أدولف هتلر: الطراز الأصيل لتأثير دانينغ وكروجر

سارة عبد الحميد
9/12/2017

أدولف هتلر: الطراز الأصيل لتأثير دانينغ وكروجر

 

بن ديبني (طالب دكتوراه بجامعة ديكين)

14 نوفمبر 2016

ترجمة: سارة عبد الحميد

 

حيثما نُعنى بالأمثلة النموذجية للبروباجاندا، والتلاعب السياسيّ، وجنون العظمة، وهوى السيطرة، فلن يفوتنا بالطبع زعيم حزب العمال الوطنيّ الاشتراكيّ الألمانيّ، وصاحب مخطط الإبادة الجماعية الخبِل "كفاحي"، ومُشعل الشرارة الأولى للحرب العالمية الثانية.. "أدولف هتلر". والحق أنه نموذج صارخ يمكن ابتذاله عادةً عندما نجد أنفسنا مُضطرين إلى أن نبحثَ عن نماذج أنسبَ للتدارس في المناظرات السياسية، لكيلا لا ندع مبررًا لشبهةِ بلوغِنا قُطوفٍ هي في أصلها دانية.

ما زال هتلر وحركته التي شنها يمثلان حتى اليوم نموذجًا أصيلًا لتأثير دانينغ وكروجر. فما هو تأثير دانينغ وكروجر؟

حسنًا، تعرّف موسوعة ويكيبيديا تأثير دانينغ وكروجر كالتالي:

"تأثير دانينغ وكروجر هو انحياز معرفيّ يميلُ فيه أصحابُ القدرات المحدودة إلى الشعور بتفوّق وهميّ، فنجدهم يبالغون في تقدير كفاءاتهم، ويرونها أعلى بكثير مما هي عليه في الواقع. ويعزو كلٌّ من دانينغ وكروجر هذا الانحياز إلى القصور المعرفيّ للأشخاص غير المؤهلين في تلمّس مواطن خَوْرهم وعدم كفاءتهم، وتقييم قدراتهم بدقة. ويخلُص بحثهما إلى أنه قد يبخس أفراد القدرات العالية قدرَ كفاءتهم النسبية، وقد يفترضون خطأً أن المهام التي يؤدونها عفوًا، هي أيضًا يسيرة على الآخرين.

يفترض دانينغ وكروجر أن هذا التأثير هو نتيجة وهمٍ داخليّ يتكوّن في نفوس ذوي القدرات المحدودة، وتصورٍ خارجيّ خاطئ يكوّنه أصحاب القدرات العالية: "ينبع سوء تقدير غير المؤهلين، من فكرةٍ ضالةٍ حول الذات، بينما ينبع سوء تقدير ذوي الكفاءة العالية من فكرةٍ ضالةٍ حول الآخرين."

 بناءً على ما أتى به دانينغ وكروجر، يكشفُ بيان هتلر "كفاحي"، افتقارَ صاحبه التام إلى تبصّرِه في محدوديّته. يسترجع النرجسيّ الواعد هتلر، أيامَه الخالية في المدرسة، ويصوّرُ نزوعَه إلى مجادلة الكِبار رُغم أنه لم يقطع شوطًا يُذكر في تعليمه بعد؛

"يخيّل إليّ أن لباقتي الفطرية التي أتمتع بها الآن، قد بدأ انبلاجها وتبلورها بشكلٍ أو بآخر خلال الجدالات الساخنة التي اعتدت خوضها مع أقراني".

ويشير في الفصل الأول: "لمستُ في نفسي صفات "فُتوّةٍ صغيرٍ"، الذي تعلّم في المدرسة بإحسانٍ ويسرٍ، ولكنه في الواقع وحش يصعب ترويضه".

سيقول لك أيُّ ممتهنٍ للتدريس، أن الطالب المشاغب الفظ لا يميل إلى التعلم "بإحسانٍ ويسرٍ"، وخصوصًا إن كان "فتوّةً صغيرًا": إن كان شيئًا، فلن يخرج عن كونه طفلًا يواجه صعوبةً في التعلم، فيلجأ لذلك إلى عرقلة الجميع؛ لتسكين لوعته.

وبينما وصلنا إلى هذه النقطة.. هل أقدم هتلر على شيءٍ سوى محاولته مجابهة صراعات داخلية لم يستطع في النهاية فعل أي شيءٍ حيالها؟ إن لم تكن هذه أمارةً دامغةً على تأثير دانينغ وكروجر، فيصعبُ إذًا معرفة ماذا تكون.

 إن تعليق هتلر على نزاعاته مع أبيه هو أيضًا أمارة على تأثير دانينغ وكروجر، فقد دوّن قائلًا: "لم تَؤل نزاعاتي الصبيانية مع والدي إلى تقديرِه مواهب ابنه الخِطابية، بما يرتئي له أنها مواهب واعدة مواتية لمجرى حياتي هذا. وهكذا لم يستطع بطبيعةِ الحال أن يستوعب الأفكار الصِبيانية التي ظلت تتاخم رأسي في ذلك الوقت".

ما لا ينبغي إغفاله هنا، هو افتراض هتلر أن أباه "ألويس هتلر" لم يستطع النزول إلى أفكاره الصبيانية التي ملأت رأسَه، وأنه حيث إننا نقرأ "صبيانية"، تروح أذهانُنا إلى معنى "سخيفة" أو "غير ناضجة"، ولكن في الواقع إذا ما كتب هتلر "صبيانيّة"، فإنه يعني بوضوح أنه "عندما كنتُ صبيًّا".

غير أنه كما يروي هتلر: "لقد قضى أبي أمرَ دراستي..

    وإذ يرى أبي شخصيتي بكلّ طلاسمها، وخاصةً فيما يمس مِزاجي، أَجزم بأن الدراسة الكلاسيكية المقررة في لايسيوم، ليست ملائمةً لمواهبي الفطريّة، واعتقد أن المدرسة المهنية تتماشى معي أكثر. رسّخت موهبتي الجليّة في الرسم هذه الفكرة في رأسه، فمن وجهة نظره، إن الرسم باب خرِعٍ وسطَ أبواب الأنشطة المرتكزة بالنمسا."

قبل برهةٍ كان يشكو لنا هتلر من أن أباه لم يفهمه، أما الآن فيخبرنا أن والده يفهمه بالفعل، ولذلك أرسله إلى المدرسة ليحترف الرسم، حيث إن طِباعَه تحول دون قدرته على مناجزةِ ضروب الأفكار المعقدة التي جرجرته نحو موضوع دراسته الجامعيّة. وبقراءة ما بين السطور، سيتبادرُ لنا أن هتلر الأب قد فك طلاسم ابنِه تمامًا بالفعل، ذلك أنه يبدو كما لو أن هتلر يعاني من عقدة نقص تجاه المواد الكلاسيكية.

يتطرّق هتلر في صفحات من نفس الفصل بعدها إلى تطوّر قناعاته السياسية، لا سيما تلك التي: "ولّدت لديّ شعورًا بعشقِ انتمائي إلى وطنٍ ألمانيّ نمساويّ، وشعورًا آخرَ بحنقي الشديد على الدولة النمساوية"..

يقول هتلر: "لم يُلافِ ذهني بعد ذلك هذا النمط في التفكير التاريخيّ الذي ذرأَته داخلي دراسة التاريخ في المدرسة. لقد أصبح تاريخُ العالمِ منبعًا للتفطّن إلى الأحداث التاريخية المعاصرة، هذه هي السياسة، ومن ثمّ، فأنا لن أدرُس السياسة، بل سأدع السياسة تعلّمني".

يمكننا تكوين فكرة عن مدى نباغة هتلر في دراسة التاريخ بالتمعن في توفيقه التام في إعادة كرّته. الذي يتضح هنا هو إيمانه المتعجرف بقدراته، والذي راح في كتابه "كفاحي" يدكّه دكًا، مرارًا وتكرارًا، في أسلوبٍ مكرورٍ رتيبٍ، كما لو كان طفلًا صغيرًا يحاول إقناع غيره بمُرادِه فيلجأ معه إلى أسلوب الإلحاح الخانق. وللحقِ، ربما كان كذلك بالفعل.

بقي هتلر على نفس المنوال في التنازع مع والده، يعضّ على الطريق الذي يرغبُ في خوضه بنواجذِه.. يريدُ هو أن يصبح رسامًا، ويريدُ له أبوه مكانًا باليًا في وظيفةٍ حكومية مملة.

"اتخذتُ خطوةً مبادرة، وأعلنتُ أنني لن أدرس أي شيءٍ آخر..

   أصبح الوضع أكثر توترًا بموقفي هذا، لأجد هذا الكهل وقد عزم على توكيد سلطته الأبوية مهما كلفه الأمر، وذلك ما دفعني إلى اتخاذ موقف الصامت الحذِر، ولكنني وضعت تهديدي تحت التنفيذ. فكرت في أنه بمجرد أن يصبح جليّا لأبي أنني لا أحرز أي تقدم بالمدرسة المهنية، في سرّاءٍ أو ضرّاءِ، فسيجد نفسه مضطرًا إلى السماح لي بأن أتبع طريق سعادتي التي لطالما حلُمتُ به.. لا أعرِف إن كان تدبيري ذلك صحيحًا أم لا. أصبح إخفاقي في التقدم واضحًا تمامًا لعِيان المدرسة بالطبع، فقد رُحتُ أدرس المواد التي تستهويني فحسب، لا سيما تلك التي اعتقدتُ أنها تصبُ بعد ذلك في طريقِ احترافي للرسم، فكل ما بدى لي غير ذي جدوى، أو كل ما لم يخدم نظرتي هذه، أهملته تمامًا. كانت تقارير مدرستي في هذا الوقت دومًا ما بين أفضل ما يرام، وأسوأ ما يرام، بحسب المادة وبمدى فضلها عندي. فيكون مؤهلي في خانةٍ "جيدًا جدًا" أو "ممتازًا"، وفي أخرى "متوسطًا" أو حتى "أقل من المتوسط". كنتُ أفضّلُ إلى حدّ بعيدٍ مادة الجغرافيا، وأكثر منها مادةَ التاريخ، وتصدّرتُ الفصل فيهما.. عندما أعود بالسنين إلى الوراء، وأحاول الحكم على نتائج هذه التجرِبة، أجدُ حقيقتين خطيرتين جدًا، عالقتين بوضوح في ذهني، الأولى هي أنني غدوتُ رجلًا قوميًّا.. والثانية هي أنني تعلمتُ فهمَ المعنى الحقيقي للتاريخ وتفقّهه."

ورُغم تفوقه الباهر واستثنائيته في المدرسة الذَين كتب عنهما هتلر في اعترافه المتواضع هذا، فقد أدرك أن: "المنهج الدراسيّ وأساليب التدريس المتبَعة في المدرسة الإعدادية، كانت بعيدة كل البعد عن مثاليّاتي، وذلك ما جعلني غيرَ مبالٍ بها تمامًا". ولحسن الحظ: "هجم عليّ المرض فجأةً لانتشالي من هذه المعضلة..

خلال أسابيع قليلة، رسمت الأقدار مستقبلي، ووضَعت حدًا للصراع العائليّ الذي طال أمده. تضررت رئتي بشدة، وانتكست حالتها حتى حذَّر الطبيبُ أمي تحذيرًا شديدًا من أن تسمح تحت أي ظرفٍ بأن أتخذَ مهنةً تتطلبُ العمل في مكتب، وأمر بأن أتوقف عن الذهاب إلى المدرسة المهنية لمدة سنة على الأقل. والآن، كل ما كنتُ أتوقُ له بيني وبين نفسي طوال هذا الوقت، وناضلتُ لأجله بإصرارٍ، بات حقيقةً تقريبًا بضربةٍ واحدةٍ".

ثم صفحات كثيرة محشوّة بموضوع نقاش هتلر المفضل (واحزروا ما هو!)، حتى نصل إلى الفصل الثاني، وهناك.. نلقى هتلر في فيينا يحاول دخول مدرسة الفنون..

"والآن.. ها أنا ذا للمرة الثانية أدبُّ على أراضِ هذه المدينة الآسرة، أنتظرُ وقد نفد مخزون صبري سماعَ نتيجة اختبار القبول، بيد أنه ملؤني ثقة وفخر بأنني تجاوزته لا محالة. لقد كان أمرُ نجاحي راسخًا في ذهني إلى الحدّ الذي شعرتُ فيه وكأن نبأ إخفاقي في الاختبار قد نزلَ على رأسي كصاعقةٍ من السماء. الحقيقة المرّة هي أنني رسبت.. عندما تركت قصر هناسن بميدان شيلر بلاتس، كنتُ مُغتمًّا تمامًا؛ لأول مرةٍ طوال شبابي أشعرُ بالغضبِ من نفسي، يبدو لي ما سمعته الآن عن قدراتي ومضةَ برقٍ كشفت بوضوحٍ الثنائية التي ظللتُ تحت تأثيرها لفترةٍ طويلةٍ، ولكنني حتى اليوم لم أستطع تفسير أيًّا ما كانت الأسباب والحيثيات تفسيرًا واضحًا."

بعد أن شجعه عميد أكاديمية الفنون على خوض تجربة الهندسة المعمارية، على ما يبدو كوسيلة لتخفيف وقع الصدمة العميقة التي لعِبت على أوتارِ تفوقه الوهميّ، قرر هتلر أن يصبح مهندسًا معماريّا..

 

"غير أنهُ لم تخلّني وعثاء الطريق. أصبحتُ الآن آسفًا بمرارةٍ على إهمالي السالف وازدرائي لهاتيك المواد التي أعرضتُ عنها في المدرسة المهنية. قبل التحاقي بدورات مدرسة العمارة في الأكاديمية، كان لا بد من أن ألتحق بمدرسة البناء الفنية، بيد أنه كان شرطًا ضروريّا لدخول المدرسة هو وجود شهادة تخرّج من المدرسة الإعدادية، والتي ببساطة لم أحصل عليها. يخيّلُ إليّ أنّ مطاوعةَ حلمي في أن أصبح فنانًا بحسب المعايير البشرية للأشياء، هو خارج حدود الإمكان."

 بناءً على ما أقرّ به هتلر، يتضح أنه هو الذي تولى مهمة تحطيم آماله بنفسه؛ عندما آثر خصومة أبيه بنفس الطريقة التي تخاصم بها مع أساتذته الذين لم يُسايروه في نزعته القومية، رُغم محاولتهم مساعدته. وتولّاها أيضًا؛ عندما رغِب عن دراسة مواد المدرسة التي رسِب فيها قبل أن تستطيب إلى نفسه فرصة ترك المدرسة نهائيًّا؛ لمزاولةِ ما حارب والدَه في سبيله بأسنانه وأظفاره، حتى يخفق في تحصيله في نهاية المطاف. وبغض النظر عن ذلك كله، فإن ما طرق رأسَ هتلر بعد ذلك فأتحفنا به هو:

"انفتحت عيناي خلال هذه الفترة على خطرين اثنين.. اسمين نادرًا ما تراميا إلى مسمعي آنذاك، ولم تكن لديّ فكرة عن مدى هولِ تأثيرهما على حياةِ الشعب الألمانيّ؛ الماركسية واليهودية".

بعبارةٍ أخرى: فإن الماركسيين واليهود هم من يحيلون حياة أي شخصٍ إلى حياةٍ مزريةٍ لعينة، وليس سوء تقديره، أو شُحّ نفسه في التبصّر بتبَعات ذلك.

وبعد اكتفاء هتلر بالاعتراف بأنه رأسُ كلّ مشاكله، نجده وقد راح يواري سوءاته تمامًا، ويشفي غليله باندفاع متهورٍ نحو خصومةٍ دامية للسامية، والتي انتهت إلى جيوش الموت النازية. وكل ما خلُص إليه من فكرة تحمله مسؤولية مشاكله هو:

"إنني ممتن لهذه الحقبة من حياتي؛ فقد تصلب عودي بفضلها، وأقرَضتني الصرامة التي أنا عليها الآن. وأشعر بامتنان أكبر لأنّ حقيقةَ أنني بذلك قد نجَوتُ من خواء الحياة المُترَفة، من أن أكون ابن أمّه المدلل، الذي أُخذ من أحضانٍ ناعمةٍ وألقي فجأة في براثن ضيق العيش، فغدت له هي أمًا بديلةً.. كلُّ ذلك يمَنّيني. ورُغم أنني بعد ذلك تمردتُ ولم أرتضِ بمصير عصيبٍ كهذا، أجدُني شاكرًا له رَميي في عالم البؤس والفقر، لأنني عرَفتُ بذلك فئةَ الناس التي سأناضل لأجلها فيما بعد."

ربما يشير هتلر في حديثه عن صرامتِه إلى نوبةِ الغضب التي صبّها على اليهود والماركسيين، وإلقاء اللوم عليهم في تضافر الإجحاف المؤسسيّ مع قراراته هو السيئة التي غدا من خلفها من النواحي العملية نموذجًا أصيلًا للشر. وفي هذه النقطة تحديدًا، عادةً ما يتم تفادي المقارنة بين هذا النموذج البالي الذي يمثله هتلر ونازيته، والذي لا يستحق كل هذه الهالة التي كوّنها حوله، وبين الدهمانية المعاصرة التي هي أقرب إلى السذاجة والمُسالمة.

رغم ذلك، فإن تطوّر قصة هتلر يفرض علينا أن نطرح مُسلّمين بها سؤالًا: كيف استطاع شخصٌ سفيه غير فاعلٍ في الحياة أن يكنِز كل هذا الكمّ من دعم الناس؟ يزعم فيلهلم رايش، تلميذ سابق لفرويد ومحلل نفسيّ نمساوي، في كتابه "السيكولوجيا الجماعية للفاشية"، أن الكبت الأخلاقيّ لجميع الدوافع الشخصية، المادية منها والوجودية، نحو إثبات الفرد لنفسه وتحقيق إنجازه الذاتيّ.. يحوّل هذا الوعظ بعد ذلك هذه الطاقةَ لتصبّ في خدمة الدولة الشمولية. ويزعم رايش أيضًا فيما يخص الموالين للدولة النازية، أن الصورة النمطية لليهود تقدّم كبش فداءٍ مناسب لتدمير فردانيتهم، وتُناوش منفثًا جيدًا للطاقات المثبِطة.

ويفترض رايش أيضًا أنه بهذا المنحى الذي عُنيت به الهندسة الاجتماعية النازية، وأسلوب الإلهاء الذي اتخذته مع الفلاحين لضمان عدم انقلابهم عليها، استطاع هتلر إيقاف الشعب الألمانيّ بأكمله وراء مشروع عسكريّ ضربَهم جميعًا في مقتلٍ. والذي نعنى به أكثر اليوم، هي رؤية رايش بأن الديناميكيات التي تقودُ آلة الحرب النازية لم تقتصر قط على سياسات ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، ولكنها في المقابل مثال صارخ على الانحرافات النفسية والعاطفية التي تتغلغل أكثر فأكثر في ذاتية البشر الفردية، أي أنه بعبارة أخرى، ثمّ بعض من هتلر داخل كل واحد منا..

كل ذلك محاولات مختلفة لإلباس الزعيم النازي رداءً آخر بعيدًا عن رداءِ البشر، رداءً ينافي تمامًا كل الحيثيات التي تجعل من أحدِهم إنسانًا خالصًا..

لقد خلُص ألمانيٌّ آخر إلى الشيء ذاته. اتخذ إريك فروم، تلميذ يونج، نهجًا أقل ميكانيكيةً في تحليلات السيكولوجيا السلطوية، فافترض في كتاب مثل "الخوف من الحرية" أن سلطة الأنظمة الشمولية تحديدًا هي نابعة من طبع علاقة الارتباط العاطفي بالسلطة والاعتماد عليها، وتعزيز هذه العلاقة في الأذهان، وذلك على الأقل بنفس القدر الذي تنبع فيه من كبت الدوافع المادية للأشخاص. وقد وجد فروم أن العديد من الناس يكونون العلاقة ذاتها مع الدولة وهيئات الكهنوت الدينية، وهي نفسها العلاقة شديدة التعلق التي تكون بينهم وبين أحبابهم.

 

يزعم فروم أن هذه الأنواع من العلاقات السياسية المفرَطة في اعتماديتها ليست مدمرةً لسعادة الناس ورفاهيتهم وقدرتهم على تأدية وظيفتهم الفردانية بفاعلية فحسب، ولكنها أيضًا هادمة لقدرتهم على تأدية وظيفتهم خارج نطاق فردانيتهم، ومن ثمّ.. كلما طال أمد هذه العلاقات، واعتادها الناس حدّ التمرّس، استعصى عليهم التخلي عنها، وبدلًا عن أن يكونوا أفرادًا أشداء، أصحاء، نابضين بالحياةِ، لديهم من القوة التي توقفهم على أقدامهم، نجدُ مراسيل حيواتهم ملؤها كبت وتعصب وتزمت وقسوة، ونجدُ قلوبَهم ملؤها خوف من ظِلالهم إذا ما تبادر إلى أذهانهم فكرة الذهاب إلى كشك لبيع الصحف، ونجدهم يتسمرون برَوع أمام خطر الحرية الحقة. هذه الحرية بالنسبة إلى أتباع الديانات المؤسسية الذين يجسدون أيديولوجيتهم في الاعتمادية المفرَطة على صورةٍ متخيَّلةٍ لأبٍ روحيّ، هي بمثابة رفض أو قدَح يترك في هيكلها صدعًا لا يندمل.

كل ذلك يؤيد حجج رايش، حيث إن الحركة الاشتراكية الوطنية قد وفّرت مأوىً آمنًا لبراعم الدانينغ كروجريين، الذين يستقبلون بحفاوةٍ أثناء ترعرعهم بعضَ انحيازاتٍ معرفية وأوهامِ عظمةِ تفوّقِهم الخادع الذي يقوم على أساس أمورٍ لا يدَ لهم فيها (كألوانهم وأعراقهم).

وكما كتبَ آرثر شوبنهاور:

"كل أحمق بائس لا يملك مطلقًا ما يدفعه إلى التباهي، ويعتبره قومُهُ آخرَ مَدعاةٍ لفخرهم، لن يترفّع عن أن يختلق لجميع أخطائه وحماقاته أعذارًا، ويذبّ عنها بأسنانِه وأظفاره، ومن ثم.. يُخمدُ ذلك الركن في نفسه الذي يصرخ بنقصِه."

لم يعطِ هتلر، السوبرمان= übermenschen الذي نصّب نفسَه ملكًا، انطباعًا ولو لمرةٍ بأنه سويٌّ ومتزنٌ نفسيًّا، فالنزوع لسنوات إلى غزو ألمانيا بالأيديولوجيا النازية، ثم بعدها الزحف نحو غالب أوروبا، لم يفعل شيئًا كي يلفت نظرَه إلى حالته النفسية المضطربة، فضلًا عن علاجها. وحتى لو أن هتلر انتصر في الحرب، وأباد كل يهوديّ وشيوعي في أوروبا، لظل في حالةِ عوزِه إلى أشخاصٍ منحرفةٍ عن معاييرِه يصبُ جامّ حنقه عليهم، كي لا يُضطر إلى الانشغال بمواطن قصوره. ولعل ذلك هو السبب في إتيان النازيين بفكرة "اليهوديّ الأبديّ= Eternal Jew"، ذريعةً لتهرّب الذات الدائم من نواقصها.

إن دلّ ذلك على شيءٍ فهو على مدى تعقّد الشباك التي ننسجها بأنفسنا في بعض الأحيان، وعلى أنه لا أحد معصوم من أن يعلق بها. وما يُحدث فرقًا هنا هو محاولة فعل ما يفكك عُقد هذه الشِباك دون التصرّف خارج الشعور بما يضرّ الناس، فيُسجّل صاحبه بعد ذلك بكتب التاريخ واحدًا من أوغادِه. لا شك أنه كان من الأفضل لهتلر وأتباعه الدانينغ كروجريين أن يُعنوا باضطراباتهم ومشاعرهم الخبيثة بأنفسهم، من أن ينفلت عودهم، ويلقوا في كل صوبٍ بنوبةٍ قومية حانقةٍ حتى اندلاع الحرب العالمية وحروب الهولوكوست.

قد يكون ذلك درسًا قيّمًا خصوصًا للانتخابات الرئاسية الأمريكية.



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة