قراءة في كتاب «في ماهية الرواية» للدكتور الطيب بوعزة

أحمد بوقجيج
5/17/2017

قراءة في كتاب «في ماهية الرواية» للدكتور الطيب بوعزة

أحمد بوقجيج

1- سياق تأليف الكتاب:

بالرغم من تخصصه الفلسفي الذي يروم التجريد والمعقولية، فإن للمؤلف نزوعا بينا نحو الفن عامة، وعلاقة وطيدة بمختلف الأجناس الأدبية خاصة، قارئا ومشاركا وناقدا، تفصح عنه جموع المقالات والدراسات التي شكل الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه، أو الكتاب الآخر: «مقاربات ورؤى في الفن» الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة سنة 2007، حصيلة تلك المقالات، أو كانت المقالات حصيلة الكتابين. ويمكن إدراج عناوين دالة على هذا المنحى على سبيل التمثيل لا الحصر:

- عن راهن المسرح العربي([1])؛

- في تقريظ الخيال([2])؛

- في عشق مونالزيا([3])؛

- في التفسير الهيجلي لنشأة الرواية([4])؛

- الممارسة الفنية من منظور واقعي([5])؛

- الأدب على سرير بروكست([6])؛

- في ماهية الشعر([7])؛

- ملامح تطور النص الروائي العربي([8])؛

لذلك يرى المؤلف أن التكوين الأدبي رافد مهم لمن يروم حقل الفلسفة، فـ«التكوين الفلسفي واغتناء الرؤية إلى الوجود لن يتحققا إلا بالاتصال الدائم بالمتن السردي»([9])، وقد أكسبه هذا الاتصال أسلوبا رائقا، يجمع بين إشراقة الأديب وجماليته، ودقة الفيلسوف وصرامته، فالطيب بوعزة، في إبحاره في المتون الفلسفية اليونانية، يعرضها في أسلوب أدبي أخاذ، يخفف من العبارة الفلسفية، ويمنحها نفسا جديدا كما في تقديمه لأطروحة هيراقليط، حين يدلف إليه بهذا المهاد: «ليس من السهل السباحة في نهر هيراقليط؛ لأنه نهر موار يتبدل دفقه الدلالي في كل لحظة وحين... لأن العبارة الهيراقليطية موغلة في الترميز، ولا تفصح عن دلالتها بسهولة..»([10]).

2 - عرض الكتاب شكلا ومضمونا:

الكتاب من القطع الكبير، 345 صفحة، صدر في طبعته الأولى عن دار الانتشار العربي، بيروت، لبنان، 2013.

 قسم المؤلف الكتاب عدا المقدمة والخاتمة إلى بابين، وقد أعقب الباب الأول وفصوله الثلاثة الأخيرة بخلاصات مركزة. الباب الأول عنونه بسؤال: ما هي الرواية؟ عدد صفحاته: 64، من صفحة 15 إلى صفحة 79، أما الباب الثاني، وهو الأكبر، فعنونه: ها هي الرواية! «قراءات» في المتن السردي، عدد صفحاته: 262، من صفحة 83 إلى صفحة 345.

قدم لهذا العمل مجيبا عن تساؤل القارئ: لماذا الرواية؟ بما يشبه بداهة البدايات، ففي البدء كان اللعب، وفي البدء كان السرد، فكلاهما «يشد الوجدان الطفولي»([11])، ولأن «ثمة تعالقا صميميا بين الرواية والحياة»([12])، ولأن غلبة الفلسفة والعلوم قد أنسيا الإنسان كينونته وإنسانيته، فجاءت الرواية لتعوض هذا النقص الجوهري في المنظومة الثقافية.

قسم المؤلف الباب الأول إلى مدخل وخمسة فصول. في المدخل، استشكل المؤلف تعريف الرواية الذي دلف إلى مقاربته من الناحية الدلالية الماهوية، ومن الناحية التصنيفية، ثم من لحاظ المقارنة، وأخيرا من زاوية المدخل المعجمي، لينتهي إلى فشل هذه المقاربات جميعها في الإمساك بحد الرواية، مقترحا الارتحال من سؤال الماهية إلى سؤال الإنجاز، وهو عنوان الفصل الأول: كيف تُكتب الرواية؟

لا يقصد المؤلف من هذا الفصل البحث عن قوالب جاهزة للاحتذاء بها في كتابة الرواية؛ لأن الإبداع الفني يأبى النمذجة والحصر في قالب معين، ليصير الجواب عن السؤال موزعا بين مختلف الروائيين؛ لذلك يفسح المؤلف المجال للروائي، من خلال استحضار أشهر الروائئين المعاصرين: جبرييل جارسيا ماركيز، الذي يفضل إبقاء السؤال معلقا، وهو ما يدفع المؤلف إلى التفكير في الجواب عن سؤال: كيف تُكتب الرواية؟ من زاوية النقد، بدل لحاظ الإبداع في الفصل الثاني.

في هذا الفصل: كيف الرواية؟ يعلل المؤلف عدوله عن السؤال السابق: كيف تُكتب الرواية؟ باعتباره سؤالا إرشادي تقنيا إلى سؤال: كيف الرواية؟ بكونه سؤالا وصفيا يتقصد الوقوف «أمام المنجز الروائي موقف الواصف»([13]) الذي يروم بيان كيفية السرد الروائي، وملاحقةَ حركاته وامتداداته الفكرية المفتوحة على التحيين الدائم؛ لذلك يأتي الفصل الثالث للتحليل الوصفي لبنية الرواية وشكلها متمثلا في بنية السرد الذي خلص إلى مكوناته الرئيسية: الزمان والحبكة والمعقولية، معتبرا أن المكون الثالث ليس حكرا على الإنتاج الفلسفي، لأن السرد «حتى في شكله الأسطوري، يضفي على حركة الوجود معقولية تؤسس فهمه»([14]). أما من ناحية الشكل، فقد عرج المؤلف على مكونات وخصائص الخطاب السردي، مائزا بين اللغة والكتابة من جهة، وبين الراوية والشخصية من جهة أخرى. فلغة الرواية «قد تتمظهر بمستويين اثنين: فتكون لغة تصويرية شفافة تكشف وتصرح، أو لغة مكثفة تشير ولا تفصح»([15])، دون أن يعني هذا التمايز الإغفال «عن التداخل بين هذين النمطين داخل المتن الروائي الواحد»([16])، أما إضافة عنصر الكتابة إلى اللغة، فهي «إشارة إلى خصيصة مميزة للرواية عن الحكاية والأسطورة»([17]) التي يطبعها النقل الشفهي، كما ميز المؤلف بين الراوية/السارد الذي يطبع المتن الملحمي والأسطوري، وبين الشخصية التي اعتبر موقعها في المتن الروائي مناغما لمحورية  المفهوم في المتن الفلسفي، فهي تشمل كل من يشارك «في أحداث الحكاية، سلبا أو إيجابا، أما من لا يشارك في الحدث فلا ينتمي إلى الشخصيات، بل يكون جزءا من الوصف»([18])، وفي تمييزه بين زمن الأسطورة وزمن الرواية، يرى المؤلف أن النظام الزمني في السرد مركب ومعقد، متداخل الأبعاد، مع قابليته «لإعادة البناء على نحو مغاير لطبيعته الخطية»([19]) بينما زمن الحكاية خطي متواصل قريب من الزمن الطبيعي. ولاستكمال مكونات الخطاب السردي يعرج المؤلف على المكان الروائي، وضرورة انتظام المكونات السردية كمكونين أخيرين حتى يستوي النص السردي على سوقه، ويتحقق التعالق والترابط بين عناصره.

أما الفصل الرابع فقد عنونه المؤلف: في تعليل ظهور الرواية في العصر الحديث؛ حيث عالج فيه إشكالية نشأة الرواية، مناقشا الرؤى والنظريات المتداولة في تعليل هذه النشأة. وقد لخصها في ثلاث: التفسير الهيجلي لنشأة الرواية باعتبارها بديلا عن الملحمة، فكلاهما يمثل درجة من الوعي، ضمن شروط مجتمعية معينة، ولأن التاريخ عند هيجل هو مسيرة العقل([20])، وبما أن التاريخ  إنساني، فإن كل منتجات الإنسان تخضع لحكم التطور والصيرورة، ومن ذلك السرد الذي بدأ ملحميا شعريا يناسب طبيعة الوعي المجتمعي القديم المفتون بالآلهة والأبطال والأرواح الفاعلة إلى سرد نثري يناسب المجتمع الحديث، «ويقطع مع العالم السحري، ويتناول المعيش في واقعيته»([21]).

وقد جاء جورج لوكاش، الباحث المجري، فتابع تنظيره للرواية مطورا ملاحظات أستاذه هيجل معتبرا أن الرواية هي ملحمة بورجوازية تراجيدية يتصارع فيها البطل مع الواقع، وذلك بأشكال مختلفة. وفي تحليله لتاريخية الرواية الأوروبية استخرج لوكاش في كتابه: «نظرية الرواية» ثلاثة أنماط روائية حسب بطلها الإشكالي الذي يتردد بين الذات والواقع، وذلك في إطار مقاربة تاريخية جدلية، مضيفا إليها نموذجا رابعا يسعى فيه إلى تجاوز الأشكال الاجتماعية، من خلال تحليل إجمالي لروايات تولستوي، وهو نفس المنظور الذي سار فيه الباحث الروماني لوسيان جولدمان، حيث درس أدب القرن التاسع عشر معتمدا التنظير الماركسي المشهور الذي يرى أن الرأسمالية مرت بثلاث مراحل وهي الليبرالية والاحتكارية والإمبريالية، موردا لكل مرحلة ما يناسبها من منتج سردي مع تشغيل عمليتي الإبراز والإخفاء([22])، وهو ما يشكل أحد المآزق المنهجية لهذه النظرية مما سيجعل التفسير الهيجلي لنشأة الرواية، وما تلاه من تفريعات لوكاش وجولدمان معرضا للنقد خاصة من قبل الأديب الروسي ميخائيل باختين.

يتحفظ باختين كثيرا على علم الأدب الماركسي الذي يربط ربطا محكما بين الصراع الطبقي والأدب، ويرى أن لا وجود لأي علاقة يعتمد عليها الباحث كركيزة أساسية بين الملحمة والرواية من جهة، ولا بين البرجوازية والرواية من جهة ثانية. وبعد فك الرباط بين الملحمة والرواية باعتبارهما نوعيين أدبيين منفصلين اعتمادا على خصائص كل منهما، يذهب باختين إلى أن شخصيات الرواية تنهل في الأغلب من القاع الاجتماعي، مما يضرب في الصميم الربط بين البورجوازية وظهور الرواية الذي نادى به التفسير الهيجلي.

بعد ذلك ينتقل المؤلف، بعد سؤال النشأة، إلى سؤال الصيرورة والتطور، وهو ما عنون به الفصل الخامس: رواية الرواية، مشيرا إلى أن ذات الاختلاف الذي حصل حول النشأة، سيظهر جليا في اختيار النص السردي الذي يشكل نقطة البداية، منتهيا إلى أن الاختيار الصائب يجب نسبه «إلى عالم وزمن ثقافي، لا إلى علَم بلحمه وعظمه، مهما علا وسما قدره»([23])، والزمن الثقافي المقصود هنا هو القرن التاسع عشر الذي اعتبره المؤلف بداية التأسيس الفعلي لفن الرواية، بعد أن هيمن على السرد الأدبي نزوع نحو رواية المعيش والحكي الواقعي.

وفي ملاحقته لصيرورة السرد العربي، توقف المؤلف عند سؤال النشأة أيضا، متحفظا على القول بكون الرواية إبداعا أوروبيا صرفا، لوجود أشكال سردية سابقة كالمقامات، لكنها لم تجد التربة الخصبة لتطويرها، كما أن القول بظهور الرواية العربية في انفصال عن التأثير الغربي فيه مجانبة للصواب، لذلك يميل المؤلف إلى الجمع بين الأصالة والمثاقفة ممثلا في الكثير من الأعمال الروائية كروايات جرجي زيدان التاريخية، وما كتبه طه حسن والمازني والعقاد ويحيى حقي، كما يمكن الإشارة أيضا إلى أول عمل روائي تمثل لفنية السرد وتقنياته، يتعلق الأمر برواية «زينب» لمحمد حسين هيكل.

بعد هزيمة 1967، ستظهر أنماط وأشكال جديدة من السرد، فغدا «التأمل النفسي مدخولا بالسؤال الفلسفي، والسرد الواقعي مشروخا بالصوفي، حتى صار المتن الروائي موغلا في التعقيد والتركيب»([24]).

أما الباب الثاني، وهو الأكبر، فقد عنونه المؤلف: ها هي الرواية: قراءات في المتن السردي، وبالرغم من استهجانه للمقاربة التصنيفية في تعريف الرواية، عاد المؤلف في هذا الباب إلى ترصيف المتن السردي وفق ست مصوغات توزعت على الفصول الستة لهذا الباب، كل فصل تحته مجموعة من المتون الروائية، جامعا فيها بين السرد الغربي والسرد العربي، وهذا هو الجديد.

 فالفصل الأول عنونه: سرد الحب، وقد جمع في هذا الفصل بين المتون التي تطفح بحرارة الحب وما تستدعيه من تضحية وتفان،  وتلك التي تضرب في الصميم كل ما نسج حوله من قيم ومعان. وقد مهد حديثه بنكهة فلسفية، سالكا بالقارئ مسالك وعرة. وقد جمع في هذا الفصل بين المتون التي تطفح بحرارة الحب وما تستدعيه من تضحية وتفان ممثلا في رواية «بول وفرجيني» لهنري برناندان دي سان بيير، وتلك التي تضرب في الصميم كل ما نسج حول الحب من قيم ومعان ممثلة في رواية «مدام بوفاري» لغوستاف فلوبير، و«يوجيني جرانديه» لبلزاك، ومسرحية «دون خوان» لموليير، وفي هذه الأعمال يظهر تطور القيم في العالم الغربي، من عالم الرومانسية التخييلي إلى عالم الواقعية المعيش بكل تناقضاته، فما كان منها مستهجنا ومستنكرا أصبح مألوفا ومستساغا، حيث مثلت شخصية دون خوان لنمط جديد من القيم سيصبح فيما بعد نموذجا يحتذى به في الأوساط الأدبية والمجتمعية.

في الفصل الثاني يجمع المؤلف بين سيرة الذات ممثلة في «الأيام» و«أديب» لطه حسين و«خارج المكان!» لإدوارد سعيد وسيرة العقل ممثلة في «حي بن يقظان» لابن طفيل و«روبنسون كروزو» لدانيال ديفو و«المنقذ من الضلال» لأبي حامد الغزالي و«إميل» لجان جاك روسو.

أما الفصل الثالث الذي عونه المؤلف: سرد الحرب، وهو أقل الفصول عددا، فقد جمع فيه بين ثلاثة متون سردية هي: «الحرب والسلم» للروائي الروسي تولستوي و«كوخ العم توم» للأمريكية هارييت بيتشر ستو و«المصابيح الزرق» للروائي السوري حنا مينه.

في الفصل الرابع: سرد الواقع.. سرد التوقع، ينشغل المؤلف بسرد الواقع بامتداداته وتحولاته، ممثلا في سبعة أعمال روائية: «آنا كرنينا» لتولستوي و«الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي و«رسائل فارسية» لمونتيسكيو و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي و«اللص والكلاب» لنجيب محفوظ و«مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز و«بحثا عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست.

وفي الفصل الخامس: السرد والموت، يستحضر المؤلف نماذج سردية مشغولة بسؤال الموت ممثلة في الحكاية المعروفة «ألف ليلة وليلة» و«الديكاميرون» لجيوفاني بوكاشيو و«الأبله» و«الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي و«الغريب» و«الطاعون» لألبير كامو.

وفي الفصل السادس والأخير: سرد التحولات، يرصد المؤلف لحظات التحول التي تقطع مع الماضي الثقافي العجائبي خاصة كما هو الحال في رائعة «دون كيخوتيه دي لامنتشا» لسرفانتيس، أو تروم إدخال اللامعقول في كينونة الوجود كما تعكسه رواية «الحمار الذهبي» للوقيوس أبوليوس و«الخيميائي» لباولو كويلو و«أليس في بلاد العجائب» لتشارلز دودجسون.

3 - أطروحة الكتاب ومنهجه:

الرواية هي الحياة، هذه هي الأطروحة التي يدافع عنها المؤلف منذ بداية الكتاب حتى نهايته، ففي المدخل، يختزل الجواب عن سؤال لماذا الرواية، ليقول «بأوجز لفظ: إنها الحياة»([25])، وبعد عرضه لمجموعة من المتون السردية ينتهي في خاتمة الكتاب إلى أن هناك «صلة حميمية بين الحياة والسرد»([26]). وقد شكل الباب الأول الجانب النظري التمهيدي للكتاب، بينما جاء الباب الثاني مسحا لأهم الأعمال الروائية.

أما من حيثية المنهج، فقد اعتمد المؤلف في الفصول الثلاثة الأولى من الباب الأول المنهج التحليلي الوصفي، بينما سلك في فصليه الأخيرين المنهج التاريخي، أما في الباب الثاني، فقد تخفف من القيود المنهجية في قراءته للأعمال الروائية التي اختارها، معتبرا أن ما سيقوم به «مجرد خاطرات على هامش التن السردي، وليست اشتغالا منهجيا مستجيبا لشرط التقعيد»([27])؛ لذلك حين عنون الباب الثاني: ها هي الرواية! «قراءات» في المتن السردي، وضع كلمة «قراءات» بين مزدوجتين.

 وخلال البابين لا تخفى الظلال الفلسفية التي تخيم على صفحات الكتاب كله؛ فقد توسم المؤلف لمقاربة الرواية صيغة السؤال ابتداء من عنوان الباب الأول وبعض فصوله، وانتهاء بالباب الثاني الذي جاء عنوانه موسوما بصيغة تعجبية: ها هي الرواية! وفي هذا إشارة ضمنية إلى فشل الباب الأول في مقاربة الرواية من لحاظ التعريف الماهوي والدلالي؛ وكأن السؤال كان مضللا للقارئ، فالمؤلف، في مقاربته للمتن السردي، يستحضر استشكال تعريف الفلسفة التي انتقل به، في بحث سابق، من التعريف إلى التعرف، مع ما يعني هذا من استبعاد ما صيغ حول الفلسفة من مقدمات ومداخل وحدود، لصالح صيغة أخرى: ها هي الفلسفة! أو أقدم لك الفلسفة، فهو يرى أن الفكر الفلسفي لا يبين عن نفسه إلا من خلال الإبحار في متونه، وملاحقة تطوره، وإبصار تضاريسه ([28])، وهو نفس المنحى الذي سلكه المؤلف في مقاربة تعريف الليبرالية، حيث انتهى بعد فشل التعريف المعجمي والدلالي، إلى ملاحقة صيرورتها وتطورها بدل الإمساك بماهيتها([29]). وقد استعاد المؤلف هنا استشكال السؤال حين مقاربته المتن السردي، ليستبدل صيغة السؤال: ما هي الرواية؟ بصيغة التعجب: ها هي الرواية!

أما عن التصنيفات التي اختارها المؤلف لتوليف متونه السردية، فيمكن استشكال شمول هذه التصنيفات لكل جوانب الحياة التي ربطها المؤلف بالمتن السردي، كالتحرر والمقاومة الذي يمكن دفعه برواية «كوخ العم توم» للأمريكية هارييت بيتشر ستو.

أما عن المتون السردية المختارة، فمن الناحية الإحصائية: هناك 31 عملا سرديا تتوزع كالتالي:

م

المتن السردي

الكاتب

الانتماء الجغرافي

لغة السرد

الانتماء التاريخي

1

دون كيخوته

سرفانتيس

إسبانيا

الإسبانية

ق16

2

الحمار الذهبي

لوكيوس أبوليوس

اليونان

اليونانية

ق20

3

كوخ العم توم

هارييت بيتشر ستو

أمريكا

الإنجليزية

ق19

4

أليس في بلاد العجائب

تشالز دودنجسون

أنجلترا

الإنجليزية

ق19

5

الديكاميرون

جيوفاني بوكاشيو

إيطاليا

الإيطالية

ق14

6

الخيميائي

باولو كويلو

البرازيل

الإسبانية

ق20

7

بول وفرجيني

برناندان دي سان بيير

فرنسا

الفرنسية

ق 18

8

ألف ليلة وليلة

عربي مجهول

العالم العربي

العربية

 

9

الطاعون

ألبير كامو

فرنسا

الفرنسية

ق20

10

الغريب

ألبير كامو

فرنسا

الفرنسية

ق20

11

الإخوة كارامازوف

دوستويفسكي

روسيا

الروسية

ق19

12

الجريمة والعقاب

دوستويفسكي

روسيا

الروسية

ق19

13

الأبله

دوستويفسكي

روسيا

الروسية

ق19

14

رسائل فارسية

مونتيسكيو

فرنسا

الفرنسية

ق18

15

الأيام

طه حسين

العالم العربي

العربية

ق20

16

أديب

طه حسين

العالم العربي

العربية

ق20

17

قنديل أم هاشم

يحيى حقي

العالم العربي

العربية

ق20

18

اللص والكلاب

نجيب محفوظ

العالم العربي

العربية

ق20

19

الحرب والسلم

تولستوي

روسيا

الروسية

ق19

20

آنا كرنينا

تولستوي

روسيا

الروسية

ق19

21

روبنسون كرزو

دانيا ديفو

أنجلترا

الإنجليزية

ق18

22

مائة يوم من العزلة

جابرييل جارسيا ماركيز

كولومبيا

الإسبانية

ق20

23

بحثا عن الزمن الضائع

مار سيل بروست

فرنسا

الفرنسية

ق20

24

حي بن يقظان

ابن طفيل

العالم العربي

العربية

ق12

25

المنقذ من الضلال

أبو حامد الغزالي

العالم العربي

العربية

ق11

26

إميل

جان جاك روسو

فرنسا

الفرنسية

ق18

27

دون خوان

موليير

فنرسا

الفرنسية

ق17

28

المصابيح الزرق

حنا مينه

العالم العربي

العربية

ق20

29

يوجيني جرانديه

بلزاك

فرنسا

الفرنسية

ق19

30

مدام بوفاري

غوستاف فلوبير

فرنسا

الفرنسية

ق19

31

خارج المكان

إدوارد سعيد

العالم العربي

الإنجليزية

ق20

أما توزيع الكُتاب العرب جغرافيا فكالتالي:

 

المتن السردي

الكاتب

الانتماء الجغرافي

1

خارج المكان

إدوارد سعيد

فلسطين

2

الأيام

طه حسين

مصر

3

أديب

طه حسين

مصر

4

قنديل أم هاشم

يحيى حقي

مصر

5

اللص والكلاب

نجيب محفوظ

مصر

6

ألف ليلة وليلة

عربي مجهول

المشرق العربي

7

المصابيح الزرق

حنا مينه

سوريا

8

حي بن يقظان

ابن طفيل

الغرب الإسلامي

9

المنقذ من الضلال

أبو حامد الغزالي

المشرق العربي

من خلال الجدولين يمكن الخروج بالنتائج التالية:

1 - باعتبار لغة السرد، يلاحظ أن عدد المتون السردية المختارة والمكتوبة بغير العربية: 23، وبالعربية: 8، مما يعني أن هوى الرواية غربي المولد والنشأة على الحقيقة. وكون اللغة الفرنسية جاءت في المقدمة: (9)، فيه دلالة على ما لهذه اللغة من مكانة عند المؤلف، تبعا لتصدرها في الساحة الثقافية. وتأتي اللغة الروسية ثانيا: (5)، لما تمثله الرواية الروسية من فرادة وعمق خاصة مع دوستويفسكي، ثم أخيرا، اللغة الإنجليزية والإسبانية.

2 – باعتبار الانتماء الجغرافي، يأتي العالم الغربي في المقدمة: (20)، والعالم العربي: (9)، مما يؤكد النتيجة السابقة: إن المتن السردي يجد مولده ونشأته في الغرب. وفي العالم الغربي، تأتي فرنسا بنفس النتيجة: (9)، مما يعني أن كُتَّاب المتون السردية باللغة الفرنسية كلهم فرنسيون، وهو الأمر الذي لا نجده في اللغة الإسبانية أو الإنجليزية، فالبرازيلي باولو كويلو والكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز، كلاهما كتب باللغة الإسبانية، كما أن أمريكا وإنجلترا يشتركان في نفس اللغة. وبالنسبة للعالم العربي، تحضر مصر، وبقية دول المشرق قديما وحديثا، أما المغرب فيحضر ابن طفيل من الأندلس.

3 – أما بالنسبة للانتماء التاريخي، فأغلب المتون المختارة: (25)، تنتمي على التوالي إلى القرن العشرين والتاسع عشر والثامن عشر، فالأول عدد متونه: (12)، والثاني: (9)، والثالث: (4). أما بقية المتون: (6)، فتوزعت على القرون السابقة من القرن العاشر أو الحادي عشر إلى القرن السابع عشر، وهو ما يعني أن الرواية قد بدأت فعليا في القرن الثامن عشر، إلا أنها لم تأخذ مسارها وتستوي على سوقها إلا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. أما أقدم المتون السردية المختارة فتعود إلى القرن الحادي عشر والثاني عشر، وهي متون عربية، مما يعني الاعتراف بالسبق العربي في تدبيج السرد من خلال «قصة حي بن يقظان» لابن طفيل، و«المنقذ من الضلال» لأبي حامد الغزالي.

4 - أهمية الكتاب:

تظهر أهمية هذا الكتاب في كونه يمد القارئ بجهاز مفاهيمي للولوج إلى عالم الرواية؛ إنه كتاب منهجي، ودليل إجرائي لقراءة المتون السردية، فهو من جهة، يطلع القارئ على أهم النصوص السردية التي تمثل معالم ينبغي المرور منها، ومن جهة أخرى، يقدم إضاءات منهجية للإمساك بالرؤى الثاوية خلف شخوص وأحداث تلك المتون.

كما أن الكتاب يقدم صورة أخرى عن الفضاء الروائي الذي درج البعض على ربطه بالإمتاع والتسلية، وإبعاد أصحابه من كل نزوع فكري أو فلسفي؛ ذلك أن المتن السردي مؤهل أكثر من غيره لتوصيل رؤى وأفكار، وبناء نظم معرفية وقيمية،  فالرواية «تغير الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، والأسلوب الذي نتكلم به عنه، وبالتالي تغير العالم نفسه»([30]). ويكفي استحضار بعض الأعمال الروائية لمعرفة ما تختزنه شخوصها وفضاءاتها من توجهات ونزوعات تتقصد بناء رؤية إلى الذات وإلى العالم وإلى القيم الواجب تجسيدها بين هذه العناصر، والنماذج التي ساقها المؤلف مفصحة عن ذلك، فـ«مؤسس الأزمنة الحديثة - حسب ميلان كونديرا -  ليس ديكارت فحسب بل كذلك سرفانتيس»([31])، لذلك ألح المؤلف على استكمال النظر في المتن الفلسفي بالنظر في المتن السردي لتكتمل الصورة؛ فما كتبه دوستويفسكي مثلا في بعض سياقاته «أكثر إيغالا في التأمل الفلسفي من بعض المتون الروائية التي كتبها فلاسفة متخصصون في الفكر أكثر من تخصصهم في السرد»([32])، وما كتبه سارتر منظرا للوجوية، تحول لدى ألبير كامو إلى شخوص وأحداث، خاصة من خلال ثلاثيته المشهورة: «الغريب»، و«أسطورة سيزيف»، ومسرحية «كاليجولا» ([33])، وهذا يعني أن المتن السردي قد يبلغ تأثيره في الأفراد والمجتمعات إلى حد التأثير في القضايا الكبرى؛ فهناك أعمال روائية كان لها تأثير كبير إلى درجة إشعال الثورات؛ فرواية الأمريكية هارريت بيتشر ستو «كوخ العم توم أو حياة المعذبين على الأرض» قد اعتبرت «في التاريخ السياسي للولايات المتحدة الأمريكية أحد العوامل المساهمة في ثورتها»([34])، وقد قال أبراهام نكولن عن المؤلفة مشيرا إلى دور روايتها في حرب الانفصال، بمبالغة لا تخلو من الحقيقة: «المرأة الصغيرة التي أشعلت الحرب الكبيرة»([35]).

وهكذا ارتبطت الرواية بقضايا الشعوب التي انبثقت عنها، فعبرت عن أحلامها وتطلعاتها؛ فرواية «روبنسنون كروزو» لدنيال ديفو الإنجليزي (ق18)، «تدور حول أوروبي يخلق لنفسه إقطاعية على جزيرة غير أوروبية»([36]) تعبيرا عن أطماع دولته في عوالم أخرى؛ لأن «روبنسون كروزو عمليا غير قابل للخطور ببال، في غياب المهمة الإرسالية الاستعمارية التي تسمح له بأن يخلق عالما جديدا خاصا به في أقاصي البراري النائية في أفريقيا»([37])، مما يعني ذلك الربط الذي يصل فيه إدوارد سعيد بين الثقافة والإمبريالية، أو بين السرد والرؤية إلى العالم عموما كما تؤكدها كتابات إدوارد سعيد وعلي عزت بيغوفيتش وعبد الوهاب المسيري وغيرهم.



الهوامش:

([1]) نشرت في: العبارة، مجلة فصلية أدبية تعنى بالنقد وبالإبداع، العدد 1، أغسطس 2006، ص: 126 129.

([2]) نشرت في: طنجة الأدبية، مجلة ثقافية شهرية، العدد: 24، مارس 2010، ص: 29.

([3]) نشرت في: طنجة الأدبية، العدد: 25، أبريل 2010، ص: 10.

([4]) نشرت في: طنجة الأدبية، العدد: 30، أكتوبر2010، ص: 29.

([5]) نشرت في: طنجة الأدبية، العدد: 34، أبريل 2011، ص: 25.

([6]) نشرت في: طنجة الأدبية، العدد: 36، يوليو 2011، ص: 28.

([7]) نشرت في: طنجة الأدبية، العدد: 37، ديسمبر 2011، ص: 31.   

([8]) نشرت في: طنجة الأدبية، العدد: 38، مارس 2012، ص: 38.

([9]) الطيب بوعزة، في ماهية الرواية، الانتشار العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2013، ص: 84.

([10]) الطيب بوعزة، هيراقليط: فيلسوف اللوغوس، تاريخ الفكر الفلسفي الغربي (4)، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط1، بيروت، 2015، ص: 9

([11]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 9.

([12]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 10.

([13]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 31.

([14]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 38.

([15]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 38.

([16]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 39.

([17]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 39.

([18]) لطيف زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرواية، مكتبة لبنان ناشرون، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 2002، ص: 114.

([19]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 46.

([20]) انظر: هيجل، العقل في التاريخ، المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة وتقديم وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، ط3، 2007، ص: 78.

([21]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 52.

([22]) انظر: لوسيان جولدمان، مقدمة إلى مشكلات علم اجتماع الرواية، ترجمة خيري دومة، فصول، مجلة النقد العربي، تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد الثاني عشر، العدد الثاني، صيف 1993، ص: 35.

([23]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 68.

([24]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 74.

([25]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 13.

([26]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 345.

([27]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 85.

([28]) انظر الفصل الذي خصصه المؤلف لذلك: الطيب بوعزة، في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة: نقد التمركز المغربي، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط1، بيروت، 2012، ص: 111 وما بعدها.

([29]) انظر: الطيب بوعزة، نقد الليبرالية، مجلة البيان، ط1، 1430هـ - 2009م، ص: 22 وما بعدها.

([30]) ميشال بوتور، بحوث جديدة في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، ط3، بيروت، باريس، 1986، ص: 96.

([31]) ميلان كونديرا، فن الرواية، ترجمة: بدر الدين عرودكي، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، ط1، 1999، ص: 12.

([32]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 226.

([33]) انظر: الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 295.

([34]) الطيب بوعزة، مرجع سابق، ص: 206.

([35]) تقديم المترجم: سليم خليل قهوجي، هارييت بيتشر ستو، كوخ العم ستو أو حياة المعذبين على الأرض، دار الجيل، بيروت، 2009، ص: 7.

([36]) إدروارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط4، 214، ص: 58.

([37]) إدروارد سعيد، مرجع سابق، ص: 132 - 133.

المصادر والمراجع:

1.     إدروارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط4، 214.

2.     تقديم المترجم: سليم خليل قهوجي، هارييت بيتشر ستو، كوخ العم ستو أو حياة المعذبين على الأرض، دار الجيل، بيروت، 2009.

3.     طنجة الأدبية، مجلة ثقافية شهرية، العدد: 24، مارس 2010.

4.     الطيب بوعزة، في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة: نقد التمركز المغربي، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط1، بيروت، 2012.

5.     الطيب بوعزة، في ماهية الرواية، الانتشار العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2013.

6.     الطيب بوعزة، نقد الليبرالية، مجلة البيان، ط1، 1430هـ - 2009م.

7.     الطيب بوعزة، هيراقليط: فيلسوف اللوغوس، تاريخ الفكر الفلسفي الغربي (4)، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط1، بيروت، 2015.

8.     العبارة، مجلة فصلية أدبية تعنى بالنقد وبالإبداع، العدد 1، أغسطس 2006.

9.     لطيف زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرواية، مكتبة لبنان ناشرون، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 2002.

10. لوسيان جولدمان، مقدمة إلى مشكلات علم اجتماع الرواية، ترجمة خيري دومة، فصول، مجلة النقد العربي، تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد الثاني عشر، العدد الثاني، صيف 1993.

11. ميشال بوتور، بحوث جديدة في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، ط3، بيروت، باريس، 1986.

12. ميلان كونديرا، فن الرواية، ترجمة: بدر الدين عرودكي، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، ط1، 1999.

13. هيجل، العقل في التاريخ، المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة وتقديم وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، ط3، 2007.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة