أولى رسائل حسن البنا

عبد الرحمن أبو ذكري
12/14/2016

أولى رسائل حسن البنا

يوهان يانسن

نقله إلى العربية: عبد الرحمن أبو ذكري

إبّان العام الهجري (1348)، نشر حسن البنا، الأب المؤسس لجمعية ([1]) الإخوان المسلمين؛ رسالة بعنوان: «مذكرة في التعليم الديني» ([2]). وقد كان للرسالة مؤلفان مُشارِكان؛ هما: أحمد محمد السُكَّري وحامد عبده عسكرية، وكلاهما من الرعيل الأول من مؤسسي الإخوان المسلمين.

وقد وافق مطلع العام الهجري (1348)، الذي نُشِرَت فيه الرسالة؛ التاسع من يونيو عام (1929 م). وطبقًا لمذكرات حسن البنا؛ فقد أنشئت الجمعية في ذي القعدة من عام (1347 هـ)، وهو الشهر الذي وافَقَت غُرَّتهُ الحادي عشر من أبريل، لعام (1929 م)؛ وانتهى في العاشر من مايو ([3]). وبالتالي، فإذا كان حسن البنا قد أحسن تذكُّر تاريخ تأسيس الجمعية؛ فإن هذا التأسيس يتزامَن تقريبًا مع نشر هذه الرسالة / المذكِّرة.

وإذا كانت الرسالة تعود إلى ربيع أو صيف عام (1929 م)؛ فإنها تُمثِّلُ كذلك واحدًا من أول أنشطة الإخوان المسلمين. أما إذا كان تدوين الرسالة لاحقًا على ذلك التاريخ؛ فإن هذا لا يُنقِصُ من قيمتها، بل سيكون تعيين تاريخ أكثر دقة من (بين يونيو 1929 ومايو 1930م) أهلًا للاحتفاء. وكلما اتضح أن التاريخ كان أسبق؛ صار ذلك أقرب ما يكون لتاريخ تأسيس الجمعية، ليزيد من أهمية الرسالة.

وتحوي الرسالة إشارتان للأحداث المعاصرة. الأولى تخُصُّ موسوليني وإيطاليا. ففي الصفحة الثالثة عشرة؛ تُطالعنا الرسالة بالعبارة التالية: «سمعنا منذ أسبوع فقط أن مجلس النواب الإيطالي قرر وجوب تدريس لائحة الوعظ بالمدارس العليا» ([4]).

وهذه بغير شك إشارة إلى مصادقة البرلمان الإيطالي على معاهدة لاتران ([5])، بين موسوليني والكرسي الرسولي ([6]). وقد ناقش البرلمان الإيطالي أمر المصادقة على تلك المعاهدة خلال الأسبوع الثاني من شهر مايو عام (1929 م). وقد لقيت تلك المناقشات عناية ضئيلة، بل تكاد تكون معدومة؛ في الصحافة المصرية. إلا أنه في الثالث عشر من الشهر نفسه، مايو (1929 م)؛ ألقى موسوليني خطبة مهمة عن الموضوع. وقد نُقِلَت أخبار هذه الخطبة تفصيلًا في الصحافة المصرية، فنشرت صحيفة المقطم، على سبيل المثال؛ تقريرًا مُسهبًا عنها في السادس عشر من مايو؛ بعنوان: «خُطبة موسوليني الكُبرى».

وحين يكتُب حسن البنا ورفيقاه أنهما سَمِعا بقرار البرلمان الإيطالي «منذ أسبوع فقط»؛ فإن هذا يعني أنهم كانوا عاكفين على الكتابة بعد السادس عشر من مايو بأسبوعٍ على الأقل، ومن ثم فإن عملهم لم يكن سابقًا على الثالث والعشرين من الشهر نفسه.

وسنعثُر على الإشارة إلى إيطاليا والتعليم الديني الإيطالي مبثوثة في نص الرسالة بين فقرتين عن المربي الألماني فريدريش فروبل والأديب الفرنسي فيكتور هيغو، وقد تكون أُضيفَت إلى النص لاحقًا؛ فبغير هذه الإشارة لا يتأثر تماسُك حُجة المؤلفين ولا يضعُف مثقال ذرة، بل على العكس من ذلك. ومن ثم، كان من المُغري الافتراض بأن هذه الإشارة إلى الشأن المعاصِر قد أضيفَت إلى النص في المرحلة الأخيرة من تدبيجه. وإذا صحَّت هذه الفرضية؛ فإن النص النهائي كما نعرفه سيكون قد كُتِب خلال مُنتصف شهر مايو عام (1929 م)، وأرسِل إلى المطبعة في أواخر الشهر عينه. وكما يظهر من صدر الرسالة وغلافها؛ فقد نُشِرَت المذكرة بعد طلوع العام الهجري الجديد، وبالتالي بعد التاسع من يونيو عام (1929 م).

والفقرة التي وردت بتقرير صحيفة المقطم عن خطبة موسوليني، ولفتت إليها انتباه مؤلفي الرسالة؛ هي على الأرجح تلك التي تكشِفُ عن عزم الحكومة الفاشية إصلاح تعليم الجيل الجديد، وذلك من خلال زيادة حصَّة التعليم الديني في نظام التعليم بوجهٍ عام.

وكون التعليم الديني هو رأس اهتمامات الرسالة / المذكرة أمر يتجلى في محتواها، وفي عنوانها، وفي فقراتها الأولى؛ التي تبدأ بعباراتٍ مثل: «فقد ترقَّبنا خطة الدراسة الجديدة بين الرجاء والإشفاق نرجو أن يكون للتعليم الديني نصيب من عناية واضعيها... وطلعت علينا الجرائد بهذه الخطة الجديدة؛ فكان ما حذرناه ووقع ما تخوَّفناه». هذه الإشارة الثانية إلى الشأن المعاصِر، ستُعيننا على اكتشاف أقدم تاريخ ممكنٍ للرسالة؛ فليس من الممكن أن تكون قد كُتِبَت أو اكتملت فكرتها في أذهان مؤلفيها قبل صدور تقارير الصحف عن أحدث خطط الحكومة المصرية في مجال إصلاح التعليم الإلزامي (الابتدائي) في مصر.

ففي يوم الجمعة، الثالث من مايو عام (1929 م)؛ ذكرت صحيفة المقطم اليومية للمرة الأولى خبرًا مُقتضبًا مطلعه: «اتصل بنا أن وزارة المعارِف ...»، قبل أن تواصِل المقطم تقريرها في الصفحة الرابعة. هذه العبارة تطوي كون الثالث من مايو هو المرة الأولى التي يبلغ الصحافة فيها شيء بخصوص خطة الدراسة الجديدة، والمرة الأولى التي يُنشَر فيها شيء بخصوصها على الملأ.

وفي الخامس من مايو؛ تصدَّرت مقالة طويلة، بعنوان: «مشروع التعليم الإلزامي الجديد»؛ الصفحة الأولى لصحيفة المقطم. كلا هذان التاريخان المبكران من شهر مايو (1929 م)، يوافقان الأسبوع الأخير من الشهر الهجري ذو القعدة، لعام (1347 هـ)؛ وهو الشهر الذي يذكر حسن البنا أن جمعية الإخوان المسلمين قد تأسست فيه.

 وفي الرابع عشر من مايو، نشرت المقطم النص الكامل للقرار الجديد على صفحتها الخامسة. ومن ثم، فليس من المعقول افتراض أن حسن البنا ورفيقاه قد شرعا فعليًا بالتدبيج النهائي للرسالة قبل هذا التاريخ. إذ تتجلى في الرسالة معرفة واضحة بتفاصيل الخطة الجديدة، وقد باح المؤلفون صراحة بأنهم عرفوا بأمر الخطة من خلال تقارير الصحف عنها. وبالتالي تكون المذكرة قد اكتملت عناصرها في أذهان مؤلفيها إبّان الأسبوع الأول من مايو (1929 م)، والموافق لشهر ذي القعدة عام (1347 هـ)؛ وهو الشهر الذي يُفترض أن جمعية الإخوان المسلمين قد تأسست خلاله. ومن ثم، نجد أنفسنا مُضطرين للاستنتاج بأن التدبيج الفعلي للرسالة قد تم في النصف الثاني من الشهر نفسه. وبما أن الرسالة مؤرخة في (1348 هـ)، وهو العام الهجري الذي بدأ في التاسع من يونيو؛ آخذين في الاعتبار أن طباعة رسالة من تسعة عشر صفحة لا يُمكن أن تستغرق فترة أطول من عشرة أيام أو أسبوعين، فلا بُد أن الرسالة كانت مُتاحة في صورتها المطبوعة منتصف شهر يونيو (1929 م).

أضف إلى ذلك أن مذكرات البنا تُشير إلى تحقيق أجرته الشرطة في أنشطته، بتحريضٍ من وزارة المعارف. وقد وقع التحقيق في عام (1930 م)، كما يذكُر حسن البنا ([7]). لكن المذكرات تظل غامضة بشأن التهم التي أدت إلى التحقيق، وإن ذُكِرَت خمسة مزاعِم. فهل اتُهم حسن البنا بأنه شيوعي وأناركي، أم جمهوري يعمل ضد الملك؟ وهل ادُعي عليه أنه عضو بحزب الوفد المعارِض لحكومة صدقي باشا؛ رئيس الوزراء آنذاك؟ أم هل اتُهم بانتهاك أحكام الوظيفة العامة التي تحظُر جمع التبرُّعات؟

وطبقًا للمذكرات؛ فقد استبعد المحقِّقون كل هذه الاحتمالات، باعتبار أن المحكمة غير ذات اختصاص بالنظر فيها. بل تُخبرنا المذكرات أن أحد المحققين قد انضم إلى الإخوان المسلمين بُمجرَّد أن أدرك حقيقة أنشطة حسن البنا. ومن العجيب أننا لا نجد ذكرًا للمذكرة / الرسالة، في طيات حديثه عن هذا التحقيق. ففي نهاية الأمر، وفي التحليل الأخير؛ تتناول هذه المذكرة صراحة مسوَّدة قانونٍ مُقدَّمٍ من وزارة المعارف، وهي عين الوزارة التي حرَّضت على تحقيق عام (1930 م).

وببساطة، فإذا كان التحقيق معنيٌّ بتقصي إخلاص البنا السياسي للحكومة؛ فلم كانت وزارة المعارف هي من حرَّض عليه، كما تكشف المذكرات؟ ما من شك أن فروع العديد من الأجهزة الأمنية المصرية قد لاحظت وربما تحرَّت عن أنشطة حسن البنا في الإسماعيلية خلال أعوام (1929 م، و1930 م). هذه الأنشطة التي كانت محصورة وقتها في النطاق المحلي للإسماعيلية ولمنطقة القنال بالأساس؛ طبقًا لمذكرات البنا. إن ضلوع وزارة المعارف بالقاهرة في هذا الشأن يلزمه مُبرر أكبر من مجرَّد شغل حسن البنا لوظيفة مُعلِّمٍ إلزامي بالإسماعيلية.

إن المذكِّرة لم تكُن مُقدَّمة فقط إلى «كل من يلي أمر طفلٍ مسلم»، بل إلى قبل ذلك وفوقه إلى «صاحب الجلالة مليك مصر المُفدَّى، وأصحاب السمو الأمراء، وأصحاب المعالي الوزراء، وحضرات أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، وحضرات رجال الأزهر الشريف، ووزارة المعارف العمومية، وإلى كل ذي مكانة في الأمة».

وكما تؤكِّد المذكرة؛ فلم تحتو مسوَّدة القانون المقدَّم من هذه الوزارة سوى على «تحويرٍ لا يُجدي ولا يُفيد ولا يُغيِّر من الموقف شيئًا». وسيبدو هذا التقييم مألوفًا للذين يعملون بمجال التدريس اليوم. لكن إبان عشرينيات القرن العشرين، ربما لم يكن موظفي وزارة المعارف المصرية قد بلغوا بعد رباطة الجأش التي تُعتبر اليوم من المُسلَّمات. وما كانوا إلا ليمتعضوا من هذه الأوصاف، خصوصًا إذا تبيَّن لهم أن من أطلقها مُعلِّمٌ شاب من الأقاليم، في الثالثة والعشرين من عمره؛ لما تبلغ خبرته العملية بالتدريس آنذاك - العامان.

وعندنا أن هذه المذكرة تجلو غموض تحقيق العام (1930 م) في سلوك البنا. إلا أنها تخلف غموضًا آخر: فلماذا غفل حسن البنا عن ذكر هذه الرسالة في مذكراته؟

أن يغفل أو ينسى الرجل طرب المرة الأولى التي يرى فيها عباراته مطبوعة؛ فهو في نهاية الأمر شئ مُستبعد بالأساس. لكن الذاكرة الإنسانية معروفة بأنها لا يُعوَّل عليها، خصوصًا إذا كان النسيان ملائمًا لمُتغيِّرات الحال، بغض النظر عن الأسباب. لكن لم قد يكون النسيان المخلِص لهذه المذكرة مُريحًا؟

أولًا؛ لأن أحد كتاب الرسالة، أحمد محمد السكري؛ قد دخل في صراع علني مع حسن البنا في ربيع (1947 م). ونتج عن ذلك طرده من جمعية الإخوان المسلمين.[8] لقد لعب أحمد السكري، رفيق رحلة البنا وصديق عمره حتى (1947 م)؛ دورًا مهمًا في تكوين الإخوان المسلمين. فقد كان وكيلًا عن حسن البنا داخل الجمعية، وضابط اتصالها السياسي بالخارج. وبين عامي (1945 - 1947 م)؛ شعر السُكري بأنه المحرِّك السياسي للجمعية، وأن حسن البنا مُجرَّد أب روحي لها. وبحسب ألفاظ ريتشارد ميتشل؛ فإن السكري قد عَمِد لتحدّي سُلطة البنا كمُرشِد للجمعية ([9]).

إلا أن حسن البنا لم يُخف -كما تُبيّن مُذكراته- الدور الهام الذي لعبه رفاقه في تكوين الجمعية ([10])، لكن ربما كان التوتُّر الذي شاب علاقته بأحمد السُكري قد ثبَّط ذاكرته عن استحضار رسالته الأولى: «مذكرة في التعليم الديني»، والتي كان السُكري مُشاركًا في كتابتها.

وثانيًا؛ فعلى عكس بقية كراسات حسن البنا، التي جُمِعَت في المجلَّد المعنون بـ«مجموع رسائل الإمام الشهيد حسن البنا»؛ فإن الرسالة الصادرة عام (1929 م) لا تقتبس شيئًا من القرآن أو السُنة. بل تُشير حصرًا إلى مصادر غربية وأمثلة غربية. وبالتأمُّل في المسألة؛ فقد لا يبدو هذا من الخير في شيء. إذ على المسلم التأسي بأمثلة إسلامية، كما يتجلَّى ذلك في الدعاية الإخوانية اللاحقة. هذا التغيير في المنظور قد يكون سببًا لذهول حسن البنا عن تلك المذكرة.

وثالثًا؛ أن الرسالة / المذكرة تحُضُّ القراء على التأسي بالأمثلة الغربية، وذلك فيما يختص بالتعليم الديني الإلزامي. وطبقًا لمؤلفي الرسالة؛ فإن من المعترف به اليوم في الغرب بشكلٍ عام أن التعليم الديني ذو أهمية قصوى لخير الطفل ورفاهية المجتمع. وأن هذا التبصُّر يجب أن يصير درسًا يتعلَّم منه المسلمون.

هذا الموقِف المناصِر للرؤية الغربية يتناقَض، خلافًا للمعتاد؛ مع رؤية حسن البنا للغرب، والتي نلقاها في رسائله التالية. ويُمكن لنا مثلًا مقارنة هذه الرؤية بنموذجٍ عشوائي من الرسالة التي تحمل عنوان: «بين الأمس واليوم» ([11])، فها هُنا يوصَفُ الغرب بأنه مصدر كل شر. ربما يكون هذا التناقُض هو ما جعل من الملائم نسيان هذه الرسالة المبكرة، بما أنها تصِف للمسلمين الدواء في احتذاء كيان ثقافي، الغرب؛ لا يُجسِّد شيئًا سوى الشر، بحسب ما تجلى ذلك في تأمُّلات البنا اللاحقة ([12]).

ورابعًا؛ أن حسن البنا لم يكُن هو نفسه الذي جمع مذكراته على الصورة النهائية التي نعرفها اليوم. بل جمعها على هذه الصورة، كما يُفترَض؛ مُعجَبٌ سوري في عام (1948 م) تقريبًا، وذلك من شذرات المادة التي نُشِرَت في مقالات البنا على صفحات جرائد ومجلات الجمعية ([13]). ومثل هذه الكيفية تجعل التقصير والخطأ حتميين. أضف إلى ذلك أن المذكرات لم تُدرس بعد دراسة نقدية، ولا قورِنَت بالمادة الأرشيفية المصرية.

آخذين في الاعتبار مكانة البنا التي لا تُضاهى بين مُعاصريه، والأهمية الكُبرى لجمعية الإخوان المسلمين التي أنشأها وألهمها، وظهور بعض الحركات الدينية الأصغر من عباءة الإخوان المسلمين؛ فإننا نأمل فحسب أن تُعامل مُذكرة البنا في التعليم الديني، سواء بواسطة المؤرخين المصريين أو من سواهم؛ بوصفها حافزًا للاضطلاع بالمهمة الشاقة للتحقيق النقدي للنص المعروف باسم: «مُذكرات الدعوة والداعية»، والمنسوب إلى حسن البنا. 



([1]) تقصَّى راينر برونر مسألة التسمية، وذلك في كتابه: «الأزهر والشيعة»، والذي يصدُر عن تنوير للنشر والإعلام مطلع عام (2017 م) إن شاء الله. فحتى مطلع سبعينيات القرن العشرين تقريبًا؛ تسمَّت كل الهيئات والمؤسسات الإسلامية «النيوسلفية» التي تأسست طوال القرن (ومنها الإخوان المسلمون بطبيعة الحال) بـ«جمعية»، ولم يُستخدم لفظ «جماعة» إلا في حالة واحدة فحسب هي: «جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية»، والتي تأسست في القاهرة عام (1947 م). يقول برونر في ذلك: كانت تسميتها «جماعة» مقصودة ... على النقيض من سائر المجموعات «النيوسلفية» التي ظهرت خلال العقدين السابقين على تأسيسها، واستخدمت كلها لفظة «جمعية». وقد تعمَّدت جماعة التقريب استخدام لفظ «جماعة»، اطرادًا مع الاستعمال التراثي للفظة؛ للدلالة على التئام جماعة المسلمين برُمتها من خلال التقريب بين المذاهب. ونحن نرى أن تسمية الإخوان بـ«الجماعة» قد بدأ أولًا في الإعلام الحكومي، ثم هيمن على خطاب الإخوان وصورتهم الذهنية الذاتية، منذ منتصف السبعينيات تقريبًا؛ خصوصًا في مواجهة الجيوب المسلحة والتكفيرية التي خرجت من عباءة الجمعية، احتجاجًا على تسييسها المفرط وانبطاحها الكامِل للنظام ما بعد الكولونيالي. وليس واضحًا تمامًا بالنسبة لنا ما إن كان هذا الاستخدام واعيًا أم لا، مثله في ذلك مثل استخدام وصف «الإسلاميين» الذي ظهر بصورةٍ مُتزامنة؛ ولكن من الجلي أن غرض الاستخدام كان إقصاء «الجماعات» الأخرى، وطردها من الملة التي وضعت الأجهزة الأمنية خطوطها العريضة في كتاب «دعاة لا قضاة»، المنسوب للمستشار الهضيبي. (المعرِّب).

([2]) «مُذكرة في التعليم الديني»، حسن البنا وأحمد السكري وحامد عسكرية، القاهرة، المطبعة السلفية، (1348 هـ)، (19 صفحة). وهي محفوظة في مكتبة جامعة ليدن بهولندا. وقد ابتيعت إبان الخمسينيات من كُتبي بالقاهرة يُدعى زكي مُجاهد (المتوفى 1980 م).

([3]) Richard P. Mitchell, The Society of the Muslim Brothers, Oxford University Press, 1969, p. 8, fn. 10 and references.       

ظل هذا الكتاب، لفترة طويلة؛ هو عُمدة المقدمات الإنكليزية عن الإخوان المسلمين، وقراءة واجبة على كل دارسي تاريخهم. والكتاب يعيبه اعتماده بدرجةٍ كبيرة على الصحافة الناصرية، كمصدر للسردية التي ينسجها. وقد تُرجِم للعربية مرتين. واحدة ترجمها الاقتصادي الإخواني محمود أبو السعود، والأخرى اضطلع بها عبد السلام رضوان (الذي تولى تحرير سلسلة عالم المعرفة التي تصدُر من الكويت)، وشاركه الترجمة منى عبد العظيم أنيس؛ ابنة القيادي الشيوعي المعروف. (المعرِّب).

([4]) اعتمدنا، في تعريب الاستشهادات النصيّة؛ على النسخة التي نشرها جمال البنا للرسالة، وذلك في السلسلة التي أصدرها مطلع القرن الحادي والعشرين في عدَّة مُجلدات؛ بعنوان: "من وثائق الإخوان المسلمين المجهولة". وقد احتلت الرسالة صدر المجلد الأول. وترجع أهمية الرسالة إلى أنها أول وأقدم نص مكتوب للأستاذ البنا، بحسب ما تكشَّف إلى اليوم؛ وقد كان عمره حينها حوالي الثلاثة وعشرين ربيعًا. (المعرِّب).

([5]) هي المعاهدة التي أنشأت وعيَّنت حدود الفاتيكان، واعترفت بالسيادة الكاملة للكرسي الرسولي عليها؛ ومن ثم باستقلال الفاتيكان عن إيطاليا. كذا نظَّمت المعاهدة كلًا من موقف الديانة المسيحية والكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا، وحددَّت التعويضات المالية التي ينالها الكرسي الرسولي جراء خسائره الناجمة عن توحيد إيطاليا. (المعرِّب).

([6]) راجع؛ على سبيل المثال:                  

- D. A. Binchy, Church and State in Fascist Italy, second edition, London, 1970, p. 428, fn. 1.

- Richard A. Webster, The Cross and the Fasces, Stanford University Press, 1960, especially p. 110.

([7]) «مذكرات الدعوة والداعية»، حسن البنا، بدون تاريخ، دار الشهاب، (ص/ 272، وما بعدها، ص 89).

- R. P. Mitchell, op. cit., pp. 9-10.

([8]) Mitchell, op. cit., 54.

([9]) Ibid, pp. 9, 49 & 54.

([10]) Ibid, p. 9.

([11]) «مجموع رسائل الإمام الشهيد حسن البنا»، بيروت، المؤسسة الإسلامية للطباعة، بدون تاريخ، (ص 382، وما بعدها).

([12]) مثل هذا الانقلاب في التصوّرات المتعلِّقة بالغرب، يؤكد أن حركة حسن البنا كانت منذ مبدأها داخلة تحت ما يُسميه مؤرخو الأديان بالحركات المعادية للأجانب (Nativistic Movements)؛ راجع:

- Ralph Linton, Nativistic Movements, in: American Anthropologist, n. s., 54, 1943, pp. 230-40.

ترجمتنا لـ(Nativistic Movements)؛ هي ترجمة إجرائية مؤقتة. إذ أنها تعبير عن ظاهرة غربية بالأساس، ولا مثيل في سياقات حضارية أخرى؛ خصوصًا السياق الإسلامي. إذ برزت إلى حيز الوجود إبان القرن التاسع عشر، من رحم النظام الكولونيالي؛ تعبيرًا عن عداء المهاجرين الأنغلوسكسون الأقدم في أمريكا للمهاجرين الجُدد من بني جلدتهم - وهو ما جسَّده فيلم (عصابات نيويورك) -. فهي حركات عنصرية تفضل المهاجرين الأسبق، وتكرس هيمنتهم بوصفهم أصحاب البلاد، وفي الوقت نفسه تستعبِد الزنوج، وتذبح السكان الأصليين للأمريكتين! ومحاولة المؤلف ومن قبله بعض الأنثروبولجيين الإمبرياليين سحب التوصيف على حركات المقاومة المعادية للكولونيالية، والتي ظهرت فيما يُمسى بـ«العالم الثالث»؛ هو من قبيل الاستخفاف الإمبريالي بعقول القراء. وكأن الوجود البريطاني في مصر والهند، والوجود الفرنسي في شمال وغربي أفريقيا، والوجود الصهيوني في فلسطين هي مجرد هجرات «مشروعة» لأرض مباحة بلا شعب، كما كان حال المهاجرين الأيرلنديين إلى الولايات المتحدة! (المعرِّب).

([13]) Mitchell, op. cit., p. 1.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة