صِرَاعُ القِيَمِ فِي ظِلِ الْعَوْلَمَةِ الْمُعَاصِرَةِ

د.جمعان بن محمد الشهري
10/30/2016

صِرَاعُ القِيَمِ فِي ظِلِ الْعَوْلَمَةِ الْمُعَاصِرَةِ

د.جمعان بن محمد الشهري

الصراعُ بينَ الحقِّ والباطلِ منْ سُننِ اللهِ تعالى في الكونِ، والمتأملُ لهذا الصراعِ، لا سيّما في هذه الحقبةِ؛ يجدُ أنّه مُحتدِمًا غايةَ الاحتدامِ.فهذا الفكرُ الغربيُّ بحمولتِهِ الثقافيةِ وطابَعِها المناوئُ لقيمِ الإسلامِ الخالدةِ لا يزالُ يخلقُ خُططًا ينْفذُ من خلالِها إلى قيمِ الإسلامِ المُتجذّرةِ في قلوبِ أصحابِها.ومن تلكُمْ الطرقِ التي يسلكها الغربُ؛ العَوْلَمَةُ، وهي تيارٌ تجاوز الحدودَ الجغرافيةَ بُغيةَ تنميطِ الشعوبِ على ثقافةٍ واحديةِ المبدإِ تعملُ في اتجاهين: اتجاهٍ يزيحُ النُظمَ القيميّةَ لأيّ مجتمعٍ آخرَ، لا سيّما نُظمُ الإسلامِ وأصولِه.واتجاهٍ يملأ تلك الخِلالِ بالوافدِ الجديدِ واحديِّ النظرةِ في نمطِه الغربيِّ.وقد أشارَ إلى ذلك الخطرِ الداهمِ نخبةٌ من المفكرين الكبارِ والمتمرّسين الأخيارِ في هذا النوعِ من الثقافةِ؛ أشاروا إلى أنّ العولمةَ تسعى إلى تحويلِ العالمِ إلى عالمٍ واحدٍ يحملُ منظومةً أخلاقيّةً مصنوعةً من قِبل أساطينِ الغربِ وخفافيشِ الشرقِ لا تنتظمُ وتعاليمَ الدينِ الحنيفِ ألبتةَ.وقد جعلوا تحقيقَ الهدفِ المنشودِ يَعبرُ من خلالِ ركيزتينِ رئيستينِ لا يستغني عنها العالمُ بأسرهِ في الوقتِ المعاصرِ؛ ألا وهما: ركيزةُ الاقتصادِ، وركيزةُ الاتصالِ، فهما مِعولا السيطرةِ على العالمِ الآخرِ ومَعْبرا التمريرِ لتلكمُ الثقافةِ الغربيّةِ.

أليسَ المدُّ العولميُّ قد ظهرَ في أوساطِ الشبابِ اليافعينَ واقتحمَ أسوارَ المدنِ والقرى والهِجرِ ؟ لا شك أنَّ الأمرَ قد تبدَّى للناظرين، فها هي السلوكياتُ الإنسانيّةُ والمتمثلةُ في العلاقاتِ الأسريّةِ وطرائقِ العيشِ من المأكلِ والمشربِ والملبسِ؛ تشهدُ على هذا التأثرِ.وليس حدُّ المدِّ العولميِّ أنْ يقفَ على المظهرِ فحسبُ، بل هو يسعى إلى تغيير فلسفةِ الوجودِ في أبعادِها الثلاثةِ (الإنسان، الكون، الخالق.

فإذا كانت هذه الفلسفةُ الإسلاميةُ للوجودِ مبنيّة على مقتضى الوحي المنزّلِ من الحقِّ سبحانه؛ لترسيخِ عقيدةِ المسلمِ على منابعَ صافيةٍ وأصولٍ عظيمةٍ بحيثُ يعتزُ المسلمِ بهاتِه العقيدةِ ويقاتلُ من أجلِها؛ فإنّها وهي على تلك المثابةِ، وبكل ما تحمله من مضامينَ، هي الغايةُ المرادةُ من قِبل الفكرِ الغربيّ؛ كي يزلزلَ جذورَها وينقضَ أُسسَها ويصوغَها صياغةً جديدةً تتماشى مع أفكاره، وتضمنُ له حياةً يعيشُ فيها بسلامٍ.

ومما يمكنُ التمثيلُ به؛ فيُغني عن غيرهِ من إفرازاتِ العولمةِ في عصرها الحديثِ؛ تلك البنودُ التي تُطرَقُ من قِبل الأممِ المتحدةِ في العديدِ من الندواتِ والمؤتمراتِ؛ كالزواجِ بالمِثلِ، ونحو ذلك من قضايا الأسرة وما له صلةٌ بالعلاقاتِ الجنسيةِ مما هو متعارضٌ مع اليهوديةِ والنصرانيةِ فضلًا عن دينِ الإسلامِ.

 ومن بعدِ ذلكَ المدِّ الجارفِ؛ فإنَّه لا يرتابُ عاقلٌ من أن تهميشَ الثقافةِ الإسلاميةِ بما تتضمنُه من معتقداتٍ راسخةٍ وتشريعاتٍ ساميةٍ؛ هو حربٌ ضروسٌ على المكوِّن ِالإسلاميّ أو الهُويّةِ الإسلاميّةِ.وفي معنى صورةِ الإنسانِ في خطابِ العولمة يقول عبد الوهاب المسيري: (...وهذه رؤية مادية في الصميم لا تأخذ في الحسبان الأبعاد المعنوية الروحية والأخلاقية لوجود الإنسان، وتهمش تماما تراث الإنسان وثقافته وهُويته).[العلمانية والحداثة والعولمة، حوارات الدكتور عبد الوهاب المسيري، تحرير: سوزان حرفي، ص294].هذا هو الذي يحدث للإنسان في ظل العولمة المعاصرة.

أقولُ: الأمرُ في غاية الخطورةِ، ووجه كونهِ خطرًا أنَّ علماءَ السلوكياتِ البشريةِ يؤكِّدون أنّ الإنسانَ يُكيّفُ سلوكَه انطلاقًا من الممارسةِ المستمرةِ لنمطِ الحياة المختلفة التي لم يعهدْها من قبلُ، وذلك من خلالِ التأثرِ بالقولِ أو الفعلِ أو المشاهدةِ، وهذه الثلاثيةُ النفّاذةُ هي التي تصوغَ البشرَ صياغةً ثقافيةً أُخرى على غيرِ القيمِ التي يؤمنونَ بها.ذلك أنّ الحسَّ، أيًّا كان ظاهريًّا أو وجدانيًّا، يقبلُ التَّشرُّب لهذه الثقافةِ مع طوِل الأَمدِ؛ مما يؤدي إلى قلةِ القناعةِ الذاتيةِ بموروثِه الثقافيِّ، وشيئًا فشيئًا حتى يصلَ إلى تفريغِ القيمِ الموروثةِ واكتنازِ الثقافةِ الوافدةِ.

ومن المؤكّدِ، ونحن نشيرُ إلى هذا الشرِّ المستطيرِ، أن نستحضرَ واجبنا تجاه شبابِنا وفتياتنا، وذلك بتعميقِ القيمِ الإسلاميةِ الخالدةِ في نفوسِهم، وبناءِ الحُجُزِ المنيعةِ المعنويةِ من حولِهم على وجهٍ من القناعةِ والبرهانِ القاطعِ الذي يأخذُ بألبابِهم إلى بَردِ اليقين وسعادةِ الدارينِ.ولن يتأتّى لنا هذا الأمرُ إلا بتكاتفِ الجهودِ، أفراداً وشعوباً وقبائلَ، بكل ما تعنيهِ هذه المفرداتُ من معنًى؛ وأن تكون هذه المهمّةُ على رأس المهمّاتِ التي يلتفتُ إليها الحاكمُ والمحكومُ على حدٍّ سواء.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾.[سورة يوسف]

revia side effects http://naltrexonealcoholismmedication.com/ injections for alcoholics to stop drinking



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة