراد به اتجاه التقعيد والتقنين. ويَرى أنه في بعض الأحيان كان لعبد القاهر الجرجاني إسهام في كلا التوجهين. ثم يحدد أسماء العلماء الذين يمثلونهما، وممن ذكرهم ضمن التوجه الأول: الشاعر والناقد ابن المعتز (ت 296هـ / 908م)، وأبو هلال العسكري (ت 400هـ / حوالي 1010م)، وابن رشيق (ت 456هـ/ 1063م)، وعبد القاهر الجرجاني في كتابه "أسرار البلاغة"، وأسامة بن منقذ (ت 584هـ)، وابن الأثير (ت 638ه / 1239م).

أما الاتجاه الثاني فيشمل: قدامة بن جعفر (ت 337هـ / 968م)، وابن وهب، وعبد القاهر في كتابه الآخر "دلائل الإعجاز"، والخطابي (ت 388هـ / 988م)، والباقلاني (ت 403هـ / 1013م)، والرماني (ت 386هـ / 996م)، والشريف الرضي (ت 406هـ / 1016م)، والرازي (ت 606هـ / 1209م)، والسكاكي (ت 626هـ / 1228م)، والقزويني (ت 739هـ / 1338م)، والتفتازاني (ت 792ه / 1389م)، إضافة إلى عدد كبير من العلماء وفقهاء اللغة.

وتكمن أهمية كتاب ابن المعتز – كما يُفهم من كلام المؤلِّف – في توقيت ظهوره، وفي تنظيمه وصياغته للمبدأ البلاغي، ومكانته بعيدًا عن النطاق الواسع متعدد الاختصاصات الذى قدمه الجاحظ، فكان للبيان في هذا الكتاب الأفضلية على المباحث الأخرى المتعددة في كتاب الجاحظ، وكان ظهوره في الوقت الذى احتدم فيه الخلاف حول شعر المحدثين، وبخاصة أبو تمام (ت 231ه / 845م)؛ فعلى حين أَنكر بعض النقاد تجديدات أبى تمام التى وصفت بـ "البديع"، احتج آخرون بأن البديع الموجود في شعره سبق في شعر الشعراء المتقدمين بدءًا من العصر الجاهلي، بل ورد في القرآن الكريم، ومنذ ذلك الوقت راح النقاد يكتبون بحوثًا شكّلت مبادئ البلاغة والنقد الأدبي، وأسست توجهًا نحو الوساطة والموازنة، وفي هذه الكتابات التى قدمها عدد من العلماء من بينهم: القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت 392هـ / 1001م) في كتابه "الوساطة بين المتبني وخصومه"، وابن طباطبا (ت 322ه / 934م) في "عيار الشعر"، والآمدي (ت 370هـ / 981م) في "الموازنة بين الطائيين"، والحاتمي (ت 388ه / 998م) في "الرسالة الحاتمية". وكان وصف المؤلف لجهود هؤلاء العلماء بأنه في هذه الكتابات "استخدمت الأدوات البلاغية بكثافة لتحقيق الإغراب والتعجب".

ومن الصعب على القارئ إدراك ما يرمي إليه هذا الوصف. بيد أن ما قاله بعد ذلك عن وضع "البديع" – بمعني الأساليب التى أدرجها البلاغيون تحت هذا الاسم – صحيحٌ؛ فقد ذكر أنه لم يصبح زخرفة بلاغية بشكل منظم في علم البلاغة أو البيان (اسم كان يستخدم مرادفًا للبلاغة) حتى ظهور كتاب "تلخيص المفتاح" للقزويني الذى قدم فيه تلخيصًا منظمًا لكتاب "مفتاح العلوم" للسكاكي، وجعل فيه البديع ثالثًا لمكوِّنين آخرين من مكونات علم البلاغة، هما علم المعاني (التصورات والتراكيب والمعاني)، وعلم البيان (أنماط التمثيل والتعبيرات البيانية).

ولكن توصيف المؤلف لما احتواه كتاب "أسرار البلاغة" لعبد القاهر يلفه كثير من الغموض، ولا يسلم من ذلك إلا ما أورده من وصف المستشرق الألماني هلموت ريتر (ت 1971م) الذى حقق الكتاب من أن الجرجاني أنجز "نقدا جماليًّا مبرَّرًا بحِجاجٍ سيكولوجي".

والحق أن اعتماد مؤلف المدخل على ما كتبه بعض المستشرقين عن التراث البلاغي عند العرب من أمثال هاينرش Heinrichs وبنبكر Bonebakker كان له أثره فيما اكتنف عباراته من غموض أحيانًا، قد يكون مصدره أن العبارة الإنجليزية انطوت على معنى لم يستطع المترجم أن يسبر غوره، أو أن ذلك المعنى هو ما فهمه المستشرق تبعًا لقدرته في تلقي النص العربي، ومن ذلك مثلا ما تحدث به المؤلف عن الإسهامات الدالة التى قدمها أسلاف الجرجاني من أمثال الرماني، والباقلاني والخطّابي، وأن هذا الأخير كان الأقرب إلى عبد القاهر – وطبقًا لتعبيره – "هو الذى يفكر في النظم بوصفه وضعًا للألفاظ في مواضعها"، في حين أن الجرجاني يعتقد أن الترابط الداخلي هو بعد دِلالي، فالألفاظ تأخذ طبيعة محددة بوصفها خادمًا وتابعًا للمعني".

ويتابع المؤلف وصفه لجهد بلاغي آخر هو ابن سنان الخفاجي (ت 466هـ / 1073) الذى عاصر عبد القاهر، ناعتًا إياه بأنه حدّد البيان بوصفه مستوى "نعت للألفاظ وتصوير لها"، في حين أن "البلاغة هي نعت للألفاظ والمعاني"، وهو كلام غريب بل مخالف للحقيقة، فكتاب "سر الفصاحة" وإن اقتصر عنوانه على "الفصاحة" يقدّم في الواقع دراسة شاملة لما جاء تحت مفهومي "الفصاحة" و"البلاغة" معًا لدى من جاءوا بعده من المتأخرين الذين سادت كتبهم في محيط الدرس البلاغي، وبخاصة كتاب "الإيضاح" للخطيب القزويني. بل إن رؤية ابن سنان في كتابه ذاك تجاوزت ذلك إلى الحديث عما جاء من أوصاف مستحسنة، وأوصاف مرفوضة في فنون الشعر المختلفة، وفي مقام دون آخر من مقامات الكلام.

ومع أن المترجم علق في الهامش بأن هناك لبسًا بين الفصاحة والبيان عند كاتب المقال، فإن هذا التعليق لا يُصحّح الخطأ، أو القصور الشديد في التعبير عن رؤية ابن سنان العلمية، وحقيقة عطائه للبلاغة العربية.

البلاغة العربية في القرن العشرين:

يتكون هذا الجزء الأخير من المدخل من فقرتين تحدث المؤلف في أولاهما عن انصراف أدباء وعلماء وفلاسفة من أمثال طه حسين، وأمين الخولي، وشكرى عياد، وعبد الرحمن بدوي إلى تتبع التأثيرات اليونانية في البلاغة العربية، في حين تجاهلوا أثر التراث الهندي والفارسي، ودفعه ذلك إلى الإشارة إلى ما أثير قديمًا حول تأثر البلاغة العربية بآراء أرسطو في كتابيه "الشعر" و"الخطابة"، وما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن الحضور اليوناني في البلاغة العربية – باستثناء كتاب "نقد الشعر" لقدامة بن جعفر – أضعف من أن يبرز النقاش حوله؛ نظرًا لأن أفكار أرسطو ظلت غريبة على مسلمي العصر الوسيط. وفي الوقت نفسه يشير الكاتب إلى أن ناقدًا مثل الحاتمي - على سبيل المثال – أغراه الكتابان السابقان لأرسطو باتجاه عقد المقارنات، وتتبع المؤثرات في شعر المتبني على نحو ما يبدو في رسالته التى أشرنا إليها. إلا أن المستشرق هاينريش يكاد ينفي في دراسة صدرت له في عام 1998 هذا التأثير، قائلاً: إن أعمال أرسطو ظلت محصورة في نطاق الفلاسفة لفترة طويلة، في حين لم يُولِها مُنظّرو الأدب أى اهتمام.

أما الفقرة الثانية عن البلاغة العربية في القرن العشرين والأخيرة في هذا المدخل بأسره فترصد اهتمام الكتب المدرسية بأنماط التصنيف البلاغي التى سبق إليها السكاكي، وتبعه فيها الخطيب القزويني، وساق المؤلف في هذا الصدد مقولة غريبة ذكر فيها أنه بمعية كتاب الكشاف للزمخشري استمرت هذه المؤلفات في إمداد الكتب المدرسية الرائجة بالمنهج والنسق والأمثلة، واستشهد لذلك بكتاب "البلاغة الواضحة" لعلي الجارم وزميله أحمد أمين (الصحيح أنه مصطفى أمين وليس أحمد أمين).

ويذهب المؤلف أخيرًا إلى أنه بغض النظر عن الجهود التى بذلها العلماء العرب في بواكير القرن العشرين لعقد صلات مع البلاغة اليونانية، فإن البلاغة العربية صنعت إنجازها من خلال اللجوء المتصل إلي التراث، ونشر بعض مخطوطاته، وإعادة تحرير بعضها الآخر، وتلك – في رأيه – مفارقة ساخرة. ويدعم رأيه هذا بما قام به العلماء من دراسات بلاغية مكثفة في توجهات البلاغة المدرسية والأدبية واللغوية، ربما بدافع تحدي الحداثة، أو مواجهة حالة التلاعب التى تمارسها الخطابة، وكما لو كانت تتحدى الاندماج في التواصل الجماهيري، والجدل السياسي أو الطبقي بشأن الضرورة والملاءة (هكذا!). أما ما جاء بعد ذلك من قوله : "وما بين الخطابة المكرسة لوسائل الإعلام، والبلاغة المكرسة للجماعات الثقافية الراسخة تستعيد الكثير من الحجج التليدة صلاحيتها وملاءمتها" فلا يسلم في رأيي من شية الغموض التى نوهنا بها من قبل. ولست أدري أيرجع ذلك إلى فهم كاتب المدخل في البلاغة العربية في هذه الفترة أم إلى التعبير الذي في الأصل الإنجليزي مكتنزًا، ويتطلب مزيدا من البيان والإيضاح بالعربية.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة