العلم وشفرة أوكام والله

عبد الله سامي أبولوز
1/12/2017

العلم وشفرة أوكام والله

ديفيد جلاس ومارك مكارتني ([1])

ترجمة: عبد الله سامي أبولوز

«شفرة أوكام لا تقطع صلة العالـم بالله».

[ديفيد جلاس ومارك مكارتني].

الفكرة القائلة بأنَّ العلم فنّد ([2]) أطروحة الله لتفسير العالم شائعة جدًّا، حيث يُشار إلى تقدُّم العلم وازدياد قدرته في تفسير العالم يومًا بعد يوم؛ وبالتالي نقصان الحاجة إلى الله في فهم العالم. أحيانًا، تصاغ الفكرة السابقة وفقًا لشفرة ويليام أوكام (William of Ockham) الشهيرة، فيلسوف العصور الوسطى وعالم لاهوت، والتي تنص على التالي: «من العبث القيام بعدد أكبر من الخطوات لإنجاز شيء ما، بينما يمكننا إنجازه بعدد خطوات أقل». حينما نطبق شفرة أوكام على العلم والله؛ تكون المقولة كما يلي: بما أنَّ العلم قادر على تفسير العالم بنفسه؛ فلا حاجة لنا بأداتي تفسير حين تكون أداة واحدة قادرة على إنجاز ما تفعله الأخرى.

يعتبر هذا النوع من الاستدلالات مركزيًّا في الطرح الإلحادي المعاصر، حيث احتكم كريستوفر هيتشنز (Christopher Hitchens) بوضوح إلى شفرة أوكام حينما أقام حجته ضد الله، واستخدم ريتشارد دوكنز (Richard Dawkins) نفس الاستدلال في كتابه المعروف «وهم الإله» ([3]) المنشور في (عام 2006 م)، فكتب: «تاريخيًّا، سعى الدين إلى تفسير وجودنا، وطبيعة الكون، محاولًا مساعدتنا في إدراك ذواتنا؛ إلَّا أنَّ العلم خَلَفَ الدين في زمننا الحاضر». ركَّز دوكنز في دعواه أنَّ العلم فنَّد الحاجة إلى الله بشكل خاص على قضية (تقويض أطروحة داروين لحجة التصميم). وبعيدًا عن طرح الإلحاد المعاصر، يلخص عالـم الكونيات سين كارول (Sean Carrol) هذه المسألة بوضوح، فيقول: «استطاع التقدم العلمي على مدار الخمسة قرون الأخيرة أن يجرد الله من أدواره التي يلعبها في هذا العالـم؛ ولذلك كان استدعاء الله لتفسير الظواهر الطبيعية أمرًا مقبولًا قبل ألفي عام، ولكن يمكن فعل ما هو أفضل من ذلك في الحاضر» ([4]).

في الحقيقة؛ فإنَّ شفرة أوكام يمكن أن تكون أداة مفيدة للغاية إذا استخدمت بالشكل المناسب؛ ولذلك فإنَّ استخدامها بشكل غير صحيح قد يكون له انعكاسات خطيرة؛ ولهذا يتوجب أخذ الحيطة عند التعامل معها. دعونا نضرب مثاليين لتوضيح هذه القضية:

المثال الأول: دعونا نضرب - مثالًا - يكون وسطًا صالحًا لاستخدام شفرة أوكام.

افترض أنَّك لا تستطيع تشغيل سيارتك، فليس هناك سوى تفسيرين لفهم سبب تعطل السيارة:

(1) هناك عطل فني في البطارية.

(2) هناك عطل فني في محرك إنشاء الحركة.

في هذه الحالة سوف تقوم باستدعاء ميكانيكي ليتفحص السيارة، والذي يقرر بأن العطل يكمن في البطارية؛ ولهذا فإنَّنا لـم نعد بحاجة للشك بأنَّ الخلل يقع في محرك إنشاء الحركة (Starter Motor). إنَّ شفرة أوكام تزيل الحاجة لتفسير آخر، بما يعني أنَّ حقيقة فرضية (عطل البطارية» فنَّدت فرضية (عطل محرك إنشاء الحركة).

وبالطبع؛ فإنَّ احتمالية وجود إشكالية في كلا جزئي السيارة لا تزال قائمة، بحيث لا يمكن استبعاد أي من العطلين إلَّا عندما تعمل السيارة، في هذه الحالة سيكون صاحب السيارة غير محظوظ بتاتًا، ولكن بناءً على الأدلة المتوفرة وبتطبيق شفرة أوكام؛ فإن تفسيرًا واحدًا يكفي.

المثال الثاني: تخيَّل حادثًا مروريًّا بالقرب من إشارة ضوئية، والأدلة الأولية المعطاة تُشير إلى علاقة بين المشهد وحالة أحد السائقين. وفقًا لتقرير رجال الشرطة، فهناك احتمالية قائمة لتفسيرين:

(1) أحد السائقين قطع الإشارة الحمراء.

(2) السائق نفسه كان يتعاطى مواد مُسكرة.

فيما بعد، توفرت أدلة أخرى تشير إلى أنَّ سائق السيارة تعاطى مواد مُسكرة.

في هذه الحالة، هل تطبيق شفرة أوكام يسمح لنا باستبعاد أي سبب يدعو لتفكير في أنَّ احتمالية فرضية «كون أحد السائقين قطع الإشارة الحمراء» ما زالت قائمة؟ بالتأكيد لا، فالجمع بينهما أمرٌ مرجح وبشكل قوي. وعلى هذا؛ فهناك حاجة لكلا الفرضيتين للتوفيق بين جميع الأدلة، فيمكن لاستهلاك المواد الكحولية أن يوضح سبب تجاوز السائق للإشارة الحمراء؛ ولذلك فإنَّ تطبيق شفرة أوكام في هذه الحالة يعتبر تطبيقًا مضللًا ولا يتلائم مع طبيعة المعلومات المتوفرة في هذه الحالة.

اقطع هنا!

عطفًا على ما سبق، يتوجب علينا طرح السؤال التالي: «كيف لنا أن نحدد صلاحية تطبيق شفرة أوكام على قضيةَ ما، بحيث نقرر الاعتماد على فرضية دون الأخرى؟

 قمنا في بعض الأعمال الحديثة، مثل: فصل «هل يمكن استبعاد أدلة التصميم؟» من كتاب «الاحتمالات في فلسفة الدين»، بتحرير كل من جيك تشاندلر وفيكتوريا هاريسون؛ بالإضافة إلى فصل «التفسير والتفنيد في العلم والدين» من كتاب «اللاهوت والعلم الصادر» في (عام 2014 م) بتقديم إجابة منهجية قائمة على نظرية الاحتمالات، وإجابة غير منهجية تعتمد على إجابة عدد معين من الأسئلة على النحو التالي:

* السؤال الأول: هل الفرضيتين (س)، و(ص) متناقضتين (Mutually Exclusive)؟ إذا كانت الإجابة بـ (نعم)؛ فيلزم من هذا أنَّ صحة أحدهما تنفي الأخرى والعكس هنا صحيح. تتطلب هذه الحالة - والتي تفترض تناقض الفرضيتين - تطبيقًا ركيكًا (Trivial) لنسخة أوكام؛ ولذلك فإنَّ القضية ستكون أكثر تشويقًا في حال كانت الفرضيتين ليستا متناقضتين.

* السؤال الثاني: هل تعتمد أحد الفرضيتين على الأخرى؟ إذا كانت الإجابة بـ (نعم)؛ فهذا يُقلل من صلاحية تطبيق شفرة أوكام.

* السؤال الثالث: ما هي احتمالية كون الدليل المتوفر بين أيدينا قد يكون نتاج عن أحد الفرضيتين بشكل مستقل عن الأخرى؟ اذا كانت الإجابة: إنَّ ذلك (محتمل جدًّا)؛ فهذا يرفع من صلاحية تطبيق شفرة أوكام.

* السؤال الرابع: هل هناك سبب وجيه لقبول أحد الفرضيتين؟ إذا كانت الإجابة بـ (نعم)؛ فهذا يُنقص من أثر تطبيق شفرة أوكام في مثل هذه الحالات.

دعنا نطبق هذه الأسئلة على المثالين السابقين في مثال تعطُّل السيارة!

من الواضح أنَّ التفسيريين المُقدَّمين غير متناقضين= (السؤال الأول)، في حين أنَّ الإجابة على السؤالين الثاني والرابع تساعدنا في رؤية سبب ملائمة تطبيق شفرة أوكام. فكما يبدو: أنَّ كلتا الفرضيتين لا تعتمدان على بعضهما البعض= (السؤال الثاني)، ولا يمكن أن يكون أحدهما تفسيرًا منفردًا للدليل المتحصل عليه= (السؤال الثالث)، وأمَّا (السؤال الرابع)؛ فإجابته= أنَّ الميكانيكي قد وجد بالفعل أن أحد التفسيرين هو الصحيح.

أما مثال الحادث المروري؛ فإن التفسيرين ليسا متناقضين= (السؤال الأول)، هناك ترابط بين الاثنين حيث يمكن لأحدهما أن يُفسِر الآخر= (السؤال الثاني)، وهناك حاجة لكليهما لتوضيح الأدلة= ( السؤال الثالث). في هذه الحالة؛ فإنَّ صحة أحد الفرضيات، ولنفترض أنها فرضية السائق الذي شرب المسكر= (السؤال الرابع)؛ فإن هذا لا يقوض التفسير الآخر بتاتًا.

كيف يتعلق كل ما سبق ذكره بالعلم والله؟ وكيف لنا أن نستخدمه في تقييم الدعوى القائلة بأنَّ تطبيق شفرة أوكام يلزم عنه تفنيد أطروحة الله كتفسير للعالم؟ دعنا نجيب على السؤالين بشكل متتابع.

الرد على السؤال الأول يكون، كالتالي:

- من الواضح أنَّ العلم والإيمان بوجود إله قضيتان غير متناقضتان؛ على الرغم من أنَّ مروجي الإلحاد قد يدَّعون في بعض الأحيان بأنَّهم كذلك، لكن لا وجود لسبب مُرْضٍ يجعلنا نفكر بوجود تعارض منطقي بين العلم والإيمان بوجود إله!

- قد يجادل البعض بأنَّ العلم يزيل الحاجة لإله - كما هو الحال لدى الملحدين الجدد -، لكن في هذه الحالة سيتعين على حجتهم أن تتضمن تطبيقًا غير ركيكًا (Non-trivial) لشفرة أوكام، بحيث عليهم أن يشيروا لا إلى التناقض المنطقي بين وجود الله والعلم، ولكن إلى عدم ضرورة وجوده.

* أمَّا السؤال الثاني؛ فيتساءل عن وجود ترابط (Dependence) بين العلم والتوحيد  ([5]) (Theism)، أجاب العديد من المؤمنين على هذا التساؤل بالإيجاب. إنَّ بعض الصياغات للحجة الكوزمولوجية تدعي بأنَّ وجود الكون في صميمه؛ ومن باب أولى العلم؛ يعتمد على الله. وبشكل مشابه دافع ريتشارد سوينبورن (ش) عن أحد الأشكال المهمة لحجة التصميم في كتابه «وجود الله» الصادر في (عام 2004 م)، عن كون التوحيد يقدم التفسير الأفضل للانتظام في الكون متجليًّا من خلال قوانين العلم.

إنَّ الغاية من الحجة السابقة لا تهدف إلى تقويض العلم، ولكن ما تريد قوله هو: أنَّه مهما اكُتشف من قوانين علمية غاية في الأهمية والأساسية، فمن المستحيل أن تكون هذه القوانين مفسرةً لنفسها. وعلى الرغم من ذلك: فإنَّ سوينبورن يرى أنَّ مازال من المعقول البحث في حقيقة كون الكون يعمل وفقًا لهذه القوانين، والتفسير الأفضل هو ما تقدمه الرؤية التوحيدية.

إنَّ الرؤية التوحيدية تقدم تفسيرًا شخصيًّا وليس علميًّا، وهو نوع مختلف من التفسيرات. إنَّ حجة التصميم قائمة على الضبط الدقيق للثوابت الفيزيائية تمنح سببًا آخرًا للتفكير بأنَّ العلم يعتمد في وجوده على إله، وهذا أيضًا ما تمنحه حجة الإيمان المبنية على قابلية هذا الكون للفهم والإدراك وطبيعته الرياضية. وذهب البعض الآخر إلى وجود ترابط تاريخي بين العلم والإيمان، بناءً أنَّ العلم الحديث قد تطور في سياق توحيدي/إيماني، ويعزى هذا إلى شيوع العقائد الإيمانية في ذلك الوقت؛ كالإيمان بعقلانية الله وحريته في الخلق؛ والتي كشفها العلم.

لو كان هناك أي ترابط بين الدين والإيمان؛ فالإجابة على السؤال الثاني سوف تكون بالإيجاب، هذا يجعل من تطبيق شفرة أوكام كأداة تفنيد لوجود الله بواسطة العلم، تطبيقًا ذو صلاحية ضعيفة للغاية. سيعترض بشكل سريع مؤيدي تطبيق شفرة أوكام، كما وردت في الفقرة الأخيرة على حجج المؤمنين؛ يجب التنبيه على أنَّ هدفنا هنا ليس الدفاع عنهم، ولكن لنجلب الانتباه إلى حقيقة أنَّ عديدًا من حججهم؛ وكذلك الاعتراضات المقدمة على تلك الحجج؛ على صلة وثيقة بنقاشتنا، وأن نشير إلى الاعتراضات الفلسفية الجادة على كلا الطرفين.

المقصد هنا أنَّ المناصرين لتطبيق شفرة أوكام ضد الله ليس بإمكانهم أن يفترضوا ببساطة أنَّ الحجج الإيمانية ستفشل إذا كان استخدامهم لشفرة أوكام يراد أن يكون له أي اعتبار. ربما هناك العديد من العيوب التي تعتري الحجج الإيمانية، وربما لا يوجد هناك عيوب في تلك الحجج، ولكن لتجنب المصادرة على المطلوب في تطبيقهم لشفرة أوكام، فعليهم أن ينخرطوا في نقاش تفصيلي ليظهروا أنَّ الحجج الإيمانية ساقطة، خلافًا لذلك؛ فإنَّ عليهم أن يتحملوا مخاطرة الإجابة بالإيجاب على السؤال الثاني.

إنَّ هذا سيضعف القوة الاستراتيجية للطرح الذي يَهدف إلى الإطاحة بالله، حيث ظن البعض أنَّ الجمع بين العلم وشفرة أوكام سيختصر الطريق بطريقة أو بأخرى بتفادي الحاجة لدحض الحجج المفصلة التي تثبت وجود الله، ولكن ليست هذه هي القضية هنا.

تجدر الإشارة إلى وجاهة المقارنة بين هذه الحجة، ومعضلة الشر، (الدعوى القائلة بأنَّ وجود المعانة بالله تجعل احتمالية وجود إله كلي القوة والرحمة والمعرفة منخفضة للغاية). كيفما كانت مزايا معضلة الشر كحجة مضادة لوجود الله، يمكن اعتبارها وإلى حدٍّ ما منعزلة عن الحجج الإيمانية الأخرى، بمعنى أنَّها لا تأخذ بعين الاعتبار أطروحات الحجج الإيمانية الأخرى.

قد يجادل أحدهم أنَّ لمعضلة الشر اعتبارًا في إنكارها وجود الله، بينما يتخاذل عن الأخذ بعين الاعتبار وجاهة الحجج الأخرى المثبتة لوجوده. بالنظر إلى أهمية السؤال الثاني في تحديد مدى صلاحية تطبيق شفرة أوكام، يبدو أنَّ هذا الانعزال عن الحجج الإيمانية الأخرى لا يتوفر في السياق الحالي. ممَّا يثير الاهتمام أنَّه بالرغم من الانتشار الواسع لاستخدام العلم وشفرة أوكام لتفنيد الحاجة إلى الله في الإلحاد المعاصر ونقاشات الانترنت؛ إلَّا أنَّه من النادر جدًّا أنَّ تجد ذلك في الأدبيات الفلسفية. إنَّ فلاسفة الإلحاد يميلون إلى التركيز بشكل أكبر على الاعتراضات الاعتيادية على الإيمان بالله كمعضلة الشر، لعلهم يدركون مدى صعوبة إقامة حجة مقنعة بالاعتماد على الدمج بين العلم وشفرة أوكام.

* الإجابة على السؤال الثالث أشد صعوبة على المستوى التجريدي، ولكنَّها تصبح أكثر صلة في حال زادت احتمالية قدرة العلم على تفنيد الحاجة إلى الله. سوف نعالجها فيما بعد في نقاش خاص بقضية التطور.

من المهم ملاحظة: أنَّ المؤمنين عندما يفكرون بتفسيرات علمية لمظاهر العالم؛ فلا ينظرون لها بمعزل عن العلم، ولكنهم يصيغونها بواسطة القوانين العلمية، حيث يتم توضيح ظواهر الطبيعة وشرحها بشكل مباشر عن طريق العلم، وبشكل غير مباشر عن طريق الله، فيُصاغ ذلك بقولهم: إنَّ الله يفعل بواسطة الأسباب، والتي يمكن وصفها علميًّا.

يمكن تخيل هذا بواسطة سلسلة سببية، حيث (س) تسبب (ص)، والتي بدورها تتسبب بحدوث (ع)، وبهذا يتحقق أثر (س) على (ع) من خلال (ص). إنَّ نتيجةً مهمة خرجت عن أجابتنا المنهجية التي قدمنها عن صلاحية تطبيق شفرة أوكام، حيث أظهرت عدم توافق التطبيق مع التسلسلات السببية.

ولنضرب المثال التالي: افترض أنَّ صديقك قد رتب موعدًا لمقابلتك في محطة القطار بعد العمل، ولكنَّك تفاجأت أنَّه لم يصل في الموعد المحدد. أحد التفسيرات الممكنة أنَّه قد تخلف عن قطاره، ومن الممكن أيضًا أن يكون قد تعطل بسبب تأخره في العمل.

تظهر الأدلة المتوفرة أنَّ صديقك قد فوت القطار، ومع ذلك فإنَّ شفرة أوكام لن تتغاضى عن الفرضية التفسيرية الأخرى وهي تأخره بسبب العمل. لماذا؟ لأنَّ تأخره في العمل قد يكون السبب في تخلفه عن القطار. وبالمثل: فلو أنَّ الافتراض القائل بأنَّ الأسباب الطبيعية هي أداة الله في الفعل صحيح، فلا يمكن تطبيق شفرة أوكام حتى لو أمكن تفسير جميع المعطيات الفيزيائية المتوفرة لدينا من خلال هذه الأسباب الطبيعية.

* ماذا عن السؤال الرابع؟

بالتأكيد يوجد لدينا أسباب جيدة لتقبل ما يقدمه لنا العلم عن العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار بأنَّ العلم قابل للتخطئة. في بعض الحالات فإن حقيقة فرضية ما، يمكن أن تجعل تطبيق شفرة أوكام أكثر معقولية، كما يظهر في مثال تعطل السيارة.

في حالات أخرى كمثال الإشارة المرورية، شفرة أوكام غير قابلة للتطبيق؛ فيصبح السؤال الرابع غير ذي صلة. معرفة حقيقة أحد الفرضيات في هذه الحالة لن يقلل من قيمة الأخرى بل قد يزيد من مقبوليتها.

بل إنَّ بعض الحالات التي تقبل تطبيق شفرة أوكام، يكون مجرد وجود احتمالية صحة أحد الفرضيات ليس كافيًا لتطبيقها، على سبيل المثال: يمكن تطبيق شفرة أوكام لو وجدنا سببًا جيدًا لتصديق أنَّ هناك إشكالية بالبطارية، ولكن مجرد احتمالية وجود إشكال في البطارية ليس كافيًا لتطبيق الشفرة. يتصل ما سبق في إطار حديثنا بشكل مباشر، فبعض الأفكار الغير مؤسسة على نحوِ راسخ تجذب الملحدين بنفس هذه الطريقة. يرد بعض الملحدين على جلاء الضبط الدقيق في قوانين الطبيعة كحجة لوجود الله، بأن إمكانية وجود عوالم متوازية تزيل الحاجة إلى الله. في الحقيقة فأيًّا تكون مزايا الضبط حجة الضبط الدقيق، فيجب أن يتم إيضاح المسألة بشكل صحيح حيث مجرد وجود احتمالية لعوالم متعددة لا يعتبر ردًا مناسبًا.

* تطوير التفسيرات:

إنَّ أشهر مواضيع العلم التي يعتقد بقدرتها على تفنيد الأطروحة التوحيدية عن دور الله في العالم، هي بكل تأكيد التطور والتصميم. بالأخذ بعين الاعتبار النجاح الذي حققته نظرية داروين في التطور بواسطة الانتخاب الطبيعي، (والتي يمكن اعتبارها بمثابة إجابة بالإيجاب على السؤال الرابع)، هل يمكن أن تتسبب في إزالة الحاجة إلى الله كتسفير للذكاء الظاهر في الكائنات الحية؟ إذا أردنا الإجابة على السؤال الأول؛ فإنَّ التطورَ واللهَ غيرُ متناقضين. قد يدعي البعض أنَّ التطور يستلزم الإلحاد، ولكن ذلك ممَّا يعتبر فوق قدرات العلم. إنَّ هؤلاء الذين يستخدمون التطور ليجادلوا ضد الله كريتشارد دوكنز لا يفعلون ذلك بناءً على عدم التوافق المنطقي بينهما، ولكن بناءً على شفرة أوكام، حيث يُدّعَى أن التطور يزيل - ولكنه لا يدحض - الحاجة إلى الله.

عطفًا على السؤال الثاني: هناك العديد من الأسباب التي يقدمها المؤمنين لكون التطور يعتمد على الله. يظهر بوضوح حاجة التطور إلى كون منظم فيزيائيًّا مع وجود قوانين طبيعية مناسبة وضبط دقيق جدًّا لمعاملاته الفيزيائية. كل هذه الميزات الكونية تشكل الأساس الذي تقوم عليه أحد أهم أطروحات المؤمنين الرئيسية في الأدبيات المعاصرة. عودًا على السؤال الثاني، فمن الواضح أنَّ مؤيدي قضية التطور كحجة ضد الله سيرفضون الأطروحات التوحيدية، ولكن بالنظر لصلتها الوثيقة بالموضوع؛ فمن غير الممكن غض الطرف عنها بدون المصادرة على المطلوب.

بعبارة أخرى: إثبات أن التطور يلغي الحاجة إلى الله كتفسير للوجود يتطلب حجة مفصلة لإظهار أنَّ مزايا العالم الضرورية لإمكان التطور لا تدعم بالتوازي الإيمان بالله.

أمَّا بالنسبة للسؤال الثالث: فاحتمال أن تشكُّل الذكاء في الكائنات الحية قد نشأ بشكل حصري بواسطة عمليات تطورية غير موجهة أبعد ما يكون عن الوضوح. هذا ليس نقدًا لنظرية الانتخاب الطبيعي، ولكن ملاحظة على أنَّ التطور للذكاء في الكائنات الحية قد يعتمد على حدوث بعض الوقائع ذات الاحتمالية المنخفضة بشدة والتي حدثت في أحد مراحل تاريخ الحياة على الأرض. يقول ريتشارد دوكنز: إنَّه من الممكن ربط أصل الحياة والتحولات التطورية من خلال الصدفة المحضة ([6]).

بغض النظر عن ذلك - وحتى في حال صحته -؛ فإنَّ احتمال كون الله قد وجّه عمليات الانتخاب الطبيعي لخلق الذكاء في الكائنات الحية؛ فإنَّ ذلك يعتبر بمثابة إجابة بالسلب على السؤال الثالث، وهذا يؤدي إلى إشكاليات أساسية في محاولة تطبيق شفرة أوكام في هذا السياق. وحتى لو كانت لا يمكن تطبيقها هنا، فيبدو أنَّ تطبيقها في أي سياق يستدعي عدم الحاجة إلى الله لتفسير الوجود ذو احتمالية نجاح قليلة جدًّا.

* تلخيصًا لِـمَا سبق:

حاولنا الإجابة عن سؤال لماذا احتمال صلاحية الدمج بين العلم وشفرة أوكام لاستبعاد الله كتفسير للوجود تكاد تكون محاولة معدومة النجاح. بلا أدني شكِّ أنَّها تجربة ذات جاذبية لبعض الملحدين. حيث استخدام العلم وبعض الأساليب العلمية المنطقية المشروعة - شفرة أوكام - تبدو وكأنَّها تقدم احتمالية حجة قوية ومباشرة ضد الإيمان تلتف فيه عن الحاجة للانخراط في حجاج فلسفي نموذجي على الحاجة لله.

على أي حال: إنَّ تحليلنا حول صلاحية استخدام شفرة أوكام يشير إلى عدم أرجحية تصور ([7]) على الآخر.



([1]) ديفيد جلاس (David Glass)، ومارك مكارتني (Mark McCartney) في كلية الإحصاء والرياضيات في جامعة أولستر، تستند هذه المادة على عمل تم تنفيذه كجزء من مشروع ممول من قبل مؤسسة جون تمبلتون (John Templeton Foundation).

([2]) المعنى المعجمي للفظ (فند) هو: (أضعف، أو أبطل، أو خطَّأ)، فيُقال: فنَّد الرأي، أي: أضعفه، أو أبطله، أو خطَّأه بالحجة والدليل. يُراجع: «معجم اللغة العربية المعاصر»، ولـمَّا كان النص الأصلي يستخدم العبارة المركبة التالية (Explain something away)، والتي تعني: إعطاء الأسباب والإيضاح بالأدلة ضعف وسفاهة قضية ما؛ رأينا أن استخدام لفظ (فند) كمكافئ لتلك العبارة المركبة هو الأنسب والأكثر إيفاءً بالمعنى المراد. (المترجم).

([3]) "The God Delusion".

([4]) "The Blackwell Companion to Science and Christianity, eds J.B. Stump and A.G. Padgett, p.196, 2012

".

([5]) المراد الاعتماد المتبادل بين الرؤية العلمية والتوحيدية. (المترجم).

([6]) يراجع كتاب «وهم الإله» لريتشارد دوكنز، (ص/ 140).

([7]) المراد هو عدم أرجحية التصور الإلحادي الذي يُناصر التطبيق المدمج للعلم وشفرة أوكام كحجة مضادة لضرورة وجود الله، على التصور التوحيدي/الإيماني الذي يرى بلزوم وجود الله وضرورته لتفسير العالم. (المترجم).



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة