الأسس اللا عملية للإلحاد.. مشكلة معنى الحياة نموذجًا

عمرو بسيوني
7/10/2014

ليست المشكلة في الإلحاد كونه مجالاً مشكلاً وزائفًا على المستوى العقلي فحسب؛ فنحن نعلم أن كثيرًا من الناس لا يعير موضوع العقل اهتمامًا حقيقيًا، وإن كان يبدي اهتمامًا ظاهرًا مبالغًا فيه بالعقل ومنزلته ومجالاته، فقد استكشفنا في محاولة مختصرة سابقة عن (الأسس اللا عقلية للإلحاد) في موضوع مشكلة مبدأ العالم؛ أن ذلك الاهتمام والأهمية التي تتعلق بالمجال العقلي عند الملحدين كانت في حقيقتها دعوى لمحاربة الدين أكثر منها محاولة صحيحة لتأسيس عقلانية جديدة.

الإلحاد الذي يطرح نفسه كبديل للدين إذن ينبغي أن يتسع مجاله لما يتسع له المجال الديني، فلا شك أن المجال الديني أوسع كثيرًا من البحث العقلي، سواء دعوناه لاهوتيًا، أو عقديًا، أو فلسفيًا. فالمجال الديني يتسع ليغطي أغلب مجالات النشاط الإنساني، إن لم يكن كلها كما في النموذج الديني الكامل، الذي هو الإسلام واقعيًا. فالدين يتخطى المساحات العقدية – بعد إعطاء الإيمان الاهتمام الكافي والمحوري بطبيعة الحال – لينطلق إلى مساحات أخرى تتعلق بالفرد والجماعة، تتمثل في العبادات، والأخلاق، والمعاملات، وهذا هو ما نعنيه بالمجال العملي للدين.

ذلك المجال العملي لازم لا يمكن أن يغفله دين صحيح، فإن أي مذهب يقدم نفسه على نحو فلسفي خالص، دون آثار مسلكية، أو رؤية اجتماعية؛ فإنه لا يكون دينًا، بل إننا قد نجد على العكس، أن ثمة أديانًا تطرح نفسها كأديان، دون أن تقدم أساسا لاهوتيًا، على نحو ما نجد في البوذية والكونفشيوسية، التي تعطي الأهمية والمقام الأول للأخلاق، والعبادات، والواجبات الاجتماعية، وتعرض، بل تنهى في كثير من الأحيان عن التعرض للبحث اللاهوتي.

يمكن تلمس ذلك المكون العملي الحاسم في الدين أيضًا بالنظر في النموذج المحدِّد للدين الذي وضعه "نينيان سمارت" (Ninian Smart) (1927-2001) فيلسوف الدين الشهير، والذي يحظى بقبول واسع في مجال فلسفة الدين، حيث يتصور سمارت أنه من الأجدى الإعراض عن وضع (تعريف) للدين، كي نميز بين الدين والفلسفة؛ بأن نضع (نموذجًا) للدين، واقترح نموذجا سباعي الأبعاد (Seven Dimensions) لوصف أي مذهب بأنه الدين. وهذه الأبعاد إجمالاً هي: البعد الطقسي أو العملي، والبعد التجريبي أو العاطفي، والبعد السردي أو الأسطوري، والبعد العقائدي أو الفلسفي، والبعد الأخلاقي أو القانوني، والبعد الاجتماعي أو المؤسسي، والبعد المادي([1]).

وإذا اجتنبنا البعد العقائدي أو الفلسفي مع البعد السردي؛ فإننا نلحظ في يسر أن غالب الأبعاد الأخرى ذات طابع عملي، بطريقة مباشرة، فإذا خلا أي منظور علمي أو عملي من أحد تلك المحددات؛ غدا مجرد مذهب فلسفي، أو تقنية عملية، مع ملاحظة أن خلو المذهب الفلسفي من الأثر السلوكي الواضح يحوله لمجرد كلام بارد، لا فائدة منه، وكذا إذا خلت التقنية من المعنى والأساس النظري؛ غدت عبثًا مجردًا، أقل قيمة من دمية الأطفال.

من المنطقي أيضًا أن نوضح أن الإلحاد لم يزعم، مباشرة على الأقل، أنه دين؛ حتى يمكن إلزامه باستيفاء الجوانب التي يقدمها الدين للإنسان، ولكن الذي لا يمكن إغفاله بحال من الأحوال أن الإلحاد الذي يقدم رؤية كونية للإنسان والعالم ينحي بها الدين جانبا؛ لا يمكن أن يرضى بأن يكون فلسفة باردة أو تقنية عبثية ، ولذا ينبغي عليه، علميًا وأدبيًا وإجرائيًا، أن يقدم بدائل عن تلك التي يطرحها الدين لكافة المجالات، لأن الإلحاد بطبيعته هو مذهب نفيٍ للدين، فيجب أن يشتغل على كافة مساحات شغل الدين لينفيها ويؤكد صحته، وإلا فإنه لا يستطيع الزعم أن الدين خرافة والإلحاد حقيقة؛ لأننا ببساطة لا يمكن أن نترك الحقيقة لأجل الخرافة، ولو في مجال واحد من مجالات الحياة، هذا إذا كانت خرافة بالفعل!

باختزال مفيد: يجب على الإلحاد أن يثبت فعالية في كل المجالات التي يسهم الدين بفعالية فيها؛ حتى يحصل على مشروعية وجوده.

في المستويات العملية التي ذكرناها على سبيل التمثيل من نموذج سمارت؛ نجد أن الإلحاد يخوض صراعات محمومة في مجال الأخلاق، وفي مجال البعد العاطفي، وفي المجال الطقسي والعبادي، ويحاول أن يقدم بدائل في تلك المجالات، ويتلقى صدمات موجعة على المستوي النظري التأسيسي، وعلى والمستوى العملي الإجرائي، لا يحتمل المقام أن نبحث فيها، ولعلها ترى النور قريبا في عملنا الكبير عن الإلحاد.

فيما يتعلق بموضوعنا: من الواضح أن الدين يقدم للحياة معنى، فالله خلق الكون، وخلق الإنسان، ووهبه الحياة، وقضى عليه الموت، والله يبعث الموتى للحساب، ويكون فيه الثواب والعقاب. هذا التصور الكلي هو محل اتفاق بين الأديان الإبراهيمية كما لا يخفى، فمعنى الحياة إذن: عبادة الله، وموافقة رضاه، والتنعم بذلك الرضا الحسي والمعنوي في الفردوس السماوي، وحتى في بعض الأديان غير الإبراهيمية لا تخلو الحياة من معنى متعلق بالألوهية، حتى في الأديان الهندوسية التي تتشبث بالتناسخ والكارما– قانون الأعمال وإعادة الولادة-، أو النيرفانا البوذية التي تتوصل إلى السكون المطلق للتخلص من الألم، والاتحاد بالروح الكلي.

يبرّر ذلك المعنى للحياة أيضا المسألة الأخلاقية، فالحرص على الفضيلة واجتناب الرذيلة يكون مبررًا على نحو عملي حينئذ، ولا نقدر على التوسع لتفصيل هذا الموضوع هاهنا، ولكن يكفي فقط أن نرى الرؤية الكانطية للدين، فرغم أنه رأى أن (الدين في حدود العقل) غير مبرهن، ورأى وجود الإيمان من نقائض العقل، وقام بمحاولة تفنيد الأدلة العقلية الذائعة على الوجود الإلهي في (نقد العقل المحض)؛ إلا أنه رجع فأقر بأن الدين من مصادرات (العقل العملي)؛ لأنه فقط الذي يضمن الأخلاق، وحرية الإرادة.

فماذا تراه يكون معنى الحياة وفق المنظور الإلحاد بعد أن حذف الوجود الإلهي من الحياة؟

 لماذا نحن هنا؟ وإلى أين سنصير؟ هل سينتهي الأمر إلى العدم؟

لماذا نلتزم الفضيلة: الخير والحق والجمال؛ إذا كان أورع العٌبَّاد مستويا في المصير مع أفجر العاهرات، وأشرس القتلة؟

الإلحاد يؤدي إلى اليأس، ويحرم المظلومين من الأمل في تصحيح ذلك الظلم يومًا ما، ويحبط الرغبة الإنسانية الفطرية في الخلود، ومن ثم فإنه يحرم من أي دافع حقيقي – غير آنٍ - للعمل في هذه الحياة.

ليست تلك دعاوى المتدينين ضد موقف الإلحاد من معنى الحياة والغرض منها، ولكنّ ذلك ما تجسد في إجابات الملحدين ومواقفهم واتجاهاتهم النظرية والعملية تجاه تلك القضية، منذ نشأ الإلحاد الحديث في القرن السابع عشر.

يمكن تقسيم الملحدين عمومًا إلى اتجاهين كبيرين فيما يتعلق من الموقف من الحياة، معناها وغرضها: اتجاه تفاؤلي، واتجاه تشاؤمي.

ربما يمثل الفيلسوف الملحد "مايكل مارتن" (Michael Martin) (1932)([2]) = ذلك الاتجاه التفاؤلي، حيث يشير مارتن إلى أن الإنسان بإمكانه أن يجد للحياة معنى في جوهر مشاريعه الفردية، بغض النظر عما إذا كانت حياته ككل ذات مغزى أم لا ! (فإن الإلحاد يجب أن يعترف أن الحياة ككل ليست ذات مغزى).

فإنه وإن كان صحيحًا أن الحياة على الأرض سوف تباد بالموت الحراري heat death كما هو مفترض؛ فإن ذلك لا يجعل المنجزات البشرية الحالية خاليةً من القيمة، مادمنا هنا فهناك معنى.

يقر مارتن أنه إذا نظرنا للحياة بنظرة تجريدية كلية شاملة، إلى مجموع النشاط البشري في العالم، التجارة، السلام، الحرب، الحب، فإنه يمكن أن نرى أن كل ذلك بلا معنى. ولكننا كبشر لسنا ملزمين بتلك الرؤية، التي يسميها مارتن: رؤية بعين الله God's eye، وبالتالي فلا داعي لليأس([3]).

يبدو أن مارتن يحاول تجاوز مشكلة عدمية الحياة إلى تعليق معنى الحياة بالمنجزات الشخصية، فأنت تجد لحياتك معنى مادمت تضع لها هدفًا وتسعى لتحقيقه، كالدراسة، والزواج، والعمل، والكفاح السياسي، والحرب ... إلخ. ولكن ما زعمه مارتن رؤيةً بعين الله، كرؤية كلية شاملة للكون؛ ليست مقتصرة على الكون الكلي في الحقيقة، فقد أعرض مارتن عن لب المشكلة الحقيقية، فإن فناء الكون الكلي ليس إلا فناء الإنسان، الذي يحاول مارتن أن يقصر طموحه على الإنجاز الفردي، ليكن؛ ولكن أين الإنجاز الفردي في العدم؟!، إذا فني الكون فقد فني الإنسان بإنجازاته وطموحاته، حتى لو حقق بعض المعنى لنفسه في إنجازاته الجزئية الآنية، لابد أن يأتيه الوقت الذي يرى نفسه بمثابة من يزرع وردة في مزبلة!، سيموت الإنسان وتموت نجاحاته، ويصبح عدما، لا قيمة له، ولا إنجاز، ولا معنى بطبيعة الحال.

الاتجاه الأكثر تجنبًا للخوض في المشكلة، هو ما لجأ إليه بعض الملحدين في القرن الثامن عشر، كـ"لامتريه" (La Mettrie) (1709-1751) الفيلسوف الملحد الفرنسي ، حيث ربط تلك القضية بمسألة الموت. فقد اقترح لامتريه دعوى أن القلق من الموت لا ينشأ إلا من العقائد الدينية، لما في الآخرة من عقاب، ومن ثم فإنه يرى أن إلغاء هذه الفكرة – الدين - من شأنه أن يلغي القلق([4])، وانتهج "هولباخ" (Holbach) (1723-1789) نفس الاتجاه، حين أشاد بالرؤية الأبيقورية للموت بأنه لا يخضع للتجربة، ومن ثَمَّ فإنه لا ينبغي أن يمثل أهمية للبشر، فرأى هولباخ أن المذكور في الأديان عن عواقب الموت لا يمثل قلقًا([5]).

ونلاحظ أن مثل هذا الموقف لم يعدُ كونه مجرد تناسٍ وإعراضٍ عن التفكير في الموت لا أكثر، فهو يتلاهى عن الموت لأنه لا يخضع للتجربة، فلا ينبغي القلق بشأنه، في حين يظهر أن الأكثر منطقية هو أن الذي لا يخضع للتجربة (المجهول) هو أكثر إثارة للقلق!.

وبغض النظر عن هذا الموقف؛ يقتضي الإنصاف أن نقرر أن عموم المفكرين الملحدين يعترفون بأن الغالبية العظمى من الملحدين عاجزون عن تحييد الخوف من الموت والعدم جانبًا.

على سبيل المثال: اعترف "كلود أدريان هيلفيتوس" Claude-Adrien Helvetius (1715-1771)،  و"دنيسديدرو" Denis Diderot (1713-1784) بأن النتائج المترتبة على الإلحاد تتسق مع الاكتئاب، وبناء على ذلك سعى بعض هؤلاء المفكرين الملحدين لإيجاد الراحة بالقضاء على القلق من الموت بواسطة أشكال مصطنعة من البقاء على قيد الحياة بعد الموت، مثل فكرة: بقاء الأنواع species survival ، حيث يؤكد "ديدرو" - كمثال- على أن الفرد يموت، ولكن الأنواع لا نهاية لها([6])!.

يمكن أن ندرج جهودًا أخرى في ذلك الاتجاه عن طريق ما يعرف بالماركسية العلمية الإلحادية Marxist Scientific Atheism، وكذا الداروينية الاجتماعية Social Darwinism، والإنسانية - الهيومانية - العلمانية الإصلاحية Reformist Secular Humanism، التي يمثلها بطريقة أو بأخرى الداوكينزيون Dawkinsian، كأشكال للإلحاد تحاول معالجة مشكلة اللامعنى Meaninglessness، من خلال تعزيز الإيمان بأشكال بديلة للبقاء على قيد الحياة. كما ذكرنا عن نظرية بقاء الأنواع، فهناك نظريات الكمال التدريجي progressive perfection لتلك الأنواع ، وإن كانت طرق تحقيقها مختلفة بين هذه المذاهب والآراء، ولا يمكن استيعابها الآن.

لقد كان ما تقدم هو الطرح التفاؤلي الإلحادي، الذي قد يعد في بعض الأحيان هزلاً أكثر منه تفاؤلاً، فإنه يمكننا أن نعبر عن اختراعات الحياة بعد الموت، ولو لم تسمّ بذلك الاسم، على أنها ميتافيزيقا الماديين المنكرين للمتافيزيقا، ولاهوت إلحادي([7]) للملحدين.

وبموضوعية بالغة؛ تبقى الأغلبية الكاسحة من المفكرين الملحدين في الجانب الآخر، المتشائم، والأكثر تشاؤمًا.

مبدئيًا؛ نظر أغلب المفكرين الملحدين للحلول التي طرحها المتفائلون على أنها خداع للذات في نهاية المطاف، لاسيما وقد أبدوا اهتمامهم بالمصير الفردي للملحد، لا المصير الجماعي، أو المتعلق بالنوع، ومن ثم طالبوا بطرح حلول أخرى أكثر واقعية من الحلول التفاؤلية البديلة للبقاء على الحياة.

فعلى سبيل المثال: اعتبر "إتيان دي سينانكور" Étienne de Senancour (1770-1846) الحل الوحيد لمشكلة الموت هو شفاء البشر من مرض الرغبة في الخلود Immortality . ووفقًا لسينانكور؛ فإن المرء يمكنه أن يقمع هذا الخوف من خلال استغلال جميع طاقته دفعة واحدة في حياته الحاضرة([8]).

نستطيع أن نفهم بسهولة أن نموذج "ماركيزدي ساد"  Marquis De Sade(1740-1814) كان تطبيقًا لتلك الفكرة، من خلال رؤيته القاتمة، على الانغماس في الحياة الآنية بكل ثقل الشهوة.

فقد قامت نظرة  ماركيز على  رفض الرغبة في الخلود، بل وازدراؤها، والاستغراق الكامل في الشهوانية، فإن من دواعي السرور: الجنس، وتكراره باستمرار، وإلحاق المعاناة - وحتى الموت - بالآخرين، باعتبارها وسيلة لإطفاء الخوف من الموت([9])، ذلك الاتجاه المعروف بالإلحاد الأيروسي EROTIC ATHEISM.

تبلغ الذروة التعبيرية عن فلسفة دي ساد في التخلص من العدمية عن طريق الشهوة في محاورته التخيلية الذائعة، بين راهب يدعو محتضرًا للتوبة، وهذا المحتضر الذي يتحدث دي ساد بلسانه يشرح للراهب فلسفته في الحياة: «الطبيعة شكلت روحي وتصرفاتي نتيجة لذلك، بكل ما فيها من رغبات واحتياجات خاصة، فهي تحتاج الرذائل بقدر ما تحتاج الفضائل، والطبيعة أثارت فيّ الشر، وقالت لي أن أفعل ذلك، كما أرادت مني أعمل صالحًا، أنا فقط أفعل كما تأمرني».

لقد كان المحتضَر معِدًّا لوليمة جنسية خاصة للحظة موته، ولم يكتف بذلك حتى وجه الدعوة للراهب للاشتراك معه في الانغماس: «يا صديقي ، الشهوانية - الحسية sensuality - تعني الكثير بالنسبة لي أكثر من أي شيء آخر، إنني أعبدها طوال حياتي، وكانت رغبتي في وضع حد لها في صدري. نهايتي اقتربت، ولكن هناك ست نساء جميلات في الغرفة المجاورة، إنني أحتفظ بهن خصيصًا لأجل هذه اللحظة، لماذا لا تشاركني في هذه الوليمة؟، لماذا لا تتخذني قدوة، وتبني على تجربتي بدلاً من خرافات المغالطات الفارغة؟، إن السماح لهن بالمداعبة تساعدك على نسيان نفاق hypocritical إيمانك لبعض الوقت»([10]).

وفي عام 1793 طور دي ساد مشروعه حول القمع الجنسي sexually repressive كأثرٍ آخر للبعد عن الإيمان بالله، ففي حواره الفلسفي (في غرفة النوم- أو الفلسفة في المخدع) يطلب من القراء أن يتخيلوا شابا في عمر الخامسة عشر تخلى عن الإيمان، واكتشف هذه المسرات: اللواط، سفاح الأقارب، الجلد flagellation([11]).

 ثم نشر دي ساد لوحاته الشهوانية erotic tableaux مع رسائله؛ لدعم الشهوانية، التي تقدم للحياة الملحدة المعنى اللازم لدفع الاكتئاب([12]).

في سياق التشاؤم لا يمكن أن نغفل نيتشه Nietzsche (1844-1900) رائد العدمية Nihilism، حيث لم ينف وجود رغبة مؤكدة وجوهرية في الخلود، ولكنه لم ير التعبير عنها في الشهوة كما فعل دي ساد، وذلك لأنه يفسر تلك الرغبة في الخلود بالرغبة في القوة والسلطة، هذا هو معنى الحياة، ومعيار الحسن والقبح والسعادة: «أي شيء يعد حسنا؟ كل ما ينمي الشعور بالقوة.

أي شيء يعد سيئا؟ كل ما يتأتى من الضعف.

ما هي السعادة؟ الإحساس بأن القوة في تنام، وأن هناك مقاومة يتم التغلب عليها.

ليس الرضا، بل مزيدا([13]) من القوة، ولا السلم في كل الأحوال، بل الحرب، لا الفضيلة، بل البسالة.

لابد أن يضمحل الضعفاء وذوي([14])التكوينة المعوقة، وعلينا أن نساعدهم على ذلك»([15]).

وذلك يضاد في وضوح الأخلاق المسيحية، التي تمثل أخلاق العبيد، ومن هنا يؤكد نيتشه على أن الرغبة في السلطة وممارستها - حسبمعاييرها السلطوية لدينا - ، ووفق الإنسان المتفوق - السوبرمان الأخلاقي - سيخلق لنا معنى للحياة، لم نحصل عليه من قبل([16]).

«أي شيء أكثر ضررا من أية رذيلة؟ ؛الشفقة الفاعلة لخدمة الضعفاء وذوي التكوينة المعوقة: المسيحية»([17])، «لا ينبغي أن نزين وجه المسيحية ونلمع سحنتها، لقد خاضت حربا بلا هوادة ضد ذلك النوع الراقي من الإنسان، ونبذت كل الغرائز الأساسية لذلك النوع، ومن تلك الغرائز استنبطت خلاصة الشر والشرير، الإنسان القوي([18]) كنموذج للمعيب المنفر، وللإنسان الكريه، لقد انحازت المسيحية لكل الضعفاء والوضيعين والفاشلين، وجعلت من الاعتراض على غرائز حفظ البقاء الكامنة في الحياة القوية مثلاً أعلى لها»([19]).

السلطة، والقوة، هي السبيل لتحقيق معنى للحياة، والأديان مجرد خدعة لحماية المعوقين والفاشلين والضعفاء، وكذلك الفضيلة والعفة، ينبغي استنفاذها من الرجل القوي، ومنعه عنها مجرد حيلة شريرة. لقد صاغ نيتشه قانونًا مضادًا لقانون إيمان المسيحية، بعنوان: (قانون ضد المسيحية) جاء في البند الرابع منه: «الكرازة بالعفة تحريض عمومي على مناقضة الطبيعة. كل احتقار للحياة الجنسية، وكل تنجيس لها عن طريق مفهوم (النجاسة) هي الخطيئة الحقيقية في حق الروح القدس للحياة»([20]).

وبالمثل نجد الوجوديين الإلحاديين مثل سارتر Sartre (1905-1980)، الذي يؤكد على أن الناس يجدون حياتهم سخيفة، ودون معنى، (كل حي يولد دون مبرر) ، «كنت أعلم جيدًا أنه (العالم)، (العالم) العاري الذي يظهر فجأة، وكنت أختنق غضبًا من هذا الكائن العبثي الضخم. لم يكن بإمكان المرء حتى أن يتساءل من أين كان ذلك كله خارجا؟، ولا كيف تم إن وجد عالم؟، ولم يوجد لا شيء؟. لم يكن لذلك أي معنى. كان العالم حاضرًا في كل مكان، أمام ووراء. لم يكن ثمة شيء (قبله) على الإطلاق. لم تكن ثمة لحظة لم يكن يستطيع فيها ألا يوجد» ([21]).

ولذلك فإن الناس بحاجة لخلق معنى وهدف لحياتهم، ولن يتحقق ذلك إلا بالحرية المطلقة، لأنه لن يكون هناك أي معنى قبلي للوجود، ولا غرض بعدي له.

«لقد كتب ديستوفيسكي مرة: إذا لم يكن الله موجودًا؛ فكل شيء مباح. وما كتبه ديستوفيسكي هو النقطة التي تنطلق منها الوجودية. والتي نعتقد فيها أن إنكار وجود الله يعني أن كل شيء يصير فعلاً مباحًا، وأن الإنسان يصير وحيدًا مهجورًا([22])، لا يجد داخل ذاته أو خارجها أية إمكانية يتشبث بها([23])»([24]).

ولكن إدراك الإنسان للمعنى، وبحثه عنه، مع كونه عدمًا؛ هو أمر مشكل فلسفيًا، لاسيما مع تقرير سارتر المستفيض أن وجود الإنسان سابق على ماهيته، فكيف يطلب الإنسان ماهية لا وجود لها. والحال أن الوجود ينبغي أن يسبق الماهية، إنه نفس النمط الديكارتي القديم الذي استند إلى أن شعور الإنسان بالعطش دال على وجود الماء، وشعوره بالنقص دال على شعوره بالكمال، ولذا يستشكل "جان لاكروا" كلام سارتر قائلاً: «إذا كان العالم مجردًا من كل معنى، وإذا كان الإنسان متطلبًا للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي به الإنسان»([25]).

وبطرح سارتر أن الحرية هي معنى الحياة، وهي السبيل لتحقيق المعنى، يرفض سارتر اليأس، ولكن البديل عنده كان غريبًا، إنه العمل بلا أمل، «أما اليأس؛ فمعناه بسيط بساطة غريبة، معنى اليأس أننا نقصر إمكانياتنا على مجموعة منها، هي المجموعة التي في نطاق إرادتنا، أو التي في نطاق الاحتمالات التي تجعل عملنا ممكنا، ونتكل عليها. فعندما يريد الإنسان شيئًا ما، تكون أمامه هذه العناصر الاحتمالية المتعددة ، فإذا كنت أنتظر زيارة صديق لي، آت بالقطار أو بالترام، فإني أفترض مسبقًا أن القطار سيصل في الوقت المحدد، أو أنه لن يتأخر: إني أبقى في نطاق الممكن.

ولكن الإنسان لا يتّكل على أية ممكنات ما عدا الممكنات المتصلة بعمله التي لها أثر عليه. فإذا لم تكن هذه الممكنات لها أثر على عمله؛ انتهى منها، ولم تعد له بها صلة؛ لأنه لا يوجد إله، ولا يوجد قدر مسبق محتم يستطيع أن يكيف العالم وإمكانياته حسب إرادته.

وعندما قال ديكارت: (انتصر على نفسك أولاً قبل انتصارك على العالم) كان يعني نفس الشيء: أننا يجب أن نعمل بلا أمل»([26]).

 

                       

ولا نغفل الفيلسوف الألماني الوجودي مارتن هايدجر Martin Heidegger (1889-1976)، الذي كانت لب فلسفته الوجودية هي الانطلاق من القلق، حيث رأى أن القلق الوجودي في حياة الإنسان ناتج من شعوره بالخوف من العدم، الذي يتجسد في الموت، ومن ثم أقام فلسفته الوجودية لانتشال الأنا من ذلك العدم.

أما إذا انطلقنا من الاتجاه الإلحادي التشاؤمي إلى الاتجاه الأكثر تشاؤما؛ فهو سعي بعض الملحدين لإطفاء الخوف من الفناء بالتأكيد على أن الطبيعة في نفسها أمر بائس بالنسبة للإنسان، وبالتالي فإن الموت سيشكل قسطًا من الراحة طال انتظارها للتخلص من عبء الحياة، ومن ثم فإنه يجب تشجيع الموت وانتظاره بدلاً من الخوف منه.

يصف "نيكولا دي شامفورت" Nicolas de Chamfort (1741-1794) الحياة على أنها مرض، وأن الموت هو الدواء. ووفقًا لهذا الملحد؛ فإن الحياة عبارة عن تعذيب طويل، يمثل الموت تحررا منها، (إنه من المؤسف حقًا أننا ولدنا). لقد تصرف شامفورت نفسه بناءًا على اعتقاداته التي كتبها آخر عمره، وانتحر([27]).

ولم يكن شامفورت شاذًا في تلك النظرة، فإن أصواتًا أخرى من الملحدين المحسوبين على التفاؤل، مثل :ديدرو ، و"تشارلز بينو دوكلو" Charles Pinot Duclos (1704-1772) ، و"هيلفيتوس" Helvetius ، قد شددوا أحيانا على أنه من الحسن أن نذكر مآسي وبؤس وحقارة الحياة، ولو نسبيًا؛ من أجل تقليل الخوف من الفناء([28]).

وفي المذاهب الإلحادية الفردية، عند "شوبنهاور" Schopenhauer (1788-1860)، و"شتيرنر" Stirner (1806-1856)، و"فون هارتمان" Von Hartmann (1842-1906)، يتم تطوير هذه الاستراتيجية في خطوة جديدة.

فيصف شوبنهاور الوجود الإنساني بأنه طبيعة بائسة بشكل لا لبس فيه، ويضع أمله في الرغبة في الفناء، (لقد كان من الأفضل لو لم يولد البشر)، ولكن: نظرًا لأن المجيء إلى حيز الوجود لم يكن اختياريًا؛ فإن خيار الانتحار يبقى مشروعًا، أو ربما حتى من المرغوب فيه([29]).

ونجد فلسفة هارتمان الإلحادية في عمله: فلسفة اللاوعي Philosophy of the Unconscious (1869) ؛قائمة على تحطيم المعنويات والطموح والآمال ، على نحو عميق ، مع دعوة للانتحار الجماعي للبشرية!.

ويتمادي في نفس الرؤية في كتابه: التدمير الذاتي للمسيحية ودين المستقبل The Self-Destruction of Chrisitanity and the Religion of the Future  (1874)، فيتوقع هارتمان أن الإنسانية سوف تصل في لحظة ما إلى إدراك جماعي بعبث حياتهم، ومصيرهم الإلحادي إلى العدم، ومن ثَمَّ فإنهم سيختارون الإبادة الجماعية([30]) !

وكما يلاحظ "مينوا"  Minoisفي حديثه عن الإلحاد الأكثر تشاؤما: فإنه يمكن اعتبار هذا الشكل من الإلحاد هو الإلحاد الأكثر اكتمالاً – ولو من بعض الجوانب - ، لأنه يسمح لمنظور: (عدم الإله) أن يستبدل مكان الرؤية الدينية على نحو كامل، وحقيقي، وليظهر أثره وقدرته، ومن ثم يتم الحكم عليه، - الحكم الذي سيكون بأنها رؤية عقيمة وغير مجدية ، بحسب وجهة نظره التي نوافقه فيها بكل تأكيد([31]).

نقف أخيرًا في القرن العشرين مع الفيلسوف الملحد البريطاني الشهير برتراند راسل  Bertrand Russell (1872-1970)،  والذي رسم كثيرًا مما يشبه هذه الاستنتاجات الاكتئابية، كما نلاحظ في (غزو السعادة) مثلاً، وكما في كلامه المشهور في محاضرته الأكثر إثارة للضجة (لماذا لست مسيحيًا) التي طبعت في رسالة لاحقًا، حين تكلم عن حتمية فناء العالم، ثم التفت إلى ما تسببه تلك النظرة من اكتئاب وتشاؤم، ولا ينكرها، وإنما يحاول توجيهها إلى أنها ليست بتلك القدرة على الإِحْزان:«عندما يأخذ المرء قوانين العلم العادية سيجد المرء أن الحياة البشرية على هذا الكوكب و الحياة بشكل عام ستنتهي في نقطة زمنية معينة، أي أنها مرحلة انتقالية في دمار وخراب المجموعة الشمسية. في مرحلة انتقالية معينة تكون البلازما مناسبة للحياة و ذلك لمرحلة قصيرة من عمر المجموعة الشمسية. القمر يعرض أمام العيون كيف ستكون نهاية الأرض، ميتة، باردة، وبلا حياة.

ماذا سيحدث للعالم بعد ملايين السنين؟، لا تتسبب في بؤس و تعاسة أي إنسان. بالرغم من أنها في الحقيقة نظرة قاتمة عندما يرى المرء أن الحياة ستنتهي، ورغم ذلك عندما أرى أحيانًا ماذا يصنع البشر في حياتهم، أرى ذلك - النظرة التشاؤمية - نوعًا من التعزية. و لذلك فإن هذه النظرة التشاؤمية لا تتسبب بتعاسة حياتنا، إنما تدعونا إلى لفت النظر إلى أشياء أخرى»([32]).

ونجد الأمر نفسه عند الكاتب الملحد المعاصر "جون غراي" John Gray في كتابه المقلق (كلاب القش) Straw Dogs (2002)([33]).

ونلاحظ عزوفًا من الملحدين الجدد – داوكنز وجماعته - عن المشاركة في هذه القضايا على نحو مطول، على الرغم من أن مناقشته تلقى رواجًا في ساحات النقاش الإيماني الإلحادي في الأوقات الأخيرة.

أخيرا: لقد قال الله تعالى:{ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}. (طه : 124).

لربما لو افتتحنا ذلك البحث بتلك الآية؛ لسارع الملحدون باتهامه بالوعظية، والدوغمائية، والدعاية التي تقصد إلى التشهير، ولكن الظن الغالب أنه يمكن رؤية تلك الآية في آفاق أوسع بعد ما سبق الحديث عنه.



([1]) قدم تلك الرؤية في أعماله الثلاثة الأكثر أهمية:

The Phenomenon of Religion (1973).
The Science of Religion & the Sociology of Knowledge: Some Methodological Questions (1973).

Dimensions of the Sacred: An Anatomy of the World's Beliefs (1996).

([2]) من أهم أعماله: The Impossibility of God (2003) ، وطرح رؤيته المذكورة عن معنى الحياة، والأخلاق بالنسبة للإلحاد في كتابه:

Atheism, A Philosophical Justification, (1990), Atheism, Morality and Meaning (2002).

([3]) Michael Martin, Atheism , A Philosophical Justification , (1990), 13-23 .

([4]) Georges Minois , Histoire de L'atheisme , (1998) , 371 .

([5]) Ibid , 369 .

([6]) Ibid , 363 .

([7]) تعبير اللاهوت الإلحادي هو تعبير شائع لدى كثير من منتقدي الإلحاد، والملحدين على حد سواء.

راجع للضرورة: اللاهوت الإلحادي لما بعد الحداثة، لمارك تايلور= Mark C.Taylor , A Postmodern A/theology, (1984)

([8]) Georges Minois , Histoire de L'atheisme , 364 .

([9]) Ibid , 365 .

([10]) Alister McGrath , THE TWILIGHT OF ATHEISM , 34-35 .

([11]) Ibid , 36 .

([12]) اقرأ في هذا الموضوع: Murdoch, Metaphysics as a Guide to Morals , (1992).

([13]) كذا، والصحيح: مزيدٌ.

([14]) كذا. والصحيح: ذوو، على تلك الترجمة العديد من الملاحظات اللغوية والأسلوبية.

([15]) فريدريش نيتشه، نقيض المسيح، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل، (26-27).

([16]) اقرأ في تلك المضامين:

Roth, R. A ,Nietzsche' s Us e of Atheism , (1991), 51-64 .

Milosz, C ,The Discreet Charm of Nihilism , (1998) , 17-18 .

([17]) نقيض المسيح، (27).

([18]) السوبرمان .

([19]) السابق، (28).

([20]) السابق، (151).

ولا نغفل أن نيتشه أصابه الخبل آخر حياته، وكان يعتقد نفسه المسيح ونابليون وبوذا، وغيرهم من الشخصيات المؤثرة في التاريخ، وأدخل ملجأ للمرضى، إلا أن أسرته أخرجته منها لمنزله، حيث مات بعد ذلك بنحو عشر سنوات.

([21]) جان بول سارتر، الغثيان (رواية)، ترجمة: د. سهيل إدريس، (188).

([22]) الأدق: متروكا.

([23]) الأدق: إمكانية التعلق بشيء. وراجع الأصل الفرنسي: J. P. Sartre , L' Existentialismeest un humansme , 36

([24]) جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحفني، (25).

([25]) JeanLaeroix , L' Atheisme et la contemporaine , 24

([26]) الوجودية مذهب إنساني، (35-36).

([27]) GeorgesMinois , Histoire de L'atheisme , 369 .

([28]) Ibid , 370 .

([29]) يمكن أن نقرأ العديد عن حياة شوبنهاور البائسة وأفكاره وفلسفته التشاؤمية في كتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي: (شوبنهاور)، وإن كان الغريب أن شوبنهاور نفسه لم يستجب لفلسفته في استحسان الانتحار.

([30]) GeorgesMinois , Histoire de L'atheisme , 508 .

([31])  Ibid .

([32]) http://users.drew.edu/~jlenz/whynot.html

([33]) John Gray, Straw Dogs: Thoughts on Humans and Other Animals , (2002).

acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise
viagra online billig viagra apotheek viagra prijs apotheek
generic cialis pro click cialis online discount
coupons for drugs go coupons for cialis
discount card for prescription drugs free prescription cards discount discount prescriptions coupons
prescription drugs coupons cialis coupons free cialis coupons printable
prescription coupon card is-aber.net coupons for prescriptions
prescription coupon card is-aber.net coupons for prescriptions
venlafaxine 37.5 mg read venlafaxine 37.5 mg
buscopan prix blog.myexpensesonline.co.uk buscopan compositum
maps site mpa in n/mm2
januvia 100 mg hinta carp-fishing.nl januvia hinta
cipralex 5mg cipralex absetzen cipralex escitalopram
diflucan djelovanje open diflucan djelovanje
ciprol ciprofloksacin cipromed
tamoxifen dosering open tamoxifen dosering
clamoxyl 125 clamoxyl vidal clamoxyl angine
coupons for prescription medications cialis coupon cialis coupon lilly
discount card for prescription drugs emergent-ventures.com prescription discounts cards
lamivudine acute hepatitis b lamivudine history lamivudine history
oxcarbazepine mylan bilie.org oxcarbazepine mylan
abortion doctor protectedareas.info information on abortion
revia side effects http://naltrexonealcoholismmedication.com/ injections for alcoholics to stop drinking



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة