صعود وسفول حزب النّور السّلفي في مصر

عمرو بسيوني
9/30/2016

صعود وسفول حزب النّور السّلفي في مصر [1]

جوناثان إيه سي براون

Jonathan A.C. Brown

14 نوفمبر 2013م

ترجمة: عمرو بسيوني وهبة حداد

 

تقديم:

تأتي أهمية هذه المقالة، رغم قِدمها الزمني نسبيًّا؛ من أنها توقفنا على رؤية الأحداث التي عايشناها، ولكن من الخارج. رؤية غير مأزومة بواقعنا العربي أو المصري. ثم هي رؤية في بُعدها المفيد سالف الذكر؛ ليست بعيدة جدًّا أو مجافية للخصوصية العربية الإسلامية. فالكاتب الأمريكي هو باحث مسلم وأكاديمي متخصص في الشؤون الإسلامية عمومًا، والعلوم الإسلامية خصوصًا، يتفهم السمات الإسلامية، التراثية أو المعاصرة.

ربما يكون هذا النوع من قراءات الأحداث مفيدًا للمنغمس في تضاعيف السياق، وتبعاتها، وتطور أحداثها الضاغط، فضلا عن التجاذبات والمعايرات الأيديولوجية من الفرقاء والمخالفين، والتي تحول دون تدبر أمين في تسلسل الأحداث وعواقبها. هذه المقالة تقدم لنا إضاءة أكثر موضوعية عن الإدراك المشحون بالعاطفة والتعصب الذي يعاني منه الكثيرون من الموافقين والمخالفين لظاهرة حزب النور السياسية السلفية. تلك الظاهرة التي جسّدت لأول مرة مشاركة سياسية حقيقية لتيار سلفي حركي، بعد أن ظلت تلك المشاركة مقتصرة على تيارات الإسلام السياسي غير السلفية، أو كانت تمثيلًا ظاهريًّا غير حقيقي لبعض الأطياف والعناصر السلفية. بما يجعل تلك المشاركة (نموذج كل النماذج) كما قلنا في كتابنا (ما بعد السلفية).

كما أن مقالة كتلك تبين لنا أن ذلك الذي يحدث الآن، ونحن نكاد نغادر 2016؛ لم يكن عصيًّا على البصر، فقد كان هذا متوقعًا منذ سنوات ثلاث عقب حصول الانقلاب بأيام يسيرة نظرًا للارتباط الواقعي الواضح بين الأسباب ونتائجها.

فالكاتب الذي يكتب عن سفول حزب النور بعد ازدهاره، يكتب ذلك في نوفمبر 2013 في ظل تشكل لجنة صياغة الدستور الجديد التي حذفت المواد التي عرفت إعلاميًّا عند السلفيين بمواد الهوية، وفي ظل حالة القمع السياسي الذي تمثل في التنكيل بالمعارضين قتلًا وحبسًا، مع بوادر نية وزير الدفاع في الترشح للرئاسة.

بعض ذلك فقط كان كافيًا لتوقع النتيجة الحتمية التي تنتظر حزب النور، لم يكن الأمر بحاجة إلى الانتظار لما حدث بعد ذلك، ولم يكن لحزب النور أثناء هذه المعركة من رؤية أو حجة تدلل على تبصره بالعواقب أصلًأ، باستثناء عبارات هروبية فارغة من المضمون على غرار (ستثبت الأيام صحة موقف حزب النور). لم يكن الأمر بحاجة إلى الانتظار، فكل ذلك كان واضحًا حتى قبل أن يتم ترشح وزير الدفاع قائد الانقلاب لمنصب الرئاسة عبر استفتاء في صورة انتخاب، وقبل أن تجري انتخابات برلمانية شكلية، حصل فيها النور على 12 مقعدًا من جملة 596، مدشنًا السقوط الرسمي للحزب، مع سحب جميع المزايا التي طمح إليها الحزب في موقفه الانتهازي من سلطة الواقع، سواء الدعوية أو السياسية، مع انخفاض عام لمعدل التدين، وتحجيم النشاط السلفي بعامة، والهجوم على ثوابت الدين في منابر الإعلام القريبة من الحكومة، وبتزكيتها أحيانا. وهذا بالإضافة إلى حالة الفشل العام التي دخلتها الدولة المصرية ولا يبدو أنها ستخرج منها في المدى المنظور، وفشو القمع السياسي، وغلق المجال العام وتجريم السياسة، ناهيك عن انهيار الدولة اقتصاديًّا واجتماعيًّا في ظل حكم فاشل، يفتقر إلى الجدارة كافتقاره إلى العدالة.

أما بخصوص مستقبل الدعوة السلفية، فإن جميع المعطيات تؤكد استشرافنا الذي كتبناه في (ما بعد السلفية) (2015): «استهلكت الدعوة السلفية في السياسة الحداثية، ودخلت دولاب الدولة، وفقدت أغلب مصداقيتها. فالشيوخ مسموعو الكلمة بعيدو الصيت؛ صاروا يشتَمون بأقذع الألفاظ في وسائل التواصل الاجتماعي، من شباب إسلامي وسلفي. وصارت بعض الجماهير تهاجمهم في المساجد وتعتدي عليهم بالقول والفعل. تحول كثير من سلفيي النور إلى سلفيين ثوريين، أو مستقلين، أو إلى خارج نطاق السلفية، وأحيانا خارج نطاق الإسلاموية برمته.

ولا نعني بذلك أن حزب النور، أو الدعوة السلفية ستنقشع من الوجود. فالدعوة ستحتفظ بمكونها الصلب، المتمثل في الجماهير القريبة من برهامي، والطبقة الثانية من الكوادر الجديدة تحته. ولكن ذلك القبول العام للدعوة السلفية في الوسط السلفي، حتى من كثير من الجهاديين، وباستثناء الجامية فحسب؛ كان ماضيًا وانتهى».

عمرو بسيوني

-----------------------------

النص:

عندما ظهر محمد سلماوي، المتحدث باسم اللجنة المعينة لصياغة دستور ما بعد الانقلاب في مصر، أمام الصحافة يوم 29 أكتوبر؛ كانت الرسالة واضحة([2]): "لن يكون هناك مكان للمادة (219) في الدستور الجديد، ولن تكون مطروحة للنقاش".

جاء هذا الإعلان بعد شهرين من جهود حثيثة من قِبَل الحزب السلفي "النّور" لتأمين اللغة الإسلامية التي جرى إدخالها في الدستور الملغى حاليًا، دستور 2012. كان هذا، إلى حد كبير؛ هو ما منحته المعركة لتمثيل حزب النور بعضو واحد، ضمن شخصين ممثلين للفريق الإسلامي الضعيف في لجنة الخمسين. في أواخر شهر أغسطس، قدّم يونس مخيون، رئيس حزب النّور، رؤية الحزب لطريق مصر في المستقبل: وضْع حدٍّ لأعمال العنف وعدم الاستقرار في الشوارع، وعملية سياسية شاملة تقاد من قِبَل الجيش، وتسترشد في المسائل الدينية بالأزهر. وتمثلت مخاوفه في: عودة دولة حسني مبارك البوليسية، وإزالة العناصر الإسلامية المعتمدة في دستور 2012.

وكما أصبح واضحًا لحزب النور؛ فإنه بحلول منتصف أكتوبر، كانت لجنة الصياغة، التي عيّنها الرئيس المؤقت عدلي منصور؛ كانت تكتب وثيقة جديدة خالية تقريبًا من أية مرجعية إسلامية، فسارع الحزب بتقديم تنازلات. ثمة إمكانية لإزالة المادة (219)، شريطة أنّ يتم إزالة كلمة "مباديء" من المادة الثانية الأقل إثارة للجدل، والتي يبدو أنّها نجت من التعديل، والتي تنص على أنّ "مباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع في مصر"، إلا أنّ جهودهم كانت بلا جدوى.

لقد كانت المادة (219) الجائزة الكبرى لحزب النّور. فبالنّسبة إليهم، كانت تلك المادة قد أضافت جوهرًا ما وثِقلًا إلى ما اعتبروه صياغة مترهلة للمادة الثانية. فـ "مبادئ الشريعة" يمكن أنّ تكون مصطلحًا هشًّا وغير مُلزم، مثله مثل "العدالة"، و"حماية الحياة، والكرامة، والممتلكات". لم يكن محدَّدًا بما فيه الكفاية لضمان التزام التشريع في مصر بالإسلام والشريعة. لطالما شنَّ الشيخ ياسر بُرهامي، المنظِّر الأيديولوجي لحزب النّور، هجومًا لاذعًا ضد الطريقة الليبرالية والمتساهلة التي فسرت بها المحكمة الدستورية العليا في مصر المادة الثانية. فقد فهمت المحكمةُ المادةَ كحظْرٍ لأية قوانين جديدة تتناقض مع "مبادئ الشريعة الإسلامية"، والتي فهمتها المحكمة باعتبارها الحد الأدنى من الأحكام الأساسية للشريعة الإسلامية. وجراء الهلع من الإسلاميين المحافظين، أمثال برهامي، فقد سمحت المحكمة بالموافقة على سياسات، مثل حظر النقاب في المدارس([3])، إذ إن ارتداءه لا يعتبر شرطًا جازمًا في المذاهب الفقهية السّنية. في رأي حزب النّور، فالمادة (219) كان من شأنها تصحيح مثل تلك المشكلة. وهي تنص على أنّ مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل "أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة".

بين السلفيين، أصبحت المادة (219) نقطة التقاء لتأكيد الهوية الإسلامية لمصر ما بعد مبارك. وربما ردًّا على ذلك الاحتفاء؛ فقد أصبحت أيضًا عدوًّا لدودًا لخصومهم من العلمانيين وفلول النظام القديم، الذين نظروا إليها على أنّها نذير لانحدار وشيك نحو "الأسلمة". تحميل المادة (219) بكل هذه الأهمية كان أمرًا مثيرًا للسخرية؛ حيث إن صياغة تلك المادة باللغة العربية كانت مَرِنة كما هي ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية، ولم تضف إلا شيئًا قليلًا إلى جوهر المادة الثانية. لم أسمع قط تفسيرًا مقبولًا لكيف ستكبح المادة (219) جماح التفسير الليبرالي للمادة الثانية. أحكام كموافقة المحكمة الدستورية على حظر النقاب؛ هي ممكنة مع حالة الإطناب التي عليها المادة (219)، كما كانت بدونها. ومع ذلك، كان للمادة (219) أهمية خاصة لدى السلفيين. لقد هلّلوا بحقيقة([4]) أنها حدَّدت، ولأول مرة: أن فهم الشريعة في مصر سيكون سنيًّا. لم يكن ذلك أكثر من مجرد تأكيدٍ رمزي؛ فالفقه الشيعي لعب دورًا هامشيًّا في التشريع بمصر، وعدد السكان الشيعة في البلد ضئيل.

لقد كانت رحلة قصيرة ويمكن التنبؤ بها لحزب النّور. فقد تأسس، بصورة فورية، عقب سقوط مبارك في فبراير 2011، بواسطة كبار أعضاء (الدعوة السلفية)، تنظيم السلفيين بالإسكندرية. كان لدى الحزب ثلاثة أهداف رئيسة: ضمان ألا تكون مصر ما بعد مبارك مكانًا يعتَقَل فيه الملتحون ويعذبون، وتحسين مستوى المعيشة البائس للبلاد، وجعل الحكومة المصرية ذات شرعية إسلامية. كان هذا الهدف الأخير ذا أهمية خاصة. لقد كتب الشيخ ياسر برهامي، شيخ (الدعوة السلفية) الأكثر كارزميةً، قبيل ثورة 2011، أنّ الحكومة المصرية لم تكن "إسلاميّة شرعًا".

في هذه النقطة، اختلفت (الدعوة السلفية) مع معظم التنظيمات الإسلامية الأخرى في مصر. فعلى الرغم من أنّهم قد حظروا، جميعًا، أيَّ تمرد ضد حاكم مسلم، إلا أنّ الدعوة السلفية وحدها هي التي لم تضمن لمبارك موقفا كهذا([5]). استشهدت قيادات الدعوة السلفية بالمبدأ الشرعي المعروف([6]): أنّ الحاكم الذي يُسقط إقامة الشريعة هو حاكم غير مسلم. وعلى ذلك، فإن حكمه لرعاياه المسلمين غير شرعي. المادة الثانية التي جرى إدراجها من قِبل الرئيس الراحل أنور السادات، أملًا أنّ تحشد له الشرعية الإسلامية: قدّمت بصيصًا من الأمل، بيد أنها لا تنطبق إلا على القوانين الجديدة.

وإذا كان التمرد ضد حكومة مبارك مباحًا شرعًا وفقا للدعوة السلفية، إلا أنّ التنظيم نفسه لم يعتبرها، قط، فكرة جيدة([7]). وبحساب انعدام فرص النجاح لأية مواجهة مع الدولة؛ فقد انعزلت (الدعوة السلفية)، وركزت على تعليم أتباعها.

مع سقوط مبارك، انفتحت الساحة السياسية، ورأت قيادات (الدعوة السلفية) فرصة لتحقيق تغيير حقيقي. تم بوعي بالغ تصميم حزب النّور من قِبل المهندس الرئيس في (الدعوة السلفية)، عماد عبد الغفور، ليكون منفصًلا إداريًّا عن التنظيم الديني للدعوة، والتي كان عليها الاستمرار في أنشطتها الدينية بمعزل عن السياسة، تحت إشراف ياسر برهامي وغيره من كبار رجال الدعوة. حتى إذا أخذت الثورة منحنًى غير متوقع، أو تلوثت السياسة تلوثا مشينًا؛ فبإمكان حزب النّور أنّ يغلق أبوابه، ويكون بإمكان (الدعوة السلفية) أن تستمر كتنظيم ديني، مع تأثر ضئيل. ولكن، ومع الأسف؛ فقد أثبت الواقع خلاف ذلك.

كانت أيام حزب النّور الأولى ذهبية. ففي أول انتخابات برلمانية حرة تم عقدها في البلاد منذ عقود، حصد حزب النّور واحدًا وعشرين بالمائة (21%) من نسبة المقاعد في مجلس الشعب، وأثبت نجاحًا أكبر في انتخابات مجلس الشورى. وعلى أساس الانطباعات التي استُقيت من المصريين الذّين صوتوا لحزب النور؛ جاء معظم التأييد الذي حظي به حزب النّور من دائرة السلفية والناخبين الأكثر تحفظًا الذين رأوا في الحزب بديلًا نقيًّا لجماعة الإخوان المسلمين المتلونة. بدا حزب النّور، فجأة، (صانع الملوك)([8]) الجديد في السياسة المصرية.

 ومع ذلك فقد تدهورت الأمور. في سبتمبر من عام 2012، امتد النزاع بين عبد الغفور، رئيس الحزب، وأعضاء لجنة قيادته إلى العلن([9]). أوضح نادر بكار، المتحدث الرسمي باسم الحزب، وأهم واجهاته التلفزيونية؛ أنه منذ تم تعيين عبد الغفور كمستشار خاص للرئيس مرسي لم يعد باستطاعته الاستمرار كرئيس للحزب أيضًا. فيما كان الاحتكاك الحقيقي وراء الكواليس هو الصدام الشخصي بين عبد الغفور وبرهامي. فقد كان من الواضح أن الشيخ لا يراعي فصل العمل بين السياسة والدين، ويعمل على توجيه بكار وغيره سياسيًّا([10]). وما زاد الطين بِلة، أن منهج عبد الغفور السياسي كان مختلفًا عن برهامي وجماعته. كان الشيخ حذِرًا ولم يرد للنّور أنّ يلزم نفسه أكثر من اللازم بمبادرات حكومة مرسي، فيما اعتقد عبد الغفور أنّه قد حان للإسلاميين أنّ يقفزوا بشكل كامل في الساحة السياسية.

كان لايزال هناك كثير من الضغينة. فقد تخرجت قيادات الدعوة السلفية وكبار قادة جماعة الأخوان المسلمين من نفس الجماعات الطلابية الإسلامية التي نشطت في السبعينيات. كانوا يعرفون بعضهم البعض جيدًا، ولكنهم اتخذوا مسارات مختلفة، فقد اختار برهامي وآخرون مسار السلفية العلمية والمدار السياسي للمملكة العربية السعودية، بخلاف حركية الإخوان المسلمين في مصر. لم يكن الودُّ مفقودًا بين تلك الجماعات للتو. سرعان ما أطيح بعبد الغفور من حزب النّور، مع مئات من المنشقّين عن الحزب، فشرع في تشكيل حزب الوطن([11]) في شهر ديسمبر، 2012.

وعلى الرغم من علاقتهم الشائكة، كان بإمكان حزب النّور وجماعة الإخوان العمل معًا على القضايا المشتركة. قام حزب النّور ودعاة (الدعوة السلفية) ذوي الشعبية الكبيرة بحملة نشِطة لدعم مرسي في جولة الإعادة ضد أحمد شفيق، المرشح القوي للنظام القديم. كما عملت الجماعتان معا لصياغة دستور 2012، وحشد الناخبين لإقراره في الاستفتاء الشعبي، رغم أن السلفيين قد أزعجوا الاتجاه السائد للإخوان المسلمين بإصرارهم على المادة (219)، وجهودهم الرامية، التي باءت بالفشل، لتغيير (مبادئ الشريعة) إلى (أحكام الشريعة) في المادة الثانية.

في نوفمبر وديسمبر عام 2012 ساءت العلاقة بين الجماعتين. الإعلان الدستوري للرئيس مرسي، والذي أعلن فيه تحصين نفسه من قضاء عهد مبارك؛ قدّم للمعارضة – المختلفة لكنها واسعة - فرصة ذهبية. فقد تصرف مرسي كما لو كان إسلاميًّا متعطشًا للسلطة، وهو النموذج الذي طالما أثار ذعرهم، فبات حتى لأكثر مؤيدي عهد مبارك الحق في ارتداء عباءة الثورة من خلال الدعوة إلى رحيله.

في يناير 2013، انتخب حزب النّور رئيسًا جديدًا، يونس مخيون. فيما طفت التوترات بين النّور والإخوان على السطح عندما اتهم خالد علم الدين - وهو عضو بارز في النّور كان مرسي قد اختاره مستشارًا -  جماعة الإخوان المسلمين علنّا بالتصرف الإقصائي([12])، وجعل الحكم القائم على التوافق مستحيلًا. كما أقر باجتماعه مع الجبهة التي شُكلت للإنقاذ الوطني (NSF)، وهو تحالف من الأحزاب المعارضة لمرسى، غالبيتها علمانية. في 30 يناير أعلن حزب النّور وجبهة الإنقاذ الوطني أنهما يشتركان في رؤية موحدة([13]) للمضي قدمًا لإخراج مصر من المأزق السياسي الذي تشكّل بين مرسي ومعارضيه. وانطلاقا من تلك النقطة، رفض النّور علنّا المشاركة في تظاهرات نظمها الإسلاميون لإظهار التأييد الشعبي لمرسي. في منتصف شهر فبراير، أقال الرئيس مرسي علم الدين من منصبه، مع اتهامات بتصرفات غير لائقة. وفي الضجة الإعلامية التي تلت ذلك؛ تبادل حزب النّور وجماعة الإخوان المسلمين الانتقادات التي بلغت ذروتها في إعلان مخيون بأنه سينشر قريبًا تقريرًا يوثق خطط الإخوان لـ "أخوّنة" الدولة([14]). وانضم حزب النّور إلى جوقة المعارضة التي تتهم مرسي بعدم الكفاءة، والصمم تجاه مخاوف الشعب، وإقحام الإخوان في جميع مستويات الحكومة. وبلغ الأمر ذروته، عندما أعلن نادر بكار، في التاسع من يونيو، أنّ حزب النّور لن يشارك في المسيرات المؤيدة لمرسي في الثلاثين من يونيو (ولكن لكي نكون منصفين، فلقد رفض السّلفي المستقل حازم أبو إسماعيل، والمؤيد الجماهيري لمرسي، المشاركة في تلك المسيرات أيضًا، فقد نوّه، هو، وحزب النور، بخطورة التصادم بين كياني المناصرين في الشوارع).

لكن موقف النّور انتهى به إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد رفض الوقوف مع الإخوان. عندما ظهر السيسي على الهواء ليُعلن إطاحة الجيش بالرئيس مرسي؛ كان مخيون جالسًا بوضوح بجوار أنصار الانقلاب الآخرين. وبينما تردد عبد الغفور وغيره كثير من السلفيين البارزين (غير المرتبطين بالدعوة السلفية) على منصة الاعتصام في رابعة؛ وبَّخت قيادة حزب النّور علنّا أي عضو من أعضائها البارزين أو العاديين الذين شاركوا في الاعتصام. واستمر مخيون وبرهامي وبكار في لوم الإخوان على إخفاقاتهم. حتى إنّ بكار قد قدّم استقالة من منصبه كمتحدث رسمي لحزب النّور - معارضًا الخط الذي انتهجه حزبه - بعد إشادته بالطبيعة السلمية للاعتصامات. وعندما اعتدى الجيش على المتظاهرين لتفريق الاعتصامات، بات الحد الفاصل بين سلفيي (الدعوة السلفية) وحزب النّور وسائر سلفيي مصر (والإسلاميين على نطاق أوسع) واضحًا.

شنَّ بعض دعاة السلفيين المستقلين، أمثال محمد عبد المقصود؛ هجمات لاذعة على الجيش والأجهزة الأمنية لسفكهم دماء المدنيين، مستخدمين شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت. فيما اختار آخرون الصمت في مواجهة ذلك العنف الفادح. شمل ذلك الموقف الداعية السلفي الشهير محمد حسان من جماعة (أنصار السنة)، والذي كان قد انتقد نظام السيسي في وقت سابق بتهمة قتل المتظاهرين. ومع ذلك، أكد حزب النّور على دعمه للسيسي والجيش. وواصل بكار ثناءه الباهت على الجيش، وذكر عدة مرات أنّ حزب النّور ليس لديه اعتراض على رئاسة السيسي([15]). وفي 16 أغسطس، كان الأسوأ في تلك الحملة في الطريق، حيث أصدر حزب النّور و(الدعوة السلفية) بيانًا مشتركا يؤكد دعمهما للجيش المصري([16]). وأعرب الحزب، على استحياء، عن قلقه لمقتل المدنيين([17]).

كيف تسنى لحزب النّور، الذي طالما تاق لأن يتولى الإسلاميون المحافظون الحكم؛ أنّ يدعم نظام السيسي بتلك الحماسة بالرغم من مجزرته تجاه رفاقهم من المسلمين الأتقياء؟ إنه لا يمكن تفسير ذلك إلا من خلال الإشارة إلى علاقة حزب النّور المضطربة بجماعة الإخوان المسلمين. لقد تلقت المذبحة التي قام بها الجيش في حق المدنيين إدانة واسعة من مختلف الأطياف السياسية، بما في ذلك معارضي الإخوان. ألا يجب على حزب من المسلمين المتدينين بعد مشهده مقتل العزل من الرجال المسلمين والنساء المحجبات أنْ يتخلى عن حكومة السيسي، على وجه أسرع من محمد البرادعي مثلًا، أو غيره من الليبراليين المستفيقين من الوهم؟

هناك نظريتان لتفسير ذلك. بالنسبة لأولئك المعتقدين في نظرية المؤامرة، هناك نظرية تقول إنّ حزب النّور قد أُنشيء ومُول بتوجيه من المخابرات السعودية. كانت الصفقة: أن يتولى النظام العسكري إدارة البلاد، بالنيابة عن النظام القديم، فيما يتولى السلفيون المساجد، والوعظ غير السياسي، والخطاب الودي للسعودية. من هنا جاءت قفزة النّور الخرقاء للحاق بركب معارضي الإخوان أوائل 2013، واحتضانه لجبهة الإنقاذ، وتأييده الكامل لحكومة السيسي. ما يفسر هوس الحزب الغريب بالنقد اللاذع للشيعة، الذي تجاوز مجرد الجدل اللاهوتي (المعياري بالنسبة للسلفيين) لينغمر بجنون في المجال السياسي. في أبريل، بعد أن وافقت مصر وإيران على تبادل سياحي حميد بين البلدين، وصل على إثره وفد صغير من إيران؛ كان رد فعل حزب النّور إزاء ذلك وكأن جحافل الشيعة قد اخترقت قناة السويس. انطلقت الاحتجاجات العدوانية أمام منزل السفير الإيراني في القاهرة([18])، وفي يوم 13 مايو أعلن النّواب التابعون لحزب النّور في مجلس الشوري – عديم النفوذ - أنّ السياحة الإيرانية تمثل تهديدًا كبيرًا للدين([19]) في "مصر - للجميع" كبلد بها نسبة ضئيلة من الشيعة. ومن ثَمَّ فقد استمر الحزب في موالاته لنظام السيسي على الرغم من سجنه الآلاف من المسلمين، وإغلاق القنوات الفضائية السلفية، وعلمّنة الدستور بشكل صارخ.

العنصر الأكثر قبولا لهذه النظرية هو أنّ حزب النّور/ (الدعوة السلفية) قد دعمت نظام السيسي بثبات متأملين في زيادة حصتهم في مساجد مصر والمشهد التعليمي الإسلامي. إلا أنّ ذلك ليس مقنعًا سواء من الناحية النظرية أو الواقعية. أولاً: إن التنظيمات الإسلامية الأخرى مثل أنصار السنة والدعاة السلفيين المؤثرين أمثال محمد حسان وأبو إسحاق الحويني قد تجبنوا غضب النظام بتحاشيهم السياسة. وقد بَدَوا أكثر جذبًا لأتباع السلفية من حزبٍ/ تنظيم ديني قد دعم بحماس نظامًا قتل وسجن كثيرًا من نظرائهم المسلمين أيديولوجيًّا. ثانيا: في ظل نظام السيسي صعّدت الحكومة المصرية جهودها لمَرْكزة الوعظ بالمساجد وخطب الجمعة لتكون تحت إشراف شيخ الأزهر أحمد الطيب، المؤيد للسيسي والمعارض بشدة للسلفيين. تمت مأسسة "الإسلام المصري"([20]) بتلك المبادرة الحكومية ليكون أبعد ما يمكن عن الترحيب بالطابع السّلفي (الماركة السلفية).

النظرية الثانية هي أنّ قيادة حزب النّور قد اعتقدت أنّ دعمها للانقلاب يمكن أن يؤمِّن لها أهدافًا محدودة نسبيًّا، كانت قد تأسست على السعي نحو: حماية السلفيين من وحشية الشرطة، وقصْر النظام القانوني في مصر في إطار الشريعة الإسلامية. على عكس الإخوان المسلمين، لم يؤمن السلفيون قط بالديموقراطية كنموذج مثالي. فالديموقراطية، في أسوأ الأحوال، كان الإسلام يحرمها، وفي أحسن الأحوال كانت إجراءً مفيدًا. السلفية المتجذرة بعمق في الكمونية([21]) quietism السياسية للإسلام السني الكلاسيكي في العصور الوسطى، كانت هي الأكثر قربًا إلى المؤسسة الخاضعة للدولة بشكل كامل "الأزهر" من المشاركة السياسية على النمط الغربي التي تبناها الإخوان. الأمر كما كتب أحد علماء القرن الرابع عشر: "نحن مع مَنْ غلب"([22]).

هذه النظرية تفسر لمَ كان قادة النّور، وخلال شهور تأييدهم لمعارضة الإخوان وتعاونهم مع جبهة الإنقاذ الوطني، وعلى الرغم من ذلك؛ يتعقبون بشراسة وزير الداخلية أثناء حكم مرسي وحاليًا، محمد إبراهيم، لمعاملة الشرطة([23]) للمعتقلين السلفيين، وكذلك المتظاهرين الليبراليين. إلى درجة أنه في يوم 11 مايو، دعا المتحدث باسم (الدعوة السلفية) إبراهيم للاستقالة بعد أن رفض السماح لبعض رجال الشرطة الملتحين حديثًا بالعودة إلى العمل([24]).

وهذا يفسر لماذا، وقبل يوم واحد من إسقاط المادة (219) من الدستور، أعلن نادر بكار أنّه على الرغم من ترحيبه برئاسة السيسي([25])، إلا أنّه كان قلقا للغاية من غلبة الصبغة العلمانية على لجنة صياغة الدستور، ومن حظر وشيك للأحزاب الدينية.

إذا كان هذا هو السبب في دعم حزب النّور الإطاحة بمرسي، فإن قرار الحزب كان ساذجًا بصورة كارثية. هذا الفشل يدعم هذه النظرية أكثر من أن يقوضها، فالتعامل بسذاجة إزاء طبيعة الانقلابات العسكرية قد بعثر ألوان الطيف السياسية في مصر. يمكن لمسئولي حزب النّور الذين قد يتحسرون على دعمهم للسيسي أن يجدوا العزاء في شركائهم الليبراليين، مثل محمد البرادعي.

لقد قدّم حزب النّور ورقة توت إسلامية لنظام عسكري مداهن ومتطرف قوميًّا وقمعي، ربما كان ذلك أمرًا جليًّا لبرهامي ومخيون وغيرهم. وكان سحق أنصار مرسي، وكثير منهم متدينون، وملتحون، ومحجبات، تحت البيادة الغليظة لذلك النظام؛ أمرًا واضحًا جليًّا أيضًا. "هذا ما يحدث"، كما لاحظ أحد السلفيين الطيبين، "حينما يُرفع شعار ديموقراطي غربي تمامًا – الشرعية – بدلا من اتباع الواجب الشرعي الأصلي في طاعة الحاكم".

لكن كان يتوجب على قيادة حزب النّور أنّ تكون على علم بأن تعديلاتها الثمينة للهوية القانونية في مصر، تلك الكلمات القليلة التي كانت ستجعل مصر دولة إسلامية شرعية بنظرها؛ كان مآلها الفشل في اللحظة التي هدد فيها الجيش بالتدخل. وحتى الممثل الأول الذي نجح النور في حشره في لجنة صياغة الدستور، بسام الزرقا، قد استقال([26]) بعد أيام قليلة من بدء اللجنة عملها لـ"أسباب صحية"، كما أصر مخيون. ربما فطنت قيادة النُور أنّه جرى استخدامهم في عملية من شأنها أن تؤدي بسرعة شديدة إلى حل الحزب نفسه. قد لا يكون ذلك ثمنًا باهظًا في تقدير برهامي وبكار ورفاقهم. فالحزب واقتحامه للسياسة كان دائمًا محل تجربة، ويمكن الاستغناء عنه، وقابلًا للفصل عن المهمة الحقيقية للدعوة السلفية.

والسؤال هو: بعد أن أيّدت الحكومة التي تركت الآلاف من الملتحين والمحجبات، الشباب والمسنين؛ قتلى، ومفقودين، ومعتقلين، ومع كل الأسر التي خلفوها وراءهم مشوهة عاطفيًّا، كيف يمكن لكثير من المسلمين في مصر الآن أن يستجيبوا للدعوة السلفية؟

 



([1])  على موقع جدليّة الإنجليزي: http://www.jadaliyya.com/pages/index/15113/the-rise-and-fall-of-the-salafi-al-nour-party-in-e

([2])  https://www.youtube.com/watch?v=Vx8qwLWaV_o

المترجم: ملاحظة: وضع الكاتب رابطًا للخبر من موقع اليوم السابع، يبدو أنه حذف.

([3])  http://www.law.washington.edu/Directory/docs/Lombardi/Brown_Lombardi_AUILR_Translation_of_Egypt_Case%20_No_8.pdf

([4])  http://www.jadaliyya.com/pages/index/9260/egypt%E2%80%99s-anti-freedom-constitution_the-borhami-vide

([5])  ياسر برهامي، فضل الغني الحميد: تعليقات هامة على كتاب التوحيد، (الإسكندرية، دار الخلفاء الراشدين، 2009)، 119، 152-153، وسعيد عبد العظيم، الديمقراطية، (الإسكندرية، دار الفتح الإسلامي، 2009)، 68-71.

([6]) المترجم: يبدو أنه يشير إلى أدلة مثل الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].

([7]) سعيد عبد العظيم، 89-90. 

([8]) المترجم: يطلق (صانع الملوك) kingmaker  في الكتابات الغربية، فيما يشبه المصطلح؛ على الشخص المؤثر في السلطة وقراراتها واختياراتها. ويدرج استعماله في الصحافة الغربية في سياق العمليات الانتخابية أيضًا.

([9])  http://www.egyptindependent.com/news/disputes-nour-party-exposed-through-dismissals-and-counterdismissals

([10]) بناء على مقابلات مع مؤيدين سابقين لحزب النور على معرفة بعبد الغفور.

([11])  http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/62117/Egypt/Politics-/New-Salafist-Watan-Party-mulls-electoral-alliance-.aspx

([12])  http://www.egyptindependent.com/news/salafi-leader-criticizes-brotherhood-excluding-other-groups

([13])  http://www.dailynewsegypt.com/2013/01/30/nsf-and-al-nour-announce-unified-vision

([14])  http://www.egyptindependent.com/news/nour-party-threatens-reveal-brotherhood-power-scheme

([15])  http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/85026/Egypt/Politics-/Nour-Party-not-against-ElSisi-presidential-bid.aspx

([16])

  http://www.youm7.com/story/2013/8/16/-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%88-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B1-%D9%81%D9%89-%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%89-%D9%87%D9%88/1206317#.Un5pB427Icc

([17])  http://www.almasryalyoum.com/news/details/333392

([18])  http://www.dailynewsegypt.com/2013/05/13/al-nour-and-fjp-clash-over-iranian-tourism/

([19])  http://english.ahram.org.eg/News/71355.aspx

([20])  https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/in-egypt-a-campaign-to-promote-an-egyptian-islam/2013/10/09/45060fca-29b3-11e3-b141-298f46539716_story_1.html

([21]) المترجم: قد تترجم quietism في بعض الأدبيات بالسكينية، نسبة إلى السكينة، وهو وإن كان أقرب لاشتقاقه اللغوي، إلا أن هذا يكون دقيقًا حين التعبير بها عن المذهب الصوفي المسيحي المنسوب للكاهن الأسباني دي مولينوس، والفرنسية المتصوفة مدام غويون، ولكننا ننقله إلى الكمونية، لمقاربة السياق، والذي يكون المقصود به هنا تحديدًا: السمة اللاثورية، واللامعارضة عمومًا في أدبيات السياسة الشرعية في العصور الوسطى، بخاصة ذات الصبغة الأشعرية والحنبلية.

([22]) بدر الدين ابن جماعة، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلامـ تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، (قطر، دون ناشر، 1985)، 55-56. المترجم: ليست من كلام ابن جماعة، وإنما أوردها من كلام ابن عمر أيام الحرّة.

([23])  http://www.dailynewsegypt.com/2013/04/16/al-nour-party-holds-meeting-with-interior-minister/

([24])  http://www.dailynewsegypt.com/2013/05/11/al-dawa-al-salafia-demands-dismissal-of-interior-minister/

([25])  http://www.almasryalyoum.com/news/details/333392

([26])  http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/0/81962/Egypt/0/Nour-party-names-alternative-to-Constitution-commi.aspx

levitra 20 mg blog.tgworkshop.com levitra
the cost of abortion site depression after abortion



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة