حماس والربيع العربي: جدل المكسب والخسارة

طارق عثمان
4/3/2013

مقدمة:

مثَّلت الأحداث التي مرَّت بها المنطقة العربية، والتي اشُتهرت بوصف "الربيع العربي"(1)- تحدِّيًا سياسيًّا للفواعل الرئيسة (إقليمية- دولية) في المنطقة؛ إذ فرضت عليها تحدِّي السعي نحو بلورة مواقف سياسية من هذه الأحداث، تخدم/ تحافظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وكذلك فرضت عليها السعي نحو التكيُّف مع المُخْرَجات السياسية لهذه الأحداث.

هذا وقد تجاوز هذا التحدِّي الفواعل من الدول إلى الفاعلين من غير الدول، أتحدث عن الحركات السياسية الهامة في المنطقة؛ حزب الله، وحركة حماس. فذانك الفاعلان لا تقتصر فاعليتهما السياسية فقط على البيئة المحلية لهما؛ (لبنان وفلسطين)، وإنما تتجاوزهما إلى تفاعلات سياسية مع الفواعل الإقليمية الهامة في المنطقة (مصر-إيران– سوريا) بما تُمثِّله تلك الحركات من أهمية في استراتيجية تلك الفواعل.

من هنا تأتي أهمية دراسة التحدِّي الذي فرضته تلك الأحداث على هذه الحركات، وذلك في مستويين: الأول يتعلق بتحدِّي الموقف/ المواقف التي اتخذتها هذه الحركات، أمَّا الثاني فينصرف إلى تحدِّي التّكيف مع المخرجات الجيو-استراتيجية لهذه الأحداث.

ستتناول هذه الورقة حالة "حركة حماس"، في محاولةٍ لمقاربة موقفها من هذه الأحداث، وانعكاسات هذه المواقف على تفاعلاتها السياسية الخارجية، ثم استشراف تأثير مخرجاتها الجيو- سياسية على واقع الحركة.

وستحاول الورقة أن تُجيب عن التساؤل الآتي:

هل كسبت حركة حماس من الربيع العربي أم خسرت؟ وما مدى هذا المكسب أو هذه الخسارة؟

وننطلق في تحليلنا من فرضية بحثية نَرُوم اختبارها، يمكن صوغها كالآتي:

"انعكاسات الربيع العربي على حركة حماس، ستكون إيجابية على وجه الإجمال، ولكن في الوقت عينه قد فرض الربيع العربي على الحركة حزمةً من التحديات، التي تجعل مكسبها منه غير كامل".

أولاً: حماس ما قبل الربيع العربي: بين الحصار والاضطرار

كانت البيئة الإقليمية- فيما قبل الربيع العربي- تفرض صعوبات بالغة على حركة حماس (بسبب العزلة المفروضة عليها بعد استقلالها بالقطاع في 2007)، بالإضافة إلى التحديات الداخلية التي تواجهها في إدارة قطاع غزة، والتعامل مع إسرائيل، والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية(2). وما يعنينا هنا هو إلقاء نظرة عامة على التحديات المتعلقة بعلاقات حركة حماس الخارجية مع دول الإقليم (مصر وإيران تحديدًا).

حماس و نظام مبارك: تحت الحصار

كانت علاقة حماس بنظام مبارك تتَّسم بقدرٍ كبير من السوء؛ فنظرًا لانخراط مصر تحت نظام مبارك فيما سُمِّي بمحور"الاعتدال" في مقابل محور"الممانعة"(3) كان لابد أن يتخذ مبارك موقفًا متشددًا من حركة حماس، بعدما فازت بالانتخابات التشريعية في 2006م، ثم استقلالها بالقطاع في 2007، والذي فرض على حماس حصارًا كاملاً (سياسيًا، واقتصاديًا) من قِبل الدول الغربية ومعظم الدول العربية. هذا التموضع السياسي لمصر مبارك في هذا المحور يعتبر محددًا رئيسيًّا لعلاقتها مع حماس.

شاركت مصر في هذا الحصار بدرجةٍ كبيرةٍ؛ وذلك نظرًا لكونها تشارك الحدود مع قطاع غزة وبالخصوص عبر معبر رفح، والذي يُعدّ الشريان الوحيد الذي يتغذَّى منه القطاع، وتمظهر أثر هذا الحصار المصري على غزة في الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع في أواخر 2008 (عملية الرصاص المصبوب)(4).

ومن ناحيةٍ ثانيةٍ كان نظام مبارك يدير علاقته مع حماس من منظور أمني، وليس منظورًا سياسيًا؛ لحفظ جبهة سيناء من حصول أية توترات أمنية فيها تأتي من قطاع غزة، من خلال شبكة الأنفاق التي يتنفّس من خلالها القطاع اقتصاديًّا، ولكنها تستخدم أيضًا لنقل السلاح من وإلى القطاع. وثمَّة علاقات قوية تعقدها حركة حماس مع بدو سيناء، بينما في المقابل يتضاءل حضور الجهاز التنفيذي للدولة، فهذه العلاقة تعطي الحركة نفوذًا (نسبيًّا) في شبة جزيرة سيناء قد تستخدمه في شنّ هجمات من سيناء، وهو ما كان يُزْعِج نظام مبارك. هذا هو المحدد الثاني لعلاقة نظام مبارك مع حماس؛ أقصد المحدد الأمني.

كذلك لا ينبغي نسيان تلك العلاقة بين حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين؛ المعارض الرئيسي لنظام مبارك؛ فحماس بمثابة امتدادٍ للجماعة في فلسطين، ومن ثمَّ فتحقيق حماس النجاح في قطاع غزة، سيُشجِّع الإخوان على زيادة درجة مزاحمتها السياسية لنظام مبارك، ومن ثمَّ لم يكن يروق لنظام مبارك أن تنجح حماس في إدارة قطاع غزة، هذا محدّد ثالث في علاقة مبارك بحماس، حيث إنه كان لا يسمح بإقامة دولة إسلامية ناجحة على حدوده.

وعليه فإنَّ علاقة نظام مبارك بحركة حماس علاقة معقدة؛ نظرًا للدور الذي تضطلع به مصر كأمَّة في المسألة الفلسطينية– الإسرائيلية. ونظرًا لعلاقة مصر بكلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، ورغبة ثلاثتهم الإبقاء على حالة السلام في المنطقة. وللخلاف الأيديولوجي بين نظام مبارك وحماس، وعلاقة الأخيرة بجماعة الإخوان المسلمين. ثم وضعية حماس على حدود سيناء ونفوذها فيها، كلها محددات جعلت علاقة نظام مبارك بحماس، يمكن وسمها باطمئنان بكونها سيئة وسلبية على الحركة.

حماس وإيران/سوريا:  تحت الاضطرار

في ظلّ هذه القطيعة التي عانتها حركة حماس من البيئة العربية (مصر خاصة)، كان ثمة متنفس لها كيما تستطيع البقاء ككيانٍ سياسيٍّ، قادر على إدارة قطاع غزة، والوقوف أمام الكيان الإسرائيلي، وعدم ترك السلطة الفلسطينية (حركة فتح) تستأثر بالحديث باسم القضية الفلسطينية. تمثَّل هذا المتنفس في كلٍّ من إيران وسوريا؛ وجد كل من حركة حماس وإيران/سوريا مصلحة متبادلة دفعتهما لبناء علاقات قوية فيما بينهما؛ فبالنسبة لحركة حماس فمحددات العلاقة تتمثل في الآتي:

توفر كل من إيران وسوريا الدعم بكل أشكاله للحركة:

- الدعم المالي: حيث تحتاج الحركة الأموال لتُدِير قطاع غزة.

- الدعم العسكري: حيث تحتاج الحركة للسلاح وللتدريب.

- الدعم الإعلامي: حيث تحتاج الحركة للتأثير في الرأي العام.

* توفر كل من إيران وسوريا الغطاء السياسي للحركة؛ لتعويض غياب الدعم العربي لها، وعليه فسوريا سمحت للحركة بفتح مكاتب رسمية لها، واستضافت قيادات مكتبها السياسي. وكذلك إيران تستقبل قيادات الحركة رسميًّا معترفة بها منذ 2006 وكذلك في المناسبات المختلفة (الاحتفال بذكرى الثورة الإيرانية- الاحتفال بيوم القدس-.... ).

أما فيما يخص إيران (وسوريا بالتَّبَع) فكانت المحددات كالآتي:

- يندرج دعم إيران لحركة حماس، في إطار استراتيجيتها الشاملة في المنطقة، والتي يمكن اختزالها في: "أن تصبح إيران اللاعب الإقليمي الأهم في منطقة الشرق الأوسط، وأن يتم الاعتراف بدورها المحوري دوليًّا وإقليميًّا"  وضمن هذه الاستراتيجية العامة تأتي أهمية دعم إيران لحركات المقاومة (حماس كحالة دراسة)؛ إذ تروم إيران من هذا الدعم ما يلي:

* حشد الرأي العام العربي في صَفّها: فبينما الأنظمة العربية قد أهملت القضية الفلسطينية، واستسلمت للولايات المتحدة وإسرائيل؛ بينما إيران لا تكف عن إظهار العداء لهما، وتنعتهم بالشيطانين؛ الأكبر والأصغر! وبذلك يتشكل في الوعي العام العربي صورة عن إيران تقدمها بوصفها المدافع عن قضايا الأمة الرئيسة.

* بدعم إيران لحماس (وحركات المقاومة الفلسطينية عامة) تكون قد فرضت نفسها على قضايا الإقليم الهامة، ولم تعد مجرَّد الجار الفارسي للدول العربية. وبذلك تمتلك من الأوراق الهامة التي يمكنها أن تدفع بها على طاولة التفاوض مع الغرب (الولايات المتحدة) حول برنامجها النووي خاصة، ثم باقي القضايا العالقة بينهما.

وعليه فقد فرضت بيئة ما قبل الربيع العربي على حركة حماس نمطًا معينًا من العلاقات مع القوى الإقليمية، يتمثل في الاقتراب الاضطراري من إيران وسوريا، مع حالة من شبه القطيعة السياسية مع باقي القوى العربية(مصر خاصة).

ثانيًا: حماس في الربيع العربي: من عُرس القاهرة إلى مَأْتم دمشق !(5)

يمكن اعتبار أحداث الربيع العربي نقلةً نوعيةً في مسار حركة حماس؛ حيث جاءت هذه الأحداث في ظل وضع غاية في الصعوبة بالنسبة للحركة على المستوى الداخلي والخارجي في آنٍ. نروم في هذا المحور أن نبحث في طبيعة موقف/مواقف حماس من الربيع العربي، بالتحديد حالتي: مصر، وسوريا.

حماس والثورة المصرية: عُرس في القاهرة

لم تتسبب الثورة المصرية فقط في تغيير علاقة حركة حماس بمصر، وإنما تسببت في تحويل جِذْري لهذه العلاقة؛ حيث انقلبت من حالة قطيعة شبه تامة، لحالة من الوصل شبه التام. فمع اندلاع الثورة في مصر كان من المنطقي أن تدعمها حركة حماس، فزوال نظام مبارك مكسب كبير للحركة بلا شك. ولكن لم يزل نظام مبارك وحسب، وإنما جاء مكانه الكيان الأقرب للحركة: جماعة الإخوان المسلمين.

مباشرة بدأت ملامح التغيير تظهر على علاقة حماس بمصر، بعد وصول الإخوان للحكم؛ حيث تمّ استقبال قيادات الحركة في مصر بطريقة رسمية، وألقى إسماعيل هنية خطبة الجمعة في الجامع الأزهر!. وتم فتح معبر رفح بصورة دائمة. ويتم الاتفاق على معالجة مسألة الأنفاق بين مصر والقطاع.

ولعلَّ طبيعة التحول في هذه العلاقة يتجلَّى في موقف مصر من عملية"عمود الغمام" على قطاع غزة في آواخر 2012، مقارنة بموقف مصر من عملية" الرصاص المصبوب" على القطاع في أواخر 2008، حيث إنَّ القيادات المصرية قد استنكرت العملية العسكرية الإسرائيلية على القطاع، وأوفد الرئيس "محمد مرسي" رئيس وزرائه لزيارة القطاع في وسط العملية، كما زار وزير الخارجية المصرية القطاع مع وفدٍ من وزراء الخارجية العرب، للتضامن مع قطاع غزة ضدَّ العدوان الإسرائيلي، كما أنَّ وقف إطلاق النار بين الجانبين قد تحقَّق بوساطة مصرية كاملة، استحقت عليها الشكر والتثمين من الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث شكر البيت الأبيض الرئيس محمد مرسي أكثر من مرة على جهوده في وقف إطلاق النار بين القطاع وإسرائيل.

وبذلك يمثل سقوط مبارك ووصول الإخوان للحكم في مصر مكسبًا كبيرًا للحركة، ولكن ينبغي أن نرسم حدود هذا المكسب، وهذا ما سنتناوله لاحقًا.

حماس والثورة السورية: مأتم في دمشق

على النقيض تمامًا من الحالة المصرية، مثَّلت الثورة السورية مأزقًا لحركة حماس؛ فإذا كانت طبيعة العلاقة بين حركة حماس ومصر مبارك، تبرّر موقف الحركة من الثورة المصرية، فالوضع معكوس في الحالة السورية: فسوريا مثَّلت ظهيرًا استراتيجيًا للحركة، في الحين الذي كانت ثمة قطيعة صلبة بين الحركة وباقي الدول العربية؛ فالمكتب السياسي للحركة مقره دمشق مذ عقد من الزمن تقريبًا. وبالتالي ليس من اليسير على الحركة أن تجهر بتأيدها للثورة السورية، كما فعلت في الحالة المصرية.

ولكن في الوقت عينه لا يمكن لها أن تؤيّد النظام السوري؛ إذ يتنافى ذلك مع منطق الحركة أصالة، بوصفها حركة تحررية، تقف بجوار الشعوب لا الحكام. وكيف لها أن تؤيد النظام "العلوي" في قمعه للأغلبية "السنية" التي تنتمي لها الحركة، والتي دعمت الحركة أثناء عملية "الرصاص المصبوب" في أواخر 2008(6)، وبالتالي إذا دعمت الحركة النظام السوري، ستفقد مصداقيتها الشعبية؛ إذ كيف لحركة تحرّر أن تؤيد نظامًا علمانيًا ديكتاتوريًّا يذبح شعبه؟

مثَّل هذا الوضع مأزقًا حقيقيًّا للحركة؛ فهي أمام اختيارين في غاية الصعوبة: إما الخيار الأول ويتمثل في: دعم الثورة، وبالتالي تخسر حليفًا مهمًا وهو النظام السوري، والأكثر من ذلك أنها ستخسر الحليف الأهم: إيران، الداعم الأساسي للحركة، ماليًّا وعسكريًّا وتدريبيًّا. وأيضًا سيتحتم حينها على قيادات الحركة أن تغادر سوريا، وتفقد أصولها المادية هناك، وتغرق في رحلة بحث عن بديل محتمل لسوريا، والذي قد يكون مصر أو قطر أو تركيا، ولكن كل هذه الخيارات ليست البدائل الموثوقة كما هو حال النظام السوري؛ نظرًا لأن كل هذه الدول تملك (بدرجة أو بأخرى) علاقات قوية مع الولايات المتحدة.

أما الخيار الثاني فيتمثل في: دعم النظام ومن ثمّ تخسر مصداقيتها الشعبية، وتفقد أية فرصة لبناء علاقات قوية مع النظام الجديد في سوريا ما بعد الأسد.

فكيف تعاملت الحركة مع هذه الأزمة؟

ببساطة إذا كان أمامي خياران سيئان عليّ أن أبحث عن خيار ثالث، هذا ما حاولت الحركة أن تفعله في بادئ الأمر: إذ سعت للتوسط بين الخيارين، بحيث لا تعتبر مواقفها مؤيدة لأحد الأطراف: النظام أو الشعب. ومن ثم سعت حماس أن تكون وسيط بين الأسد والشعب، في سبيل حل الأزمة؛ ففي البدء سعت قيادات حماس في إقناع الأسد بإجراء إصلاحات تمنع انتقال الشرارة الثورية لسوريا(7)، ولكن بلا طائل، وانفجرت الانتفاضة السورية، وحماس تريد الصمت، ولكن الأسد يريد ما هو أكثر: أن تُعلن تأيدها الكامل للنظام، ومن ثمّ كان الأسد يمارس ضغوطًا هائلة على الحركة كيما تصدر بيانات تؤيده فيها، ولكن الحركة كانت تماطل وتسعى للوصول معه إلى خطاب سياسي في منتصف الطريق: لا يؤيد ولا يعارض، فمثلاً نجد هذه الصيغة في أحد بيانات الحركة:

"إننا نعتبر ما يحدث مسألة داخلية تتعلق بإخواننا السوريين. رغم ذلك، فإننا في حركة حماس، وبحكم مبادئنا، واحترامنا لإرادة وتطلعات الأمتين العربية والإسلامية، نأمل بأن يتم تجاوز الظروف الراھنة بطريقة تحقق آمال وتطلعات الشعب السوري، وتحافظ على استقرار سوريا وتماسكها الداخلي"(8) .

وهكذا حاولت حماس أن تلعب دور الوسيط في الأزمة، ولكن مع مرور الوقت لم يكن لعب هذا الدور متاحًا؛ فالمعارضة تودّ من الحركة أن تعلن الدعم الصريح لها، والنظام يطلب منها نفس المطلب وفي نفس الوقت: أن تدعمه، ومن ثَمّ كانت الحركة عالقة في تقاطع نيران بين الطرفين! وفي نفس السياق تتعرّض الحركة للضغط من إيران، التي قلّصت الدعم المادي للحركة، ثم أوقفته عنها تمامًا؛ جراء رفض الحركة الجهر بدعم النظام.

مع الوقت بدأت قيادات حماس تغادر سوريا، وإن كانت توقفت البيانات السياسية من الحركة، فيبدو أنَّ دور الوسيط قد انتهى، وأنَّ الحركة (بدرجة أو بأخرى) موقفها أصبح في صفّ الثورة وضد النظام.

ومن ثم فإنَّ الموقف النهائي من الثورة السورية، كان التأييد، ولكنه تأييد محتشم؛ يراعي طبيعة العلاقة العضوية بين حماس والنظام السوري.

ثالثًا: حماس ما بعد الربيع العربي: حدود المكسب والخسارة

بعد إلقاء نظرة عامة على طبيعة العلاقات الإقليمية لحماس فيما قبل الربيع العربي، ثم  التعرض لموقفها من الثورة المصرية، والثورة السورية: نروم الإجابة عن السؤال التالي: ما هي حدود مكسب/ خسارة حماس من الربيع العربي؟

يتحدَّد جواب هذا السؤال من خلال النظر في طبيعة التغيرات، التي طرأت على علاقات حماس بدول الإقليم، ومدى الانعكاسات التي ستُخلّفها العلاقات الجديدة للحركة، على وضعها السياسي:

هل كسبت حماس مصر؟

ربما يكون من البديهيات الجزم بأن حماس قد كسبت مصر، بعد سقوط نظام مبارك، ووصول جماعة الإخوان إلى الحكم؛ إذ انتقلت العلاقة بين الحركة ومصر من العداء المَحْض إلى الصداقة المحضة. ولكن لو تعمقنا في طبيعة البيئة السياسية التي أنتجتها تحولات الربيع العربي، سنجد أنَّ حماس لم تكسب مصر إلى هذه الدرجة التي يمكن أن نتصورها بادئ الرأي، وبيان ذلك كالآتي:

بالرغم من وصول جماعة الإخوان للحكم في مصر إلا أنَّ هذا الوصول يفرض حزمةً من القيود على حركة حماس، قيود تجعل مكاسب الحركة من التغيير في مصر غير كاملة؛ تتعلق هذه القيود بالمعوِّقات التي تعترض الإخوان المسلمين في حكم مصر داخليًّا وخارجيًّا:

فثمة بيئة سياسية مصرية غاية في الاضطراب يتعامل معها الإخوان المسلمين منذ سقوط نظام مبارك وحتى الراهن. ومن ثم فالشاغل الأهم للإخوان هو ضبط الوضع السياسي الداخلي، بينما لن تحتلّ قضايا السياسة الخارجية مكانة متقدمة في أجندة الإخوان السياسية، حتى القضية الفلسطينية (بالرغم من المكانة المرموقة التي تحظى بها المسألة الفلسطينية في أيديولوجيا الإخوان المسلمين).

خاصة وأنَّ القوى السياسية (العلمانية) المعارضة للإخوان، تستغلّ العلاقة بين الجماعة والحركة، في حربها ضد الجماعة؛ فعلى سبيل المثال نجد الآلة الإعلامية التي تسيطر عليها المعارضة، تثير موضوعات من قبيل: (الإخوان يبيعون الغاز والسولار لغزة، في حين أن الشعب المصري يعاني من نقص خانق منهما. وأيضًا يتم اتهام حماس بأنها مسئولة عن مقتل الجنود المصريين على الحدود في العام 2012. بل بلغ الأمر بالبعض أن يتجاسر ويدعي أن الحركة تُرسل قواتها لدعم الرئيس "محمد مرسي" في مواجهة المظاهرات وأعمال الشغب!). ومن ثم ستكون الرئاسة المصرية، حريصة تجاه أي دعم تُقدِّمه لحماس، لكون المجال العام يضع العلاقة بين الإخوان وحماس تحت مراقبة صارمة.

بالإضافة إلى هذا الانشغال الداخلي، ثمّة قيد صارم مفروض على الإخوان، يتمثل في: علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية؛ فالهاجس الأهم الذي يسكن العقل السياسي الأمريكي من بعد الثورة المصرية، يتمثل في الحفاظ على عملية السلام بين مصر وإسرائيل، ومن ثم فدعم الولايات المتحدة للإخوان المسلمين مشروط بمدى التزام الأخيرة بعملية السلام، والإدارة السياسية الجديدة لمصر تعِي ذلك جيدًا، وتعي الحاجة الماسة للولايات المتحدة كيما تستطيع إرساء حكمها لمصر ما بعد الثورة؛ حاجة اقتصادية في المقام الأول (المعونة الأمريكية، قرض صندوق النقد لا يمكن أن يُوافق عليه إلا بمباركة أمريكية، وكذا مساعدات الاتحاد الأوربي).

وعليه فعلاقة الإخوان المسلمين بالولايات المتحدة تضع قيودًا على الدعم الذي يمكن أن تقدمه مصر لحماس، تمظهر هذا في الحرب الأخيرة على غزة (عملية عمود الغمام)، إذ إن مصر لم ترسل السلاح لحماس، ولكنها سعت إلى إلجامها، ولكن في المقابل، وهنا تتضح حدود التغيير في السياسة المصرية الجديدة، إذ لم يكن موقف مصر بالغ السلبية من حماس كما كان الحال في عملية "الرصاص المصبوب"، مع نظام مبارك؛ إذ إن الدبلوماسية المصرية الجديدة نشطت في اتجاه لوم إسرائيل ودفعها إلى وقف العملية العسكرية، والوصول إلى هدنة، وبالفعل تم ذلك، وهو ما لاقى التثمين من الإدارة الأمريكية.

من جهة حماس فهي تدرك هذه القيود التي يفرضها الوضع الداخلي على الإخوان، ومن ثم لن تطالبها بالدعم التام، ولكنها ستصبر عليها كيما ترتب البيت الداخلي المصري.

وكذلك هي تعي جيدًا القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على مصر، والتي يعنيها في المقام الأول حفظ أمن إسرائيل، والإبقاء على السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح.

ومن هنا يبين أنَّ مكسب حماس لمصر ليس كاملاً كما تتمناه الحركة، فالقيود الداخلية والخارجية على الإخوان في مصر، ليس فقط تقلل من استفادة حماس من مصر الجديدة، وإنما قد تدفع مصر إلى إجبار حماس على السير في طرق لا تودّ السير فيها؛ كطريق المصالحة الفلسطينية مثلاً، حيث قد تضغط مصر على حماس (بضغط من الولايات المتحدة)، كيما تتنازل عن شروطها لإتمام المصالحة مع فتح، ذاك التنازل الذي قد يجعل الحركة تشعر أنها ستُحتوى، وتتحول إلى حركة سياسية سلمية، لا حركة مقاومة!

وعليه، فقد كسبت حماس بلا شكّ من سقوط مبارك، ووصول الإخوان المسلمين للحكم ولكنَّه مكسب محاط بقيود، تجعله مكسبًا ناقصًا.

هل خسرت حماس إيران؟

مثَّلت الثورة السورية كما أسلفنا منعطفًا حاسمًا في علاقة حماس بإيران؛ حيث تؤيد إيران النظام السوري تأيدًا تامًا، وتضغط على حماس كيما تشاركها هذا التأييد؛ إذ إن إيران ستعتبر الخاسر الأكبر من سقوط نظام الأسد؛ فسوريا بوابتها للعالم العربي، وحلقة الوصل بينها وبين زراعها في لبنان: "حزب الله"، وقد استثمرت إيران في علاقتها مع نظام الأسد بكثافة، وليس أبدًا من المرجح أن يكون خليفة الأسد في سوريا، واسع الصدر تجاه إيران.

ولكن هل تكفي هذه العثرات التي تعترض طريق إيران في دمشق، أن تخسر حماس وتقطع معها؛ لأنَّ الأخيرة عزفت عن تأييد الأسد؟

الجواب على هذا السؤال يقتضِي استحضار محددات العلاقة بين إيران وحماس، والتي أسلفنا الحديث عنها في المحور الأول من هذه الورقة؛ إذ يبين من خلالها أنَّ العلاقة بين الطرفين أكثر بنيوية وعمقًا من أن تتسبب أزمة الثورة السورية في قطعها، نعم ستتأثر سلبًا هذه العلاقة، على المدى القريب، لكن لن تسوء إلى درجة تصل بها إلى حالة القطيعة، وذلك للآتي:

لن تنسى حماس أبدًا الدعم الذي قدَّمته لها إيران على مدى العقد الفائت، ماليًّا وعسكريًّا، في الوقت الذي كانت فيه الدول العربية تدير ظهرها لها. ومن ثم ستسعى حماس لرأب الصدع الذي أحدثته الثورة السورية في جدار علاقتها مع إيران.

ومن ناحية إيران، فهي تعي جيدًا المأزق الذي سقطت فيه حماس، من حيث كونها حركة مقاومة سُنْية، لا يليق بها أن تدعم نظامًا علويًا يذبح شعبه، ومن ثم من اليسير أن تتفهم موقف الحركة، بعدما تهدأ غضبتها المبدئية منها. ولكن لماذا لا تستطيع إيران أن تقطع مع حماس بسبب أزمة الثورة السورية؟

الجواب: لأنَّ في بيئة ما بعد الربيع العربي، إيران تحتاج حماس أكثر مما تحتاج حماس إيران؛ وذلك لأنَّ حماس قد تجد بدرجة أو بأخرى بديلاً عن إيران يقدم لها الدعم، كتركيا أو مصر أو قطر (مع الاعتراف أنها بدائل أقل موثوقية من إيران). بينما أين تجد إيران بديلاً عن حماس؟ فحاجة إيران لحماس حاجة بنيوية، لن تستطيع الاستغناء عنها؛ فهي حركة المقاومة الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا، مقارنة بباقي حركات المقاومة (حركة الجهاد خاصة، بالرغم من نفوذ إيران القوي عليها مقارنة بحماس)، وتمثل ورقة هامة في مشروعها الاستراتيجي في المنطقة، وعليه لن تشفع إيران خسارتها دمشق، بخسارة حماس هي الأخرى، لتزيد  على نفسها الطين بلة!

وبالتالي فخسارة حماس لإيران ليست كاملة، فقط ستتأثر العلاقات سلبًا بينهما على المدى القريب، لكن ليس من سبيل أمام إيران إلا أن تصفح عن غلطة حماس المتمثلة في موقفها من الثورة السورية، فقط يمكن أن تعاقبها (بحجب الدعم المادي)، ولكنها لن تقطع معها.

خاتمة:

حاولت هذه الورقة أن تقارب انعكاسات الربيع العربي، تحديدًا الثورة المصرية والسورية، على حركة حماس، بدراسة موقف الحركة السياسي، من كل منهما، ثم  دراسة طبيعة التغيرات التي طرأت على علاقات الحركة الإقليمية (خاصة مع مصر وإيران)، بسبب مواقف الحركة السياسية. وفي هذا السبيل ألقت الورقة نظرة عامة على طبيعة علاقات حماس الإقليمية فيما قبل الربيع العربي.

وجادلت الورقة بأنَّ مكسب حماس من الربيع العربي ليس مكسبًا خالصًا؛ فهي لم تكسب كل شيء، كما أنها لم تكن معصومة من الخسارة. الربيع العربي انعكس إيجابيًا على الحركة، ولكنه في نفس الوقت فرض عليه تحديات.

بالرغم من أنَّ وصول جماعة الإخوان المسلمين للحكم في مصر، بعد سقوط نظام مبارك، إلا أن ثمة قيودًا داخلية وخارجية تمنع حماس من الاستفادة القصوى من مصر ما بعد الثورة.

المكسب الذي جنته حماس من مصر، كادت أن تخسره في دمشق؛ إذ حرمت الثورة السورية حماس من حليف مهم لها، في زمن قد قلّ فيه حلفاء الحركة.

الأثر السلبي للثورة السورية على حماس، يمتدّ لعلاقة الأخيرة بإيران حليف الأسد الصلب، الذي لا يبدي أي استعدادٍ للتضحية به، ومن ثم ساءت العلاقات بين إيران وحماس بسبب موقف الحركة من الثورة السورية.

ولكن إيران لا يمكنها أن تخسر حماس بالكلية، ومن ثم لا سبيل إمامها إلا أن تُعِيد مياه العلاقة بينها لسابق مجاريها.

وعليه فحماس لم تكسب مصر بالكلية، كما أنها لم تخسر إيران بالكلية.

الربيع العربي أدخل المنطقة برُمّتها في دوامة من التغيرات الجيو-سياسية ومن ثم ملامح المكسب والخسارة للفواعل على المستوى الإقليمي والدولي، وحتى الفواعل من غير الدول، لم تتضح بعد، فثمة بيئة إقليمية جديدة قيد التبلور، ولكنَّه تبلور سيستهلك مساحة من الزمن حتى تنكشف ملامحه وتظهر جلية للعيان.


الهوامش:

1.     أول من أطلق هذا المصطلح على هذه الأحداث هو: "مارك لينش" أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، في مقاله له بمجلة "foreign policy " في ديسمبر 2010، ثم  تم تداول المصطلح على نطاق واسع في الدوائر الإعلامية والبحثية.

2.     عن الوضع الداخلي يمكن مراجعة: ناثان ج. براون ، غزة بعد خمس سنوات: حماس تتكيّف، بيروت: مركز كارنيجي للشرق الأوسط، يونيو 2012

3.     محور الاعتدال (مصر، الأردن، ودول مجلس التعاون الخليجي). ومحور الممانعة ( إيران، سوريا، حزب الله، وحماس). مصطلحان قد ازدهرا في حقبة بوش الابن، ومحدد هذه القسمة: هو مدى تساوق سياسات دول المنطقة مع السياسات الأمريكية، فتلك المتساوقة هي المعتدلة، أما  الأخرى فهي الممانِعة.

4.     قبل شن هذه الحرب مباشرة، كانت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني في زيارة لمصر، والتقت مبارك في شرم الشيخ، مما آثار سخط الشارع العربي

5.     استعرتُ هذا التعبير: (عرس/ مأتم) من تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية بعنوان: "ضوء في نهاية النفق: حماس والانتفاضات العربية"  في أغسطس 2012.

6.     قدم الشعب السوري حوالي 20 مليون دولار من المساعدات لغزة أثناء الحرب (تصريح لقائد رفيع في الحركة لمجموعة الأزمات الدولية).

7.     التقى خالد مشعل بالأسد بعد الثورة المصرية مباشرة محفزًا إيَّاه على الإصلاح كيما يتفادى الثورة (تصريح  لقيادي رفيع لمجموعة الأزمات الدولية في سبتمبر 2011.

8.     البيان منشور على موقع الحركة على الإنترنت.

cialis dose 10 cialis dose 30 cialis dosing information
acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise
acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise
cialis sample coupon cialis coupons from manufacturer drug discount coupons
prescription transfer coupon link prescription discounts cards
printable cialis coupon coupon for prescriptions coupon for cialis
cialis discount coupons online blog.suntekusa.com cialis coupon
coupons for cialis 2016 click prescription drug cards
prescription drug cards prostudiousa.com coupons for cialis
buscopan 10mg link buscopan wirkung
venlafaxine 37.5 mg idippedut.dk venlafaxine 37.5 mg
venlafaxine 37.5 mg venlafaxine vergeten venlafaxine 37.5 mg
januvia 100 mg hinta carp-fishing.nl januvia hinta
venlafaxine site venlafaxine fk
flagyl read flagyl for bv
ibuprofen gel blog.tgworkshop.com ibuprofen kruidvat
lasix dosis lasix 40 mg lasix indicaciones
amoxil suspension amoxil 500 amoxicillin dosage
coupons for prescription medications free cialis coupon 2016 cialis coupon lilly
radikale akzeptanz open radikalische substitution
discount prescription coupons go discount card for prescription drugs
lamivudine acute hepatitis b lamivudine wiki lamivudine history
the cost of abortion click depression after abortion
the cost of abortion click depression after abortion



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة