المركزية الأوروبية وتمثّلاتها: مأزق العلوم الاجتماعية

عبدالرحمن عادل وأيمن الحُسيني
6/4/2017

المركزية الأوروبية وتمثّلاتها: مأزق العلوم الاجتماعية*

إيمانويل والرستين Immanuel Wallerstein **

ترجمة: عبدالرحمن عادل وأيمن الحُسيني

 

ظلت العلوم الاجتماعية أوروبيّة المركز طوال تاريخها المؤسسي، أي منذ وُجدَت أقسام تُدرس العلوم الاجتماعية ضمن أنظمة جامعية[1]، وهو ما لا يبدو مفاجئًا بأي حال. تُعتبر العلوم الاجتماعية بمثابة نتاج للمنظومات العالمية الحديثة[2]، كما أن المركزية الأوروبية مُؤسِسة للثقافة الجغرافية الخاصة بالعالم الحديث. علاوة على ذلك، وبوصفها بنية مؤسسية، أُنْتِجَت العلوم الاجتماعية بشكلٍ واسع داخل أوروبا. سوف نستخدم أوروبا هنا كتعبير ثقافي أكثر من كونها تعبيرًا خرائطيًا؛ وبهذا المعنى فنحن نُشير في المقام الأول إلى أوروبا الغربية وأميركا الشمالية مُجتمعتين عند تناولنا القرنين الماضيين بالنقاش. في الواقع، كانت تخصصات العلوم الاجتماعية تتركز إلى حدٍ بعيد، على الأقل حتى عام 1945، في خمس دول فقط وهي فرنسا وبريطانيا العظمى وألمانيا بالإضافة إلى إيطاليا والولايات المتحدة. وإلى يومنا هذا، وعلى الرغم من الانتشار العالمي للعلوم الاجتماعية كممارسة، إلا أن الغالبية العظمى من علماء الاجتماع حول العالم لايزالون أوروبيين. نشأت العلوم الاجتماعية كرد فعلٍ على المشاكل الأوروبية في لحظة ما من التاريخ كانت فيها أوروبا مهيمنة على المنظومات العالمية بأسرها. وقد كان من الحتمي عمليًا أن يأتي اختيارها للموضوع وتنظيرها ومنهجيتها ونظامها المعرفي عاكسًا للقيود التي ولدت من رحمها.    

 

مع ذلك، وفي الفترة منذ عام 1945، لعب إنهاء الاستعمار في آسيا وأفريقيا، بالإضافة إلى الوعي السياسي المُتقد في كافة أرجاء العالم غير الأوروبي، دورًا في التأثير على عالم المعرفة بنفس القدر الذي أثر به على سياسات المنظومات العالمية. أحد أهم الاختلافات هنا، اليوم بل ومنذ حوالي ثلاثين عامًا على الأقل، هي أن "المركزية الأوروبية" للعلوم الاجتماعية قد تعرضت للهجوم بشكلٍ قاسٍ. ويبدو هذا الهجوم مبررًا بصورة أساسية، وليس ثمة مجالًا للشك في أن تقدم العلوم الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين مرهون بتغلبها على تراثٍ أوروبيّ المركز شوّه تحليلاتها وقدرتها على التعامل مع مشكلات العالم المعاصر. ومع ذلك، لو أردنا المُضي في هذا الطريق، علينا أن نُلقي نظرة فاحصة على ما يُشكل تلك المركزية الأوروبية، لأنها - كما سنرى - وحشٌ متعدد الرؤوس وذو تمثلات كثيرة، ولن يكون سهلًا قطع رأس ذلك الوحش سريعًا. وفي الواقع، إذا لم نكن حذرين، فإننا تحت ستار محاولة محاربته قد ننتقد المركزية الأوروبية باستخدام منطقها وفرضياتها وبالتالي نعزز قبضتها على مجتمع العلماء.

 

أولا: الاتهامات

ثمة خمسة أوجه مختلفة على الأقل يمكن من خلالها القول بأن العلوم الاجتماعية أوروبيّة المركز. ولا تشكل هذه الأوجه مجموعة تصنيفات منطقية لأنها تتداخل بطرق غير واضحة. ومع ذلك، قد يكون من المفيد استعراض الادعاءات المختلفة الخاصة بكلٍ من النقاط التالية، إذ يجادل البعض بأن العلوم الاجتماعية تكشف عن مركزيتها الأوروبية من خلال 1) تأريخها 2) كونيّتها المحدودة 3) افتراضاتها عن الحضارة "الغربية" 4) الاستشراق 5) محاولاتها لفرض نظرية التقدم.

 

1- التأريخ  

 

يُرجع هذا العامل الهيمنة الأوروبية على العالم الحديث إلى إنجازاتها التاريخية المحددة. قد يكون التأريخ جوهريًا بالنسبة للتفسيرات الأخرى، إلا أنه يُعتبر أيضًا أكثر العوامل الساذجة وضوحًا، كما أن شرعيته يُمكن أن تُساءل بسهولة بالغة. تربّع الأوروبيون بلا شكٍ على قمة العالم على مدار القرنين الماضيين، وإجمالًا حكموا أقوى الدول عسكريًا وأكثرها ثراءًا. كما تمتع الأوروبيون بالتكنولوجيا الأكثر تقدمًا وكانوا المبتكرين الرئيسيين لها. يبدو أن هذه الحقائق غير قابلة للجدال إلى حدٍ بعيد، ومن الصعب حقًا الاعتراض عليها بشكلٍ معقول. والسؤال هو ما الذي يُفسر هذا التباين في القوة ومستوى المعيشة بالمقارنة مع بقية العالم. أحد الإجابات هي أن الأوروبيين قد فعلوا شيئًا جديرًا بالتقدير ومختلف عما فعلته بقية الشعوب في أجزاء أخرى من العالم، وهذا هو ما يعنيه الباحثون عندما يتحدثون عن "المعجزة الأوروبية".[3] فالأوروبيون هم من أشعلوا فتيل الثورة الصناعية أو حافظوا على النمو، أو هم من أطلقوا الحداثة أو الرأسمالية أو البيروقراطية أو الحرية الفردية. بالطبع سنحتاج بعد ذلك لتعريف أكثر دقة لهذه المصطلحات ولاكتشاف ما إذا كان الأوروبيون بالفعل هُم من أطلقوا هذه الابتكارات المفترضة أيًا ما كانت ماهيتها، وإذا كان ذلك صحيحًا فمتى تم بالضبط.

 

ولكن حتى إذا اتفقنا على التعريف والتوقيت وبالتالي على حقيقة الظاهرة، سنكون حينها قد فسرنا شيئًا ضئيًلا للغاية. يجب علينا حينئذ أن نفسر لِم كان الأوروبيون تحديدًا وليس غيرهم، هم من أطلقوا هذه الظاهرة المُحددة ولِمَ فعلوا ذلك في لحظة محددة من التاريخ. سعيًا وراء مثل هذه التفسيرات، دفعتنا غريزة معظم الباحثين إلى التاريخ باتجاه سوابق مفترضة. فإذا قام الأوروبيون في القرن الثامن عشر أو السادس عشر بكذا، يُقال ربما أن سبب ذلك يعود إلى أن أسلافهم - أو أسلاف مَعزوّ إليهم، إذ أن النسب قد يرتبط بالثقافة أكثر من البيولوجيا، أو هكذا يُزعم-  كانوا أو قاموا بكذا في القرن الحادي عشر أو الخامس عشر قبل الميلاد أو حتى أبعد من ذلك. يُمكننا جميعًا أن نفكر في التفسيرات المتعددة، التي أسست أو على الأقل أكدت على بعض الظواهر الواقعة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وهي التفسيرات التي تدفعنا إلى العودة لمختلف النقاط السابقة الخاصة بالنسب الأوروبي بحثًا عن المتغير المحدِد فعلًا.   

 

ثمة فرضية هنا ليست مُحتجبة بالفعل، إلا أنها ظلت بمنأى عن النقاش لفترة طويلة. هذه الفرضية هي أنه وبغض النظر عن ماهية الشيء المبتكَر الذي تُعتبر أوروبا مسؤولةً عنه من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، إلا أنه أمرٌ صالحٌ، ويجب أن تفخر به أوروبا، كما أنه شيء يحمل بقية العالم على الحسد، أو الشعور بالامتنان على الأقل. يُنظَر إلى هذا الابتكار باعتباره إنجازًا وهو ما تشهد عليه العديد من عناوين الكتب.  

 

يبدو لي أن هناك القليل من التساؤلات حول التاريخ الفعلي للعلوم الاجتماعية على مستوى العالم، يُفصَح عنه إلى حدٍ بعيد في مثل هذا التصور للواقع. لقد تعرض هذا التصور للطعن بالتأكيد استنادًا إلى أسس مختلفة، وهو ما جرى بكثافة في العقود الأخيرة. إذ يُمكن للمرء الطعن في مدى دقة وصف ما حدث داخل أوروبا وفي العالم بأكمله في القرن السادس عشر وصولًا إلى القرن التاسع عشر. كما يمكن الطعن بالتأكيد في معقولية السوابق الثقافية المفترضة لما حدث في تلك الفترة. إذ يمكن للمرء أن يسحب قصة القرن السادس عشر حتى التاسع عشر على مدة أطول لتشمل قرونٍ عدة أو عشرات الآلاف من السنين. إذا فعل المرء ذلك، فإنه عادة ما يُجادل بأن "الإنجازات" الأوروبية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر تبدو أقل أهمية، أو أنها أقرب إلى كونها دورة تاريخية، أو أقل من أن تكون إنجازات يُمكن أن تنسب في المقام الأول إلى أوروبا. وأخيرًا، يُمكن للمرء أن يتقبل أن هذه الابتكارات كانت حقيقية، إلا أنه سيُجادل بأنها كانت سلبية أكثر من كونها إيجابية.              

 

هذا النوع من التأريخ الثوري عادة ما يكون في تفصيله مقنعًا، وهو يميل بالطبع إلى أن يكون تراكميًا. عند نقطة محددة، ربما يصبح كشف الزيف أو التفكيك أمرًا سائدًا، وربما تتولى النظرية المضادة زمام الأمور. فعلى سبيل المثال، كان ذلك هو ما بدا أنه يُحدث -أو حدث بالفعل- في عملية التأريخ للثورة الفرنسية، عندما جرى تحدي ما عُرف بالتفسير الاجتماعي الذي هيمن على الأدبيات على مدار قرن ونصف على الأقل، ثم أُطيِحَ به إلى حدٍ ما في الثلاثين عامًا الأخيرة. وربما نكون حاليًا على أعتاب الدخول إلى ما يُسمى بالتحول النموذجي فيما يتعلق بالتأريخ الأساسي للحداثة.     

 

ومع ذلك، كلما حدث مثل هذا التحول يجب علينا حينها أن نأخذ نفسًا عميقًا، نرجع بضع خطوات للخلف، ثم نقيّم ما إذا كانت الفرضيات البديلة تتصف بالفعل بقدرٍ أكبر من المعقولية، والأهم من ذلك هو أن نقيّم ما إذا كانت هذه البدائل تقطع بحق مع المقدمات الضمنية الجوهرية للفرضيات المهيمنة سابقًا. هذا هو السؤال الذي أود طرحه فيما يتعلق بتأريخ الإنجازات الأوروبية المُفترضة في العالم الحديث، والتي أصبحت توجه إليها سهام النقد. ما هو المقترح البديل؟ وإلى أي درجة يبدو مختلفًا؟ مع ذلك، قبل أن نتمكن من معالجة هذا السؤال الكبير، يجب علينا أن نستعرض بعض الانتقادات الأخرى التي تُوجه للمركزية الأوروبية.     

 

2- الكونية

 

الكونية هي ذلك المنظور الذي يرى أن هناك حقائق علمية تصدُق على كل زمانٍ ومكان. فقد كان الفكر الأوروبي على مدار القرون القليلة الماضية في معظمه ذي نزعة كونية شديدة. كانت هذه هي حقبة الانتصار الثقافي للعلم بوصفه نشاطًا معرفيًا. فأزاح العلم الفلسفة باعتبارها مرجعية الخطاب الاجتماعي والأسلوب الأعرق للمعرفة. العلم الذي نتحدث عنه هو العلم النيوتوني - الديكارتي، والذي أشارت افتراضاته إلى أن العالم كانت تحكمه قوانين حتمية تأخذ شكل عمليات التوازن الخطي، وأنه من خلال تقديم هذه القوانين في شكل معادلاتٍ كونية، فقد احتجنا فقط للمعرفة بالإضافة إلى بعض الشروط الأولية كي تسمح لنا بالتكهن بحالة النظام عند أي نقطة زمنية في المستقبل أو الماضي.

 

بدا واضحًا ما عناه ذلك بالنسبة إلى المعرفة الاجتماعية. فربما يكتشف علماء الاجتماع طرقًا كونية يُمكنها أن تفسر السلوك الإنساني، وبغض النظر عن الفرضيات التي يُمكن [لتلك الطرق الكونية] التحقق منها فقد اعتُقد أنها [أي الفرضيات] تتجاوز الزمان والمكان أو يجب التعبير عنها بحيث تكون كذلك. ولم تكن ذاتية الباحث ذات صلة هنا، إذ أصبح الباحثون محللين محايدي القيمة.  لم تكن النتائج لتختلف كثيرًا حتى في حالة أولئك الباحثون الذين كان منهجهم تاريخي بشكلٍ أكبر، ما دام ثمة افتراض بوجود نموذج ضمني للتطور التاريخي. كل نظريات المراحل - سواء كنا نتحدث عن إسهامات كونت أو ماركس أو هربرت سبنسر وهي أسماء قليلة ضمن قائمة طويلة- كانت تنظيرًا بشكل أساسي لما عُرف بالتفسير الخطي* للتاريخ، والذي يفترض أن الحاضر هو أفضل من أي وقتٍ مضى، وأن الماضي قادنا حتمًا إلى الحاضر. حتى الكتابة التاريخية الإمبريقية للغاية، ورغم إفصاحها كثيرًا عن مقتها للتنظير، تميل وبشكل غير واعٍ لعكس مثل هذه النظريات.         

 

سواء ما إذا كان الأمر يتعلق بزمنٍ غير تاريخي ينعكس في شكل منهج تعميمي[4] يتّبعه علماء الاجتماع أو نظرية دايكرونية (تاريخية) ينتهجها المؤرخون، فإن العلوم الاجتماعية الأوروبية كانت كونية بشكلٍ حازم في تأكيدها بأن أيًا ما حدث في أوروبا القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، فهو يُمثل نمطًا قابلًا للتطبيق في كل مكان إما لأنه كان إنجازًا تقدميًا للبشرية غير قابل للنقض، أو لأنه كان  تحقيقًا للاحتياجات الإنسانية الأساسية عن طريق إزالة العقبات المصطنعة أمام هذا الوعي، فما تراه الآن في أوروبا لم يكن جيدًا فحسب، بل هو وجه المستقبل بكل مكان.     

 

لطالما تعرضت فكرة إضفاء طابع كوني[5] على النظريات للهجوم على أساس أن وضعًا خاصًا في وقتٍ ومكانٍ محددين بدا أنه لم يلائم مثل هذا النموذج. وكذلك، لطالما كان هناك باحثون يجادلون بأن التعميمات الكونية مستحيلة جوهريًا. ولكن في الثلاثين عامًا الأخيرة ظهر نوع ثالث من الهجوم على عولمة نظريات العلوم الاجتماعية الحديثة. لقد قيل أن هذه النظريات الكونية المزعومة ليست كذلك في الواقع، بل هي تمثيل للنمط التاريخي الغربي كما لو كانت كونية. حدد جوزيف نيدهام[6] منذ وقت بعيد إلى حدٍ ما "الخطأ الأساسي للمركزية الأوروبية... وهو الافتراض الضمني بكونية العلوم والتكنولوجيا الحديثة، والتي ترسخت في عصر النهضة بالفعل، وتبع ذلك الظن بأن كل ما هو أوروبي هو كونيّ أيضًا"[7].   

 

وهكذا اتُهمَت العلوم الاجتماعية بأنها أوروبية المركز بقدر ما كانت تعبر عن خصوصية ما. بل اتهمت بما هو أكثر من كونها أوروبية المركز، إذ قيل أنها محدودة الأفق إلى حدٍ بعيد، وهو ما ألحق بها الضرر سريعًا، إذ تفخر العلوم الاجتماعية الحديثة على وجه التحديد بكونها تتجاوز مثل هذه المحدودية. وبقدر ما بدت هذه التهمة سديدة، إلا أنها كانت أكثر وضوحًا وإفصاحًا من مجرد التأكيد على أن الافتراضات الكونية لم تُصَغ بَعد بطريقة يمكن من خلالها أن تعد تعبيرًا عن كل حالة.

 

3- الحضارة

 

تُشير الحضارة إلى مجموعة من الخصائص الاجتماعية التي تتناقض مع البربرية أو البدائية. اعتبرت أوروبا الحديثة نفسها أكثر من مجرد "حضارة" بين عدة حضارات أخرى؛ بل تعتبر نفسها "متحضرة" على نحوٍ فريد أو مميزٍ على الأقل. ما ميز حالة التحضر تلك ليس بالشيء الحائز على إجماعٍ واضح، حتى بين الأوروبيين أنفسهم. بالنسبة للبعض، فإن الحضارة شيء اُكتُنِفَ داخل الحداثة، أي في التقدم التكنولوجي وصعود الإنتاجية، فضلًا عن الاعتقاد الثقافي بوجود التقدم والتطور التاريخي. في حين رأى آخرون أن الحضارة تعني زيادة استقلالية "الفرد" في مقابل كل الفاعلين الاجتماعيين الآخرين مثل الأسرة والمجتمع والدولة بالإضافة إلى المؤسسات الدينية. بينما رأى البعض الآخر أن الحضارة هي سلوك غير وحشي في الحياة اليومية أو الأخلاق الاجتماعية بمعنى أشمل. وذهب آخرون إلى أن الحضارة تعني تقليص أو تضييق نطاق العنف المشروع وتوسيع نطاق تعريف القسوة. وبالطبع، تنطوي الحضارة بالنسبة لكثيرين على كل هذه الخصائص أو العديد منها في مزيج واحد.    

 

عندما تحدث المستعمرون الفرنسيون في القرن التاسع عشر عن الرسالة الحضارية قصدوا بذلك، ومن خلال وسائل الغزو الاستعماري، أن فرنسا - أو أوروبا بشكلٍ عام- ستفرض على الشعوب غير الأوروبية تلك المعايير والقيم التي تشملها تعريفات الحضارة المذكورة آنفًا. وعندما تحدثت مجموعات مختلفة بالدول الغربية في تسعينيات القرن الماضي عن "حق التدخل" في الأوضاع السياسية بأجزاءٍ مختلفةٍ من العالم، ولكن دائمًا في أجزاءٍ غير غربية من العالم، جرى ذلك باسم قيم الحضارة تلك والتي أكدت الحق في مثل هذا التدخل.   

 

تغلغلت مجموعة القيم تلك، والتي نُفضّل تعيينها بالقيم الحضارية والقيم العلمانية الإنسانية والقيم الحديثة، داخل العلوم الاجتماعية، كما يمكن أن نتوقع، إذ أن هذه العلوم مُنتَجًا لنفس النظام التاريخي الذي رفع هذه القيم إلى القمة. استبطن علماء الاجتماع هذه القيم في تعريفاتهم للمشكلات - أي المشكلات الاجتماعية والمشكلات الفكرية- التي يرون أنها تستحق الاهتمام. لقد استبطنوا هذه القيم داخل المفاهيم التي صكوها لتحليل المشكلات من خلالها، كما استبطنوها داخل المؤشرات المستخدمة لقياس هذه المفاهيم. أصر علماء الاجتماع بلا شك، بشكلٍ عام، على أنهم يسعون ليصبحوا محايدي القيمة وبنفس القدر ادّعوا أنهم لم يعمدوا إلى إساءة قراءة البيانات أو تشويهها بسبب تفضيلاتهم الاجتماعية -السياسية. ولكن أن تكون محايد القيمة على هذا النحو لا يعني بأي حالٍ من الأحوال بأن ثمة غياب للقيم، إذ يتجلى ذلك في القرارات المتعلقة بالأهمية التاريخية للظواهر المرصودة. هذه بالطبع هي الحجة المركزية لهاينريخ ريكرت [8] حول الخصوصية المنطقية لما يسميه “بالعلوم الثقافية"[9]. إذ أنهم غير قادرين على تجاهل "القيم" عندما نأتي للحديث عن تقييم الأهمية الاجتماعية.

 

وبالتأكيد، لم تكن الافتراضات العلمية الاجتماعية والغربية حول "الحضارة" محصنة تمامًا أمام مفهوم تعدد "الحضارات". فكلما أثار أحدهم السؤال حول أصل القيم الحضارية ولِمَ بدا أن أصلها - أو كما جادل البعض- ينبع من العالم الغربي الحديث، أتت الإجابة شبه حتمية بأنها نتاج لاتجاهات طويلة الأمد وفريدة من نوعها في ماضي العالم الغربي، أو كانت توصف بدلًا من ذلك بأنها تراث العصور القديمة و/أو العصور المسيحية الوسطى أو تراث يعود إلى العالم العبري، أو تراث مزيج بينهما، وأحيانًا تُعاد تسمية وتحديد هذا الأخير ليصبح التراث اليهودي- المسيحي.

 

ثمة العديد من الاعتراضات يمكن أن تُثار -وقد حدث- في وجه مجموعة الافتراضات المتتالية تلك. فقد انتُقِدَت مقولة تحضر العالم الحديث أو العالم الأوروبي الحديث بسبب الطريقة التي تُستَخدَم بها هذه الكلمة في الخطاب الأوروبي. ووجه المهاتما غاندي تهكمًا بارزًا عندما سُئِل "ما رأيك في الحضارة الغربية؟"، فرد قائلًا "ستكون فكرة جيدة"[10]. بالإضافة إلى ذلك، فإن التأكيد على أن قيم اليونان القديمة وروما أو إسرائيل القديمة كانت أكثر ملاءمة لوضع قاعدة لما يُسمى بالقيم الحديثة مقارنةً بقيم الحضارات القديمة الأخرى، هي مسألة محل نقد ومثار جدل كذلك. وأخيرًا، إذا ما كانت أوروبا الحديثة يمكنها أن تدعي بمعقولية بأن اليونان وروما من جهة، أو إسرائيل القديمة من جهة أخرى، يشكلان طليعتها الحضارية، فإن ذلك ليس أمرًا مبررًا بذاته على الإطلاق. وفي الواقع، كان هناك لفترة طويلة جدال بين أولئك الذين رأوا اليونان أو إسرائيل كأصول ثقافية بديلة، ورفض كلا الجانبين معقولية البديل، وهذا الجدال بحد ذاته يُثير الشك حول معقولية الأصل.

 

وعلى أي حال، من ذا الذي يمكنه الجدال بأن بمقدور اليابان الادّعاء بكون الحضارات الهندية القديمة تمثل طليعتها على أساس أن تلك الحضارات هي مهد وأصل البوذية، التي أصبحت تُشكل جزءًا أساسيًا من التاريخ الثقافي الياباني؟ هل الولايات المتحدة المعاصرة أقرب ثقافيًا إلى اليونان القديمة  أو وروما أو إسرائيل مقارنةً بصلة اليابان بالحضارات الهندية؟ يُمكننا في نهاية المطاف أن نصوغ القضية في أن المسيحية، والتي هي أبعد من أن تُمثل نوعًا من الاستمرارية، قد مثلت انقطاعًا حاسمًا مع اليونان وروما وإسرائيل. وقد استخدم المسيحيون بالفعل هذه الحجة على وجه التحديد حتى عصر النهضة. أليست هذه القطيعة مع العصور القديمة لاتزال إلى اليوم جزءًا من عقيدة الكنائس المسيحية؟  

 

ومع ذلك، نجد في عالم اليوم أن النطاق الذي يُستدعى فيه الجدل حول هذه القيم إلى صدارة المشهد هو النطاق السياسي. كان رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد محددًا للغاية فى طرحه بأن الدول الآسيوية تستطيع بل يجب عليها السعي نحو "التحديث" دون قبول بعض أو كل قيم الحضارة الأوروبية. وقد لاقت رؤيته صدى واسعًا لدى زعماء سياسيين آسيويين آخرين. لقد أصبح الجدل حول "القيم" مركزيًا أيضًا بين الدول الأوروبية نفسها، لا سيما داخل الولايات المتحدة، كجدالٍ حول "التعددية الثقافية". كما أصبح لهذه النسخة من الجدال الحالي تأثيرًا كبيرًا على العلوم الاجتماعية المؤسسية، خاصة مع ازدهار اتجاهات داخل الجامعة تضم باحثين ينكرون فرضية أحادية ما يُدعى "الحضارة".

 

4- الاستشراق

 

يشير الاستشراق إلى مجموعة من المقولات المختزِلة والنمطية حول خصائص الحضارات غير الأوروبية. تُمثل هذه المقولات المقابل لمفهوم "الحضارة"، وقد أصبحت موضوعًا بارزًا في النقاش العام منذ صدور كتابات أنور عبد الملك وإدوارد سعيد[11]، وقد ظلّت دراسة الاستشراق حتى وقتٍ قريب شيئًا مرموقًا[12]. يشير هذا الموضوع إلى نمطٍ من المعرفة ترجع جذوره إلى العصور الوسطى الأوروبية عندما قرر بعض الرهبان المسيحيين المثقفين تكريس أنفسهم سعيًا لفهمٍ أفضل للأديان الأخرى من خلال تعلم لغتهم وقراءة نصوصهم الدينية بعناية. وبالطبع، انطلق هؤلاء من فرضية صواب العقيدة المسيحية والرغبة في تحويل الوثنيين إلى دينهم، وعلى الرغم من ذلك، تعاملوا مع هذه النصوص بجدية بوصفها تعبيراً - منحرفًا - عن ثقافةٍ إنسانيةٍ.     

 

وعندما عُلمِنَ الاستشراق في القرن التاسع عشر لم يختلف شكل الممارسة كثيرًا. إذ استمر المستشرقون في تعلم اللغات وكشف غموض النصوص. سيرًا على هذا النهج، استمروا في الاعتماد على رؤية ثنائية للعالم الاجتماعي، وأزيح تمييز المسيحي/ الوثني لصالح تمييز الغرب/ الشرق أو الحديث/ ما قبل الحديث. وفي العلوم الاجتماعية ظهرت سلسلة طويلة من الثنائيات الشهيرة؛ المجتمعات العسكرية والصناعية، التعاقدي (Gesellschaft) والتراحمي (Gemeinschaft)، التضامن الميكانيكي والعضوي[13]، الشرعية التقليدية والشرعية العقلانية القانونية بالإضافة إلى الاستاتيكي والدينامكي. وعلى الرغم من ذلك، لم تكن مثل هذه الاستقطابات عادة مرتبطة مباشرة بأدبيات الاستشراق، إذ يجب علينا ألا ننسى أن أقدم هذه الاستقطابات ظهر مع المؤرخ هنري مين* وقد استند بشكل واضح إلى مقارنة بين النظم القانونية الهندوسية والإنجليزية.  

 

 نظر المستشرقون إلى أنفسهم كأشخاص أعربوا بجد عن تقديرهم المتعاطف للحضارات غير الغربية من خلال تكريس حيواتهم للدراسة المتعمقة للنصوص بغرض فهم ثقافاتها. وبطبيعة الحال، كانت الثقافة التي فهموها بهذه الطريقة بناءًا اجتماعيًا خُلِق على يد الآخر القادم من خلفية ثقافية مختلفة. تعرّضت شرعية هذه الأبنية للهجوم على ثلاثة مستويات مختلفة؛ فقد قيل أن المفاهيم لا تتناسب مع الواقع الإمبريقي، كما أنها تنزع كثيرًا نحو التجريد وبذلك يُمحى التنوع الإمبريقي، بالإضافة إلى أنها تُمثل قراءاتٍ متحيزة أوروبيًا.   

 

مع ذلك، كان الهجوم على الاستشراق أكثر من مجرد هجومًا على إنتاج معرفي ضحل. فقد كان أيضًا نقدًا للعواقب السياسية لمفاهيم العلوم الاجتماعية. وقيل أن الاستشراق يُشرْعِن موقف القوة المهيمن لأوروبا، كما مثل مركزًا رئيسيًا في الدرع الأيديولوجي للدور الإمبراطوري لأوروبا في إطار المنظومات العالمية الحديثة. أصبح الهجوم على الاستشراق مرتبطًا بالانتقاد العام للتشيؤ ومتحدًا مع الجهود المتعددة لتفكيك سرديات العلوم الاجتماعية. لقد جادل البعض بأن جانبًا من المحاولات غير الأوروبية لخلق خطاب مناهض -أي "الاستغراب"- وبأن "كل خطابات النخب المناهضة للتقليدية في الصين الحديثة، بدءًا من حركة الرابع من مايو وصولًا إلى مظاهرات الطلاب في ساحة تيانانمن عام 1989، كانت ذات نزعة استشراقية كبيرة"[14]، وبذلك حافظت على الاستشراق بدلًا من تقويضه.        

 

5. التقدم

 

مثّل التقدم بواقعيته وحتميته موضوعًا أساسيًا للتنوير الأوروبي. قد يحلو للبعض اقتفاء أثره عبر الفلسفة الغربية بأسرها[15]. وعلى أي حال، أصبح التقدم الرؤية التوافقية لأوروبا القرن التاسع عشر وظلّت كذلك بالطبع لأغلب سنوات القرن العشرين. وكانت العلوم الاجتماعية، كما جاء نظمُها، متأثرة للغاية بنظرية التقدم.

 

أصبح التقدم هو التفسير الضمني لتاريخ العالم، والأساس المنطقي لكافة نظريات المراحل تقريبًا، بل أصبح هو المحرك لكافة العلوم الاجتماعية التطبيقية. قيل إن علينا دراسة العلوم الاجتماعية من أجل فهم أفضل للعالم الاجتماعي، وعندها يمكننا تسريع عملية التقدم بحكمةٍ ويقينٍ أكبر في كل مكان أو على الأقل المساعدة في إزالة العوائق عن طريقه. فلم تكن استعارات التطور أو التنمية محض محاولاتٍ للوصف، بل مثّلت أيضًا دوافع لرسم السياسات. وأضحت العلوم الاجتماعية المرشدة، وفي أحيانٍ أخرى الخادمة، لصُنّاع السياسات بدءً من فكرة بنثام عن البانوبتيكون ومرورًا بجمعية السياسة الاجتماعية[16]، وتقرير بيفردج واللجان الحكومية الأخرى اللانهائية، ومحاولات اليونيسكو المناهضة للعنصرية فترة ما بعد الحرب، ووصولًا إلى الأبحاث المتوالية لجيمس كولمان[17] حول نظام التعليم الأميركي. بعد الحرب العالمية الثانية، كان "تنمية الدول المتخلفة" عنوانًا وواجهةً سوّغت ضلوع المشتغلين بالعلوم الاجتماعية من كافة الانتماءات السياسية في إعادة التنظيم الاجتماعي والسياسي للعالم غير الغربي.

 

وما جرى أن التقدم لم يُسلّم بصحّته وتحليله فحسب، بل فُرض كذلك. لعل هذا الأمر لا يختلف كثيرًا عن المواقف التي ناقشناها تحت عنوان "الحضارة". ما نحتاج إلى تأكيده هنا، هو أنه في الوقت الذي بدأت تصبح فيه "الحضارة" مقولة فاقدة لبراءتها ومثيرة للشُبهات وذلك بالأساس بعد عام 1945 نجَت مقولة التقدم وكانت أكثر من كافية لتحل محل "الحضارة"، متمتعةً برونقٍ أجمل بدرجةٍ ما. وبدا أن فكرة التقدم هي آخر حصن للمركزية الأوروبية، أي مثّلت الخطة البديلة.

 

لطالما حظيت فكرة التقدم بنُقاد محافظين بالطبع، إلا أنه يمكن القول أن حماستهم للمقاومة تراجعت بدرجة كبيرة في الفترة ما بين 1850- 1950. لكن منذ عام 1968 على الأقل، انفجر سيل النُقاد من جديد، مع نشاط متجدد بين المحافظين، وإيمان مُكتشَف حديثًا لدى اليسار. مع ذلك، يظل هناك طرق أخرى كثيرة يمكن للمرء مهاجمة فكرة التقدم من خلالها. يمكن لنا الدفع بأن ما أُطلق عليه تقدمًا ليس سوى تقدُمًا زائفًا، غير أن ذلك لا يتنافى مع وجود تقدم مُتحَقَق، وأن نُحاجج بأن صيغة أوروبا من التقدم كانت خداعًا أو محاولة للخداع، أو يمكن للمرء الدفع بأنه لا يمكن أن يوجد شيئًا على شاكلة التقدم، بسبب "الخطيئة الأصلية" أو دورة البشرية الأبدية. وكذلك يمكن للمرء الدفع بأن أوروبا شهدت تقدمًا بحق لكنها الآن تحاول النأي بثمار التقدم عن بقية العالم، مثلما حاجج بعض النقاد غير الغربيين للحركة الإيكولوجية.

 

ومع ذلك، يبدو جليًا أن فكرة التقدم بالنسبة لكثيرين أصبحت تصنّف باعتبارها فكرة أوروبية، وبالتالي وقعت تحت الهجوم على أساس ما تحمله ضمنًا من مركزية أوروبية. مع ذلك، يصبح هذا الهجوم متناقضًا تمامًا في كثيرٍ من الأحيان بسبب جهود آخرين غير غربيين من أجل ملاءمة التقدم مع العالم غير الغربي كله أو بعضه، وهم بذلك يدفعون بأوروبا خارج المشهد، لا التقدم نفسه.

 

ثانيًا: الادّعاءات المناهضة للمركزية الأوروبية

 

إن الأشكال المتعددة للمركزية الأوروبية والطرق المتعددة لنقدها لا يُشكلان معًا بالضرورة مشهدًا متماسكًا. ينبغي علينا محاولة تقييم الجدل المركزي هنا. وكما لاحظنا، بدأت العلوم الاجتماعية المؤسسية كنشاطٍ في أوروبا. ووُجّه إليها الاتهام بأنها ترسم صورة زائفة للواقع الاجتماعي عبر القراءة الخاطئة والمبالغة الفادحة في الدور التاريخي لأوروبا و/أو تحريفه، خاصة دورها التاريخي في العالم الحديث.

 

ومع ذلك، يُحدد النقاد بشكل أساسي ثلاثة أنواع مختلفة ومتناقضة بدرجةٍ ما من الادّعاءات. أولاها أنه أيًا كان ما فعلته أوروبا، فإن الحضارات الأخرى كانت أيضًا في طريقها للقيام به، إلى أن استخدمت أوروبا قوتها الجيوسياسية لاعتراض ذلك الطريق في أجزاء أخرى من العالم. ثانيها أن ما فعلته أوروبا ليس أكثر من استمرارية لما كان يفعله آخرون لوقتٍ طويل، إلا أن الأوروبيين تقدّموا مؤقتًا إلى صدارة المشهد. وثالثها أن ما فعلته أوروبا تم تحليله بطريقةٍ خاطئة وخضع لتقديراتٍ استقرائية غير مُناسبة، الأمر الذي حمل تبعاتٍ خطيرة على كلٍ من العلم والعالم السياسي. يبدو لي أن الحُجّتين الأولتين، وهما واسعتا الانتشار، يُعانيان مما سوف أطلق عليه "مناهضة المركزية الأوروبية واستبطانها"[18]. أما الحُجة الثالثة فتبدو لي صحيحة بلا أدنى شك، وتستحق اهتمامنا الكامل. أيّ أحمق فضوليّ هذا الذي يتبنى "موقف مناهض للمركزية الأوروبية ومستبطنها"؟ دعونا نتناول كل واحدة من هذه الحُجج على الترتيب.

 

مَن يتقدّم السباق يحصُد الثمار

 

حاجج البعض على مدار القرن العشرين بأن كلًا من الأسس الثقافية ونموذج التنمية الاجتماعي التاريخي كانا موجودَين ضمن إطار "الحضارة" الصينية أو الهندية أو العربية الإسلامية على سبيل المثال، واللذان كانا من شأنهما أن يقودا إلى بزوغ رأسمالية حديثة مكتملة الأركان، أو أنها [أي الحضارات] كانت بالفعل بسبيلها لبلوغ ذلك الطريق. وفي حالة اليابان، كثيرًا ما تُصبح الحُجة أشد قوة، مؤكدة على أن رأسمالية حديثة نمَت هناك، وبصورة منفصلة عن نموّها في أوروبا، رغم تزامنها مؤقتًا معها. يكمن في صُلب معظم هذه الحُجج نظرية المراحل في النمو وفي كثيرٍ من الأحيان نسختها الماركسية والتي تعني أن أجزاء العالم المختلفة كانت جميعها على طرق متوازية نحو الحداثة أو الرأسمالية. هذا النوع من الحُجج يفترض كلًا من التمايز والاستقلال الاجتماعي للمناطق الحضارية المتنوعة من العالم، من ناحية، وخضوعهم المشترك لنمط جامع من الناحية الأخرى.

 

وبما أن تقريبًا كل الحُجج المتعددة من هذا النوع مُحددة بنطاق ثقافي مُعين وتطوره التاريخي، فإن مناقشة معقولية كل حالة سيكون عملًا هائلًا، ولن أُقدِم على فعل ذلك هنا. ما أود الإشارة إليه هو قصور منطقي واحد لهذا النوع من الحُجج، أيًا كانت المنطقة محل النقاش، ونتيجة فكرية عامة واحدة لذلك. أما القصور المنطقي فهو جلي للغاية. حتى ولو كان صحيحًا أن أجزاءً أخرى متعددة من العالم كانت تسير في طريق الحداثة/الرأسمالية، وربما كانت قد قطعت شوطًا كبيرًا في ذلك الطريق، فإن الأمر لا يزال يطرح علينا مشكلة تفسير حقيقة أن الغرب، أو أوروبا، هو مَن وصل إلى الهدف أولًا، وبالتبعية كان قادرًا على "غزو العالم". ببلوغ هذه النقطة، نكون قد عدنا إلى السؤال كما طُرح في البداية، لماذا نشأت الحداثة/الرأسمالية في الغرب؟   

 

نجد اليوم بالطبع البعض ممَن ينكرون أن أوروبا قد غزت العالم بالمعنى الحقيقي للكلمة، على أساس أنه لطالما كان هناك مقاومة، إلا أن ذلك يبدو لي مُخلاً بقراءتنا للواقع. ففي نهاية الأمر، كان هناك غزوًا استعماريًا حقيقيًا غطّى قسمًا كبيرًا من العالم. وفي نهاية الأمر، ثمّة مؤشراتٍ عسكرية حقيقية على القوة الأوروبية. لا شك أنه كان هناك دائمًا أشكالًا متعددة من المقاومة، سواء كانت فاعلة أم سلبية، لكن إذا كانت المقاومة هائلة بحق، لم يكن ليتبقى لنا شيئًا نناقشه اليوم. إذا أصررنا كثيرًا على الفاعلية غير الأوروبية كسِمة عامة، سينتهي بنا الحال ونحن نتستّر على كل خطايا أوروبا، أو على الأقل معظمها. ويبدو لي أن ذلك لم يكن مقصد النقاد.   

 

على كل حالٍ، وحتى لو اعتبرنا أن هيمنة أوروبا مؤقتة، لازلنا بحاجة لتفسيرها. معظم النقاد المنتهجين لهذا النوع من الحُجج يهتمون أكثر بتوضيح كيف قطعت أوروبا عملية تقدم محلية في بلدانهم حول العالم مقارنةً بالانشغال بتوضيح كيف تمكنت أوروبا من تحقيق ذلك. وما هو أكثر أهمية هنا، هو أنهم بمحاولتهم التقليل من فضل أوروبا في هذا الصنيع، أي هذا "الإنجاز" المفترض، فهُم يعززون تلك السمة وكأنها إنجازًا. تحوّل تلك النظرية أوروبا إلى "بطل شرير" فهي بلا شك الشرير، لكنها أيضًا وبلا شك البطل بالمعنى الدرامي للكلمة، فقد كانت أوروبا هي مَن فجّرت المفاجأة النهائية في السباق وعبَرت خط النهاية أولًا. والأسوأ من ذلك، هو تلك الدلالة الضمنية، التي لا تقبع بعيدًا عن السطح، بأن الصينيين أو الهنود أو العرب، في حال نيلهم نصف فرصة، لن يكون بإمكانهم تحقيق نفس الشيء فحسب، بل كانوا ليحققوه فعليًا أي تدشين الحداثة/الرأسمالية، وغزو العالم، واستغلال الموارد والبشر، وأن يلعبوا هُم أنفسهم دور البطل الشرير.    

 

تبدو هذه النظرة للتاريخ الحديث أوروبية المركز إلى حدٍ بعيد في مناهضتها للمركزية الأوروبية، لأنها تقبل بأهمية أي قيمة "الإنجاز" الأوروبي بذات المصطلحات التي عرّفته بها أوروبا، وتؤكد فقط على أن الآخرين كان بإمكانهم فعل ذلك أيضًا، أو أنهم كانوا يقومون به بالفعل. ولسببٍ ما عارِض على الأرجح، نالت أوروبا أفضلية زمنية على الآخرين ودسّت أنفها في عملية التنمية الخاصة بهم غصبًا. يبدو لي الجزم بأننا، نحنُ الآخرين، كان يمكن لنا أن نصبح أوروبيين أيضاً، لهو طريقة واهية للغاية في مناهضة المركزية الأوروبية، وهي تعزز في حقيقة الأمر أسوأ عواقب الفكر أوروبيّ المركز على المعرفة الاجتماعية.

 

رأسمالية أبديّة

 

النوع الثاني من معارضة التحليلات أوروبيّة المركز هو ذلك الذي ينكر أي شيء جديد حيال ما فعلته أوروبا. هذا النوع من الحُجج يبدأ بالإشارة إلى أن أوروبا الغربية كانت، اعتبارًا من أواخر العصور الوسطى، وبالطبع لوقتٍ طويلٍ قبل ذلك، منطقة هامشية وثانوية من قارة أوراسيا، والتي كانت إنجازاتها الثقافية ودورها التاريخي دون مستوى أجزاء أخرى شتى من العالم مثل العالم العربي أو الصين. وهذا الأمر حقيقي بدون شك، على الأقل كتعميمٍ مبدئيّ. يتبع ذلك قفزة سريعة من أجل موضعة أوروبا الحديثة ضمن قوام العالم المأهول (ecumene) أو بنية العالم الذي ظلّ في حالة تشكُل لعدة آلاف من السنوات[19]. وليس ذلك بأمرٍ غير معقول، إلا أن المعنى الشامل لهذا العالم المأهول يبدو لي أنه لم يكن قد تأسس بعد. ثم نأتي إلى المكون الثالث في تسلسل تلك الحُجة. إذ يُقال أنه، عقِب الهامشية السابقة لأوروبا الغربية وبناء العالم المأهول في القارة الأوراسية لقرنٍ من الزمان، فأيًا ما حدث في أوروبا الغربية لم يكن بالشيء الاستثنائي، وهو ببساطة محض عامل آخر في البناء التاريخي لنظام أُحادي.       

 

هذه الحُجة الأخيرة تبدو لي خاطئة تمامًا على المستوى المفاهيميّ والتاريخيّ، ومع ذلك، لا أعتزم العودة إليها[20]. ما آمله هو مجرد إبراز الأوجه التي تُصبح بها هذه الحُجة شكلًا آخر من أشكال مناهضة المركزية الأوروبية واستبطانِها. يتطلب الأمر، على المستوى المنطقي، المُحاججة بأن الرأسمالية ليست بالشيء الجديد، وبالطبع فإن بعض هؤلاء الذين يدفعون باستمرارية نمو العالم المأهول الأوراسي قد تمسكوا صراحةً بهذا الموقف. وعلى عكس موقف هؤلاء الذين يدفعون بأن حضارةً ما أخرى كانت في طريقها إلى الرأسمالية عندما تدخّلت أوروبا في هذه العملية، تذهب الحُجة هنا إلى أننا جميعًا كنا نقوم بذلك معًا، وبأنه لم يكن هناك تطورًا حقيقيًا تجاه الرأسمالية في الأزمنة الحديثة لأن العالم بأسره أو على الأقل العالم المأهول الأوراسي كله كان رأسماليًا بمعنى ما لعدة آلاف من السنوات.

 

دعوني ألفت الانتباه بدايةً وقبل كل شيء أن هذا هو الموقف الكلاسيكي للاقتصاديين الليبراليين. وهو لا يختلف في حقيقة الأمر عن آدم سميث في ذهابه إلى أن هناك نزوعًا [في الطبيعة البشرية] لمقايضة ومبادلة شيء ما بغيره من الأشياء"[21]. تمحو هذه الحُجة اختلافاتٍ جوهرية بين أنظمة تاريخية مختلفة. إذا كان الصينيون والمصريون والأوروبيون الغربيون جميعهم يفعلون نفس الشيء تاريخيًا، فبأي معنى هم حضارات مختلفة، أو أنظمة تاريخية مختلفة؟[22] إذا نحن أنكرنا فضل أوروبا، هل يتبقى هنالك أي فضل لأي جهة باستثناء عموم البشرية؟   

 

لكن مرة أخرى، أسوأ ما في الأمر هو أنه عبر سلب أوروبا الحديثة ما فعلته في محاولتنا لتقييم العالم المأهول الأوراسي، فإننا نقبل بالحُجة الأيديولوجية الجوهرية للمركزية الأوروبية، بأن الحداثة أو الرأسمالية أمرٌ مُعجِز وبديع، وبالكاد نُشير إلى أن الجميع كان على الدوام ساعيًا لتحقيقها بطريقةٍ أو بأخرى. عبر إنكار الفضل الأوروبي، فإننا نُنكر الإثم الأوروبي. ما الشيء المروّع إذن حيال "غزو أوروبا للعالم" إن لم يكن سوى الجزء الأخير من الزحف المتواصل للعالم المأهول؟ وبعيدًا عن كونه نوعًا من الحُجج النقدية لأوروبا، فهو يتضمّن استحسانًا بأن أوروبا، كونها كانت جزءًا "هامشيًا" من العالم المأهول، تعلّمت أخيرًا حكمة الآخرين والسابقين وطبّقتها بنجاح.

 

ويتبع ذلك حتمًا الأمر المفصلي غير المُعلن. إذا كان العالم المأهول الأوراسي ظل يتبع مسارًا أُحاديًا لآلاف السنين، وإذا كانت المنظومات العالمية الحديثة ليست بالشيء الجديد، فما هي الحُجة المحتملة التي من شأنها أن تُدلّل على أن هذا المسار لن يستمر إلى الأبد، أو على الأقل إلى أجل طويل غير مسمى؟ إذا كانت الرأسمالية لم تبدأ في القرن السادس عشر أو الثامن عشر ، فهي قطعًا ليست على وشك الفناء في القرن الحادي والعشرين. على المستوى الشخصي، لا أعتقد في ذلك ببساطة، وقد دلّلتُ على ذلك في مناسباتٍ عدة في كتاباتي الأخيرة[23]. ومع ذلك، فإن فكرتي الرئيسية هنا هي أن هذا النوع من الحُجج ليس مُناهضًا للمركزية الأوروبية بأي حالٍ من الأحول، بما أنه يقبل مجموعة القواعد الأساسية التي وضعتها أوروبا في فترة هيمنتها العالمية، وبالتالي فهو في حقيقة الأمر ينكر و/أو يقوّض أنظمة القيم المتنافسة والتي كانت، أو لا زالت، محل احترامٍ في أجزاء أخرى من العالم.    

 

تحليل التطور الأوروبي

 

أعتقد أن علينا إيجاد قاعدة أقوَم لكوننا مُناهضين للمركزية الأوروبية في العلوم الاجتماعية، وطرقًا أفضل لتبنّينا هذا الهدف. إذ أن النوع الثالث من النقد القائل بأن أيًا كان ما فعلته أوروبا فقد جرى تحليله بطريقة خاطئة وخضع لتقديراتٍ استقرائية غير مُناسبة، الأمر الذي حمل تبعاتٍ خطيرة على كلٍ من العلم والعالم السياسي هو نقدٌ صحيح بالفعل. أعتقد بأن علينا البدء بمساءلة الافتراض القائل بأن ما فعلته أوروبا كان إنجازًا إيجابيًا. كما أعتقد أن علينا أن ننخرط في وضع تقييمٍ حذِر لما حققته الحضارة الرأسمالية على مدار تاريخها، وتقييم ما إذا كانت الإيجابيات أكبر من السلبيات بالفعل . وهو ما حاولت فعله مرة من قبل، وأُشجّع الآخرين للقيام بالشيء مثله[24]. وقد جاء تقييمي للأمر برمّته سلبيًا، وبالتالي فأنا لا أتعامل مع النظام الرأسمالي باعتباره دليلًا على التقدم البشري. بل على العكس، أعتبره حصيلة انهيار في الموانع التاريخية ضد هذه الصيغة بعينِها من النظامٍ الاستغلالي. كما أعتبر حقيقة أن الصين والهند والعالم العربي والمناطق الأخرى لم تمضِ قُدمًا باتجاه الرأسمالية لهو دليلٌ على أنها بفضل رصيدها التاريخي تمتّعت بمناعة أفضل ضد هذا السُم. وبالنسبة لي، أن نقلب رصيدها [أي تلك الحضارات الأخرى] إلى أمرٍ يتحتّم عليهم التماس الأعذار بشأنه، لهو النمط المثالي للمركزية الأوروبية.

 

دعوني أكون واضحًا. أؤمن بأنه في كل الأنظمة التاريخية العريقة "أي الحضارات" كان دائمًا هناك درجة معينة من التسليع وبالتالي إضفاء طابع تجاري. ونتيجة لذلك، كان دائمًا هناك أشخاصًا سعوا للتربح من ذلك. إلا أن هناك عالمًا من الاختلاف بين نظامٍ تاريخي يوجد فيه بعض رواد الأعمال أو التجار أو "الرأسماليين"، وآخر تُهيمن فيه الأخلاقيات والممارسات الرأسمالية. في الفترة السابقة على المنظومات العالمية الحديثة، ما حدث في كل واحدة من هذه الأنظمة التاريخية الأخرى هو أنه كلما أضحت طبقة رأسمالية ما ثرية للغاية أو ناجحة للغاية أو متطفّلة للغاية على المؤسسات القائمة، هاجمتها المجموعات المؤسسية الأخرى ثقافية أو دينية أو عسكرية أو سياسية ، منتفعةً بكلٍ من قوتها الجوهرية ونظمها القيمية للتوكيد على الحاجة لكبح واحتواء الطبقة الهادفة للربح. ونتيجة لذلك، كانت هذه الطبقات خائبة الآمال في محاولاتها لفرض ممارساتها على النظام التاريخي بوصفها أولوية. وكانوا يُجرّدون في كثيرٍ من الأحيان بفجاجة ووقاحة من رأس المال المتراكم، وحُملوا على الخضوع، مهما كان الثمن، للقيم والممارسات التي كبحت جماحهم. هذا ما أعنيه بمضادات السموم التي احتوت الفيروس.

 

ما حدث في العالم الغربي وبسبب مجموعة محددة من الأسباب والتي كانت عابرة أو ظرفية أو مصادِفة هو أن مضادات السموم كانت أقل توافرًا أو أقل جدوى، وانتشر الفيروس سريعًا، ثم أثبت [الفيروس] أنه محصن ضد المحاولات اللاحقة لقلب آثاره. وأصبح اقتصاد العالم الأوروبي  للقرن السادس عشر رأسماليًا بشكل غير قابل للإصلاح. وعندما أصبح هذا النظام يُحكَم بواسطة أولوية التراكم المتواصل لرأس المال، وبمجرد أن وطّدت الرأسمالية نفسها في هذا النظام التاريخي، اكتسبت قدرًا من البَأس في مواجهة الأنظمة التاريخية الأخرى التي مكّنتها من التوسع جغرافيًا حتى ابتلعت حرفيًا العالم بأسره، لتصبح النظام التاريخي الأوّل على الإطلاق الذي يحقق هذا القدر من التوسع الشامل. وحقيقة أن الرأسمالية تمتّعت بهذه الانطلاقة في الميدان الأوروبي، ثم توسّعت لتغطي أرجاء العالم، لا تعني مع ذلك أن هذا الأمر كان حتميًا، أو مرغوبًا فيه، أو تقدميًا بأي شكلٍ من الأشكال. في رأيي، لم يكن الأمر على أيٍ من ذلك. ومن الحتمي أن تبرُز إلى الوجود وجهة نظر مُناهضة للمركزية الأوروبية لتؤكد على ذلك.  

 

ومن أجل ذلك الغرض، سأقوم بفحص غير الكونيّ في العقائد الكونية التي نشأت من النظام التاريخي الرأسمالي، أي من منظوماتنا العالمية الحديثة. لقد طوّرت المنظومات العالمية الحديثة بُنى معرفية تختلف جذريًا عن سابقتها. وكثيرًا ما يُقال أن هذا الشيء المختلف هو تطور الفكر العلمي، لكن يبدو من الجلي أن ذلك ليس صحيحًا، مهما يكُن من عِظم التطورات العلمية الحديثة. إن الفكر العلمي يسبق العالم الحديث بزمنٍ طويل، وهو حاضرٌ في جميع المناطق الحضارية. وكان ذلك جليًّا بصورة قاطعة في حالة الصين في المشروع الذي عكف عليه جوزيف نيدهام[25].

 

أما الأمر المُميّز في بُنى المعرفة في نظام العالم الحديث فهو مفهوم الثقافتَين. فلا يوجد نظام تاريخي آخر أسّس لمثل هذا الانفصال التام بين العلم من جهة، والفلسفة والإنسانيات من جهة أخرى، أو من الأفضل وَسْمها، كما أعتقد، بالانفصال بين السعي إلى الحقيقة والسعي إلى الخير والجمال. وبالفعل، لم يكن الإبقاء على هذا الانفصال التام ضمن الثقافة الجغرافية للمنظومات العالمية الحديثة بالأمر الهيّن على الإطلاق. فقد استغرق الأمر ثلاثة قرون قبل أن يُمأسَس الانفصال. غير أنه اليوم أصبح جوهريًا للثقافة الجغرافية، ويُشكّل الأساس لأنظمتنا الجامعية.  

 

مكّن هذا الانفصال المفاهيميّ العالم الحديث من اختلاق المفهوم الغريب للمتخصص مُحايد القيمة، والذي يمكن لتقييمه الموضوعي للواقع أن يُشكّل الأساس ليس للقرارات الهندسية فحسب بالمعنى الواسع للكلمة لكن للخيارات السياسية الاجتماعية كذلك. وأدى تحصين العلماء ضد التقييم الجماعي، وإدماجهم في حقيقة الأمر مع التكنوقراطيين، إلى تحريرهم من النفوذ القمعي لسُلطةٍ غير ذات صلة من الناحية الفكرية. لكن تلاشى في ذات الوقت [التحصين] عندما تعلق الأمر بالقرارات الاجتماعية الرئيسية التي لطالما اتّخذناها على مدار الخمسمائة عامٍ الماضية جرّاء المناقشة العلمية الموضوعية خلافًا لتلك التقنية. وتُشكّل الفكرة القائلة بأن العلم يوجد في ناحية، بينما توجد القرارات السياسية الاجتماعية في ناحية أخرى، المفهوم الجوهري الذي يُغذّي المركزية الأوروبية، إذ أن الأطروحات الكونية التي قوبلت بالترحيب كانت دائمًا أوروبية المركز. وبالتالي فإن أي حُجة تُعزز من هذا الانفصال بين الثقافتين تُغذّي المركزية الأوروبية. إن المرء إذا أنكر خصوصية العالم الحديث، لن يصبح أمامه أي وسيلة معقولة للمُحاججة بإعادة تشييد بُنى معرفية، وبالتالي لن يتوصل إلى بدائل ذكية وعقلانية في صميمها للمنظومات العالمية القائم.

 

تعرّضت شرعية هذا الانفصال للهجوم لأول مرة على نحوٍ كبير في السنوات العشرين الماضية تقريبًا. وهذا هو مضمون الحركة الإيكولوجية، على سبيل المثال. وهذه هي المسألة الجوهرية الضمنية في الهجوم العام على المركزية الأوروبية. وقد أفضت التحديات إلى ما يُسمى "حروب علم" و"حروب ثقافة" والتي كانت في كثيرٍ من الوقت ظلامية ومشوشة. إذا أردنا إيجاد بنية معرفة موحدة، وبالتالي ليست أوروبية المركز، يصبح من اللازم علينا يقينًا ألا ننجرف إلى مساراتٍ جانبية تبتعد عن هذه المسألة الجوهرية. إذا أردنا تشييد منظومة عالمية بديلة عن تلك المهددة بأزمة خطيرة اليوم، يتحتّم علينا فورًا وبدون تهاون تناول مسائل الحق والخير.

 

وإذا أردنا فعل ذلك ينبغي علينا أن نُدرك أن أمرًا ما استثنائيًا فعلته أوروبا حقًا بين القرنين السادس عشر والثامن عشر غيّر وجه العالم، لكن التحوّل جاء في اتجاهٍ لا تزال تبعاتِه السلبية مُلقاة على عاتقنا اليوم. علينا التوقف عن حرمان أوروبا من خصوصيتها على أساس الافتراض المُضلِل بأننا بذلك نحرمها من فضلٍ غير شرعي. بل على العكس من ذلك. علينا الاعتراف الكامل بخصوصية إعادة تشييد أوروبا للعالم، لأن عندها فحسب يصبح من الممكن تجاوزها على أمل الوصول لرؤية كونية أكثر شمولًا للقدرة البشرية، رؤية لا تُنحّي نفسها عن أيٍ من المشاكل المركبة والصعبة لتبنّي الحق والخير جنبًا إلى جنب.

 



*Eurocentrism and its Avatars: The Dilemmas of Social Science.
** Immanuel Wallerstein:

 عالم اجتماع أميركي، ومؤرخ اجتماعي ولد عام 1930. كان رئيسًا لجمعية: علم الاجتماع الدولية، واشتُهر بتطويره لتحليل "المنظومات العالمية".

[1] تمثل هذه الورقة الخطاب الرئيسي الذي أُلقي في المؤتمر الإقليمي لشرق آسيا بعنوان"مستقبل علم الاجتماع في شرق آسيا" عام 1996، وبالتنسيق مع الجمعية الدولية لعلم الاجتماع.

[2] World-Systems
طور إيمانويل والرشتاين في الكتاب الذي شارك في تحريره وهو "النظام العالمي الحديث: الزراعة الرأسمالية وأصول الاقتصاد العالمي الأوروبي في القرن السادس عشر- الجزء الأول" والصادر عام 1980، نظريته عن المنظومات العالمية الحديثة سعيًا لفهم التغيرات التاريخية التي شكلت العالم الحديث. ويزعم والرشتاين أن نظريته تقدم تحليلًا أفضل لعملية التحديث وتجعل من الممكن إجراء مقارنات تحليلية بين أجزءا مختلفة من العالم. ولا ترتبط نظرية المنظومات العالمية بإسهامات والرشتاين حصرًا، إذ قدم كل من أندري غوندر فرانك وسمير أمين إسهامات أخرى في تلك النظرية. وتهتم النظرية بشكل عام بتقسيم العمل داخل كل أقليم أو دولة من جهة، وبين الدول القومية على صعيد العالم من جهة أخرى، مما يخلق تراتبية المركز والهامش. 

[3] E.L. Jones, The European Miracle: Environment, Economics, and Geopolitics in the History of Europe and Asia, Cambridge 1981.

[4] Nomothetic يقدم هذا المنهج في علم الاجتماع تفسيرات تميل إلى التعميم والتوصل إلى قوانين عامة تصلح للتطبيق على حالات مختلفة، ويركز هذا التفسير على توليد البيانات الكمية بهدف شرح العلاقات السببية بين الظواهر، وقد استخدم الفيلسوف ويلهلم ويندلباند(Wilhelm Windelband)  هذا المصطلح للتمييز بين اقترابات مختلفة للمعرفة، وقد صف ويلهلم هذا التفسير بأنه الأكثر  ملاءمة للعلوم الطبيعية (المترجم).

[5] Universalizing (المترجم). 

[6] هو عالم بريطاني ومؤرخ ومختص في علم الصينيات، عرف بأبحاثه ووكتاباته حول تاريخ العلم في الصين (المترجم). 

[7] Anouar Abdel-Malek, La Dialectique sociale, Paris 1972; translated as Social Dialectics, Vol. I, Civilisations and Social Theory, London  1981.

[8] هاينريخ ريكرت (Heinrich Rickert) ولد في بروسيا (بولندا) وكان فيلسوفًا وأستاذًا في جامعة فرايبورغ (1894-1915) وهايدلبرغ (1915-1932) (المترجم). 

[9] Heinrich Rickert, Die Grenzen der naturwissenschaftlichen Begriffsbildung,  Tubingen 1913;translated as The Limits  of Concept Formation in the Physical Sciences, Cambridge 1986

[10] يُعتمد تهكم غاندي المقصود هنا على نوع من التورية، إذ استخدم المحاور كلمة "western civilization" باعتبارها علم أو اسم، بينما تلقاها غاندي باعتبارها فعل ليصبح السؤال "ما رأيك بتمدين الغرب" ليكون رده "ستكون فكرة جيدة" (المترجم). 

 

[11] Abdel-Malek La dialectique  sociale; Edward  Said, Orientalism, New York 1978

[12] Wilfred Cantwell Smith, ‘The Place of Oriental Studies in a University’, Diogenes, no.16, 1956, pp. 10611

[13] يُشير النص هنا إلى تمييز إميل دوركهايم بين مفاهيم التضامن الميكانيكي والعضوي، وفقًا لتقسيمه ينتمي كل مجتمع إلى أحد نوعي التضامن المذكور، وقد فصل في ذلك بكتابه "حول تقسيم العمل الاجتماعي" (المترجم). 

 

[14] Xiaomei Chen, ‘Occidentalism as Counterdiscourse: “HeShang” in Post-Mao China’,Critical Inquiry, vol. 18, no. 4, Summer 1992, p. 687.

[15] J. B. Bury, The Idea of Progress, London 1920; Robert A. Nisbet, History  of the Idea of Progress, New York 1980.

[16] Verein für Socialpolitik

[17] عالم اجتماع أميركي ومُنظّر وباحث إمبريقي، عمل أساسًا في جامعة شيكاغو. وانتُخب رئيسًا لجمعية علم الاجتماع الأميركية (المترجم). 

[18] Anti-Eurocentric Eurocentrism (المترجم). 

[19]  Stephen K. Sanderson, ed., Civilizations and World Systems: Studying  World-Historical  Change, Walnut Creek, CA 1995. 

[20] Immanuel Wallerstein, ‘The West, Capitalism, and the Modern World-System’, Review, vol. xv, no. 4, Fall 1992, pp. 561619.

[21] Adam Smith, The Wealth of Nations [1776],  New York 1939, p. 13.

[22] للاطلاع على وجهة نظر مختلفة انظر:
Samir Amin, ‘The Ancient World-Systems Versus the Mod- ern Capitalist World-System’, Review, vol. xiv, no. 3, Summer 1991, pp. 34985.

[23] Immanuel Wallerstein, After Liberalism, New York 1995; Terence K. Hopkins and

Immanuel Wallerstein, coord., The Age of Transition:  Trajectory of the World-System,  1945

2015,London 1996.

 

[24] Immanuel Wallerstein, ‘Capitalist Civilization’, Wei Lun Lecture Series ii, Chinese University Bulletin, no. 23; reproduced in Historical Capitalism, with Capitalist Civilization, Verso, London 1995.

[25] Joseph Needham, Science and Civilisation in China, Cambridge 1954 onwards.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة