هل يعتبر الدين تخصصًا؟

بدر محمد باسعد
11/17/2016

هل يعتبر الدين تخصصًا؟

بدر باسعد

 

يقول أبو يعرب المرزوقي: "كلمة العامة غير موجودة أساساً في القرآن، وعندما نقسّم الناس إلى عامّة وخاصة خرجنا بذلك عن قيم القرآن... نحن نُعلم الناس كيفية الأكل تجنباً للمرض، إذن لنعلمهم كيفية الفهم تجنباً أن يصبحوا من العامة. لابد أن يتساوى الجميع في الحد الأدنى من الحس المشترك لفهم الخلاف الشرعي".

إجابة السؤال عن كون الدين يعتبر تخصصا أم لا؟ قد تبدو في عين البعض في غاية البداهة وبالتالي فإنها لا تستحق أن يكتب فيها، ولكن إذا ما حاولنا اختبار هذه البداهة من خلال طرح السؤال على الناس في مجلس عام حينها سوف تتبدد البداهة ويظهر للعيان اختلاف الناس وافتراقهم إلى فريقين، أولهما يرى الدين تخصصا وأما الآخر فيراه مجالا عاما مفتوحا للناس. وفي جو المنافسات والاستقطابات يتبادل الطرفان الاتهامات، فيتهم الأول الثاني بأنه يفسد الدين بجعله مشاعا للمتكلمين،ويتهم الثاني الأول باحتكار الدين. وهذا الاختلاف هو أحد الأسباب الداعية لإعادة فتح الموضوع بطريقة تجلي المسألة محل النزاع، محاولين الإجابة عليه بأكبر قدر من التفصيل.

ومدخل الجواب بيان أن الدين يأتي بمعانٍ عدة وعدم استحضار هذه المعاني يمنع من التواصل السليم بين المتكلمين؛ لأن كل منهم سوف يتكلم من زاويته التي يرى الدين من خلالها، فالدين عند إطلاقه يمكن أن يقصد به أحد المعاني الأربعة التالية:

 

المعنى الأول: الدين باعتباره تحقيقا للأدلة ومعانيها.

وهذا قدر متفق عليه بين المتنازعين بأنه تخصص يحتاج إلى دراسة واجتهاد في تحصيله من أجل أن تتأتى لطالب العلم القدرة على إثبات النصوص وشرحها والترجيح بينها وغير ذلك مما يعرفه من كان لديه أدنى حظ من العلم. هذا قدر محترم ومقدر من العلم لا نستطيع اغفاله ولا تجاهله. لكن في الاتجاه المقابل يتجاهل العلماء أن لعموم الناس حقا في الأمور التالية:

-       إبداء الرأي الشخصي ولو في مسائل علمية دقيقة وعويصة. إبداء الرأي في المسائل الدينية والتخصصية الدقيقة فضلا عن غيرها من المسائل العامة لا يختلف من مجال إلى آخر، فمهما كان موضوع القضية سياسة أو اقتصاد أو تعليمية أو تربوية أو دينية، فإنه يحق للمرء أن يعبّر عن رأيه الشخصي حيال هذه القضايا إن كان له رأي فيها أو يسكت إن لم يكن له رأي. بطبيعة الثقافة الاجتماعية أعلم أن هناك اعتراضين على هذه المقولة وليس اعتراضا واحدا. أولهما وأهونهما عند المعترضين إذا كنت أفهمهم جيدا - هو كيف يمكن أن نسوّي بين القضية الدينية والقضية السياسية والاقتصادية. وثانيهما: كيف تعطي للعامي الحق للكلام في دين الله تعالى بلا زمام ولا خطام مما يؤدي إلى فساد الدين والتدين. وسوف أحاول مناقشة هذين الاعتراضين لما لهما من الشيوع والانتشار. وألخص الجواب على هذين الاعتراضين من خلال النقاط التالية:

o     الاعتراض بخصوصية المسائل الدينية عن المسائل الدنيوية: يعتمد المخالفون لهذا المفهوم على حجتين أساسيتين بخلاف حجج أخرى كثيرة لا تنضب هما:

§      الأولى: تعظيم أثر الكلام في الدين بلا علم على أثره عندما يكون في أمور الدنيا: ويمكن أن نوضح هذه الحجة بالمثال التالي: عندما يقول لك رجل بأن الربا حلال وآخر ينكر الجاذبية الأرضية، ألا ترى كيف يمكن أن يكون حجم الفساد في الأولى مقارنة بالثانية. فمن قال أن الربا حلال فقد أفسد حياة الناس الاقتصادية وأخلاقهم وأما ما الذي سيحصل لو أنكرنا الجاذبية الأرضية؟ لا شيء.

§      وهؤلاء لا ينتبهون إلى أمثلة أخرى يكون فيها فساد الكلام في الأمور الدنيوية بغير علم أعظم أثرا من الأمور الدينية كأن يتناول رجلا مسألة الخلاف في وضع اليد بعد الرفع من الركوع في مقابل رجل يعطي الناس دواء لم تثبت جدواه فيتسبب في موتهم أو حتى في انتشار وباء مميت. فأيهما أعظم ضررا؟!.

§      وبذلك يتبين أن الكلام بغير علم في الأمور الدينية ليس على إطلاقه يكون أعظم ضررا حين يكون الكلام بغير علم في الأمور الدنيوية.

§      وأما الحجة الثانية وهي أقوى مكانة من الأولى، فهي لا تتكلم عن الضرر بل ترفض المبدأ نفسه مبدأ الكلام في الدين بغير علم وأنه أعظم من الكلام في الدنيا بغير علم من منطلق أن الكلام هو قول على الله بلا علم، ونسبة شيء إلى الله بلا دليل، وتذهب إلى أبعد من ذلك لتقول حتى ولو كان القول في ذاته صوابا.

§      وإذا تأملنا هذه الحجة والأدلة التي تقوم عليها فسنجد أنها تتمحور حول ضابط واحد وهو " الكلام بلا علم " سواء في الأمور الدينية أو الدنيوية، ومن تأمل المعيار حق تأمل علم أن الله تعالى لم يأمر المتكلم بإصابة الحق بل أمره بأن يتحراه بصدق، فإذا حصل هذا فإن لكل أمرئ الحق في أن يتكلم بما علمه سواء ما توصل إليه في ذاته حقا أو باطلا. أما مسألة أن ما علمه صواب أو خطأ فهذا أمر آخر يثاب المصيب فيه ويؤجر المخطئ أو يعذر، وأما المقصر فيعاقب من الله تعالى لا من الناس؛ لأن هذا المعيار أعني الكلام بعلم هو معيار أخلاقي وليس معيارا قانونيا.

§      المعيار القانوني سوف يكون مرتبط بالأثر والمفاسد التي تترتب على الكلام سواء بعلم أو غير علم لا يهم في هذه الحالة: فالذي يخوّف الناس بإشاعة أخبار حقيقية وصادقة يستحق أن يؤخذ على يده لما يشيعه بين الناس من خوف وفوضى.

§      المعيار القانوني أيضا مرتبط بعمليات الاستغلال والفساد الثقافي إن صحّ التعبير مثل أن ينتحل رجل شخصية شيخ أو يدّعي شهادة دكتوراه مزيفة فيظنه الناس متخصصا وهو ليس كذلك، فمثل هذا يؤخذ على يده ويعاقب. والتفريق بين مسألة الرجل إذا تكلم في غير فنه وبين منتحل الفنون أن المستمع يدرك أن الأول يتكلم برأي شخصي واجتهاد شخصي لا يعبر عن رأي علمي ومن خلال هذا الإدراك يحمي نفسه من الأخذ بقوله وخصوصا في الموضوعات الدقيقة والهامة، وأما إذا كان يستمع إلى منتحل فبهذا تروج عليه الخدعة ويعمل بنصيحة المتخصص المزيف - فيتضرر.

§      لقد حاولت في النقاط السابقة أن أدفع الاعتراضات على فكرة حق المرء في إبداء رأيه في المسائل الدينية وغير الدينية وأعتقد أنه من الضروري عدم الاكتفاء بالرد بل يجب بيان الحجج المؤيدة للفكرة والتي من أهمها هو طبيعة رسالة الإسلام التي جعلت الدين علاقة مباشرة بين العبد وربه ولا طاعة إلا لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام من حيث هو مبلّغ عن الله تعالى، وأما غيرهما من العلماء فإنما يؤخذ بكلامهم إذا كان بيانا عن مضمون الوحي ليس إلا، ثم هو مع ذلك ليس ملزما لأي فرد كان، وهذا كله بلا شك يقتضي أن يكون لدى الناس الحد الأدنى من المعرفة لفهم الأقوال والنصوص الشرعية كلام العلماء ولأن هذا الحد الأدنى لا يأتي إلا إذا كان الدين ممارسة وأقوال غير معزولة عن معضلات الحياة فسيصبح الناس أكثر قدرة على الفهم وأقرب إلى أهلية الاستخلاف. ومن باب التشبيه لكي تتضح الفكرة: حين نقول أن مسئولية الأمة اختيار الحاكم، فإن هذا يقتضي أن يكون لدى الأمة وعيا سياسيا وتقديرا لرجل المرحلة والمعطيات السياسية. أليس هذا لازما من لوازم الأمر الشرعي، إذًا يجب أن يتحلى أفراد الأمة بالوعي السياسي والوعي السياسي لن يحصل إذا قيل: أن السياسة تخصصا وحكرًا على المتخصصين بل نقول: نعم نقر بأن السياسة تخصصا معرفيا له قيمته، ولكن مع ذلك يجب أن يتكلم الناس في الشأن العام ويبدوا آراءهم في القضايا النازلة، وعلى العلماء والمثقفين أن يرفعوا من وعي الناس لا إلجامهم بحجة التخصص. بعد فترة من الزمن سيتحسن وعي الناس وسوف يصبح تعاطيهم مع القضايا السياسية أكثر وعيا وذاكرتهم السياسية أكثر شحذا وهذا هو ما نريده أيضا في المجال الديني الذي نعتقد أن لكل فرد الحق في التعبير عن رأيه الشخصي وعن تجربته الشخصية ما لم يلبّس على الناس فيدّعي أن ما يقوله كلام العلماء أو يدّعي الاختصاص.

§      هذا الحق لا يعني أنه مطلق بل هو محاط بضابطين أولهما أخلاقي ( وازع داخلي ): وهو أن يتكلم بعلم، وأن يراعي اختلاف الموقف واختلاف المستمعين. وثانيهما قانوني (وازع خارجي): وهو ألا يتعارض رأيه مع قوانين البلد التي يعيش فيها.

§      أختم هذا المعنى بذكر مسألتين تغيبان عن ذهن الكثير من الناس:

·      أولهما: أن العلاقة بين إعطاء الحق والثواب والعقاب.. إعطاء الحق في اختيار الدين مرتبط بالثواب والعقاب بل يعتبر شرط الثواب والعقاب، إذ لو لم يكن للإنسان حرية الاختيار لما كان الثواب والعقاب عدلا بل سيعتبر ظلما هذه مسألة، وثانيهما: أن المسئولية تتخذ صورا مختلفة بحسب الحال، فقد أتكلم في مجلس بالظن وفي آخر أتجنب الكلام تماما، ومع شخص أتكلم بما يعتمل في صدري وما يخالجني من شك ومع آخر أتحفظ حتى على ما أكون متيقن منه، كل هذه الأحوال يجب استحضارها عندما نقول أن لكل امرئ أن يتكلم في الدين برأيه الشخصي؛ لأن هذا يعني أنه سيختار كلامه بناء على الموقف والظرف وطبيعة المستمعين الذين يخالطهم.

-       الأمر الثاني الذي يحق للعامي هو: نقل الفتوى وكلام العلماء والمتخصصين: وهذا مما لا يكاد يختلف فيه إذ لا يعترض جل الفقهاء على نقل العامي للفتوى مع إيجابهم بعض الاحترازات لتجنب الوقوع في الخطأ عند نقل كلام العلماء. فمع احتمال عدم فهم الناقل للقول ومع إمكانية الخطأ في نقله إلا أنه لا يمكن المنع من نقل الأقوال مع تحري الدقة ما أمكن.

 

المعنى الثاني: الدين باعتباره أخلاقا

عندما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم تلخيص دعوته قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).وهذا وصف دقيق للدين بأنه الأخلاق، وهذا التطابق يفسر لما تدخل الأخلاق في كل نواح الحياة ومقوماتها كالدين تماما. ولكن وقع اختزال شديد لمعنى الأخلاق حين انحصر أو شاع تعريفها بمجمل الآداب العامة مثل آداب الأكل وآداب الشرب وغيرها مما هو موجود في كتب الآداب الشرعية،فصارت وكأنها مجال منفصل إزاء السياسية أو الاقتصاد أو التعليم رغم أنها في جوهرها عنصرا أساسيا من كل هذه الموضوعات لا تنفصل عنها. عموما، ننطلق من هذا المعنى إلى القول بأن الدين عندما نفسره بأنه أخلاق التعامل مع الله تعالى ومع خلقه ومع النفس فإننا ندرك حينها أن للناس بكل أطيافهم الحق في الكلام في الدين بل قد يكون العامي أكثر توفيقا من الشيخ عند الكلام فيها لما يدركه بفطرته وحسه الأخلاقي وتجربته الحياتية وخبرته في الحياة. أقول هذا وأنا أتذكر بعض الفتاوى المتعلقة بهذا الشأن مثل سؤال الناس للمشايخ: هل يجوز تنبيه الناس لنظام ساهر؟ فيجيب بعض المشايخ بأنه حلال والبعض يراه حراما، وفي كلا الحالتين تعتبر هذه المسألة أخلاقية إلى حد بعيد وبالتالي يدركها عموم الناس بشكل متساوٍ، ولا فضل للشيخ على العامي إذا ما تكلم الرجلان في المسألة. بل لو سئل الشيخ لكان الأولى به أن يساعد المستفتي على إدراك طريقة الحكم لينمي فهمه أو يعتذر بكوها مسئولية فردية وأخلاقية أو يرشد بأن الأصل الإباحة والمسألة تعتمد على المصالح والمفاسد التي تخضع لتقدير كل انسان ورؤيته، ويمكن له أن يقول رأيه الشخصي وليس رأي الشريعة... وغير ذلك من الأجوبة التي لا يراد حصرها قدر ما يراد أن يدرك الفقيه دوره في هذه المسائل أن يعين المستفتي على الفهم لا أن يصدر له فتوى شرعية في الموضوع. والتحول إلى هذه الوجهة لا شك أن لها أثرا كبيرا في رفع الوعي والإدراك عند الناس تجاه الدين.

 

المعنى الثالث: الدين بمعنى الشريعة

من المعلوم أن الدين عقيدة وشريعة، ويأتي كثيرا الدين ويقصد به أحدهما بحسب السياق، ولا إشكال في ذلك، وعندما نتكلم عن الدين باعتباره تشريع للناس فالمعروف أيضا أن التشريع هو حق خاص بالله تعالى، وأما العلماء فلهم حق الاجتهاد في التشريع بحسب مقتضيات النصوص قد يسمي البعض عمل العلماء هذا تشريعا والبعض يرفض هذه التسمية، لكن الفريقين متفقين على الصورة نفسها فالعالم يجتهد بحسب النصوص في النوازل والمستجدات ليختار ما هو أقرب لنصوص الشريعة وأوفق لها، تبعا لهذه الصورة يجب على الناس الاستجابة لهذا الحكم، كما يجب على الحكّام الخضوع لهذا الحكم باعتباره حكم الله أو حكم الشرع في هذه المسألة، ومن أجل ذلك نجد في تصور الدولة الإسلامية هيئة شرعية ذات صيغة إلزامية للحكام أو يراد لها أن تكون كذلك من أجل ضبط أمور الدولة بضابط الشريعة وتصبح الدولة تبعا لذلك دولة إسلامية. ولكن لنقف لحظة لنتساءل حول " هذا التصور لشكل الدولة الإسلامية " في ضوء نصوص الشريعة لنرى ما هو الأسلوب الأقرب للشريعة فيما يتعلق بمسألة التشريع؟  أين موقع الشورى في الدولة إذًا؟

-       الشورى في القرآن ذكرت مرتين (وأمرهم شورى بينهم) وقوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) في الآية الثانية يأمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام بمشاورة الأمة لكي يتخذ ما هو أنسب ( عند تعذر النصوص لاشك في ذلك، بمعنى عند عدم وجود أمر من الله تعالى ) ولكننا في الواقع نجد أن الأمة تحتاج أن تستأذن وتشاور الفقيه ليخبرهم بالحكم الشرعي وبالتالي تتبعه الأمة بدلا من العكس، بدلا من أن يشاور الفقهاء الأمة فيما لم يرد فيه نص كما كان يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام.

-       في الآية الأولى يخبر الله تعالى أن أمر هذه الأمة هو شورى بينها لا يستبد به أحد منها دون بقية الأمة وهذا يعني أن ولاة الأمر من الأمراء والعلماء يجب أن يستشيروا الأمة فيما يخصها لا أن يفرضوا عليها خيارات بزعم أنها تشريع إلهي، فإنها لو كانت تشريعا إلهيا حقا وإجماعا لما اختلف الناس حولها وإذا افترضنا الاختلاف فإنه سيكون راجع لعدم وضوح الأمر لبعد الناس عن الدين، وفي كلا الحالتين لم يأمر الله تعالى بإكراه الناس على شريعة من شرائع الدين وجعل وظيفة الأنبياء هي التذكير ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ) فضلا عن الإكراه في الدين كله ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ). وإذا اختار الناس ما هو مخالف لشريعة من شرائع الإسلام الظاهرة فلا يجب إكراههم على خلافها ولا إثم على الحاكم؛ لأن هذا مما يدخله الاضطرار، فإن تأثم الحاكم فله أن يترجل ويبتعد عن الحكم ويهتم بالدعوة إلى الله تعالى؛ لأن المسلمين الذين وصل بهم الحال إلى هذا الوضع لاشك أنهم يفتقدون للأسس الشرعية والإيمانية. وليست هذه مثالية ولا جنون بل من عَلِم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكسر الأصنام حول الكعبة إلا حين كسرها في قلوب الناس، علم يقينا أن القدرة والاستطاعة ليست محصورة في الجانب المادي بل تتضمن أيضا الجانب المعنوي، فإذا كان الناس متمسكين بالجاهلية وأنت قادر على إزالتها رغما عنهم دون أن تزيلها أولا من قلوبهم كان ذلك مخالفا صراحة لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام ولفقهه في الدعوة وفهمه للإسلام.

-       نعود لمربط الفرس في المسألة لنقول أن التشريع في الأمور التي يكون الأصل فيها الإباحة هو حق الأمة وليس حق الفقيه. ولنأخذ على ذلك مثالا بسيطا وشائعا أيضا وهو مثال قيادة المرأة للسيارة. فالفقهاء يدركون أن هذه المسألة الأصل فيها الإباحة وإنما تم التحريم بناء على المصالح والمفاسد، وبجانب هذا يعتبرون أن على ولي الأمر المنع من قيادة المرأة للسيارة بناء على حيثيات الفتوى، والمنتمون للتيار الإسلامي يتصورون أيضا أن على الدولة أن تطيع الحكم وتتبع لفتوى كبار العلماء في هذا الشأن، ويعتبر المخالفون لهذا الأمر مخالفين للشريعة وللدين ومثيري للفتن.. إلخ. وحصل من الضغط الاجتماعي في هذه المسألة ما يجعل المشايخ الذين يرون إباحتها يلتزمون الصمت ويجتنبون التصريحات في هذا الموضوع... كل هذه الحيثيات تجعل مسألة قيادة المرأة للسيارة مثالية لمناقشة موضوع الدين باعتباره تشريعا وحق الناس في الكلام في التشريع من هذا الجانب.

-       وأقول: بما أن المسألة الأصل فيها الإباحة وأنها من المصالح والمفاسد فللأمة الحق الكامل والتام في اتخاذ ما يناسبها وليس للفقيه أو للحاكم أي حق شرعي في " إلزامها بخياره الشخصي"، فإن قيل: إنما حقه بالتفويض لأن ولي أمر الناس وهو أعلم. قيل: إن هذا التصور هو أصل الفساد. وسبب نشأة هذا التصور هو فساد صورة الدولة ووجود العديد من التأصيلات الشرعية التي نشأت في ظلال حكم المتغلب من قرون وتم توارثها دون تمحيص مع مخالفتها الظاهرة للنصوص. ولذا فالتصور الصحيح أن يقال أن التفويض مقبول ولكن متى فوضت الأمة لا متى ما فُرض عليها التفويض! ويجب ألا يؤول التفويض إلى عزل الأمة عن الأحداث؛ لأن هذا ضد المقصود من الأمر الشرعي (وشاورهم في الأمر)، وإنما يباح ويتسامح في التفويض لضمان سهولة اتخاذ القرار وسرعته.. وغيرها من الأمور التي يصعب حصرها.

-       نعود لمثالنا: بما أن قيادة المرأة للسيارة مسألة مباحة في الأصل، فإننا نطبق فيها قول الله:(وشاورهم في الأمر) والضمير يعود لمن يهمهم الأمر قد يكون الأمة كلها وقد يكون جزء منها بحسب النازلة، وهنا في هذا المثال الضمير يعود للنساء ولأزواجهم وللآباء والأمهات بالإضافة إلى المختصين الاجتماعيين والدوائر الحكومية التي لها صلة بالموضوع، وهذا يعني أن دور الدولة هنا محصور في توفير إطار جامع لممثلي هذه الأطراف ليتخذوا قرارا يناسبهم ويذللوا الصعوبات التي يمكن أن تحول دون تنفيذ هذا القرار مادية كانت أو معنوية.

-       مثل هذا الأسلوب والذي أراه مقتضى النصوص الشرعية يساهم في رفع المسئولية عند المجتمع والإحساس باللحمة الاجتماعية. وهذا هو المستوى الذي يحق لجميع الناس أن يتكلموا فيه برأيهم في الدين دون أن يملك الفقيه حق منعهم منه باعتبار أن الدين تخصص.

 

المعنى الرابع: الدين باعتباره علاقة بين العبد وربه

الدين بهذا المعنى موجود في المعاني السابقة جميعا، فالأحكام الشرعية يقوم بها المتدين مخلصا لله تعالى لا مخلصا لغيره، والإخلاص لله يقتضي أن يبحث المرء عن مراد الله تعالى حتى حين يلجأ للعلماء بحثا عن " رأي الشرع " إنما يبحث عمن يكشف له النصوص بجلاء حتى يتبعها فيكون طائعا لله تعالى لا للعلماء، بعكس اليهود والنصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ لأنهم إنما يطيعون علماءهم دون التفات للنصوص التي أنزلها الله تعالى لهم. ومن خلال هذا المعنى ندرك أن العبد تقع عليه أولا مسئولية فردية في العمل بما بلَغه من الدين، وثانيا: السؤال عما أشكل عليه من الشريعة، واتباع من شرح له النصوص الشرعية بأسلوب مقنع، فإذا لم يقتنع فلا يلزم له أن يتبع هذا المفتي أو ذاك، وهو في هذا معذور إن أخطأ ومأجور إن أصاب في ترك فتوى الفقيه الذي لم يبين له معاني النصوص. فكيف يكون مخلصا لله دون أن يكون مقتنعا بالعمل الذي يعمله بأنه موافق للنصوص!

والدين عندما يكون علاقة بين العبد وربه، فإنه ينمي المسئولية الفردية في إبداء الرأي والصدع بالحق دون محاباة الناس فيختار المرء من هو صالحا للحكم ويختار الرأي الذي لا يخالف الشرع حين يكون السياق متعلقا بالتشريع الاجتماعي.

والمقصود من هذا كله: أن الإنسان له الحق في الكلام في الدين باعتباره ثمرة لتجربة شخصية وعلاقته مع ربه جل وعلا، فهو يتكلم:

-        بما يراه من توفيق الله عند طاعته وتفريجه لشدته، وقد يتكلم بمعاني التوكل التي ظهرت له من مواقف وتجارب حياتية.

-       وفي مجال الفقه قد يتكلم في نقد شروط الفقهاء التي يضعونها في المعاملات مثل شروط سفر المرأة بمحرم أو بلا محرم، فقد يتبين له من خلال تجربته ومعرفته بواقع الدول وطبيعة السفر صحة كلام الفقهاء أو خطئه، ويرى عدم وجاهة شروطهم أو يضيف عليها ويزيد من الشروط ما لم يتطرقوا له.

تلك هي معاني الدين التي تطرقنا إليها لنعرف ما إذا كان الدين تخصصا فنمنع الناس من الكلام فيه، أو أنه مجالا عاما لكل أحد فلا يحق منع الناس من الكلام فيه بدعوى التخصص. فما كان من صواب فمن الله وحده وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان.

السلام ختام



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة