مُحبِّو الكتب المنْسيون في الإسلام

روان القصاص
6/17/2016

مُحبِّو الكتب المنْسيون في الإسلام

نايل جرين

ترجمة: روان القصاص

 

رغم أنني لم أزُر بغداد أبدًا، حيث تجمَّع مُحِبّو الكتب المسلمون في شارع المتنبي، قبل الانفجار الكبير لسيارةٍ مفخَّخةٍ في أذار/مارس 2007، فقد زُرتُ معظمَ بلدان الشرق الأوسط. وفى كل مكانٍ أزُرْه كُنتُ أتحرَّى المتاجرَ والأكشاك، وأبحث في أكوامِ الكتب على جانبِ الطريق.

كان أول لقاءٍ لي مع بائعي الكتب في الشرقِ الأوسط في اسطنبول، حين كُنتُ في السابعة عشرة. ولأنني اعتدت قضاء عطلات نهاية الأسبوع في تصفُّح المكتبات الفيكتورية الرطبة في ميدلاندز في انجلترا، فقد عثرتُ على سوقٍ للكتب في اسطنبول في خان]1[ "سوق الصحافيين" ]2[، والتي كانت سوقًا للصحف والورق فيما مضى.

وبالرغم من أنني لم أستطع قراءة عناوين الكتب حينذاك، إلا أن أغلفتها بدت جميلةً ومتألقة. وقد اشتريت مُصحفًا قرمزي اللون ذا غلافٍ مُزخرفٍ تقليديًا، ثم حملته معي لمدة شهر على متن قطارٍ في رحلة حول أوروبا.

بعد سنتين، قمت بزيارة دلهي للمرة الأولى. كانت دلهي، قبل سبعمائة سنة من إعادة بناء لوتينز]3[ لها من أجل الراج ]4[ = ملجًا للاجئي الأدباء الفارِّين من الغزو المغولي لفارس. هناك، في الوديان المزدحمة المحيطة بالمقام الصوفي لنظام الدين ]5[، وجدت نسخةً من كتاب كنت قد احتفظت به على سبيل الاستعارة معظم عامي الأول في الكلية: ديوان شمس التبريزي لجلال الدين الرومي، طبعة ر. أ. نيكولسون ]6[. وبالرغم من أن جلال الدين الرومي لم يفرّ إلى دلهي – وبدلاً من ذلك فرّت أسرتُه من المغول غربًا إلى آسيا الصغرى- فقد أُلقِيَت أشعاره، وغُنّيَت في مقام نظام الدين لمُدّةِ قرون. حملتُ ذلك الديوان معي لصيفٍ آخرَ بالقطار.

جرت الأشياءُ على منوالٍ مُعَدّ: فمنذ ذلك الحين، رآني كلُّ صيفٍ تقريبًا وأنا أتجوّل في المكتبات في النواحي البعيدة للعالم الإسلامي. لعدّة سنوات، قضيت وقتًا طويلاً في إيران، البلد الذى يطبع من الكتب ما يربو على ما يطبعه العالمُ العربي بأسره. لم يَبْدُ أن أحدًا قد قرأ "لوليتا"، ولكن الشوارع حول جامعة طهران كانت مليئةً بالكتب التي تحوى طائفةً عريضةً من المواضيع. وإذا نحيّنا الرقابةَ جانبًا، حيث أن إيران لا تلتزم بحقوق النشر الدولية؛ فإن أي شيء هناك يُترجم بسرعة ويُنشر، ويُصبح مُتاحًا. ومنذ أن كنت هناك، وقت تفجير طالبان لباميان، عبر الحدود الشرقية؛ كانت أكبر مفاجأةً لي هي عدد الكتب عن البوذية. لقد قرأت بوذا ]7[ في طهران.

كان المكان الأكثر إثارة للدهشةِ بالنسبةِ لي، كابُل. فبالرغم من أنني كنتُ أؤلِّفُ كتابًا عن الأدب الأفغاني، وكانت لدى فكرة جيدة عن ثراء الحياةِ الثقافية في أفغانستان، إلا أنني لم أنفكّ أُدهش بالأعدادِ الكبيرةِ لأكشاك الكتب في الشوارع. على الرغم من أنني ذهبت إلى متجر "بائع الكتب في كابول" الذى اشتهر على يد "آسني سييرستاد" ]8[، إلا أن ما أثار اهتمامي بشكل أكبر هي الكُتيّبات المُتربة المكتوبة باللغة الدارية التي تُباع على جانبي الطريق.

وبما أنني كنت سأغادر بالطائرةِ بدلاً من القطار، فقد ملأت حقيبةً كبيرةً بنوعية هذه الكُتيّبات. إنني لا أعتقد أن أحد الغربيين قد فعل هذا من قبل، ذلك أنهم (الغربيين) كانوا يُثيرون كثيرًا من الشك في مطار كابُل، ويتعرّضون لتفتيش مُطوَّل بواسطة كلابٍ بوليسية. ولكن اللحظة الأكثر إثارة للمشاعر كانت عندما أخذتني زوجته الأفغانية إلى مكتبه "البيهقي" التي كانت تذهب إليها كل يوم جمعة وهي طالبة في المدرسة. وخلافًا للشرفات الفيكتورية  التي ضمَّت مكتبات أيام دراستي المدرسية، فإن مكتبة البيهقي تقع في إحدى الجواهر المعمارية الحداثية لكابُل، وهي ذات جدرانٍ زجاجيةٍ، وخرسانة مُدبّبة. وقد تم بناؤها بوصفها الفضاء الأدبي للتقدم، وليس بصفتها تُراثًا.

كانت معظم رحلاتي المُدوّنة مهمّاتٍ فردية. ذلك لأنني أيضًا أستطيع أن أُنفِذ صبر أكثر مولعي الكتب حماسة. وعلى الرغم من أن كابُل كانت مليئةً بالمفاجآت، فإن المدينة التي أذكر أن فيها أروع المكتبات تقع فوق ممر خيبر في باكستان، وهي مدينة بيشاوار. لقد بدا لي أن هناك نُسَخًا من كل نصٍ مغمورٍ قد طُبِع على الإطلاق عن التاريخ واستكشاف منطقة وسط آسيا، كان البعض منها مسروقًا، وأخرى قد حُفِظت على نحوٍ غريبٍ منذ نهاية الراج.

وبما أنني كنت أُخطط للسفر من ممر خيبر إلى انكلترا، فقد اشتريتُ فقط كتبًا قليلةً لحملها معي، وشحنت رُزَمًا أخرى إلى الوطن، كانت مخيطةً بكتانٍ رخيص ومُغلقة بإحكام بالشمع، بالأسلوب الفريد للطرد الهندي الباكستاني. عندما عدتُ إلى البيت بعد ستة أشهر حزينًا على انتهاء مغامراتي، كانت تلك الطرود عزائي. وبعد مُضىّ ما يقرب من 20 عامًا ، حين أجلس في مكتبتي في لوس انجلوس، فإن الكتب التي اشتريتها في فصل الشتاء فى بيشاوار لا تزال على الرفوف حولي. أحد هذه الكتب هو الرسومات الجدارية للأضرحة القديمة في آسيا الوسطى ]9[، لسير أوريل شتاين، المطبوع في عام 1948، " بناء على أوامر من حكومة الهند".

وعلى الرغم من غلافه المُقوّى، ما زالت هناك ثنايا في صفحاته نتيجة دفنه لثلاثة أشهر، في حاويةٍ من كراتشي؛ تحت أكياسٍ الله يعلم ما فيها. وهناك عشرات الكتب الأخرى حولي، أحضرتها من كابُل، ومن كاشجار، ومن القاهرة ... عندما أفتح أحدهم، يقع منه شيئًا ما، دائمًا؛ بقيّة تذكرة قطار أو قُصاصة من الأنباء المحليّة أو ملاحظة منسية.

وعلى الرغم من أن كل هذه الأشياء ذات قيمةٍ بالنسبة لي، فإنني لا أملك الكثير من الكتب "القيّمة". لكنني وجدتُ مرةً طبعةً أولى أمريكية لرواية "عوليس" في القدس. كما ابتعتُ من بائعي الكتب المسلمين في بومباي بعض الطبعات الحجرية لرسومات رائعة للجن الباسق، وملِكات الجِنّيّات الفارسية، وخان كاثاي ]10[ حليق اللحية. أما المفضلة لدي فهي "قصة أربعة دراويش" الكلاسيكية، في طبعةٍ قديمةٍ استُخدمت لتدريس "الهندوستانية" لرجال الانكليز منذ قرنين مضيا. ولدي أيضًا ما يُمكن أن يسوّقه كتالوج وكيل الكتب كميسيلينيا فريدة لسير القديسين الصوفيين، والأردية، والهندوفارسية. لقد جمعت هذه من الأضرحة والدكاكين في البلدات الصغيرة في جميع أنحاء باكستان والهند. إن القصص التي تحكيها تُظهر لنا عالمًا إسلاميًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذى دمر شارع المتنبي، إسلامًا رائعًا أكثر من كونه مُتعصّبًا.

إن كتب المسلمين لم تكن كتبًا دينيةً فقط أبدًا. في القرن العاشر، قام النديم –و هو بائع الكتب في بغداد- بتجميع كتالوج أو فهرست لكل الكتب التي مرت في متجره. ولا يزال لدينا هذا الفهرست اليوم، وهو يُظهر لنا أنه حتى ذلك الحين، كانت هناك سوقًا متلهفةً للقصص العربية، وكتب الطهي، والكتب العلمية، وكتب الفكاهة، وكتب الجنس. (هذان الأخيران هما الأقل احتمالا). لا نعرف ما إذا كانت هناك قصص مصوّرة. لكن يجب أن يُذكّرنا "المتنبّي"، الشاعر الذكي الساخر المزهوُ بنفسه، والشارع المُسمّى باسمه، في هذه الأوقات العصيبة؛ بالأصوات الأدبية الناقدة الطليعية وغير التقليدية، التي كانت دومًا جزءًا من المجتمعات الإسلامية. إن الكتب والمكتبات لا معنى لها دون تلك الأصوات.

 

_______________________________

]1[ الكلمة المستخدمة بواسطة الكاتب هي: caravanserai، وهي حانة على الطريق يتمكن المسافرون عبر القوافل من الاستراحة فيها من رحلتهم. عادةً ما يطلق عليها اسم خان في الشرق الأوسط. ساعدت تلك الحانات على تدفق التجارة والمعلومات والبشر عبر شبكة الطرق التجارية التي تشمل آسيا، وشمال أفريقية، وجنوب شرق أوروبا، وخصوصا عبر طريق الحرير. المصدر: ويكيبيديا.

]2 ["سوق سهافلار" أو "سوق الصحافيين" (Sahaflar Çarşısı) هو سوق لعرض وبيع الكتب والأوراق، يعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر. حيث يقع السوق في الفناء القديم الواقع بين الأراضي الحجرية على الجانب الأيسر من جامع بايزيد وبين مدخل  باب صدف جيلار (Sedefçiler)  الذي يؤدي إلى السوق المسقوف. المصدر: ترك برس.

]3[ سير إدوين لاندسير لوتينز Sir Edwin Landseer Lutyens (1869- 1944) كان مهندسًا معماريًا. صمم كثيرًا من بيوت الريف الإنجليزي. وعرف بـ "أعظم معماري بريطاني". وأشهر ما عُرف به دوره المؤثر في تصميم وبناء قطاعٍ من العاصمة الهندية دلهي، المُسمّاه بدلهي الجديدة، وأيضًا بـ "دلهي ليوتنز" "Lutyens' Delhi". المصدر: ويكيبيديا.

]4[ الراج: راج राज (هندي): في سياقات مختلفة تعنى "الحكم" و"الملك" و"حاكم" و"الامبراطور" أو "الملكية" في عائلات اللغة السنسكريتية لشبه القارة الهندية. المصدر: ويكيبيديا.

]5 [نظام الدين أولياء (633 - 725 هـ) هو أديب ومتصوف، من أهل الهند. هو نظام الدين محمد بن أحمد بن علي الخالدي الدهلوي، المعروف بنظام دهلوي وشاه نظام الدين أولياء، والمشتهر بنظام ونرگسي . كان أجداده من مدينة بخاري، غير أنهم هاجروا إلى الهند وسكنوا مدينة بدايون ، فولد بها نظام الدين سنة 633 هـ. توفي في دلهي سنة 725 هـ. من آثاره: «ديوان شعر. من مريديه المؤرخ الهندي ضياء الدين برني. المصدر: ويكيبيديا.

 [6] R.A. Nicholson’s edition of Rumi’s Dīvān-i Shams-i Tabrīzī. 

]7[ الكلمة التي استخدمها الكاتب هي:  Siddharthaو تعنى بوذا لقب مؤسس البوذية، إحدى ديانات العالم الوضعية. ومعنى الكلمة في الأصول الأجنبية المتنوِّر أو المتيقِّظ. واسمه سيدهارثا غوتاما، كما يُلقب (بشكياموني (حكيم قبيلة شاكيا. ويتفق المؤرخون على أن سيدهارثا غوتاما عاش في شمالي الهند منذ نحو 2،000 سنة مضت لكن هناك جدالاً حول تاريخ مولده ووفاته فمعظم المؤرخين يقولون: إنه عاش في الفترة ما بين 563- 483ق.م وبعضهم يدّعي أنه عاش في الفترة ما بين 448- 368ق.م.

]8[ اسني سيرستتاد: صحفية نرويجية ذهبت إلى أفغانستان لتكتب تقارير عن الحرب في أفغانستان وبعد أن انتهت من تقاريرها توجهت إلى العاصمة الأفغانية كابول التي تعرفت فيها على بائع كتب وجدت لديها رغم الحرب فبدأت بالتعرف إليه ثم قرر تعريفها بأسرته وذلك ألهمها للكتابة عن الحياة الأفغانية من جوانبها المختلفة. من مؤلفاتها: "بائع الكتب في "كابل" و"ملاك غروزني: بارقة ظامل في ظلمة الشيشان". موقع أبجد.

[9]Sir Aurel Stein’s all Paintings from Ancient Shrines in Central Asia

]10[كاثاي هو الاسم الذي اطلقه الأوروبيون في العصور الوسطى على الصين، وبالذات الجزء الشرقي من نهر يانغتسي نقلاً عن ماركو بولو، ومازال يذكر أحيانا في القصائد كما ذكر تنيسون "خمسون سنة في أوروبا أفضل من دهر في كاثاي".

acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise
discount drug coupons cialis coupons from lilly prescription drugs coupon
coupons for drugs free discount prescription card coupons for cialis
cialis sample coupon cialis coupon lilly drug discount coupons
cialis sample coupon cialis coupon lilly drug discount coupons
prescription transfer coupon link prescription discounts cards
prescription transfer coupon coupon prescription prescription discounts cards
cialis discount coupons online blog.suntekusa.com coupon prescription
maps open mpa in n/mm2
cordarone kontrol cordarone og alkohol cordarone
cordarone kontrol click cordarone
etodolac recreational use etodolac uses etodolac 400 mg side effects
loperamide policereference.co.uk loperamide 2mg
diflucan djelovanje click diflucan djelovanje
ciprol exlim.net cipromed
imodium alkoholi williamgonzalez.me imodium
adalat oros celticcodingsolutions.com adalate vidal
ventolin smpc ventolin doping ventolin doping
allow rg-group.com alloy
levitra cena v lekarni ibrahimbayir.com.tr levitra smpc
amoxil suspension read amoxicillin dosage
lamivudine acute hepatitis b go lamivudine history
purchase low dose naltrexone naltrexone alcoholism medication naltrexone 4.5 mg side effects



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة