قراءة في الكتاب: «الإسلام والعنف: قراءة في ظاهرة التكفير»

سليماني حافظ
2/7/2017

قراءة في الكتاب: «الإسلام والعنف: قراءة في ظاهرة التكفير»

تأليف: الشيخ حسين الخشن

قراءة: سليماني حافظ

 

 

كتاب «الإسلام والعنف» للشيخ حسين الخشن، نشر المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2006، عدد صفحاته 301 صفحة، وجاء الكتاب مقسَّمًا إلى خمسة فصول تضمَّن كل فصل مجموعة من القضايا الجوهرية المهمة، وتجدر الإشارة إلى أنَّ الشيخ حسين الخشن يعد عالم دينٍ شيعيّ لبناني، له مجموعة من المؤلفات؛ منها: ظواهر ليست من الدين، هل الجنة للمسلمين وحدهم... قراءة في مفهوم الخلاص الأخروي، العقل الإسلامي بين سياط التكفير وسبات التفكير...

وفي مقدمة كتابه ذكر أنه ثمة أزمات كثيرة وتحديات كبيرة تعصف بالأمة برمتها وتهدِّد ما تبقى من أمنها وتماسكها، وتُشَوِّه صورتها وتُعرِّض حاضرها ومستقبلها للأخطار، ومن هذه التحديات ما يفرضه الخارج علينا مستعمِلًا كل أسلحته؛ العسكرية، والأمنية، والاقتصادية، والإعلامية، والسياسية، والفكرية، في محاولةٍ لتشويه فكرنا وديننا، ومصادرة ثرواتنا والقضاء على كل عناصر القوة فينا؛ خشيةَ نهوض هذا المارد الإسلامي بما يملك من فكر أصيل مشرق، وطاقات بشرية وطبيعة جبارة، لكنَّ هناك نوعًا آخر من التحديات، وهي تحديات الداخل الإسلامي التي تتحرك على أرضية واقع ممزق متناحر، تفتك به الانقسامات والخلافات المذهبية والعرقية، في ظل انعدام أدنى شروط المناعة الداخلية، ومن آخر هذه التحديات تنامي الأفكار التكفيرية عند الكثير من المسلمين، بحيث وصل الأمر إلى حد الظاهرة المخيفة؛ لأن المسلم الذي يحمل الفكر التكفيري تحوَّل إلى إنسان صداميّ وعدواني تجاه الآخر ممن لا يتفق معه في الرأي أو لا يلتقي معه في المذهب أو الدين، وقد استفحلت هذه المشكلة في عصرنا الراهن فبتنا نشهد حركات تكفيرية متطرفة تحكم بكفر المجتمع الإسلامي برمته، فضلًا عن غيرها من المجتمعات، وهكذا استبيحت الدماء وانتهكت الأعراض وسلبت الأموال باسم الإسلام.

بعد هذه المقدمة الهامة، تطرق في الفصل الأول إلى تاريخية ظاهرة التكفير، معتبرًا أن هذه الظاهرة ليست بجديدة على المجتمع الإسلامي، بل إنها تمتد إلى العصر الإسلامي الأول، وتحديدًا إلى ما بعد معركة صفين ونشوء فرقة الخوارج، التي يمكن اعتبارها أول حركة تكفيرية ودموية عرفها التاريخ الإسلامي، فقد حكم الخوارج بكفر أو شرك مرتكب الكبيرة من المسلمين، وتكفير الإمام علي بن أبي طالب.

وقال حسين الخشن إنَّ مما يبعث على الأسف ويثير القلق والأسى أنَّ واقعنا الإسلامي يشهد موجات من التكفير والتكفير المضاد، وتسرُّعًا في إخراج الناس عن الدين دون ضوابط أو قيود، وهكذا ابتليت الأمة بجامعة من أنصاف المتفقهين الذي يتعجلون في الإفتاء بارتداد من يخالفهم الرأي في بعض المسائل العقائدية أو حتى الفقهية والتاريخية، ويرتبون على ذلك إهدار دمه واستحلال ماله وانتهاك حرمته، هذا مع أنه لا يكاد يخفى على المطلع والعارف بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنَّ هناك تحذيرًا بالغًا ونهيًا شديدًا عن المسارعة في تكفير المسلم وإخراجه عن الدين، قال تعالى: [وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا] [النساء: 94]، ثم تحدث عن القاعدة الأساسية في الإسلام وهي محقونية الدماء وعصمتها، مع غض النظر عن هوية أصحابها المذهبية والدينية؛ لأن القتل وسفك الدماء قبيح في شريعة العقل والعقلاء، مصداق واضح للظلم، وهو ما استقل العقل بقبحه، وأما في شريعة السماء فإن حفظ النفوس من أهم المقاصد التي هدفت الشريعة إلى تحقيقها، ولذلك اعتبر الله سبحانه أن قتل النفس واحدة تعادل قتل البشر جميعًا، وأن إحياءها يعادل إحياءهم جميعًا [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] [المائدة: 32] ومن النقط التي عالجها في الفصل الأول: فقه العلاقة مع الآخر بين التعايش والانغلاق، طارحًا سؤالًا جوهريًّا، هل يدعو الإسلام إلى القطيعة مع الآخر واجتنابه والتمايز عنه في مواطن السكن وأنماط العيش وسلوكيات الحياة ليعيش في مجتمع منعزل عن الآخرين؟ وقال جوابًا على ذلك: قد يكون من نافلة القول أنَّ الدعوة إلى الابتعاد التام عن الآخر أو إبعاده عن دائرة المجتمع الإسلامي= لا تملك حجة شرعية، فالإسلام لا يوافق على التطهير الديني، كما لا يوافق على التطهير العرقي، ويعتبر أن التطهير -عرقيًّا أو دينيًّا- هو نوع من العصبية المذمومة والمحرمة، مبيِّنًا في الوقت نفسه أنَّ هناك فتاوى تدعو للقطيعة مع الآخر، من قبيل الفتوى بنجاسة كل من ليس مسلمًا، وجواز لعن الآخر...

الفصل الثاني: تناول فيه مناشئ التكفير، وقد بين فيه أنَّ للتكفير أسبابًا متعددة، ومن ذلك النظرة السطحية؛ أي قلة المعرفة بتعاليم الدين وقيمه، أضف إلى ذلك التعلق بالقشور بدل التعمق في المقاصد، وقراءة ما بين السطور، ثم انتقل للحديث عن التطرف الديني، مبيِّنًا أنَّ التعمق والتشدد في الأخذ بأحكام الإسلام يقود إلى الإفراط أو التفريط، وبذلك يقع التطرف الديني الذي يعتبر من أخطر أنحاء التطرف، وبين الكاتب أنه لا يقتصر تشدد المتطرف على نفسه، بل إنه يتشدد مع الآخرين ويقسو في حكمه عليهم، وربما أخرجهم عن الدين، واستباح دماءهم وأعراضهم وأموالهم.

الفصل الثالث: تمحور حول صفات التكفيريين، وذكر الكاتب أنَّ مرض الاستعلاء والغرور الديني من الصفات البارزة للجماعات التكفيرية، والسرّ في ذلك أنَّ الجاهل كلما ازداد نسكًا ازداد غرورًا وإعجابًا بنفسه وبدينه، والغرور الديني من أخطر أنواع الغرور؛ لأن المغتر بالدنيا قد توقظه المواعظ، وأما المغتر بالدين فلا تنفع معه المواعظ؛ لأنه لا يتقبلها، وكيف يتقبلها، وهو يرى نفسه في موضع الواعظ لا المتعظ، والناصح لا المنتصح، إلى غير ذلك من الصفات كما تحدث عنها الكاتب.

الفصل الرابع: خُصَّ بالحديث عن أنحاء التكفير وأشكاله، واعتبر الكاتب أن أخطر الأسلحة التي يستخدمها المسلمون في وجه بعضهم البعض، رمي الآخر بالابتداع في الدين، الأمر الذي يستتبع إخراجه من الدائرة الإيمانية، والحكم عليه بأنه من أهل النار، ومعاقبته بما يضع حدًّا لبدعته، وليس هذا فحسب، فقد بيَّن الكاتبُ أنَّ هناك آفة خطيرة تفتك بمجتمعاتنا الإسلامية، وتزيدها تمزيقًا، وتُعمِّق شقة الخلاف بين طوائفها وأبنائها، وهي محاولة كل فرقة أو جماعة احتكار الشرعية والهداية والاستقامة لنفسها، وسلبها عن الآخرين، واتهامهم بالفسق والخروج عن جادة الشريعة، وتناول الكاتب ظاهرةً تتفشى في مجتمعاتنا الإسلامية وغيرها هي ظاهرة السب والشتم، فأتباع هذ الدين يسبون أتباع هذا الدين الآخر أو مقدساتهم، وأتباع هذا المذهب يسبون أتباع المذهب الآخر... وهذا وغيره قد يجُرّ إلى فتنة عمياء، ويخلق ردات فعل غير محسوبة العواقب، ويُضعِف الساحة الداخلية، ويفقدها تماسكها ومناعتها.

الفصل الخامس: جاء تحت عنوان «في الخطاب التكفيري» بيَّن فيه أنَّ الخطاب الديني تتجاذبه أطراف متعددة، ومدارس متنوعة في ثقافتها وأسلوبها ومنطلقاتها وأهدافها، ولكي لا يبقى الأمر موضع جَدَل قال الكاتب: لا بدَّ من توفر مجموعة من الضوابط والصفات في الناطقين باسم الدين إفتاءً أو وعظًا، تعليمًا وتدريسًا، وأُولى هذه الضوابط هي أن يكون المتحدث باسم الدين مزوَّدًا ومسلَّحًا بالعلم والمعرفة؛ ليكون أهلًا للحديث عن الدين عقيدة وشريعة ومفاهيم عامة، يقول الله سبحانه: [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] [الإسراء: 36] كما نبَّه الكاتب إلى قضية احترام التخصصات؛ إذ إنَّ لكل علم متخصصون فيه، واصفًا الأمة التي لا تحترم التخصصات العلمية بأنها أمة لا تحترم نفسها، ولن تُوَفَّق في عملية النهوض، وهذا لا يعني عند الكاتب أن الفكر الديني مثلًا حكر على طبقة معينة.

بعد هذا انتقل إلى سؤال جوهري هو: كيف نواجه التطرف؟ واعتبر الكاتب أن التكفير لا يواجه بالتكفير لأن ذلك لا يحلّ المشكلة ولا يغير قناعة، بل ربما زاد المشكلة تعقيدًا، والقناعة رسوخًا، ومن جهة أخرى فإنَّ الخُلق الإسلامي يأبى مواجهة الشتيمة بمثلها، والسيئة بأختها، وإنما يدعونا إلى الصفح والدفع بالتي أحسن، يقول سبحانه: [وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] [فصلت: 34] والخطوة الأولى لمواجهة التكفير ضرورة دراسة أسباب التكفير، ومعرفة منطلقاته كمقدمة ضرورية لمعالجتها والتخلص منها، فربما كانت الأجواء الاقتصادية والأمنية والسياسية مؤثرة في نمو الأفكار التكفيرية، وطريق المعالجة في هذه الحالة ينحصر برفع تلك الموانع وإزالة تلك الأسباب، أما لو كانت أسباب التكفير ثقافية، والمشكلة هنا صعبة وعلاجها أشد صعوبة، ففي هذه الحالة يكون لِزامًا مواجهة الفكر التكفيري ومقارعته، بالحجة والبرهان لا بالسجن والسيف، والخطوة الثانية تعزيز ثقافة التسامح ونشر رسالة المحبة والتأكيد على احترام الآخر في نفسه وماله وعرضه، ورعاية حقوقه وحفظ إنسانيته، وكف الأذى عنه ما دام لا يتحرك بالظلم والعدوان، وقال الكاتب أيضًا: «أخال أنَّ أهم قيمة يجدر بنا التبشير بها والدعوة إليها بعد تأصيلها وتنظيمها هي حق الاختلاف بين بني البشر؛ لأن التكفير ينبت وينمو في أجواء القمع والاستبداد، ويتحرك في ظل أحادية الرأي والفهم التي يراد فرضها على الآخرين ومصادرة حقهم في الاختلاف» وذلك لكون الاختلاف لا يساوي التمزق والتشتت، ولا يعني أنَّ من ليس معي فهو ضدي، ومن لا يوافقني الرأي فهو عدوي، وإذا ما قاد الاختلاف إلى التناحر والتنازع فهو تخلف وجاهلية، أما إذا تحرك وفق قانون التدافع والتنافس فهو ليس أمرًا جائزًا ومحمودًا فحسب، بل هو شرط لديمومة الحياة الاجتماعية والإنسانية كما يؤكد علماء الاجتماع، وفي ذلك جاء قوله تعالى: [...نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا] [الزخرف: 32].

ويبقى موضوعا التطرف والتكفير من الموضوعات التي تفرض نفسها في الوقت الحاضر، الأمر الذي يستدعي تعميق البحث العلمي الرصين قصد التوصل إلى أسباب بروز ذلك، وفي نفس الوقت التفكير في حلولٍ علمية قصد وقف هذه الآفة الخطيرة التي تهدد الإنسان في وجوده، وحرية فكره ومذهبه ودينه؛ فهل نحن فاعلون؟



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة