دين الآباء: التعليم الإسلامي في أوروبا

أمير نصر موسى
12/8/2016

دين الآباء: التعليم الإسلامي في أوروبا[1]

ترجمة: أمير نصر موسى

الخوف من التطرف وعدم الاندماج مع المجتمع يدفعان الحكومات الأوروبية إلى السعي في تخريج أئمة من أهل البلاد.

إذا أردنا صورة واقعية لكيفية تعلم الأوروبيين المسلمين وغير المسلمين الإسلام، فما علينا سوى زيارة مسجد "سنترم Centrum" القابع بالقرب من محطة قطارات هامبورج.

هذا المسجد كان في الأصل حماما عاما، وهو واحد من ستين دار للعبادة يتردد عليها 200,000 مسلم في المدينة. نجد أصل هذا المجتمع في حركة "ميللي جوروش Milli Gorus (الرؤية القومية)" التركية التي انتشرت في أوساط الألمان ذوي الأصول التركية لمدة عام واحد، قبيل وصول حكومة ذات طابع ديني إلى سدة الحكم في عام 1996. في أيام الأسبوع يعج المسجد بأناس يبحثون عن السكينة أو يقرأون المطبوعات الدينية المختلفة باللغات الألمانية والعربية والتركية، ويوجد يوم السبت حلقات قرآن للأطفال. نجد كذلك المئات من غير المسلين يفدون إلى المسجد المتهالك؛ إنهم مدرسون ومدرسات يتلقون دروسا في الإسلام. تقول "أوزلم ناس" المتحدثة باسم "شورى Schura" أكبر رابطة مساجد في هامبورج أن هؤلاء المدرسين والمدرسات لا يعرفون كيف يتصرفون حين ينعت طالب سوري طالبا شيشانيا أو بالكعس - بالمسلم السيء.

وإذا أردنا صورة أخرى للتعليم الإسلامي في أوروبا، فقد نتفقد شوارع مدينة نوتنجهام في وسط إنجلترا حيث يوجد معهد "كريمية"، وهو مركز ثقافي وديني وبؤرة تعليم وعبادة، يتردد عليه نحو 1500 طفل بعد الفراغ من المدرسة لحضور حلقات القرآن. مثل هذه المدارس تحظى بالاحترام في إنجلترا ولكن غيرها يُرى على أنه يبث روحا عنيفة، وقد عزمت الحكومة على تقويم هذا الوسط الذي لم يُتطرق إليه من قبل. يحتوي المعهد على ثلاثة مساجد وحضانة ومدرسة ابتدائية خاصة (الصورة أعلاه) حيث يتعلم الأطفال ثقافة "إسلامية بريطانية" وفقا لما قاله مشرف حسين مؤسس المعهد، يلتزم الأطفال في المعهد بملابس "تقليدية"؛ فتلبس الفتيات مثلا جلابيب سابغة، ولكن التركيز فيه يكون على التعامل الحسن مع المنتمين لديانات أخرى والالتزام بالقانون البريطاني، كما يتم الاحتفال بالأعياد الملكية جميعا، وتبقى الأواصر الإنسانية بباكستان قائمة عن طريق القنوات الفضائية والتعليم عن بعد[2].

يقض هذا المزيج من المؤثرات المحلية والخارجية مضاجع الحكومات الأوروبية، فكثير من المدرسين والأئمة أصولهم بعيدة كل البعد عن أوروبا، وتخشى الحكومات آثار ذلك على الوحدة الاجتماعية، فترى على أسوأ الفروض أن هذا التأثير قد يثمر إرهابا فيما بعد، غير أنهم يعلمون أن تأثير الإنترنت في ذلك أبلغ وأقوى، يودون أن لو صنّعوا نسخة من الإسلام محليا تكون أقل ارتباطا واعتمادا على بلاد الوافدين، وتكون أكثر تعايشا مع الديمقراطية، يتصدرها مدرسون وأئمة تلقوا تعليمهم في الجامعات الإنجليزية.

يكمن وراء تلك الرغبات حذر من السعودية التي قد ترسل قليلا من الأئمة أو المهاجرين إلى أوروبا، ولكنها تقوم بتمويل المساجد وتوفر القراءات التي تعكس وجهات نظر سلفيتها المتزمتة، مما قد يؤدي أحيانا وليس دائما إلى التطرف.

وتتجلى إحدى مشكلات "أَوْرَبَة" الإسلام في أن النسخة المحلية منه قد لا تكون بالضرورة مريحة، فتلك المدارس في نوتنجهام تنتهج الطريقة البريلوية[3] مما يجعل العثور على مدرسين في بريطانيا نادرا؛ فمعظم مدرسيها الخمسين وافدين، أما لو كانت تنتهج الطريقة الديوبندية[4] الأكثر صرامة فيمكنها تعيين الخريجين من أكثر من عشرين معهدا يدرسون هذه الطريقة في بريطانيا، حيث يدخله الصبيان في سن الثانية عشرة ويمكثون فيه عقدا من عمرهم، لكن تلك المذاهب الأسيوية الناشئة في ظل حكم الراج البريطاني للهند ليست مثالا حسنا في التعايش والاندماج المجتمعي.

حين تخوض الدول الأوروبية في مسألة التعليم الإسلامي فإنها في الحقيقة تخوض في تاريخ أوروبا نفسها وما يحمله من مساومات واتفاقات قديمة حول علاقتها بالديانات النصرانية واليهودية، فبلجيكا على سبيل المثال نشأت كمملكة كاثوليكية تدعم العبادة والتعاليم الدينية، وهذا يمتد في يومنا هذا إلى الإسلام فأكثر من نصف أئمة بلجيكا تتحمل الدولة نفقتهم، ولما كان متاحا للأطفال الذين يدرسون في مدارس بروكسل العامة دراسة دينهم وتراثهم اختار نصفهم دراسة الإسلام (غير أنه سوف يتم تغيير هذا النظام في العام الدراسي المقبل، حيث ستستبدل مادة التربية المدنية جزءا من هذه الحصص، تاركة شيئا من التعليم الطائفي باقيا). وحري بالذكر أن ثمة هيئة استشارية للحكومة البلجيكية يرأسها رجل مغربي ذو نفوذ واسع، فصارت المغرب الراعي الفعلي للإسلام في بلجيكا.

حتى باب الدار

يتشكل التعليم الديني في هولندا تحت تأثير مساومة قديم بين الكاثولك والبروتستانت، حيث اتفقوا على إتاحة الفرصة للأقليات لإنشاء مدارس للتعليم الطائفي، هذا الوضع أسفر عن نشأة أربعين مدرسة إسلامية والطلب في تزايد مستمر، كما صرح بذلك "هاجي كاراجاير" العضو المتمرس في "ميلي جوروش" الذي يدير إحدى تلك المدارس. ولكنه يصعب عليه أن يجد مدرسين مسلمين أكفاء يدرسون باللغة الهولندية رغم وجود عدة جامعات هولندية تبرع في الدراسات الإسلامية. هذا ولا نجد الكثير من الأئمة يخطبون بالهولندية، ويشير "كاراجاير" بأسى أن مجهودات الحكومة الهولندية بالضغط للتدريس بها تأتي بآثار سلبية، كل ذلك يعكس فصاما مقلقا بين الحكومة والجهات الأكاديمية ورجال الدين والشباب المتحدث بالهولندية.

في المقابل نجد دولة كفرنسا بنظامها العالماني المعمول به منذ سنة 1905 تخرج الدين من التعليم الحكومي، غير أن رئيس وزرائها "مانويل فالس" اقترح في الشهر الماضي إحداث بعض التغييرات عقب مقتل قس كاثوليكي، فكتب قائلا أن فرنسا لابد أن تتحول إلى مركز متفوق في الدراسات الإسلامية، وأنه لابد من وضع خطط للاستعاضة عن التمويل الأجنبي للمساجد بمصادر محلية.

ولا تستطيع الجامعات الحكومية تحت النظام العالماني أن تنشئ كليات للدراسات الدينية ولكنها تستطيع أن تقدم مواد قريبة كالثقافة العربية أو علم الاجتماع الديني، وأشار فالس أن بعض جامعات في باريس و"إيكس إن بروفنس" تقوم بذلك بالفعل، بل وإن مدينة ستراسبورج تسمح بالدراسات الدينية (لأنها لم تكن تابعة لفرنسا في 1905). فإذا وجدت النية لإعلاء شأن الإسلام في الجامعات الفرنسية فستوجد على إثرها الوسيلة ولابد، ولكن هذا لا يحل مشكلة المجتمعات المسلمة الفقيرة المنتشرة في أرجاء أوروبا التي لا تستطيع أن تدفع أي شيء للأئمة ناهيك عن مرتب خريج جامعة فرنسية، فإن مساجد تلك المجتمعات تبحث عن حلول عملية لتلك المشكلة، سواء كانت عن طريق التمويلات الخارجية، أو الأئمة البسطاء الذين يقنعون بالقليل.

70% من أئمة فرنسا الزائد تعدادهم على الألفين هم وافدون، ولا يتقاضى ما يقرب من الثلثان منهم أي أجر، أما الباقون فيتقاضى مائة وخمسون منهم أجرهم من الحكومة التركية، ومائة وعشرون من الحكومة الجزائرية، وثلاثون من المغرب، وتزيد فرنسا من تعاونها مع تلك البلاد؛ فالإئمة المتدربون الفرنسيون يذهبون إلى المغرب للدراسة في معهد إسلامي جديد، وثمة اتفاق استحدث مؤخرا ينص على أن الأئمة الجزائريين الذين ينوون الذهاب إلى فرنسا سيقومون بالدراسة في البلدين.

وفي ألمانيا نجد أن المصدر الرئيسي للأئمة هو تركيا، فألمانيا تؤوي ألفا يخدمون ثلث مساجدها يتقاضون أجورهم من الحكومة التركية، ويدخلون البلاد بتأشيرة دخول مدتها خمس سنوات باتفاق مع "ديتيب" الذراع الخارجية لإدارة الشؤون الدينية في تركيا، ولكن بعض الألمان ومنهم ذوو أصول تركية يرون أن الأفضل قطع العلاقات بـ"ديتيب"، ناعتين إياها بأداة لتلبية رغبات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ فمنذ فشل محاولة الانقلاب الشهر الماضي و"ديتيب" تردد اتهام أردوغان لفتح الله كولن، واعظ تركي يعيش في أمريكا، وقد أعربت عدة مؤسسات ومدارس ومراكز ثقافية وجرائد تابعة لكولن شعورها بالخوف من "ديتيب".


إن سياسيي ألمانيا ما بعد الحرب لم يتوقعوا اضطرارهم لاحتواء الإسلام في بلادهم، فقد كانوا يرون التعليم الديني التابع للكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية هو حجر عثرة في طريق الشمولية، غير أن الولايات الألمانية المختلفة المسئولة عن التعليم تحت النظام الفيدرالي تحاول الآن أن تدخل الإسلام إلى أنظمة التعليم، وتتفاوت مساعيهم؛ فالمدارس في برلين لا تدرس الدين عادة، ولكن مجموعة تابعة لـ"ميلي جوروش" قامت برفع دعوى قضائية أسفرت عن الموافقة على تقديم تعليم إسلامي حيث رغب فيه الآباء. وفي عام 2012 قامت هامبورج بقعد اتفاق مع معظم الهيئات الإسلامية فيها وفيهم "ديتيب" لإعطائهم دورا في دراسات مقارنة الأديان.

وفي عدة ولايات أخرى واجهت "ديتيب" رفضا شديدا في الأسابيع المنصرمة؛ فثلاثة من تلك الولايات متباطئة في التعاون مع الهيئة. يقول "جوناثان لورنس" دارس أمريكي لشؤون الإسلام في أوروبا أن رد الفعل هذا قد يولد فراغا، وأنه ينبغي على الحكومات أن تدفع "ديتيب" لقطع علاقاتها بأنقرة، فإذا رحلت "ديتيب" ظهرت الفجوة؛ فإن "ديتيب" تدعم سرا مشروعا ألمانيا أخر، ألا وهو تنمية وجود الدراسات الإسلامية في التعليم العالي.

الحكومة الألمانية تدعو الجامعات منذ عام 2010 إلى أن تعمل على تدريب الأئمة والمدرسين والوعاظ، فصارت بعض الجامعات مثل "توبنجن" و"منستر" مشتهرة بالدراسات الإسلامية بعد أن كانت شهيرة بالدراسات المسيحية.

هل ستجني ألمانيا الثمار التي ترومها من إيجاد أئمة وطلبة علم محليين؟ يقول محمد طه صبري الإمام التونسي المقيم في برلين أن المجتمعات الإسلامية قد تلفظ الأئمة والوعاظ الذين تعلموا الإسلام في جامعات منفتحة على أيدي غير المسلمين، ويرد "ديتريتش ريتز" في الجامعة الحرة في برلين أنهم سيجدون وظائف بسهولة في إدارات المساجد على سبيل المثال. لن يعمل هؤلاء كأئمة لأن معظمهم أساسا نساء.

إن رؤية الجامعات الأوروبية العريقة التي أنشئت في الأساس كمعاهد مسيحية تنقح الإسلام وتقعّد له أمر له جاذبية، ولكن الحركة في هذا المضمار بطيئة والاحتياجات على أرض الواقع تتطور بسرعة. قد يكون أفضل ما تركز عليه الحكومات هو الدورات التدريبية المكثفة لأي أحد يتعامل مع الأطفال والمراقبة الصارمة للمدرسين والأئمة الوافدين. لن تستطيع الحكومات إدارة جزئيات الدين والإيمان، ولكنها تستطيع أن تقننه بشكل أفضل.



[3] البريلوية هي فرقة صوفية تدعي الانتساب لمذهب أبي حنيفة في المسائل الفقهية، نشأت في شبه القارة الهندية في مدينة بريلي بالهند أيام الاستعمار البريطاني

[4] الديوبنديَّة مدرسة فكرية صوفية ماتريدية، أسسها مجموعة من علماء الهند وتنسب إلى بلدة دیوبند، وينتسبون كذلك للمذهب الحنفي في الفقه



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة